رواية غوثهم الفصل المائتان 200 بقلم شمس محمد


 رواية غوثهم الفصل المائتان


“بصوت يرتجف بين الرجاء والخشوع
يَطُل علينا “الشيخ نصر الدين طوبار”
بابتهال يلامس أبواب السماء، يَروِي عَطَش القلب إلى الرَّحمة:
سالَ دَمعي يا إلهي
ولولا غُربتِي ما كَان دمعي يسيلُ
سال دمعي يا إللهي ..
ولولا غربتي ما كان دمعي يسيلُ
غربتي نجوي ونيران شوق ..
وآسيً باكي .. وليلٌ طويـــل
وإذا ضاقــــت فنجوي دعائي ..
حسبي الله ونعم الوكيـــل ..
_”مقتبس”
____________________________________
قيل أن الاستغناء به راحةٌ..
وأن من ترك ملك، لكن في استغنائي أنا عنكِ أرى أنني إن تَركت هُلِكت، فأُصبح كمن ترك وهلك، وهلاكِ لا يُعني موتي، وإنما يُعني حياتي بعذابٍ، وليس كأي عذابٍ، لكن عذاب فقدي لكِ هو الأكثر قسوةً عليَّ من موتي ومُفارقتي لهذا العالم..
فأنا لم أكن شجاعًا عزيزتي بما يكفي كي أُنكر حقيقة أنتمائي لكِ، فأنا الذي قُلت كل المواطن غربة وكل الطُرقات ضياع، ولا أعلم لأي موطنٍ ألجأ وارتمي؟ اليوم أنا هو بذاته الذي يقول أنني لكِ ولعينيكِ من بين كل المواطن أنتمي وبكِ أنتِ من وحشة العالم أحتمي..أعذريني فأنا لم أكن شجاعًا حتى أُبريء نفسي في عينيكِ، فدعوتكِ تريني ظالمًا ورُبما قاتلًا، لكني أبدًا لم أكن لكِ مُخادعًا، فكيف يخدع المرء نفسه بحيلٍ؟
وكيف يخون وطنًا أواه حين أنكرته البُلدان وغربته المواطن؟.
تلك مُصيبة لا يفعلها سوى من لا يؤتمن،
وأنا برغم خيانتي إلا أنني أهل الأمانةِ بذاتها،
ألم تريني يومًا جديرًا بحفظ الأمانة وصون العهد لعينيك؟.
<“خَيلٌ أنا والمعركةُ ذاتي، حربٌ ولجتها بروحي وحياتي”>
لا شك أن الهزائم هي التي تصنع الأبطال..
هي التي تقوي عزيمة الفارس فيقود الحرب وحده في العالم ولو كان ضد جيوشٍ عالية، فما بين هزيمة الأمس وانتصار الغد، كانت تكمُن روحٌ مُلتهبة للنصرِ، روح لا تنطفيء بها رغبة الثأر من النفس الضعيفة أولًا قبل العالم المفترس، لذا اليوم نصري يُحالفني وأنا للوعدِ باقٍ..
أوقف “إيـهاب” السيارة أسفل بنايةٍ مُتهالكة، بيت قديم كما البيت الأثري في تلك المنطقة التي يظهر من آخر ممرها قمة الهرم الأكبر، أطفأ سيجاره حينما دهسه بقدمه، ثم ولج البناية بثباتٍ، قصد الطابق المعني، ثم ولج الغرفة التي أراد، ما إن ولجها حيث مقر الحفر الكبير، اقترب أكثر وجلس على عاقبيه، نظرة تشفٍ منه جعلته يشعر بالنيران تنطفيء وتُثلج روحه…
أما عن الحُفرة فهي حملت جسد “ماكسيم” الذي رفع رأسه يتوسل “إيـهاب” بالرحمةِ، ابتسم له “إيـهاب” بشرٍ لمعت به عيناه ثم جلس بوضعٍ أكثر أريحية وقال بسخريةٍ:
_ما هما قالوها زمان، اللي يصعب عليك يفقرك، وبصراحة أنا في غنى عنك وعن فقرك، ما تخلينا كدا بنلعب مع بعض، دا حتى اللعبة أحلوت أوي، واللي ليا رجع، يلا علشان اللعبة بدأت يا خواجة.
