رواية الراتل الفصل الرابع والثلاثون
كل شيء بدا مختلفًا اليوم، حتى الهواء صار ينعش قلبها .
ابتسامتها لم تسقط عن ثغرها منذ الصباح، تدور في أرجاء الشقة تتفقد كل زاويةٍ فيها، الشقة التي كانت مبهجة أكثر من اللازم اليوم، وكأنها تستعد لإستقبال صاحبها الذي طال غيابه .
ثلاث سنوات كانت كافية لإحتراق قلبها شوقًا له ولوجوده، لكن الآن فقط نزلت السكينة على قلبها، وأحاطتها الطمأنينة عند خبر عودته .
انحنت تحمل صغيرتها من الأرض، تضمها نحو صدرها برفقٍ وحنان، سعيدة أنها ستلتقي أخيرًا بوالدها التي لم تره إلا من خلال بعض الصور الفوتوغرافيه .
سمعت صوت بوق سيارة بالأسفل، فانتفضت مرتبكة، واضطربت دقات قلبها، وكأنها ستراه للمرة الأولى .
وضعت الصغيرة على الأريكة، وتوجهت سريعًا نحو الشرفة تستكشف أن كان زوجها قد عاد، أما أن قلبها المشتاق يسبق الأحداث .
بالفعل، وجدته يترجل من السيارة يحمل بيده حقيبة سوداء صغيرة، ركضت نحو المرآة تتأكد من مظهرها العام ورتبت خصلات شعرها الغجرية بأنامل مرتجفة، وما أن سمعت صرير الباب حتى التفتت بسرعة .
دخل زوجها بهيئته الجديدة شعره الحليق وذقنه النامية، لكن المثير للاهتمام أن وجهه بدا منيرًا كالقمر .
أطلقت تنهيدة عميقة عبرت عما بداخلها من ارتياحٍ لوجوده، وركضت نحوه بسرعة، تقفز داخل أحضانه التي استقبلتها بكل رحاب صدر .
أحاطت عنقه بذراعيها تشده إليها، بينما كان هو يضم جسدها الغض إلى صدره بقوةٍ، وكأن الفراق بينهما لم يكن سوى كابوسٍ طويلٍ أنتهى أخيرًا .
لم تستطع كبح دموعها التي سالت فور تسللت إليها رائحته، قبلت كتفه عدة مرات، وهمست بصوتٍ محشرج مرتجف :
_ داوود، وحشتني، وحشتني اوي يا حبيبي
شدد على أحضانها أكثر، وهمس هو في المقابل بجوار أذنها :
_ وحشتيني، ووحشني حضنك
انزعت نفسها من بين ذراعيه عنوة بعدما شعرت بالألم من شدة قبضته عليها، قبل وجنتيها المبللة بالدموع، وما كاد أن يتحدث حتى سمع صوت صغير من الخلف .
ارتجف بدنه والتفت بلهفةٍ يرى الصغيرة وهي تحاول النزول عن الأريكة، هرول نحوها يدفعه الشوق، حتى انتشلها بين ذراعيه محتضنًا إياها بحنانٍ بالغ، يهمس مختنقًا بالعبرات :
_ دهب، يا روح أبوكِ
تأمل ملامحها التي تشبه والدتها، وقبل وجنتها المكتنزة مرارًا تحت نظرات الصغيرة المتعجبة من وجود ذلك الشخص التي تره في الصور كل يوم تقريبًا، بينما تقدمت رحيل منهما تمسد على شعر الصغيرة الذي يشبه خصلات شعرها، وقالت بابتسامةٍ هادئة :
_ شوفت جميلة إزاي
_ شبهك
قالها متأثرًا، وقبل وجنتي الصغيرة التي حاولت التملص من بين يديه متعجبة منه؛ لأنه كان حليق الرأس خلاف الصور، فأسرعت رحيل تأتي بصورة فوتوغرافية لداوود .
