![]() |
رواية انتقام الوريثة الفصل الثامن والعشرون بقلم اسماء حميدة
عادت بيلا إلى المكتب بخطوات تنضح بالهدوء المصطنع غير أن في أعماقها عاصفة لا تهدأ كانت أنفاسها متقطعة كمن نجا لتوه من غرق محتم إذ كاد أن يلمحها في الممر ولكنها استترت خلف حاوية الأوراق الضخمة الموجودة بالرواق.
أخذت عيناها تتفقدان المكان كما لو كان يحمل بقايا من أثره أثر سلفادور وما إن فتحت الباب حتى نهضت النادلة تلك التي كانت مجرد دمية صغيرة في يدها على عجل تكاد قدماها لا تحملانها من شدة الارتباك وسارت نحوها بخطوات مضطربة ترتجف قائلة بصوت مرتجف يغلفه توتر شديد
كنت خائفة للغاية يا آنسة تومسون! السيد سلفادور يا إلهي! إنه وسيم على نحو لا يحتمل وسحره غامض كأنما يسرق الأنفاس لقد احمر وجهي حين نظر إلي لا إراديا وكأنني اقترفت ذنبا. هل هل أخطأت
تجمدت بيلا لوهلة قبل أن ترتسم على وجهها ابتسامة متحجرة لا تعرف طريقها إلى العيون وفي داخلها انقبض شيء يشبه الغيرة ولا تملك لها مبررا لكنها خرجت منها برداء من التهذيب المصنوع
بعناية
لا لقد أديت عملك على أكمل وجه.
ثم مدت يدها إلى درج مكتبها وأخرجت ظرفا أبيض سميكا وضعته في يد الفتاة برقة متعمدة.
تفضلي تستحقين هذا.
ارتجفت النادلة وهي تتناول الظرف وحين لمست بأطراف أصابعها حزمة النقود داخله اتسعت عيناها بذهول وقالت بامتنان غامر
شكرا لك سيدتي تومسون!
في تلك اللحظة دخل ستيفن بخطوات محسوبة يحمل في يده أوراقا أنيقة وضعها أمام بيلا قائلا بصوت رسمي هادئ
اتفاقية السرية يا سيدتي أعلم أنك تثقين بالناس لكن حفاظا على مصلحة الجميع من الأفضل أن توقعها.
تناولت بيلا الأوراق ثم رفعت رأسها نحو النادلة بابتسامة تذوب فيها البرودة والتهديد في آن واحد
رجاء لا تفشي أي شيء عما حدث هنا اليوم. إذا تسلل إلى طرف ثالث حرف مما دار بيني وبينك بشأن السيد سلفادور فسأعتبر ذلك خرقا للعقد وستكون هناك عواقب قانونية واضحة.
ابتلعت النادلة ريقها بصعوبة وأومأت مرارا برأسها في ذعر صامت ثم أمسكت القلم ووقعت بتعجل كأنها توقع على
خلاصها وما إن وضعت القلم حتى بدأت تقسم وتتعهد بألا يخرج السر من بين شفتيها مهما كان الثمن قبل أن تنحني احتراما وتغادر المكتب بخطوات متعثرة تغلفها رهبة صادقة.
أما بيلا فظلت واقفة مكانها تنظر إلى الباب المغلق كأنها تحاول إغلاقه على ماضي أرادت أن ينسى لكنها تعلم تماما أن الأبواب لا تخفي ما يسكن القلب.
تناهى إلى أذن بيلا صوت ستيفن وهو يقول بنبرة يغلفها الفضول
أليس جاستن سلفادور قاسيا أعتقد أنه مجرد معمي في الحب! ألا تظنين ذلك يا آنسة بيلا
كانت بيلا غارقة في دوامة أفكارها حين ناداها فانتبهت كمن انتزع من حلم ثقيل ثم ابتسمت ابتسامة متكلفة خالية من الدفء وقالت بصوت ساخر يخفي خلفه وجعا دفينا
بل هو أحمق في العشق يا ستيفن أحمق حد الجنون إنه يحب الآنسة غولد حقا لدرجة أنه يلقي بكرامته تحت قدميها دون أن يرمش له جفن.
ضحك ستيفن بجهل ساذج وقال دون وعي بوقع كلماته
سمعت أن السيد سلفادور كان متزوجا من قبل وأنه كان قاسيا مع طليقته
لكن السيدة جولد استلمت زمام الأمور بعد رحيلها وجنت ثمار ما زرعته تلك المسكينة.
في لحظة تبدل وجه بيلا كما السماء حين تجتاحها العاصفة فارتفع كفها فجأة وهبط على الطاولة بضربة حادة اخترقت سكون المكان وارتسمت في عينيها نظرة باردة حد القتل جعلت الدم يتراجع من وجه ستيفن فتقهقر خطوتين إلى الخلف غير مدرك أنه وطأ أرضا ملغومة بالكلمات ثم تلعثم قائلا في محاولة يائسة لتغيير مجرى الحديث
آوه آنسة بيلا أعذريني أقصد الآن وقد ساءت علاقتك بالسيد سلفادور ماذا تنوين أن تفعلي بعد ذلك
أجابت بيلا بصوت هادئ كبحيرة تخفي تحتها بركانا يغلي
سننتظر.
تجعد جبين ستيفن في دهشة حائرة
ننتظر ماذا ننتظر تحديدا
رفعت بيلا بصرها نحوه وابتسمت تلك الابتسامة التي لا تعرف سوى الحيلة والانتقام وقالت بصوت أشبه بوشوشة أفعى
حين يعجز فريق جولدز عن احتمال الضغط وحين يرسل زيك ليتوسل توضيحا عن مشاكل جودة منتجاته سيحاولون تبرئة أنفسهم حينها فقط سأوجه الضربة القاتلة.
