رواية الشبح العاشق الجزء الثالث الفصل الرابع 4 بقلم رباب حسين


رواية الشبح العاشق الجزء الثالث الفصل الرابع بقلم رباب حسين


لم تكن الطفلة تعلم معنى ما يُنسج من حولها.... اصبحت تجلس في زاوية البيت ككاميرة مراقبة تنظر إلى تلك المرآة فقط دون حديث وعيونها واسعة كبحرٍ صامت وشعرها منسدل كليلٍ لم يعرف الفجر..... لم تكن تلك التعويذة كلماتًا تُفهم بل نبضٌ بارد دخل في شرايينها وخرج منها شيئًا لم يكن لها.... يدمر عالمها وما حولها دون أن تشعر.... تهدم البيت الذي تشبعت جدرانه بعشق أبويها.... شهد على تحدياتهما ووقفهما معًا يدًا بيد ليستمر هذا الحب.... وها هي ثمرة هذا الحب تدمر كل شئ رغمًا عنها....

صارت ضحكتها مخيفة ونبرتها حادة وكأن الهواء الذي تتنفسه أصبح ناقلاً لصدىٍ أخر.... لهيب يحرق هذا العش الجميل.... عندما تمشي في ممر المنزل يلتفت الأبُ بإرهاق ليبتسم بلا سبب..... عندما تغرّد بلا معنى على الطاولة.... تلتفت الأم وتلامس يدها كأنها تُذكر بشيءٍ جميل نسته.... ولكن لم تعد هي هذه البريئة التي رُبيت على يديهما..... فقط تغيرت تلك الهفوات الصغيرة في الروتين.... تلك اللمحات العابرة التي تشق طريقها إلى القلب دون إنذار..... أصابهم البرود والحزن خيم عليهم.... هل ينقذ الرابط ما تبقى أم ينتهي كل شئ؟....

كان خروجها من مكتبه بمثابة طعنةً له.... لم يكن ليتخيل أن يقف في هذا الموقف يومًا ما..... هو يثق بها.... هو لا يثق إلا بها.... يعلم نقاء قلبها وروحها أكثر من أي شخصٍ أخر.... يعلم أن عليه مسئولية ويجب التحري ليس له بل لهؤلاء الأرواح المتعلقة بين يديه..... أما هي فخان ثقتها.... كيف يصدق هذه الفتاة عنها وهو يعلم أنها لن تكذب قط؟.... أنها تعترف بكل أخطاءها بل وتتحمل مسئولية هذا الخطأ.... تركت المشفى وذهبت إلى المنزل.... أما جنة فأصبحت نظراتها لزملائها أكثر رعبًا.... فإذا اقتربت لتجلس بالقرب منهم لاحظو نظرتها الباردة وابتسامتها المخفية فابتعدو على الفور وبدأت الهمهمة من بعيد حتى سمع مالوس بحديثهم عنها

رينادا : أنا خايفة منها أوي

نورا : حاسة أنها شبه العفريت.... أنا شفت قطة بليل عينيها بتلمع أوي زيها كده وماما قالتلي إن جواها عفريت