كانت الحُفرة واسعة، بمقدار البيت من الأسفل، حيث امتدت الحُفرة من الطابق الأول _بعد الطابق الأرضي_ حتى الطابق الأرضي نفسه، ظلامٌ يخيم على الغُرفةِ بأكملها، رائحة الحفر والنتن فاحت من الغُرفةِ، المياه غطت التُراب المتكوم فأصبح عفنًا لا يُحتمل، كل شيءٍ حوله كان أقرب بفيلم رُعب سلب أنفاسه، بينما “إيـهاب” فخلع سترته ثم شمر أكمام قميصه الأسود واقترب من الحُفرةِ يعلوها بجسده فوق مقعدٍ وثيرٍ ثم أشعل سيجاره وقال باستهزاءٍ:
_ها تحب اللعبة تكمل ولا نوقف ونغير؟.
في الحقيقة طوال الأشهر الماضية وهو يعذبه التعذيب بفنونٍ رائعة، أجاد تعذيبه بأبشع الطُرق، لعب فوق أوتار أعصابه حتى تمزقت فلم يعد الآخر يخشى أي شيءٍ، أصبح كما تمثالٍ لا روح فيه، أصبح ينتظر عذابه الجديد لعله ينتهي في يومٍ ما، أو ربما في ساعةٍ ما، لكنه يبدو أن “إيـهاب” تفنن في تلقينه أقسى الدروس وأصعبها..
قام “إيـهاب” بسحب السطل المعدني الممتليء ثم دفعه في وجه “ماكسيم” الذي نشج بدهشةٍ وتقطعت أنفاسه، وقتها عاد الآخر للخلف رمى السطل يحتك بالأرض تحته، رأى في عيني الآخر الضعف، الهوان، الذُل ولم يرق قلبه، بالعكس ازداد الأمر قسوةً وهو يتذكر شقيقه، ثم “سراج” ثم بكاء “چـودي” على خالها، تذكر فتيات الدار وكيف كان يلعب بأعمارهن، تذكر “مُـنذر” وماذا لقى من معاناةٍ لن تُنسى، تذكر “نَـعيم” وصرخاته وويلاته على شبابٍ مهدور حقه فوق أرضه…فتذكر والذكرى مؤرقة.
عاد بذاكرته يسبح فيها ويغوص حتى وصل لعمق البداية..
الليلة التي قام فيها بفرض سطوته وسيطرته على “ماكسيم” حينما قبض عليه من وسط الرُكام في ليلةٍ تُخلد بالعقل لن تبرح دون أثرٍ عميقٍ يُحفر في ثنايا الإنسان..
وقتها خرجوا بجسد “أيـوب” صريعًا من المخزن وظل جسد “سـامي” الدامي تحت نظرات “إيـهاب” الذي انتفض لأجل تلك الميتة، فمهما كانت قسوته وحدة طباعه إلا أن للموت حُرمة لا يتعداها إلا الفاجر، وهو لم يَفجر، وإنما استغفر ربه سرًا وتحرك يبحث عن شيءٍ يخفي به جُثمان الميت، وقد وجده بالفعل، وقبل أن يتحرك هو لمح “ماكسيم” يختبيء..!!
وجدها يبحث عن مخبأٍ كما الفأر الذي يُجهز الخبيئة حتى تسنح له الفرصة فيستغلها هاربًا إلى المفر نحو الحُرية، تعرف عليه “إيـهاب” على الفور، فاقترب بخطواتٍ حثيثة لا تُسمع ثم سحب الغطاء الذي غلفه الغُبار، توسعت عينا “ماكسيم” فيما ارتسمت البسمة فوق شفتي “إيـهاب” بتروٍ، فها هو يرى غريمه كما الفأر أسفل أقدامه بينما هو فهو يُشبه الخيل الحُر..
وقتها غطى جسد “سـامي” الميت لحين إشعارٍ آخر من الإجراءات، ثم عاد وسحب “ماكسيم” الذي بالفعل كان يفتقر لمهارات الحركة والهروب، ثم وضعه داخل حقيبة السيارة من الخلف وأغلق عليه، وهو نفسه من أشاع هروبه وأنه لم يتمكن من ملاحقته، حتى أنه استغل أن الكاميرا الأخرى مُعلقة وقال للجميع:
_أول ما خدته على برة اختفى في لمح البصر وسط الناس ومعرفش جري من أنهي ناحية.
صدقه الجميع وقتها، ومع إنشغالهم بحالة “أيـوب” وحبس “يـوسف” لم يكترث أحدهم بغير ذلك، فليحترق جسد “ماكسيم” إن أراد ذلك، المهم في أمرهم هم الشباب الذين على مشارف الضياع، فواحد بين الحياة والموت تتراوح أنفاسه، والآخر بين جدران السجن فبالطبع لن يشغل بالهم صعلوكٌ مثله، لذا نصب “إيـهاب” شباكه ببراعةٍ ثم حمل أمره على عاتقه وحده، وأمام الجميع هو رجلٌ لاذ بالفرار حتى أمام الحكومة بذاتها..