رفعت الصورة أمام أعين الصغيرة، تمسد بيدها الأخرى على خصلاتها، وقالت بهدوءٍ :
_ دا بابا يا حبيبي، بس حلق شعره، متخافيش
نظرت "دهب" نحو والدها بترددٍ قبل أن تُطوق عنقه بذراعيها الصغيرتين، فأطلق داوود تنهيدة مرتاحة، يضم الصغيرة إليه وقال بسعادةٍ يوعد ابنته :
_ هعوضك عن كل الأيام اللي مكنتش موجود فيها يا حبيبتي
جلس على الأريكة ولا تزال الصغيرة بين أحضانه، وجلست رحيل جواره تمسد على كتفه، وقالت مبتسمة :
_ حمد الله على سلامتك يا حبيبي، نورت بيتك
_ مقدرتش اروح بيت العيلة قبل ما اشوفكم
قالها بهدوءٍ بعدما مال نحوها مقبلًا رأسها، فابتسمت له ووقفت عن الأريكة تأخذ "دهب" وقالت :
_ هروح احضرلك الأكل على ما تاخد شاور
منعها من أخذ ابنته، وابعد يدها عنها قائلاً بتلهفٍ :
_ سيبيها في حضني شوية
أومأت برأسها، وانحنت تقبل رأسه ورأس الصغيرة، ثم تركتهما متوجهة نحو المطبخ لتعد له وجبة، لكن استوقفها سؤال ابنتها البريئ حين قالت بصوتها الطفولي موجهة الحديث إلى والدها :
_ اتأخرت لية ؟
التفتت إليهما، تتأمل صغيرتها التي لم تستمتع بحنان والدها يومًا، تتعلق برقبة والدها تسأله السؤال المكرر على مسامعها كل يوم، فتقدمت خطوتين تخبره بهدوءٍ :
_ كل يوم تسأل نفس السؤال، بابا اتأخر لية ؟
مسد على خصلات شعر "دهب" بمنتهى الحب، وبرر لها تأخره عليها قائلًا :
_ كان سفر طويل، بس أنا مش هسيبك تاني أبدًا
أومأت الصغيرة ببراءةٍ أثرت قلب والدها، وعادت تحتضنه من جديد تستشعر هذا الحنان التي افتقدته كثيرًا، بينما كانت رحيل تخفي دموعها تأثرًا بما فعلته ابنتها، وتوجهت نحو المطبخ تاركة الصغيرة تتمتع بأحضان والدها يغمرها بحنانه لأول مرة .
***********************************
في منزل آل القاضي، صعد الشباب الدرج في لحظات بعدما سمعوا أصوات تهليل الفتيات وعمتهم .
أسرعت السيدة لقاء نحو إلياس، لم تنتظر أن يصعد كانت تجذبه نحو أحضانها تربت على ظهره، تتساقط العبرات من عينيها سعيدة بخروجهم .
فأسرع حمزة يبعد إلياس عن أحضان عمته، ليحتضنها هو مشتاقًا إليها وإلى حنانها، مسحت دموعها عندما ابتعدت عن عزيز الذي كان في يقف خلفهما، وقالت متأثرة :
_ حمد الله على سلامتكم يا حبايبي
أكملوا الدرج حتى وقف حمزة أمام باب الشقة المفتوح مصعوقًا، ينظر بأعين جاحظة نحو شيء معين اثار قلق إلياس، فتقدم منه يرى ما يمكنه أن يدهش حمزة، ويجعله صامتًا لا ينطق بحرفٍ، وكانت المفاجأة أن كنزي تقف أمامهما ترتدي الزي الشرعي، جلباب أبيض اللون مع خمار من اللون الأزرق .
ارتعشت ابتسامة مندهشة على ثغره، وتقدم بخطى بطيئة منها يهمس :
_ كنزي !!
