رواية قناص الغرام الفصل التاسع عشر 19 الاخير بقلم رباب حسين


رواية قناص الغرام الفصل التاسع عشر  بقلم رباب حسين 


رحل، وكأن الحياة أطفأت نورها حين أغمض عينيه للمرة الأخيرة. لم يكن موتُه رحيل جسدٍ فحسب، بل كان انسحاب الروح من كل ما حولي. كنت أظن أن الفقد شعور يُحتمل حتى رأيته أمامي دون نبض. لم أعد أسمع سوى صدى أنفاسي المرهقة ولا أرى في الوجوه إلا غيابه.

رحل حبيبي، لكنه تركني معلقةً بين الأرض والسماء، أتنفس ذكراه وأمشي على خُطاه كمن يبحث عن ظل تبخر مع الفجر، واتمنى سماع كلماته التي كانت تغذي روحي. أخبروني كيف يُمكن للقلب أن يعيش بعد أن دُفن من أحبه؟ وكيف أُقنع نفسي أن النهاية كانت قدرًا لا قسوةً من الحياة؟ ولا بسببي؟!

إنه الغياب الذي لا يُعوض والفقد الذي لا يُنسى. فقد كان هو عوضي والآن رحل. 

هو الغائب الحاضر في كل نبضة في كل دمعة في كل صمتٍ يطوقني حين أذكره.

مات الحبيب لكن الحب لا يموت.

ظلت ندا تمسك به بين بأحضانها ترفض الابتعاد عنه وتأبى أن تتركه، وحاتم يمسك بها ليجذبها بعيدًا عنه وهو يبكي على فراق صديقه وأخيه الذي أهدته الدنيا له بعد فقدان كل عائلته.

حاتم ببكاء: كفاية يا ندا، كفاية حرام عليكي، سيبيه طيب.

جذبها بقوة لتعود وتمسك به مرة أخرى عيناها تفيض بالدمع وصرخت بقوة: لا، مش هسيبه، هو هيرجع يا حاتم، مش هيسيبني، أنا عارفة إنه مش هيسيبني، ما هو وعدني، فارس عمره ما خلف وعده ليا.

ثم عادت النظر له وقالت: يا فارس طيب أرجع بس شوية، قولي بس إنك سامحتني، هموت في كل ثانية وأنا جوايا إحساس إنك مشيت وإنت زعلان مني.... هو أنت خلاص مشيت؟!

نظرت إلى حاتم وكأنها بدأت تستوعب الآن ثم قالت: هو بجد مشي؟!

أمسك حاتم بيديها وقال ببكاء: كفاية يا ندا، قلبي مش مستحمل والله.

نظرت إليه وهي تستوعب ما يحدث ثم صرخت صرخة مدوية وفقدت وعيها، حملها حاتم وأدخلها المنزل واتصل بحازم وأخبره بما حدث وأرسل له العنوان، خرج حاتم إلى سيارة فارس وأخذ السلاح ودفنه خلف سور المنزل ثم أخذ هاتفه وقام بأزالة كل الرسائل بينه وبين فريق العمل وأيضًا كل المواقع المرسلة له حتى يخفي أنه قناص العدالة.

بعد وقت، وصل حازم ومعه عناصر الشرطة ووقف مع حاتم الذي يبكي دون توقف وقال: أنا جيت لقيت فارس واقع كده ورامي أبو العزم.

حازم: هما قتلو بعض؟

حاتم: معرفش، ندا اللي كانت موجودة وهي أغمى عليها ودخلتها جوا.

حازم: طيب نحاول نفوقها عشان نعرف سبب اللي حصل وحصل إزاي.

دخلا معًا وحاول حاتم أن يضع بعض العطر على أنفها حتى استعادت وعيها مرة أخرى، نهضت وجلست على الأريكة ونظرت إلى حاتم وابتسمت وقالت: كويس إنك صحتني، ده أنا حلمت حلم وحش أوي، هو فين فارس؟

نظر لها حاتم ولم يتحمل أكثر فعاد للبكاء ثم نظرت ندا إلى حازم وقالت: مين ده؟

حازم: رائد حازم، تقدري حضرتك تقولي أقوالك دلوقتي؟

وقع نظرها عند الباب ووجدت جسد فارس بالأرض مغطى فبكت مرة أخرى وقالت: قتله، هو اللي قتله، كنا واقفين في الجنينة ودخل ضرب عليه نار، لقيت فارس بيقع قدامي، فا... فا خدت سلاحه وضربته بيه في وقتها.

حازم: هو فارس ماشي بالسلاح على طول؟

حاتم: المكان هنا فاضي بيخاف حد يثبته على الطريق فا بياخده معاه احتياطي.