فمع استمرار التحقيقات والبحث قيل أنه هرب ولاذ بالفرار ومن المؤكد أنه لجأ للحماية بدولةٍ أخرى يعيث فيها فسادًا، الأمر مع التحقيقات الكثيرة كانت تحاوطه هالة غموضٍ، جزءٌ ينقص اللغز كي يتم حله، فتم الإحتفاظ بالقضية وانتهت هكذا، والرابح الوحيد بينهم كان “إيـهاب” فقط…
خرج من شروده على صوت تأوهات “ماكسيم” الذي أخذ يأنِ بوجعٍ وصوتٍ يشبه مواء قطة ضعيفة، لكن الآخر لم يُبالِ به، تركه يتألم ثم وقف وسحب زجاجة مياه وبعض اللُقيمات الغير طازجة بجبنٍ جاف ثم وضعهم في الحُفرة وقال بصلدةٍ:
_أطفح بالسم الهاري علشان يبقى فيك حيل.
رمى الطعام له كما يرميه للكلاب، رمقه بإزدراءٍ ثم أولاه ظهره وحمل سترته يرتديها ووقف يهندم نفسه وينفض أثر الغُبار عن جسده وثيابه، ثم مال على الحُفرة وقال بتهكمٍ:
_خروجك من هنا بحاجتين، يا على قبرك يا على قبري، علشان ليا عندك بدل الحق حقوق أنتَ واكلها كلها، بس أنا حقي مبسيبهوش، باخده ولو فات عليه ١٠٠ سنة حتى.
رمش “ماكسيم” بعينيه ثم تحدث بوهنٍ وضعفٍ:
_أنتَ..غبي، غبي أوي يا “إيـهاب” علشان عندكم هنا الجدعان بيقولوا باتت ماتت، الشر مبيموتش، بيفضل موجود في الأرض علشان مش كل الناس تستاهل الخير، أنتَ نفسك أكبر عاصي في الأرض، لازم اللي زيك يوسعوا مكان لأسيادهم علشان عامل زحمة على الفاضي.
وها هو جنون العظمة يتملكه، يُعيده لسيرته الأولى حيث التفرقة العمياء بين الأسياد والعبيد كما يتوهمون ويصنعون، لذا وقف “إيـهاب” من جديد مستقيمًا ومنتصبًا في وقفته ثم ضحك بسخريةٍ ارتفعت بها زاوية فمه ثم قال باستهزاءٍ صريح:
_محدش هنا غبي غيرك، أنتَ الوحيد اللي متخلف، لسه عايش في زمن الأسياد والعبيد والطبقية المتخلفة، ولو مش واخد بالك بص مكانك فين وأنا واقف قصادك فين؟ مجرد كلب مذلول تحت رجلي في أرض مش أرضك أصلًا لا هي ولا غيرها، أنتَ مجرد إنسان مختل، مالهوش وجود، بيفرض نفسه فوق الأرض، موجود بس تزيف حقايق، تقتل أرواح، تكذب الأقوال، تصنع أهوال، وآخرتك تبقى زي الكلب تحت رجل الحُر اللي زيي..
توقف برهةً ثم استأنف الحديث بقوله ساخرًا:
_أما بقى حتة باتت ماتت دي فدي بتاعة اللامؤاخذة اللي زيك مالهمش لازمة كدا، علشان أنا عندي لو باتت بتقيد نارها أكتر، وكل يوم يعدي النار بتزيد، وحق أخويا باخده من ذُلك وعذابك تحت رجلي كدا، وزي ما قولتلك حق “إسماعيل” بروحي كلها.
أنهى الحديث وأولاه ظهره كي يرحل، لكن قبل الرحيل أتته العبارة التي تقسم ظهر الحُر لنصفين فتجعله كهلًا، حيث حقيقة لا تُختبأ تحمل خيانة لا تُغتفر، أدلىٰ بها فم الجبان بقوله:
_ياريت كل العرب كانوا زيك أنتَ وإسماعيل” كدا.
لا يعلم هل كان يستهزيء به، أو هو حقًا يتحدث متمنيًا، أم أن تلك هي الحقيقة التي لم يجرؤ على رؤيتها حتى لا تؤلمه، وتلقائيًا عادت صور أهوال غزة تقتحمه، كأن الإحتلال ولج لعقله وسرق الوعي منه، فأصبح لا يرى سوى أشلاء الصغار، بكاء الكبار، رُكام البيوت والحضارات، ركض الشباب وقهر الرجال وعجز الأمة، انتفض قلبه الحُر ثم تنهد بقوةٍ وقال ولازال يوليه ظهره:
_معاك حق، لو كل العرب كانوا زيي أنا وإسماعيل” كان مستحيل وسخ منكم يقدر يرفع عينه في واحد فينا، بس يا خسارة.
