رواية أوراق الماضي الفصل الثالث 3 بقلم شهد محمد

 

 

رواية أوراق الماضي الفصل الثالث بقلم شهد محمد

تاني يوم، كانت عائشة قاعدة في أوضتها، والصندوق الخشبي مفتوح قدامها.
الأوراق اللي فيه، لكنها كانت بتحمل ريحة "ماما ".

في آخر ورقة، كان مكتوب بخط صغير ومهزوز:

"لو وصلتِ للنقطة دي يا عائشة، يبقى الوقت جه تعرفي الحقيقة..."

قلب عائشة بدأ يدق بسرعة.
سابت الورقة الأولى، وطلعت ورقة تانية كانت متنية جوّا مظروف أبيض مكتوب عليه:
"عن والدك."

فتحت المظروف بإيد مرتعشة، والكلمات اللي جوّاه كانت قليلة، لكنها قلبت الدنيا كلها:

"والدك ما سابناش يا عائشة، هو ضحّى علشان يحمينا.
كان عليه ديون كبيرة بسبب مشروعه، ولما الناس هددتنا بيكي،
قرر يختفي ويخلي الكل يفتكر إنه هرب…
لكنه كان بيبعتلي رسائل من بعيد لحد آخر يوم في عمري."

تجمدت عائشة في مكانها، والدموع نزلت على خدّها وهي بتهمس:

"يعني بابا ما كانش أناني؟ ما سابناش؟!"

وفي اللحظة دي، الباب خبط.
قامت تمسح دموعها، ولما فتحت، لقت تميم واقف ومعاه راجل كبير في السن، ملامحه باهتة لكنها مألوفة.

قال بصوت مبحوح لكنه مليان حنية وخوف:

"عائشة؟"

تجمدت مكانها وقالت وهي بتشهق:

"بابا؟!"

اتكلم تميم بهدوء:

"قابلته في الإسكندرية. كان عايش هناك باسم تاني.
لما عرف إنك بتدوري على الحقيقة، قرر يرجع."

انهارت عائشة في حضن والدها وهي بتبكي:

"ليه ما جيتش قبل كده؟!"

رد الأب، وعينه مدمعة:

"كنت خايف تكرهوني، كنت خايف من نظرتك يا بنتي…
بس دلوقتي فهمت إن الهروب مش بيحمي، الغفران هو اللي بينقذ."

ضمّته عائشة أكتر وقالت بصوت مليان وجع وحنين:

"ماما كانت عارفة كل ده… كانت بتستنانا نتصالح."

رفع الأب راسه وقال:

"عرفت من رسائلها إنها كانت بتحبني رغم كل اللي حصل.
هعيش باقي عمري أحاول أعوضكم عن الغياب."

مرت شهور بعدها، والبيت اللي كان مليان حزن بقى مليان حياة.
بدأت عائشة تكتب مذكراتها هي كمان، وقررت تسميها:

"حين تركتني أمي… لأجد نفسي."

وفي آخر صفحة كتبت:

"تعلمت إن الغياب مش دايمًا نهاية،
وإن في كل وجع رسالة،
وإن الحب الحقيقي بيعيش حتى بعد الموت.
ماما، رسائلك رجّعت لقلبي النور."

---

بعد فترة، كانت عائشة قاعدة على البحر في نفس المكان اللي كانت أمها بتحبه.
النسمة الباردة لامست وشها، والدفتر القديم في إيدها.
خلصت آخر صفحة من يوميات "ريم".

الكلمات الأخيرة كانت بتقول:

"لو يوم بعدي حسّيتي إن الدنيا وقفت، بصّي للسماء يا عائشة،
وتذكّري إن الغياب مش نهاية، الغياب أوقات بيكون طريق لبداية جديدة."

دمعت عائشة، لكن لأول مرة دموعها ما كانتش ضعف… كانت ارتياح.
اتنفست بعمق، كأنها بتودّع وجع السنين اللي فاتت.

وسمعت صوت وراها:

"لسه بتقرأي في اليوميات؟"

التفتت بسرعة، ولقت تميم واقف بابتسامة خفيفة، ماسك وردة صغيرة،
نفس نوع الوردة اللي كانت "ريم" بتحبها.

قال لها وهو بيقرب:

"فاكرة أول مرة جبتلك منها؟ كنتِ زعلانة ومش راضية تتكلمي."

ضحكت وقالت:
"فاكرة… بس المرة دي مش زعلانة."

جلس جنبها وقال بهدوء:

"عرفت خلاص إنك قوية من غير ما تهربي، صح؟"

هزّت راسها وقالت:

"قويّة، ومتصالحة…
ماما علّمتني حتى وهي مش هنا إن الحب مش تمسّك، الحب سلام.
لو بنحب حد بجد، نسيبه يعيش جوه قلوبنا، مش بس جنبنا."

ابتسم تميم وقال:

"ريم كانت ست عظيمة."

ردت وهي تبص للبحر:

"أعظم من كده كمان… علمتني أعيش."

سكتوا شوية، والدنيا حواليهم بدأت تلمع بلون الغروب.
قامت عائشة وفتحت الصندوق الخشبي آخر مرة.
طلعت منه الوردة الجافة اللي لسه محتفظة بريحتها،
ورمتها في الموج وقالت بصوت واثق:

"ودي ليكِ يا ماما… بس المرة دي، الوجع خلاص راح."

ابتسم تميم ومدّ إيده ليها وقال:

"جاهزة نبدأ صفحة جديدة؟"

ابتسمت هي كمان، وشبكت إيدها في إيده وقالت:

"جاهزة… الحياة لسه فيها فصول كتير مستنياني."

ومشيوا سوا، والخطوات بتسيب أثرها على الرمل،
لكن الموج كان بيجي ويمسحها بهدوء،
كأنه بيقول:

"النهايات الحقيقية هي اللي تعلّمنا نبتدي من جديد، من جوّانا."

انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
تعليقات