تبددت الدهشة وحلت محلها السعادة، فانطلقت قدميه تهرول نحوها بلا إرادة، احتضنها بقوةٍ وانتشلها بين ذراعيه تبتعد عن الأرض، وهمس سعيدًا :
_ أحلى مفاجأة في الدنيا
ضحكت بخفةٍ راضية بردةٍ فعله، وربتت على ظهره تشكره على مشاعره اللطيفة التي لمست قلبها .
بينما بالخارج ابتعد إلياس عن شقيقته بعدما استقبلته بحفاوة، وكانت الآن أمام زوجها الذي أصر على رؤيتها أولًا، علا وجيب قلبها، وعيناها لم تنزاح عن عينيه التي كانت تتأملها بشوقٍ، ودون مقدمات كانت تستقر بين ذراعيه، يحتضنها بكل ما يعتمل قلبه من حب واشتياق .
_ ما خلاص أنتَ استحلتها يالا
كان صاحب الجملة هو إلياس الذي جذب عزيز يبعده عن أحضان شقيقته بحدةٍ، دفعه داخل الشقة في إنفعالٍ، ثم أحاط كتف شقيقته متوجهًا إلى الداخل بهدوءٍ.
_ الواد دا هادي كدا لية، أنا كنت قدك جايب جلطة لأبويا
قالها حمزة متعجبًا من هدوء ابنه الذي يجلس إلى جواره بلا حركة، فقال إلياس مندفعًا حتى لا يبدأ حمزة بإفساد تربية الصغير :
_ متربي، وسيبوا متربي بلاش تفسده
نفى حمزة برأسه وحمل الصغير عن الأريكة ينظر في وجهه، قائلًا بضيقٍ :
_ مش عاجبني تربيته، كنت متوقعه هيبقى عيل بلطجي كدا
ذمت كنزي شفتيها، ونزعت ابنها من بين يدي زوجها، وقالت :
_ ابني متربي احسن تربية، واهدى عليه كدا عشان لسة مش واخد عليكم وخايف
أجلست الصغير على قدميها، وضمته إلى صدرها تحاول جعله يعتاد أولًا على وجود والده .
ربتت السيدة لقاء على كتف نغم التي تجلس جوارها، وقالت مبتسمة :
_ صهيب حجز القاعة على فكرة يا عزيز زي ما طلبت منه، ولقى ميعاد فاضي الشهر الجاي
ألقى عزيز نظرة مُحبة على زوجته، وأومأ برأسه قائلًا :
_ اه ما هو قالي، وإن شاء الله هنبدأ نظبط الدنيا من اول الاسبوع الجاي
تحركت عينا السيدة لقاء عليهما بسعادةٍ، ورفعت كفيها تدعو :
_ ربنا يتمملكم على خير يارب
حاولت نغم إزاحة الحرج عنها حين سألت مع علمها بالإجابة :
_ داوود جاي امتى؟
أجاب حمزة وهو يحاول ملاعبة الصغير :
_ كان بيقولي جاي بليل مع مراته
بعد دقيقة من الحديث العشوائي، وقف إلياس عن المقعد مشيرًا نحو شقيقته قائلًا :
_ نغم، تعالي عايزك
ابتعدا عن التجمع العائلي، ودلفا غرفة نغم بشقة عمتها، جلسا على الفراش وقبل أن تسأل نغم كان يتحدث إلياس مباشرةً :
_ متعرفيش حاجة عن مايان؟
أومأت برأسها، وأجابت بهدوءٍ :
_ احنا بقينا أصحاب جدًا، وبنخرج مع بعض على طول
سأل من جديد، لكن كانت نبرته تملئها التلهف لمعرفة أخبارها :
_ هي عاملة اية ؟
_ كويسة الحمد لله
أجابت بذات النبرة الهادئة، ووقع الحزن بقلبها للهفة اخيها وملامحه المترقبة لِمَ ستقول، فسأل بنبرةٍ خافتة، كأنه يخشى الإجابة :
_ ارتبطت؟