أنهى تلك المُقابلة ورحل، ترك المكان أخيرًا لتندثر روحه المسحوقة أسفل الأخرى القوية التي يخرج بها للعالم، تحرك حيث سيارته يقودها ويجوب بها بين الشوارع قليلًا، يتحرك هنا وهناك لعله يُطفيء نيران تلك المقابلة التي ألهبت روحه، وما إن استعاد جزءًا من روحه نزل من السيارة وقرر أن يبتاع بعض الأشياء لصغيرته..
عاد للبيت بعدما صف سيارته وحمل الحقائب البلاستيكية ثم ولج الفناء يحمل حقيبتين بلاستيكتين كبيرتين وباليد الأخرى سيجاره الذي قارب على الانتهاء، وقد وجد في وجهه “نَـعيم” الذي كان يقف عند بوابة البيت، طالت النظرات بينهما كأنه يستكشفه، يسبر أغواره ليصل لأعمق النقاط به، ووقتها كان “إيـهاب” أطفأ السيجار احترامًا وتقديرًا له، فيما قال الآخر بقوةٍ:
_أنتَ كنت فين دلوقتي؟ وإيه اللي أخرك؟.
تعجب “إيـهاب” من اللكنة كأنه مراهقٌ يستمع لتوبيخ والده، لكنه أجاد رسم اللامبالاة وقال بهدوءٍ:
_كنت بجيب حاجات للبيت علشان “سمارة” محتاجة طلبات، وبجيب حاجات لـ “دهـب” علشان قربت تخلص حاجتها، عاوز حاجة؟ فيه حاجة محتاجها أجيبها ليك؟.
لم تعجب النبرة “نَـعيم” لكنه يعلم أن هذا الوغد الذي أمامه لن يستطع هو أن يُبحر فيه، هو دومًا يغرق عند شاطئه، لذا خطى نحوه خطوتين بالتقريب، ثم وقف أمامه وقال بثباتٍ:
_بلاش الطريقة دي معايا، أنتَ بقالك شهور على الحال دا تغيب كل ليلة ولا ليلتين بالساعة ولا ساعتين وترجع شايل ومحمل، لو بالطريقة دي هتسكت مراتك، مش هتسكتني أنا يا “إيـهاب” من نهايتها كدا أنا عارفك وعارف طباعك، بحر مالوش قرار، قولي.
ابتسم “إيـهاب” بقوةٍ حتى تيبس فمه ثم قال بصوتٍ زينته ضحكة يائسة تُخالطها ثقة في محلها دومًا منه:
_طالما أنتَ عارفني أكيد عارف إن صعب حد ياخد مني حاجة، اللي أنتَ عاوزه مش هتطوله علشان للأسف معنديش حاجة أقولها، أنا براعي ربنا في بيتي وبنتي ومش ببخل عليهم بحاجة، أنتَ عارفني نزيه وأحب أدلع حبايبي، ما تيجي أدلعك شوية.
ابتسم له “نَـعيم” بسخريةٍ ثم أولاه ظهره بغير ردٍ أو حديثٍ، بينما “إيـهاب” فكشر عن تلك البسمة ثم ولج بنايته، دقائق ومر نحو الداخل وصعد لشقته، وما إن ولج اشتمت صغيرته رائحته فظلت تتقافز بموضعها فوق الأريكة بغرفة المعيشة حتى اقترب منها هو ضاحكًا فارتمت عليه ليتلقفها هو، ظلت بعناقه تضحك وهي تغمغم بحديثٍ لا يُفهم فضحكت “سـمارة” التي أفسحت له مجالًا بقربها وقالت نيابةً عن صغيرتها:
_بتشكيلك مني علشان مرضيتش أخليها تنزل تحت.
ابتسم لها بيأسٍ ثم اقترب بصغيرته منها، وقد سمحت له المساحة أن يرتمي برأسه فوق ساقها، بينما هي فلم تتعجب فقط خللت خصلاته بأناملها فوجدته يزفر بقوةٍ كأنه يخرج همومًا من جوفه، انتظرت حتى وجد هو صغيرته نامت بعناقه، فابتسم ثم رفع نفسه ودفن نفسه بعناق زوجته، أما هي فضمتهما سويًا لعناقها ثم دثرت جسديهما تفرض حنوها وحمايتها، مرت ثواني قليلة على هذا الوضع قبل أن تجده يطبع قُبلة فوق وجنتها..