حازم: اممم، وليه قاعدين هنا وفيه بيت عنده في القاهرة.

حاتم: كانو بيقضوا شهر العسل، ده لسه متجوز جديد.

ظهر الحزن على وجه حازم وقال: قوليلي يا مدام، هو فارس خرج النهاردة؟

نظرت ندا إلى حاتم وفهمت أنه يحاول الربط بين قتل جدها وانتقام رامي فقالت: لا، كنا هنتعشى وبعدين يخرج.

ثم أشارت إلى الطاولة فنظر حازم إلى الطعام وقال: إيه علاقة فارس برامي أبو العزم؟!

حاتم: أعتقد بسبب القبض على رائد، أكيد وصلهم كلام أن فارس هو اللي كشف كل حاجة وكمان كل القواضي اللي على غسان أبو العزم رجعت على الساحة تاني بعد القبض عليه.

حازم: طيب إحنا هناخد الجثتين على المشرحة ولو سمحتي يا مدام ندا تيجي معانا.

ساعدها حاتم ونهضت لتأخذ حقيبتها ثم ذهبو معًا إلى قسم الشرطة وبعد التحقيق قال حازم: تقرير التشريح اللي هيثبت كلام مدام ندا، المفروض إنها تفضل معانا بس أنا عشان فارس الله يرحمه هخليها تروح معاك، بس تفضل في مكان واحد.

حاتم: هاخدها على بيت فارس اللي هنا. 

حازم: تمام. البقاء لله يا مدام، فارس كان ونعم الصديق، الله يرحمه.

كانت ندا تنظر أمامها دون حديث ثم أمسك حاتم يدها وخرج بها من قسم الشرطة وتوجه إلى منزل فارس. 

عندما وصلت تذكرت أول يوم جاءت به مع حاتم لهذا المنزل ولكن فارس لم يعد هنا الآن.

عادت إلى البكاء وهي داخل السيارة فقال حاتم: ليه مقولتيش الحقيقة؟! طالما بتحبيه أوي كده ومش مستحملة فراقه ليه ضحكتي عليه وعلينا كلنا.

ندا ببكاء: عشان أنا كان مضحوك عليا قبلكم. حاتم، هو بجد فارس قتل سالم أبو العزم؟

عقد حاتم حاجبيه وقال: سالم أبو العزم؟! لا طبعًا، سالم اتقتل على أيد سيادة اللوا إبراهيم في أخر عملية تهريب سلاح كان بيقوم بيها، جدك ساعتها عرف يخلع من التهمة وقال في التحقيق إن سالم كان بيتاجر في السلاح من وراه.

ندا بصدمة: هو بابا... بابا كان بيتاجر في السلاح؟!

حاتم: إنتي متعرفيش؟!

أومأت له ندا بالرفض فقال حاتم: فهميني يا ندا إنتي عملتي فينا كده ليه؟

ندا: جدي في يوم قالي إنه عرف مين قتل بابا، قالي إن فارس هو القناص اللي قتله بس مش عارف مين وراه، وعشان يعرف طلب مني إني أبقى نقطة ضعفه عشان أقدر استغله وأعرف أوصل لمكتب التيم بتاعه عشان نوصل للي طلب منه يقتل بابا.

حاتم: ليه عمل ده كله؟! هو عارف كويس إن مش فارس اللي قتله.

ندا: متأكد؟!

حاتم بغضب: يا بنتي أبوكي مات قبل ما سيادة اللوا يموت أصلًا، وفارس معملش أي عمليات قنص غير لما أبوه مات، وبعدين جدك أصلًا اللي قتل أبوه عشان ينتقم منه لموت ابنه وكمان عشان كان بيدور وراه، لو كنتي قولتي لفارس الحقيقة مكنش حصل ده كله، مكنش قتل ناس ظلم، جدك استغل فارس وخلاه يقتل ناس ولبسهم القواضي اللي كانت عليه أصلًا، فهمتي ولا لا؟! 

ندا: لازم أعرف الحقيقة، ولو اللي بتقوله ده حقيقي فحق فارس هيرجع قبل ما يتدفن، فين التيم بتاعكم؟

حاتم: هتعملي إيه؟!

ندا: فيه حاجة واحدة بس غايبة عنكم كلكم، إني ندا أبو العزم، وعيلة أبو العزم مش بتسيب حقها يبات ليلة من غير ما تاخده، أجمع التيم وقولهم يروحو عند بيت غسان أبو العزم وأنا هقابلهم هناك.