سيلا : أيوة ماما بتقولي كده كمان

رينادا : أنا بفكر أقول لبابا عشان ينقلها من الكلاس بتاعنا

سيلا : تيجو كلنا نعمل كده ساعتها المدرسة ممكن توافق

نظرن إليها فوجدنها تنظر إليهن وكأنها تسمع لهن فشعرن بالخوف أكثر حتى نظرت جنة إلى رينادا في تركيز شديد مما جعلها تركز على أعين جنة أكثر وفجأة تركت سيلا ونورا ودخلت إلى المبنى فنظرا لها في تعجب ثم نظرا إلى جنة التي نظرت أمامها في صمت وكأنها تركز بنظرها على شئٍ ما..... صعدت رينادا الدرج وظلت تصعد حتى وصلت إلى سطح المبنى فوجدت باب السطح مغلق فأمسكت أحد الكراسي وظلت تطرق بالباب بقوة حتى انكسر ودخلت السطح ووقفت على السور وبدأ الطلاب يلاحظون وقوفها بالأعلى وعلت الأصوات من كل جانب وصراخ الأطفال ثم ألقت رينادا بنفسها وسقطت بالأرض أمام الطلاب اللذين يصرخون في ذعر وخوف عدا جنة التي ما أن وقعت رينادا أمسكت بطعامها واستأنفت تناوله.... لاحظت سيلا ونورا الأمر وركضا من أمامها..... كانت ليان تجلس في المنزل حزينة حتى جاءها اتصال هاتفي من المدرسة يطلب منها أن تأتي باكرًا لتأخذ جنة من المدرسة بسبب انتحار بعض الطلبات ووجود الشرطة بالمكان.... وقفت ليان في ذعر وقالت : يعني إيه بنت انتحرت في السن ده؟!

المعلمة باكية : منعرفش إزاي ده حصل..... لو سمحتي تعالي خدي البنت

بدلت ليان ثيابها سريعًا وذهبت إلى المدرسة.... توقعت ليان أن تجد جنة منهارة من هول الموقف ولكن تفاجأت بأنها الوحيدة التي تجلس في هدوء دون أن تعبء بما يحدث.... اقتربت منها واحتضنتها لتشعر جنة من داخلها بأن روحها تبكي..... تشعر بأنها حبيسة داخل جسدها.... مسلوبة الرأي والأمر.... تريد أن تخرج من هذا السجن التي دخلت به دون أن تعلم كيف ومن يتحكم بها وكيف توقف ما يحدث..... كانت تصرخ من الداخل بقوة.... صرخة تهز كيانها..... ابتعدت عنها ليان لتنظر إلى جليد عينيها في تعجب ثم نظرت نحو جسد الفتاة لتجد شبحها الطاهر يقف أمامها فنظرت له ليان وتذكرت جنة.... تلك الشبح البرئ التي ضحت بنفسها لتساعد بنوفيل فنظرت لها وقالت : فيه حد كان بيحركني..... في صوت كان بيرن في ودني اتحكم فيا وفي جسمي وخلاني اطلع فوق ورميت نفسي..... شوفي مين عمل كده ومين الراجل اللي كان بيتحكم فيا

ابتسمت لها رينادا وتبخرت من أمامها.... كأي شبح طاهر يبقى قليلًا دون ضغينة ويرحل في هدوء.... رغبت فقط بأن تظهر حقيقة أنها لم تنتحر وذهبت..... عقدت ليان حاجبيها في تعجب.... من يتحكم بطفلة لتقتل نفسها؟.... من يستطيع التحكم بعقول البشر من الأساس؟! .... نظرت إلى جنة في شك ولكن توقفت مرة أخرى فقد قالت الفتاة أن من تحكم بها رجل وليس جنة وأيضًا طلبت منها معرفة من هو.... أمسكت ليان يد جنة وقالت : يلا حبيبتي نروح

ذهبت معها وعندما دخلت جنة الغرفة لتستريح قليلًا دخلت ليان غرفتها وتلقت مكالمة هاتفية من نادر والد إياد فتلقت المكالمة

نادر : إزيك يا دكتورة؟

ليان : مين معايا؟ 

نادر : أنا نادر والد إياد

ليان : اه.... أهلًا بحضرتك

نادر : أنا جبت رقم حضرتك من جروب المدرسة..... عرفتي حضرتك اللي حصل النهاردة؟ 

ليان : اه للأسف عرفت

نادر : أنا مصدوم وحاسس المدرسة ديه بيحصل فيها حاجات غريبة.... أنا خدت إياد لدكتور نفسي وقالي إن ديه صدمة وممكن المدرسين هناك تعاملو مع الموقف بطريقة مش صح قصرت على نفسية الولد وخلوه يقول الحقيقة غصب عنه فا ده اللي خلاه يحس إن في حد اتحكم فيه وقال الكلام ده