أقشعر جسدها من قربه ومن مباغتته لها، فيما همس هو بصوتٍ ناعسٍ وهو يعود للنوم محتضنًا ابنته الصغيرة ثم ضم الكبيرة أيضًا وتبع ذلك بقوله:
_ربنا يباركلي فيكِ يا كل الدنيا.
وهكذا أنهى ليله واختتم تعب يومه دافنًا نفسه في أحضانها، هي الوحيدة التي يستطع أن يرمي أحماله عليها، هي وحدها من يرمي بثقل حمله عليها ويراها تنوب عنه في الحرب ضد العالم، لا يخجل منها ولا يُخفي عنها ذاك الطفل الذي كان يحلم ويحلم ويعيش طويلًا على أمل الحُلم، حتى أنه لم يخشَ حُلمه أمامها، لتصبح هي شريكة هذا الحُلم معه.
____________________________________
<“أنتَ الرفيق الذي كلما هزمني العالم، وجدته ينصرني”>
في بعض الأحاديين يكونوا الرفقة كما النصر وسط الهزائم..
تجدهم الروح الطيبة لعطب الروح المكلومة، فربما لا يُنصفك العالم، وربما تهزمك حتى نفسك، ثم يؤلمك بالقول من تحسبه صديقًا لكَ، لكن وحده الذي يعتبر جزءًا منك لن يخونك ولو خانك العالم..
المساء طل بعتمته القوية، القمر يُزين عرش السماء الحالكة وحوله تُنثر النجوم الساطعة، سماء رائقة بدون عكرٍ أو سُحبٍ تغطي روعتها، والقلب الليلة يبيت محتفظًا بنصره، وقد كان “إسماعيل” كما الطفل الصغير عشية العيد يخشى النوم كي لا تفته الصلاة، خشى أن يُغمض أجفانه، فتسرق منه أسعد اللحظات، لذا لم يبرح موضع بقاء “مُـنذر” الذي كان في البيت معه.
عاد “مُـنذر” لغرفته ليجدها كما هي، نظيفة، مُرتبة، رائحة العطور تفوح منها، كأن هناك من يرعاها وحدها، ابتسم بحنينٍ لتلك الأيام التي قضاها آمنًا في كنف عمه، تذكر الأيام التي قضاها معهم، ثم تلك التي قضاها في غيابهم، وقد كان “مارسيلينو” نام أو هو هرب بالنوم من مواجهة العالم، لم يستطع أن يواجه هذا الكم الهائل من المشاعر القوية، لذا خلد للنوم في غرفةٍ خصصها له “نَـعيم” طوال فترة البقاء هُنا..
كان “إسماعيل” كما ظل “مُـنذر” لم يتركه، يجلس أينما جلس الآخر، كأن والده عاد من السفر وخشى أن يتركه، وقد لاحظ ذلك رفيقه فتركه يفعل ما يحلو له، حتى بدل ثيابه وغيرها بأخرى مريحة أزال بها تعب السفر ثم جلس على حافة الفراش بجوار “إسماعيل” الذي كان يجلس في انتظاره لحين يتحمم، وما إن جاوره وطالت النظرات بينهما، كان “إسماعيل” يتحدث بعينيه عن فرحته، حتى صدقه “مُـنذر” فضمه لعناقه بقوةٍ..
عناقٌ برائحة الماضي والحاضر معًا، عناقٌ طال ومر خلاله الزمن بينهما، بحلوهِ ومُرهِ وصوت الطفولة المغدورة بينهما تبكي وتعلو بصوت صرخاتها، ابتعد “مُـنذر” أولًا عن رفيقه ثم جاب بعينيه في وجهه حتى لمح الشوق يفتضح من نظراته، وقتها قال بصوتٍ هاديء:
_أنا خلاص معاك، كل حاجة خلصت ورجعتلك، صدقني والله الحياة من غيركم كانت صعبة أوي عليا، كنت بعد الساعات علشان أجيلك، كنت شايل همك وسط الكل، طمني عليك أنتَ كويس؟.
ابتسم له “إسماعيل” ومومئًا ثم قال بصدقٍ:
_كنت عارف ومتأكد إنك هتكون بخير، حاجة كدا قالتلي إنك مش بالغباء دا، أكيد عايش وسطهم وعارف خباياهم يبقى أكيد لازم تكون عامل حساب كل خطوة، ولما فاتت الشهور من غير خبر جديد عنك، كنت مصدق إنك هترجع، أنا ومراتك، كانت الوحيدة اللي بتصدق كلامي، تعرف إنها مرة جت هنا وصممت تقابلني وكانت بتعيط؟.