ابتلعت نغم ريقها، ونفت برأسها مرارًا، وقالت :
_ لا، بس
صمتت تضم شفتيها بأسف، فأمسك بذراعها يحثها على إكمال الحديث :
_ بس اية؟
لم ترفع رأسها إليه إنما أجابت بتوترٍ دون النظر إليه :
_ في مشروع خطوبة يعني
وقفت عن الفراش، وذهبت نحو خزانة الملابس، أخرجت بعض الأموال وقدمتها له وقالت :
_ هي سايبة الفلوس دي معايا، وقالتلي اديهالك اول ما ترجع، وإن دي الفلوس اللي قدمتلها بيها في الجامعة
كان يراقب الأموال بيدها دون ردة فعل، تنهدت بقوةٍ وجلست جواره تمسد على كتفه المتشنج، وسألته بجدية :
_ أنتَ لسة عايزها ترجعلك؟، لسة بتحبها؟
كان الصمت إجابة ظاهرية، لكن عيناه كانت تفضح الإجابة الكامنة داخل قلبه، فقالت مقترحة :
_ احنا المفروض نخرج بكرا، لو حابب تشوفها هقولك على المكان وأنتَ تيجي
رفع كتفيه بقلة حيلة، وتراقصت الحيرة على محياه، وقال :
_ مش عارف رد فعلها هتكون اية، هي متكلمتش على موضوعنا معاكِ خالص؟
سأل في نهاية حديثه، فأجابت عليه بصدقٍ :
_ لا، أنا مكنتش بحب افتح معاها الموضوع عشان متضايقش وتبعد عني
_ لو عايز رأيي، روح أتكلم معاها، هي لسة موافقتش على العريس
طرحت نغم رأيها لعله يفكر في أقترحها، فلم تجد منه إجابة سوا الصمت، نظراته شاردة، كأنه بدأ يفكر في ذلك جديًا لذا قررت تركه يأخذ وقته كاملًا ليحسم قراره.
***********************************
استقبلت العائلة داوود وزوجته، وابنته إستقبالًا حافلًا، وتجمع الشباب تلك الصغيرة التي لم يرها أحد منهم من قبل.
وقد أصر داوود طوال فترة سجنه على ألا تُحضرها رحيل إلى هذا المكان أبدًا.
كانت تجلس الصغيرة على قدمي والدها، تحدق بعيونٍ متسعة في الوجوه التي تبتسم إليها بفضولٍ، بينما أصابعها الصغيرة تعبث في طرف قميص والدها تبحث عن الأمان بين يديه.
وحين شعر داوود بتوترها صرخ بهم أن يبتعدوا عنها قائلًا :
_ رعبته البت، اقعدوا بقى
تراجعوا على الفور تاركين الصغيرة تسترد هدوئها، عندها تقدم منها "مالك" وأخذ يدها يساعدها في النزول عن قدم والدها.
وحين انتبه داوود لفعلته حجز جسد ابنته بذراعه، ونظر بحدةٍ إلى "مالك" قائلًا :
_ طب استأذن حتى، دا أنتَ بجح زي ابوك
دافعت رحيل عن مالك، وسلمته ابنتها برحابة صدر قائلة :
_ دا المحترم بتاعنا دا، متقلقش منه، خاف عليه من بنتك والله
سأل داوود عما تفعله ابنته في ذلك المسكين كما تدعي، فأشارت بعينها عليهما وضمت أصابعها ببعضها علامة الصبر، وقالت :
_ هتشوف
بدأ الأطفال يلهون كما هو المعتاد، بينما بدأت النقاشات من جديد بين الجميع عن استئناف العمل بشركتهم.
بينما لاحظ حمزة أن دهب تدفع ابنه من أمامها بحدةٍ وعصبية، وصرخت به تلقي الدمية من يدها على الأرض .