ليان : بس اللي حصل النهاردة ممكن ميكونش ليه علاقة بالمدرسة

نادر : أنا قابلت والد البنت وقالي إن البنت كانت على طول بتضحك ومبسوطة وكلها حيوية..... إيه اللي يخليها تنتحر.... وكمان كانت الصبح معاه وكانت فرحانة جدًا.... مش عارف يا دكتورة بس أنا شايف إن المشكلة في المدرسة.... فيه حاجة بتحصل هناك

لم تقل ليان أي شئ بالطبع فقط صمتت وطلبت منه تحري الدقة وإن كان لا يرغب بأن يظل إياد بالمدرسة فليقم بنقله على الفور.... أنهت ليان المكالمة وأمسكت سيفها وذهبت إلى الكهف كل هذا تحت نظرات جنة أو مالوس..... قصت ليان ما حدث إلى بنوفيل التي وقفت في حيرة وقالت : غريب....معقول ديه تعويذة التحكم؟.... بس لو مالوس معاه تعويذة تحكم كان استخدمها من زمان معانا..... واستحالة يعمل تعاويذ من غير ميناس ولا السيف

ليان : يعني إنتي متوقعة إنه مالوس؟

بنوفيل : أكيد.... بس ليه؟.... واشمعنة البنت ديه

ظلا يتحدثا طويلًا بالأمر وشكت بنوفيل بشئٍ ما ولكن لم ترغب بأن تقوله لليان خوفًا من قلقها.... عاد وئام إلى المنزل ليجد جنة تسترجع دروسها على الطاولة فاقترب منها وقبلها ثم قال : مامي فين يا جنة؟

جنة : خرجت تقريبًا

وئام : مقالتش رايحة فين؟

جنة : لا مقالتش حتى إنها نازلة.... أنا سمعتها بتكلم واحد في التليفون وبعد كده خرجت أشوفها لقيتها مش موجودة

وئام في تعجب : واحد مين؟!

جنة : معرفش.... بس أكيد خرجت تقابله لأنها اختفت بعد المكالمة على طول

وئام : ليه بتقولي كده؟

جنة : أصلها جات في مرة طلبت مني حاجة..... بس لا لا قالتلي لو قولتلك هتضربني وأنا مش بحب أفتن

وئام : لا قولي متخافيش

جنة : لا مش هقدر أقول.... هتروح تقولها وتتخانق معاها وساعتها هتعاقبني أنا

وئام : قولي يا جنة متخافيش

جنة : طيب إوعدني متقولهاش حاجة.... عشان خاطري

وئام : حاضر.... أوعدك.... قولي بقى

جنة : هي في مرة قالتلي إنها جاية عندي التمرين عشان تاخدني ومجتش ولما رجعت قالتلي متقوليش لبابا إني مجتش أخدك.... وبصراحة بسمعها بتكلم واحد كده على طول اسمه نادر

عقد وئام حاجبيه في تعجب وقال : نادر مين؟!

جنة : معرفش.... النهاردة كلمته برده وخرجت

نظر وئام إلى الفراغ.... حديث جنة شتته ولكن أوقف عقله عن التفكير بالأمر على الفور فهو يثق بليان جيدًا ويعلم مدى حبهما لبعضهما البعض ثم نظر إلى جنة وطلب منها أن تدخل غرفتها..... بدل ثيابه وقام بإعداد بعض الطعام وتناوله مع جنة.... تأخرت ليان كثيرًا وحاول الاتصال بها أكثر من مرة ولكنها كانت ترفض المكالمة لغضبها منه.... حل الليل ودخلت جنة لتنام وعادت ليان إلى المنزل ووجدت وئام ينتظرها في غضب وقال : كنتي فين؟!