نفذ حاتم ما قالته ندا ثم ذهبا معًا وانتظرا حتى جاء الفريق إلى باب المنزل، نزلت ندا من السيارة ووقفت أمام البوابة الخارجية فقام الحرس بفتح الباب لها على الفور ودخلت المنزل بعين دامعة وقلب مكسور ورأس مرفوع بقوة مزيفة وتبعها حاتم وباقي الفريق، نظر الحرس إلى الرجال خلفها في تعجب ثم دخلت المنزل لتجد حسني يجلس في البهو في صدمة بعد أن أعلن وفاة غسان أبو العزم وأخذت الشرطة الجثمان للتشريح وظل جالس منتظرًا عودة رامي.

وجد ندا تدخل المنزل وخلفها عدد من الرجال فوقف مسرعًا وقال في بكاء: شفتي يا ندا، جدك مات، جوزك اللي قتله.

ندا بهدوء: عارفة.

نظر لها في تعجب وقال: عارفة؟!

ندا: واضح يا عمي إنك متعرفش اللي حصل لسه.

حاتم: حازم مرديش يبلغه في نفس اليوم، خاف عليه ياخد صدمتين في يوم واحد.

حسني: مين ده؟! ويقصد إيه؟

ندا: سيبك من مين ده وركز معايا واقعد كده عشان فيه أسئلة كتير في دماغي ومفيش غيرك هيجاوب عليها.

جلس حسني وهو ينظر إلى ندا في تعجب، هو يعلم مدى تعلقها بجدها ولكن لا يبدو عليها أي حزن على وفاته فنظر لها وقال: مالك يا ندا؟

ندا: بابا كان شغال إيه؟

حسني: في... في الشركة.

ندا: خليك صريح معايا يا عمي وبلاش كدب من أولها عشان صدقني مش من مصلحتك.

حسني بارتباك: كان.... كان شغال في السلاح.

ندا: والبوليس قتله في عملية تهريب؟ صح؟

حسني بخجل: أيوة.

ندا: مين اللي قتل حمايا؟

حسني: م... معرفش.

جذبت ندا السلاح من أحد الرجال خلفها ووضعته على رأس حسني لينظر لها في صدمة وهو يفتح عينيه لا يصدق ما يرى فقالت ندا بغضب: المشكلة إن كلكم ضحكتو عليا، والمشكلة الأكبر إنكم نسيتو إني زيكم، من عيلة أبو العزم، يا تقول الحقيقة يا هخليك تحصل باقي العيلة.

حسني بتوتر: أنا.... أنا مليش دعوى، كل ده خطة جدك، أنا أصلًا مكنتش موافق ولا رامي كمان، هو اللي اقترح الفكرة عشان كان عايز فارس يقتل منافسينه في السوق ويبقى هو لوحده ويبلع السوق كله، اشترى صاحبه رائد بالفلوس وخلاه يقنعه إن غانم هو اللي قتل أبوه وبعدين واحدة واحدة بدأ يخلص من القضايا اللي عليه، بس رائد كان طماع بشكل مش طبيعي، وكمان جدك حس إن ممكن يغدر بيه في أي وقت عشان كده فكر يبقى التعامل بينه وبين فارس من غير وسيط بس فارس رفض قتل غندور، حاول يدور على أي حاجة يستغل بيها فارس بس للأسف كان نضيف أوي، مفيش غير عمليات القتل اللي كان بيعملها عشان كده فكر في طريقة يوصل بيها لجوا المكتب بتاعه ويهكر الأجهزة وساعتها يقدر يهدد فارس بالمعلومات اللي عليها ويبقى من رجالته، فا عمل خطة إنك إنتي اللي تدخلي حياته وتوصليه للي هو عايزه.

ندا: صح، فارس كان نضيف أوي، أنا اللي وسخت حياته، أنا السبب في موته، لو كنت فضلت بعيد عنه مكنش ابنك وقف النهاردة وقتله قدام عيني.

وقف حسني في صدمة وقال: هو رامي قتله؟!

اقتربت ندا منه ونظرت داخل عينيه بقوة وقالت: وأنا قتلته.

فتح حسني عينيه في صدمة شلت لسانه فقال متلعثمًا: ق...قت...قتلتي مين؟!

ندا: ابنك، زي ما قتل جوزى قدام عيني، قتلته في ساعتها، والاتنين دلوقتي في المشرحة.

صدمة كادت أن تذهب بعقله حتى قال وهو يضحك ودموعه تنساب على وجهه: لا... لا إنتي بتهزري صح؟!

وضعت ندا السلاح برأسه وقالت: فاضل حاجة واحدة بس، أنا مش هقتلك زيه، بس هتروح تعترف بتجارة السلاح والآثار اللي كنتو بتعملوها إنت وأبوك وأخوك، ولو ده متنفذش الرصاصة الجاية هتبقى في صدرك إنت، وممنوع تجيب سيرة إن فارس هو القناص، وحاجة كمان. 