نكز حمزة ذراع داوود، وأشار على دهب التي أحمر وجهها غاضبة :
_ بنتك عصبية اوي
التفت داوود نحو دهب، وارتسم على ثغره ابتسامة هادئة، وقال :
_ دا كويس انها طلعت عصبية بس بعد اللي امها شافته طول فترة الحمل، كنت فاكر هتطلع مجنونة
ضربت رحيل كتفه معاتبة، فتعالت ضحكته متذكرًا كل ما مروا به طوال تلك الفترة، وكم عانت زوجته المشاكل أكثر من أعراض الحمل نفسها.
انتبه داوود إلى صهيب الذي يدخل من الشرفة، بعدما انهى مكالمة هاتفية، نادى عليه، والتفت إليه صهيب مستفسرًا، ليقول داوود :
_ صهيب، عايزك معانا بكرا في الشركة
رمق الشباب بنظراتٍ حادة، ورفع سبابته محذرًا وقال :
_ عايزين نقدر نرجع سمعة الشركة تاني بعد اللي حصل
اتفق الجميع على بداية مباشرة العمل، لاسترداد مكانتهم في سوق العمل، وحينها تعالى صوت آذان العشاء، فتنهد داوود ونظر نحو زوجته قائلة :
_ العشا، أنا هنزل أصلي في المسجد
ابتهج وجهها، وربتت على كتفه بحنانٍ بالغ ينبع من فرحتها بإلتزامه، كانت الفرح تظهر على عينيها اللامعتين بوميض مُبتهج.
لم تصدق أذنيها ما يسرده عليها من قصةٍ عن إلتزامه بالصلاة، وحفظه للقرآن الكريم.
كانت بالطبع مفاجأة سارة لها، لم تكن تصدق ذلك إلا عندما رأته بعينيها وهو يصلي فريضته.
ازدادت ابتسامتها حين وقف مستعدًا للذهاب إلى المسجد، وقالت بسعادةٍ :
_ ماشي يا حبيبي، ربنا يتقبل منك
***********************************
جلست نغم في المكان التي اعتادت ارتياده مع مايان، تأففت بضجرٍ تنظر في ساعة يدها بين الدقيقة والأخرى.
عندما همت بالإتصال بها، وجدتها تدلف من الباب على عجلٍ من أمرها، وقفت تستقبلها بالقبلات وهي تسأل بغيظٍ :
_ اتأخرتِ لية يا بنتي؟
ربتت على كتفها معتذرة، وجلست على المقعد المقابل لها، تقول بهدوءٍ تعدل من خصلات شعرها التي أصبحت ناعمة الملمس إلى حد كبير :
_ معلش يا حبيبتي، عمر اخدني اشوف السوبرماركت اللي عايز يشتريه
أخذت نغم الهاتف، وكتبت سريعًا رسالة قصيرة إلى شقيقها، وسألت :
_ ها، وعجبكم؟
أومأت برأسها وأجابت :
_ اه خلاص هيتفق مع الراجل
تركت نغم الهاتف جانبًا، وتقدمت تستند بمرفقيها على الطاولة، تدقق النظر إلى تعابير وجهها تراقب تأثير سؤالها القادم عليها :
_ عملتِ اية مع العريس؟
تنهدت مايان تنهيدة عميقة خرجت بكل ما يعتمل صدرها من ضيقٍ، وفسرت لها ما حدث البارحة :
_ عمر حدد معاه يجي بكرا، وحطني قدام الأمر الواقع
ضيقت نغم عينيها عليها، وعادت متسائلة :
_ طب وأنتِ رأيك اية؟
وضعت مايان يدها على عنقها، كأنها تستشعر ذلك الحبل الذي يحيط بها ويخنقها ببطءٍ شديد، ثم قالت :
_ مخنوقة، حاسة إني مش قادرة اعمل كدا بجد
_ وانا كمان رأيي بلاش تعملي كدا فينا
انتفضت على صوته الذي يأتي من جوار أذنها، التفتت وتعتقد أنها جُنت ولن يكن موجودًا، لكنها صعقت حين وجدته ينحني نحوها مستندًا على ظهر مقعدها.