تعجب رفيقه وسأله بعينيه دون أن يتفوه بلسانه فقال “إسماعيل” شارحًا ومُفسرًا:
_يومها كانت متضايقة ومتخانقة معاهم في البيت، مشيت في وشها وهي معيطة وجت لحد هنا بليل، دخلت وهي منهارة وفضلت تدور عليا، وقتها كنت لسه راجع من برة..
آنذاك ولجت كما الرصاصة تقترب منه بمجرد أن ظهر أمامها، اقتربت وهي تبكي ووقفت أمامه مباشرةً وتوسلته باكيًا بقولها:
_أبوس إيدك أنتَ الوحيد فيهم اللي مصدق كلامي، كلهم بيكدبوني وقالولي إنه مش راجع تاني، أنتَ زيي مصدق إنه هيرجع صح؟ “مُـنذر” هيرجع يا “إسماعيل” علشان هو قالي كدا، ماما بتقولي إنه مش هيرجع تاني وإنه راح، بس أنتَ بتقول إنه راجع صح؟.
وقتها أشفق عليها كثيرًا، لمح فيها “ضُـحى” بصورة أخرى ذكرته بمصابه، رأى بعينيه ألم الفقد على الروح المُحبة، وقتها حتى لو يكن يعلم، لكنه لم يبخل عليها بجوابٍ، لذا قال بكذبٍ تمناه يصدق لنفسه:
_هيرجع، قلبي بيقولي إنه هيرجع علشانك وعلشاني.
بللت عبراتها وجنتيها وثيابها، فاقتربت منها “سـمارة” تضمها لصدرها وهي تربت فوق خصلاتها وذراعها، بينما “تـحية” فاقتربت بكوب المياه تُسقيها منه، وقتها التفت “نَـعيم” يخفي عبراته ويواريها خلف التفاتته.
سرد “إسماعيل” الموقف عليه بألمٍ وقد انتفض حينها “مُـنذر” بغير تصديقٍ ثم قال بزعقةٍ عالية يفرغ طاقته السلبية:
_كل دا حصلها؟ هي كانت هنا بتدفع تمن عمايلي؟.
كان كأنه يوبخ نفسه، حيث اللوم والإنكار على حد السواء، فوجد الآخر يضيف بهدوءٍ كعادته وحكمةٍ يُسيق بها الأمر:
_خلاص وحد الله كل دا فات وانتهى، دلوقتي أنتَ رجعتلها ومفيش غير إنك تعوضها عن اللي شافته في غيابك، هي أكتر واحدة هنا كانت بتتعرض للأذى والتعب من غيرك، لدرجة إنهم شكوا فيها واتهموها بالجنون، ووقتها عرضوها على دكتور نفسي في المستشفى، بس هو قال إنها بخير وبكامل قواها العقلية، ودا إجهاد نفسي مش أكتر، وساعتها “جـواد” كان أول واحد وقف في ضهرها لحد ما رجعت تاني لحياتها.
انقبض قلبه لأجلها تلك المرة، لم يرد أن يرى نفسه بصورة هذا الشخص الأناني لذا ندم على ما فعل، فعاد يجلس بخيبة أملٍ من جديد ثم مسح خصلاته المرفوعة بعنفٍ، وقد لمحه “إسماعيل” فقرر أن يطيب جراحه بفعله الآتي، حيث سحبه من كفه بلهفةٍ، خرج خلفه “مُـنذر” بتعجبٍ لا يفهم إلى أين ترسو الخطوات بهم، بينما “إسماعيل” فكان يجره جرًا لحيث أراد..
دقائق شملتهما سويًا تبعها دخول “إسماعيل” بنايته ورفيقه خلفه وقد صعد حتى الطابق الثالث، وقف أمام باب شقةٍ جديدٍ، مُصفح باللون الأسود، ثم فتح الباب بعد أن أضاء الرواق الرخامي، وقف أمامه “مُـنذر” بتيهٍ لكن رفيقه دفعه للداخل ثم قال بحماسٍ يشبه حماس الطفل الصغير:
_تعالى شوف شقتك.