تجمعت الدموع في عينيها وقالت: من النهاردة أنا مش ندا أبو العزم، أنا ندا مهيب، وهفضل ندا مهيب، عشان ميشرفنيش إني أفضل على اسم العيلة ديه بس يشرفني إني أعيش وأنا اسمي حرم المرحوم فارس إبراهيم سلطان، أخر مرة هطلب اللي طلبته ده براحة، المرة الجاية السلاح هو اللي هيتكلم.

خطت إلى الخلف ووقف حاتم خلفها فنظرت له وقالت: يلا يا حاتم.

ذهبا معًا ولحق بها كل الفريق وخرجت من المنزل تحت صرخات حسني المدوية بالمكان.

لم يجد حسني سبيل أخر سوى الاعتراف خاصةً بعد أن اعترف رائد بكل شيء وذلك بعد أن علم بموت فارس وهذا ما جعله يشعر بحقارة ما فعل به.

بعد خمسة أشهر. 

تقف ندا أمام قبر فارس كعادتها يوميًا كأن حياتها بهذا المكان وليس بالعالم الخارجي، كانت تتحدث معه كعادتها متذكرة حديثه لها بأنه سيظل يشعر بها حتى وهو تحت التراب، كانت تتحدث معه بالساعات ولا تشعر بطول هذا الوقت.

اقترب حاتم منها وجلس بجواره وقال: وبعدين يا ندا، هتفضلي طول عمرك هنا.

ندا: لو ينفع أنام هنا هنام، مش عارفة أعيش من غيره يا حاتم.

حاتم: إنتي مشيلة نفسك ذنب موته، عارفة لو فارس حس إنك عايشة كده هيزعل صح؟

ندا: غصب عني، أنا غشيته وخدعته، أنا قولتله بكرهك، كنت عارفة إنك الكلمة ديه هتوجعه أكتر من الموت وقولتها وأنا قصدي ده، بس مكنتش في وعيي، كنت مصدومة من موت جدي يا حاتم، ودلوقتي نفسي بس اسمع صوته، نفسي اسمع كلمة قمر عيوني منه وأقوله إن هو اللي قمر حياتي كلها ومن غيره هي ضلمة ووحشة أوي.

حاتم: فارس شاف في عينيكي كل معاني الحب وهو بيموت، مشي وهو متأكد إنك بتحبيه. 

ندا: بجد؟!

أومأ لها حاتم وقال: إوعي تصدقي إنك السبب أبدًا، إنتي متعرفيش فارس كان عايش إزاي قبل ما يعرفك، لو قولنا إن فارس كان عايش فهو عاش بيكي إنتي وبس، إنتي اللي رجعتي الأمل في قلبه والضحكة اللي غابت عن وشه، إنتي كنتي ترياق الحياة ليه بعد وفاة والده ووالدته، من يوم ما شفت فارس وكنت دايمًا بحس إنه مش طبيعي، طيب بطريقة غريبة، روحه نقية أوي، كان فاتح دراعته للدنيا وفجأة اتكسر، واتبدل بواحد تاني، ومرجعش فارس اللي أعرفه غير بيكي، الموت قدر ومكتوب وكل واحد ليه ميعاد، سواء إنتي قولتي الحقيقة أو لا، فارس كان هيموت في معاده، فكري فيها من ناحية تانية، إنك رجعتيه للحياة وعرف معنى الحب على إيدكي ولولاكي كان زمانه كده كده ميت، سواء بيتنفس وعايش وسطنا أو هنا تحت التراب، إرجعي لحياتك وعيشي يا ندا عشان فارس يرتاح ويعرف إنك كويسة، ومتنسيش إن فارس الصغير اللي في بطنك ده محتاجك.

نظرت إلى بطنها المنتفخ أمامها ودموعها تنساب على وجهها فأردف حاتم: هو ده اللي محتاجك، هو اللي هيعوضك عن غيابه، ديه الهدية الحقيقية اللي فارس سابهالك وسابهالي، ابن أخويا اللي هيبقى أكتر من ابني.

نظرت له ندا وابتسمت ثم قالت: يارب يبقى شبهه. 

حاتم: هيبقى شبهه.

ثم اتكأت على يديه لتغادر المكان.

رحل، وترك لها كل ما هو حي فيها، صوته في الذاكرة ودفء يده في الحنين وحبًا لا يموت. فقط تغير موطنه... من صدرها إلى السماء💔. 

النهاية

لمتابعه روايات سكيرهوم زورو موقعنا علي التلجرام من هنا

 

غير معرف
غير معرف
تعليقات