ليان في هدوء وهي لا تنظر إليه : كنت برا

ذهبت من أمامه دون أن تنظر إليه فأمسك يدها وقال : أنا بكلمك تقفي تكلميني

دفعت ليان يده في غضب وقالت : إنت كمان ليك عين تتكلم وتزعق معايا؟

وئام : ليه مش راجل وليا حق أعرف مراتي كانت فين كل ده؟ وكمان بكلمها مش بترد عليا

ليان : كنت في الكهف..... ارتحت

وئام : ولما كنتي هناك مردتيش ليه عليا؟

ليان : عشان مش عايزة ارد.... ولا عايزة أتكلم معاك أصلًا ولو سمحت سيبني عشان عايزة أنام

وئام : متستفزنيش يا ليان..... إنتي عارفة إن اللي حصل النهاردة طبيعي ولازم أعمل كده.... ده شغل وأرواح ناس.... إحنا مش شغالين في مكتبة.... إحنا في مستشفى.... غلطة يعني مصيبة وحبس وسحب رخص.... لازم أحقق ولو فيه أي إهمال لازم يتصلح فورًا

ليان في غضب : وليه صدقت إن الإهمال مني من غير حتى ما تحقق؟.... زي ما تكون ما صدقت سمعت الممرضة بتقول إن أنا اللي غلطت وصدقتها فورًا

كاد وئام أن يتحدث ولكن رفعت ليان يدها لتقاطعه وقالت : متجاوبش.... أنا عارفة ليه..... عشان ده إنت.... دكتور وئام الأحمدي اللي شايف نفسه أحسن دكتور في الدنيا ومش متقبل حد تاني يبقى ناجح قدامه

فتح وئام عينيه في صدمة وقال : أنا؟!

ليان في غضب : أيوة أنت.... لا تكون فاكر إني نسيت الكلام اللي كنت بتسم بدني بيه كل يوم في الجامعة لدرجة إن حد من الدكاترا قالي هو بيعمل كده عشان إنتي شاطرة وممكن في يوم من الأيام تبقي أحسن منه

وئام غاضبًا : حتى لو حد قالك كده عليا زمان..... إنتي مصدقة إني كده؟.... مصدقة إني أناني بالشكل ده ومش عايز حد ينجح غيري؟

ليان : ما أهوه.... مجرد ما سمعت كلمة من الممرضة صدقتها وكدبتني

وئام : أنا لا صدقتها ولا كدبتك.... هي كانت بتتكلم بمنتهى الثقة والقوة..... كلامها هزني وخلاني لازم أحقق لكن مش زي ما بتقولي ما صدقت عشان اطلعك غلطانة ولا دكتورة أقل مني.... عيب يا ليان لما تقوليلي كده..... وبعدين عايشة معايا ليه وإنتي شيفاني وحش أوي كده

ليان : يبقى نفضها سيرة وكل واحد يروح لحاله

نظر لها وئام في صدمة.... لم يتحدث.... وقف الكلام على لسانه.... كان عتاب عينيه وصدمتها تكفي.... تركها وذهب من المنزل لتقف ليان وتنظر إلى الفراغ.... شعرت بأن هناك من يتحدث عنها فنظرت حولها في ذعر..... كان هناك أحدًا يتحكم بها.... من هو؟.... أين هو؟.... كيف قالت هذا الحديث؟..... إنه حديث منافي لما تشعر به ولا يمت لوئام بأي صلة.... هل طلبت الانفصال منه توًا؟..... التفتت لتضع كلتا يديها على خصلات شعرها في غضب ووقعت عينيها على المرآة بجوارها.... لا تعلم أن هناك من يشاهد ما يحدث ويتحكم بها من ورآها.... بل هناك من تجلس بالفراش تنظر إلى مرآة صغيرة بيدها وتبتسم بجنب شفاها إبتسامة باردة تقشعر لها الأبدان تحمل في طياتها شر وغضب ودمار..... ليست بابتسامة طفلة.... بل ابتسامة مالوس

الفصل الخامس من هنا

غير معرف
غير معرف
تعليقات