“شقتك” !! تلك الكلمة أثارت قشعريرة غريبة في جسده، وقف أمامه مشدوهًا ولم يع لخطواته وهي تلِج الشقة بالفعل، كان مسروقًا من نفسه وقد بحث بعينيه في الشقة الحديثة التي يبدو أنها صممت كي تستقبل عروسين بالفعلِ، شقة حديثة بتصميمات رائعة ذات ذوقٍ رفيعٍ، وقف بعينين سكنت فيهما البسمة الصافية وقد وجد رفيقه يجاوره وهو يقول بسعادةٍ حماسية، سعادة تشبه سعادة الطفل الصغير الذي أخذ أبناء عمومته يُريهم لعبته الجديدة التي جلبها لأجلها والده دون أن تدري أمه:
_الشقة دي جهزتها لما أنتَ كلمت “فُـلة” و “چـودي” والاتنين أكدوا إنك عايش، وقتها الفرحة مكانتش سايعة حد فينا، من فرحتي لقيت نفسي بحضر للشقة بتاعتي وشقتك معايا علشان أفراحنا، وكل حاجة هنا خدت فيها رأي “فُـلة” وعملتها بذوقها، كان فاضل تيجي أنتَ وتشوفها.
ولجها بسم الله وهو يشعر أن هذا المكان حقًا هو سكنه، كان يراقبها بعينيه وهو يشعر بالسعادةِ وقلبه يقفز بين جنباته كأنه لقى الحياة من بعد الممات، وهنا كان فعلًا وليس قولًا، فمثله حُرِم من الحياة فور أن كُتبت له، لا يعلم معنى البيت ولا الدفء، حتى رغم كونه تربىٰ في بيتٍ وسط عائلةٍ، لكنه كان مكروهًا بينهم، كان يزور البيت ليلًا في الخفاء كي ينام، ثم يتناول الطعام المتبقي منهم، وفي باكورة الصباح يسيقظ راكضًا كي يقضي نهاره ويومه مع الأخوين..
جالت الكلمة في نفسه مجالًا طيبًا فرددها بصوتٍ باكٍ غلفته دموع الانتصار والفوز في الحرب على الحياة الموحشة:
_شقتي..!! دي شقتي أنا..؟
وكأنه لا يصدق أن بعد تلك الأهوال التي عاشها والحياة القاسية التي عاشها، اليوم يحن له الوقت كي يحيا فعلًا وقولًا؛ فهاهو لتوهِ هرب من الممات وحيا من جديد، لذلك ضحك بصوتٍ عالٍ، ضحك دون أن يدرك على ماذا يضحك وهو يجوب بعينيه في الشقة التي أسرته منذ أن دخلها، وقد قفز عليه “إسماعيل” يشاركه الضحك، وكأن قلب الرفيقين يحتاجا لبعضهما كي يأمنا.
____________________________________
<“اليوم أعلم أن خسائري لن تُعوض، اليوم خسرتني”>
إن أكبر الخسائر التي قد يُفجع عليها المرء هي خسارته لنفسه، حيث الفقد الأعظم في تلك الحياة، فمعنى أن تفقد صوابك وجهاتك هذا يُعني أنك أصبحت ضالًا ولو كنت حتى تُبصر، فالقلوب التي تفقد بصيرتها لا ترى شيئًا ولو كانت جفونها مفتوحة على وسعيها، فاليوم سوف تبكي أسفًا، وعلى ما يُفيد بكاؤك؟..
بدأت الصباح يغزل خيوطه، ثم تجيء الشمس وتنشر الظل الأول منها، ومن ثم نسمة هواء لطيفة تداعب الصباح والوجوه، غيمات بيضاء خفيفة وغير كثيفة ترتسم فوق السماء، وحديقة واسعة خضراء بها زهور صغيرة الحجم وألوان عديدة، وفي الوسط مقعد متحرك يحمل فوقه جسدًا هزيلًا وضعيفًا، لا يُحرك ساكنًا سوى عينيه وهما تطوفان كي تُبصر كل شيءٍ ثم تندم على ما جنت يدها، يجلس وحده اليوم، وهُم في الخارج مع بعضهم شُعبة واحدة، يجلس كما الشيخ الذي كبر سنه، وشاخ عليه الزمن وترك أثره بمعالمه..
جلس “عـاصم” في حديقة دار رعاية المُسنين في صباح اليوم، أو كعادة كل يومٍ، انتهى به المصير في النهاية لدار رعاية مُسنين نظير الأموال الطائلة التي يدفعها “يـوسف” نظير رعايته، تلك الأموال التي حاولت لأجلها وقام بمعاداة ابن أخيه اليتيم لأجلها، اليوم لم يستنفع بها إلا بتلك الطريقة، كان يجلس فوق المقعد المتحرك بعد أن أوقفت الجلطة القلبية الجزء الأيسر من جسده، حيث توقفت ذراعه، ثم قدمه، ثم إعوجاج بسيط في الفم..