ارتجف قلبها بين جنبات صدرها، تنظر إلى وجهه الوسيم التي اشتاقت إليه بأعين متسعة، مصدومة بوجوده الغير متوقع.
بين صدمتها، وقفت نغم تأخذ حقيبتها مستعدة للرحيل وقالت معتذرة :
_ أنا آسفة يا مايونة، بس لازم تتكلموا مع بعض
وحين لم تجد أي ردة فعلها، أقتربت منها تقبل وجنتها واردفت آسفة :
_ متزعليش مني
ظلت تحدق به بأعين جاحظة، فتحرك يجلس أمامها، وقال :
_ يهون عليكِ حبنا، وتكونِ مع غيري
عندما أنتهى من جملته كانت نظرتها توحي بما يعتمل قلبها، فمازحها هو حين قال :
_ متبرقيليش، مبخافش على فكرة
لم يلقى منها ردة فعل، استندت بظهرها إلى الخلف تنظر إليه بهدوءٍ لا يليق بارتجافتها الواضحة، ما كان منه إلا أن اقتبس جملة من أحدى الأغاني التي تعبر عن حاله قائلًا :
_ وحشتيني، سنين بُعدك على عيني
تراقص الاستهزاء بمقلتيه، وسخرت قائلة :
_ حمد الله على سلامتك
_ عارف إنك زعلانة مني، ودا حقك بس لازم تسمعيني
قالها بنبرةٍ راجية، ود لو تعرف كم عانى في بعدها، لكنها لم تهتم بحديثه، بل وقفت عن المقعد تأخذ الحقيبة قائلة بكلماتٍ مقتضبة :
_ سمعت اللي يكفيني، بعد إذنك
أمسك بكفها المرتجف يمنعها من الرحيل، وهمس بصدقٍ يتلألأ بعينيه :
_ مايان، أنا بحبك
حاولت سحب يدها عنوة، وقالت بنبرةٍ مختنقة :
_ مكنتش عملت فينا كدا
لم يترك يدها إنما وقف أمامها، ورفع كفها يلثمه معتذرًا، وقال :
_ مش بايدي، لو بس تسمعي
تنهد بعمقٍ، وشدد أكثر على يدها بكل تملك، وقال :
_ لا أنا هقدر اكون مع غيرك ولا أنتِ هتكونِ مع غيري
كانت نهاية جملته تهديدية أكثر من جملة تعبيرية لوضعهما، فابتسمت بسخرية، وسحبت يدها منه تقول بثقةٍ واهية :
_ لا، هبقى مع غيرك، متقلقش
اقترب برأسه نحوها، وهمس بشراسةٍ تليق بعينيه اللامعتين بوميض قوي :
_ ودا مش هيحصل
لمعت الدموع في عينيها، ولوحت بكفيها تشرح له كيف كان موقفها في ذلك الوقت، وكيف انهدمت احلامها على رأسها بشكلٍ مفزع :
_ مش هتجبرني اكون معاك يا إلياس، أنتَ لو كنت صادق معايا من الأول أنا أول واحدة كنت وقفت جنبك، بس إني اتفاجأ أن خطيبي اتقبض عليه بتهمة زي دي، لا يمكن اتقبل الموضوع دا ولا استوعبه.
أشار بيده نحو المقعد، وقال مُصرًا :
_ اسمعي الأول، لو كلامي معجبكيش كأنك مسمعتهوش
نظرت إليه مترددة، لكنها استسلمت تحت نظراته الراجية وجلست على المقعد من جديد، تنتظر ما يمكنه قوله لتبرير ما فعله بحقها.
ابتلعت ريقها بقلقٍ حين تحولت ملامحه إلى الجدية، وبدأ يسترسل الحديث عن الأمر منذ البداية، منذ وفاة والده الذي كان سببًا في إقحامه في هذا الأمر.