قهقه ستيفن بخفة وهو يغمز لها
بسخرية غير واعية
وهل تظنين أن جاستن سيساعدهم مرة أخرى
قالت بثقة ظاهرها الثبات وباطنها نزف خفي
لا لن يفعل لقد كان أعمى لم ير حقيقة عائلة جولد من قبل أما الآن فقد أزيح الغشاء عن عينيه إنه رجل يحب روزاليند ولا يرى في الوجود سواها. البقية لا تعني له شيئا ما فعله لم يكن بدافع الحب فحسب بل الخوف من أن تسحب عائلة جولد شركته إلى الهاوية جاستن لا يمنح قلبه دون العقل إنه يحسب المكاسب والخسائر بدقة رجل لا يخطئ الموازين.
ثم صمتت لحظة كأنها غاصت في أعماق ذاكرة بعيدة تتنفس وجعها من جديد إذ راودتها صورة قديمة حية كأنها حدثت قبل دقيقة
جاستن معدتي تؤلمني هل يمكنك أن تصب لي كوبا من الماء
جاء صوته باردا كجدار من حجر
لدي أمر عاجل علي إنجازه اطلبي من ويلما أن تساعدك.
تساقطت ابتسامة مكسورة على شفتيها ثم انفجرت ضاحكة ضحكة موجوعة تخالطها دموع ساخنة فاحمرت عيناها الضبابيتان وقالت
بصوت متهدج يقطر كسرة
جاستن أنت وروزاليند خلقتما لبعضكما أنتما الاثنان حقيران بالقدر ذاته.
ثم أطبقت شفتيها بصمت دام كأنها تخشى أن تنزف من الكلمات أكثر مما نزفت من القلب.
حين وصل جاستن سلفادور إلى الفندق خاصة عائلة تومسون كانت السماء تبكي بغزارة كأنها تغسل شيئا من دنس الأرض المطر ينهمر بوحشية على زجاج سيارته والرعد يتدحرج في الأفق مثل زئير وحش مقموع وعندما هم بالرحيل دوى صوت الرعد مجددا كأنه صدى غضبه الداخلي وقد خرج من جوف الغيوم.
كان وجه جاستن جامدا كتمثال من صوان رمادي نحت على عجل بينما تنعكس على عينيه ومضات البرق حتى صار الجو داخل السيارة قاتما كجنازة بلا ميت والهدوء يثقل صدره كصخرة تتدلى من حبل حول قلبه.
مد جاستن يديه إلى صدغيه يفركهما بأطراف أصابعه في محاولة بائسة لإسكات الصداع الذي بدأ ينهش رأسه
لكن الألم بدا كمن يجد متعة في التعمق أكثر.
قطع إيان الصمت
بحذر قائلا
سيدي سلفادور كيف كانت الآنسة تومسون بدا لي أنك في مزاج عكر بعد لقائها
لم يجبه جاستن فواصل إيان كلامه بتردد خفيف وهو يراقب وجه سيده عبر مرآة السيارة
من الغريب أن أراك على هذا الحال لم أرك يوما تعجز عن التعامل مع أحد دائما ما تملك الكلمة الأخيرة والهدوء الرزين. لكن هذه المرة الأمر مختلف أليس كذلك
لم يرد جاستن أيضا غير أن صمته لم يكن فراغا بل ضجيجا داخليا يتناسل كصدى بعيد والصورة القديمة التي عرضها إيان عليه منذ أيام تعبر ذهنه ببطء فتولد لديه شعور غريب إذ لم تكن الفتاة في الصورة تشبه بيلا تومسون التي رآها للتو بالطبع من المحتمل أن البلوغ غيرها جذريا.
تساءل في نفسه وهو يحدق في المطر المتساقط كخيوط من الزجاج المنصهر
هل يعقل أن تكون هي
تغير وجهه قليلا ثم قال بنبرة جافة تخفي خلفها ارتباكا دفينا
إيان أريدك أن تفتح تحقيقا شاملا دقيقا أريد أن أعرف سبب الخلاف
الحقيقي بين آل جولد وآل تومسون وأن تتابع تحركات زيك ووالده في الأيام الأخيرة وأبلغني فورا بما تصل إليه مفهوم
أومأ إيان سريعا بينما ظل جاستن يحدق من نافذة السيارة في العتمة المبللة بينما البرق يضيء وجهه لثوان كاشفا عن اضطراب نادر في ملامحه ثم يعود الظلام ليبتلع كل شيء.
بعد الظهيرة عاد جاستن إلى مقر شركة سلفادور... كانت الليلة طويلة بما يكفي لأن يشيخ التعب في ملامحه سلسلة اجتماعات لا تنتهي ملفات متراكمة تنتظر توقيعه ووجوه تخفي خلف الأقنعة ابتسامات رسمية لا تقل برودا عن الجو في صدره.
وأخيرا أسند ظهره إلى مقعده وأغمض عينيه للحظة طويلة كمن يحاول تذكر طعم الراحة يأخذ نفسا عميقا ومرر أصابعه في شعره.
كان يظن أن كل شيء سيهدأ بعد رحيل آنا... وأن قلبه الذي ظل يتنقل بلا مأوى قد وجد أخيرا مرساه في روزاليند. لكن شيئا ما في داخله كان يكذب هذا الاطمئنان شيء يشبه الوخزة أو
النداء أو ربما... الندم.