ختم حديثه بجملة تعبر عما يكنه لها داخل قلبه، سلط أنظاره عليها يستشف ما مدى تأثير حديثه عليها.
لم يظهر عليها أي ردة فعل، كانت ثابتة تنظر في كل شيء ماعدا عيناه، فمد يده كي يلامس يدها، فابعدت يدها عنه متراجعة إلى الخلف.
تنهد بقوةٍ وتراجع يستند على ظهر المقعد، قائلًا :
_ قولي حاجة متسكتيش
استمر صمتها، فضم شفتيه بضيقٍ، وقال محددًا موعد اللقاء القادم :
_ طيب هسيبك تفكري براحتك، ميعادنا يوم فرح نغم
وقف عن المقعد، وأشار نحو باب المكان وقال :
_ قومي اوصلك
وقفت وأخذت حقيبتها تضعها على كتفها، وخرجت كلمتين فقط منها بعد كل هذا الصمت :
_ هركب تاكسي
خطت بهدوءٍ وحذر نحو الخارج، وذهب خلفها حتى وصلا أمام الطريق العام، وقتها طلب منها إلياس دون مقدمات :
_ بلاش تشوفيه يا مايان
فطنت أنه يتحدث عن الشاب الذي تقدم لخطبتها، لم تعطيه أي إجابة بل أشارت إلى سيارة الأجرة القادمة.
راقب صعودها السيارة بآسى، كان يعتقد أنها ستتفهم الأمر وتعود علاقتهما لِمَ كانت عليه سابقًا، لكنها لم تعطيه أي ردة فعل تطمئنه أنها لازالت تحبه، أو تريده.
زفر غاضبًا من نفسه أولًا، ثم منها وذهب نحو السيارة ليذهب خلفها، ليطمئن أنها وصلت على خير وسلامة.
**********************************
_ لا مش هطلع، أطلعي أنتِ أنا مش طايقاه يا ستي، شوفلنا مورد غيره
كانت هذه رحيل التي تتحدث منفعلة موجهة الحديث إلى كنزي، فتأففت كنزي بضيقٍ وبررت بقلة حيلة لعدم توافر شخص قد وثقت بالمعاملة معه :
_ يا بنتي مانا شوفت على يدك، وكان معاملتهم وحشة، هو الوحيد اللي معاملته حلوة
نفت رحيل برأسها، ولوحت بيدها بعنفٍ مغتاظة :
_ في مليون واحد احسن منه، وعايز يشتغل
رفعت كنزي كتفيها كدليلٍ على حيرتها، وقالت متعجلة :
_ دا الموجود دلوقتي يا رحيل، وانا معايا زبونة بتعمل صبغة
رفعت رحيل سبابتها محذرة، وقالت بحدةٍ :
_ بس دا اخر تعامل ما بينا وبينه يا كنزي
أومأت كنزي تؤيد قرارها، وأشارت نحو الباب قائلة :
_ حاضر، بس يلا هاتي الحاجة
أخذت رحيل نفسًا عميقًا، وأمسكت بكف الصغيرة لكي تخرج، كانت داخلها تدعو أن ينتهى هذا الأمر في أسرع وقت ممكن.
وقفت أمام السيارة المحملة بالبضائع، فنزل ذلك الشاب من السيارة يقف أمامها مبتهجًا، ابتسامته تتسع ببطء، وقال :
_ ازيك يا مدام رحيل، عاملة اية
أومأت برأسها، بابتسامةٍ مقتضبة دون رد، فنظر نحو الصغيرة يداعب خصلات شعرها الغجرية، وسأل :
_ دي بنتك ؟
قرص وجنتي الصغيرة بخفةٍ، وعاد متسائلًا ملاطف لخوف الطفلة :
_ اسمك اية يا حلوة ؟
ردت رحيل بدلًا عن ابنتها التي تخشى الحديث مع الغرباء :
_ اسمها دهب
قبل الشاب رأس "دهب"، ثم استقام بوقفته وقال بنبرةٍ ذات مغزى تثير ضيق وإشمئزاز رحيل :
_ قمر، شبه مامتها
انتفضت رحيل مفزوعة حين سمعت صوت زوجها الذي جاء من العدم، يردد بنبرةٍ حادة، يغلبها الغضب :
_ الباشا مين؟
ابتلعت ريقها بوجلٍ، والتفتت تنظر نحو داوود الذي يقف خلفها، وقالت بابتسامةٍ مرتجفة :
_ اية المفاجأة الحلوة دي يا داوود
لم تلين نظراته نحوها بل زادت حدة حين تجاهلت سؤاله، فأقتربت منه أكثر وأشارت بارتباكٍ نحو الشاب قائلة :
_ دا المورد، جايب حاجات ناقصة السنتر
ضم داوود شفتيه يكبح كلمات نابية قد تخرج منه، وأشار بعينه نحو الداخل في إشارة صامتة بدخولها.
جذبت ابنتها برفقٍ، وتوجهت نحو الداخل في هدوءٍ باطنه خوف من القادم.
رفع داوود كمي قميصه إلى المرفق، مستعدًا أن ينشب معركة ضارية يكون فيها الفائز لا محالة، وضع كفه على كتف الآخر، وقال بلطفٍ لا يليق بهيئته الغاضبة :
_ وقعت مع الشخص الصح
قبض على تلابيب قميصه وقربه نحوه بعنفٍ، واردف ساخرًا :
_ تعالى يا قمر
كان من نصيبه لكمة قوية بوجهه، والتالي كانت لكمة في بطنها، كانت سببًا في سقوطه على ركبتيه متأوهًا.
أمسك داوود بذقنه يضغط عليها بحدةٍ، ورفع رأسه إليه، قائلًا بتحذيرٍ وتهديد صريح :
_ لو شوفت وشك هنا تاني، هدمدم عضمك، وهخليهم يوردوا لمحلات أكل الكلاب
لملم الشاب شتات نفسه، وأسرع صديقه نحوه يساعده في صعود السيارة، وعلى الفور بدأ بالقيادة مغادرًا المكان كله.
بينما أخرج داوود هاتفه، ليخبر زوجته بالخروج له على الفور، أستجابت له رحيل، وخرجت تحمل الصغيرة لعلها تكون سببًا في هدوء والدها.
وقفت أمامه، وارتسمت ابتسامة بسيطة على ثغرها، وقالت تنهي نقاش كاد يبدأ :
_ والله كانت اخر مرة هيجي هنا، أنا قولت لكنزي تلغي الشغل معاه
دس يده بجيبه، وسأل بحاجب مرفوع :
_ يعني ضايقك قبل كدا؟
نفت برأسها، وكذبت بذلك الأمر قائلة :
_ لا، بس أنا مكنتش حابه وجوده
حمل ابنته، يضمها إلى صدره بحنان، أشار بعينه لتتحرك نحو السيارة قائلًا :
_ ملكيش دعوة بالحوار دا بعد كدا، انا ملزم بيه
فتح لها باب السيارة لتجلس، بينما توجه مع ابنته إلى مقعد السائق.
أغلق الباب، ولف عليهما حزام الأمان، قبل رأس ابنته وقال مبتسمًا، وقد انمحى غضبه وكانه لم يكن موجودًا :
_ هنروح نجيب فستانك وفستان دهب، وناخدها نفسحها شوية
ربتت على كتفه ممتنة وجوده، وقد عاد لها الحياة كما كانت بالسابق، دون كان الأمر أكثر صعوبة، كان الحياة رمادية لا تعطيها بريق ولا لون مختلف، الآن وجوده جلب السعادة، وأضاءت الدنيا في عينيها بذلك البريق الذي اختفى عنها، مالت نحوه تقبل وجنته بعمقٍ، وقالت بنبرةٍ يغمرها السعادة :
_ ربنا يخليك لينا يا حبيبي