كانت الجلطة شديدة الأثر عليه، حيث أصابت بعض الأعضاء في جسده بخللٍ في أداء مهامها، حتى انتهى به الحال وهو يجلس هكذا كما تمثالٍ يحركه الآخرون حتى دون رغبته في ذلك، طاف بعينيه في الحديقة الواسعة فلمح زوجًا من العصافير مع بعضهما فوق الشجرة، وقد لمح واحدًا منهما يحاول الاقتراب من الآخر، والآخر يهمله دون اكتراثٍ به أو بمشاعره، حتى مل الآخر وهاجره وحده.
ابتسم بسخريةٍ وكأن الطبيعة حوله تصنع إسقاطًا عليه، وسرعان ما هبطت العبرات من عينيه تتراقص بأوتارٍ حزينة فوق الوجنتين، عاد للخلف برأسه يزفر بيأسٍ كي يهرب من لوعة الشوق التي دمرته ودمرت آخر ذرات ثباته، وقد أغمض عينيه عن الدنيا ليسبح في بحور الماضي، وبالأخصِ في ذاك اليوم الذي حمل المواجهة الأخيرة بينه وبين “مـادلين”..
“مُنذ ما يقرب الخمسة أشهر”..
وقتها كان في بداية الوعكة الصحية، كان يجلس رهن الانتظار لعل النجدة تأتيه من حيث لا يحتسب، وقد أصر قبلها على مقابلة “مـادلين” مهما كان الثمن، ظل يُلح عليهم ويطلبها وقد كانت جملته الأخيرة حتى توافق:
_خلوها تيجي إنشالله حتى أموت بعدها.
وقتها وافقت هي على مضضٍ وذهبت، كانت تلك هي الغلطة الأولى التي اقترفتها في حق “عبدالمعز” قبل نفسها، فكان في تلك الأيام خطيبًا لها، لكنها قررت أن تنهي حبال هذا الطريق وتقطعها من جذورها، فذهبت كي تُقابله، وقتها ولجت الغرفة بالمشفى ولمحته يجلس فوق المقعد المتحرك، كادت أن تتأثر لكن تاثرها تبخر على الفور، عاد الجمود يسكن محله واقتربت منه تلقي التحية بجمودٍ:
_إزيك يا “عـاصم” أديني جيت زي ما طلبت.
رفع عينيها لها بانكسارٍ وقال بصوتٍ مبحوحٍ من الوهن:
_أنا مش عارف أقولك إيه غير شكرًا إنك جيتي، عاوز أقولك آسف، حقك عليا علشان ضيعتك من أيدي، بس أنا كنت معمي ومش شايف قدامي، أنا دلوقتي ماليش غيرك، أوعدك لما أخرج من هنا هعوضك عن كل حاجة، هكتبلك البيت، والشركة ومش هعوز حاجة تانية غيرك، غير بس إني أفضل معاكِ، وعارف إنك الوحيدة اللي هتخليني أتعجز عليها.
رمقته بفتورٍ، مجرد حديثٍ يُقال لم تُبالِ به، وقفت تُطالعه بجمودٍ كأنها حقًا لم تتأثر به، أو للحق هي تُشفق عليه، تُشفق على سذاجة عقله في التفكير بها، هل يُعقل لهذا الحد يراها بهذا الرُخص؟ ألم تكن غاليةً في عينيه حتى لو عبيه هو بذاته؟ كان يبتسم لها على أمل أن تتجاوب معه، لكنها رفعت رأسها بعزةٍ وشموخٍ وقالت بكياسةٍ:
_مش محتاجة منك شكر يا “عـاصم” ولا محتاجة منك حاجة خلاص، اللي عملته دا كان واجبي وحقك لما كنت جوزي، لكن دلوقتي حتى وقفتي دي مش من حقك، عدتي خلصت، وأكيد مفيش حاجة هينفع ترجع تاني، أنا مخطوبة دلوقتي، والراجل اللي أنا مخطوباله يستاهل الإحترام وإني أحطه فوق راسي، ومع ذلك رينا يتمم شفاك على خير، بس متستناش مني حاجة.
توسعت عيناه حينها كأنه ضُرِبَ فوق رأسه بقطعةٍ من حديد، فرغ فاههُ أمام عينيها ووقف الحديث على طرف لسانه أسيرًا، وقتها تألم جسده بحقٍ ليدرك أن قلبه لم يعد كما هو، هبطت عبراته خلف بعضها تنساب، فتنهد وأجبر نفسه يتحدث قائلًا:
_هتسيبيني لوحدي؟ أنا ماليش غيرك.
وحديثه حقًا لم يعد يُؤثر بها، لذا قالت بصوتٍ متقطعٍ كأن أنفاسها تُسلب منها في سباق العدو والركض:
_أنتَ اللي رمتني ومبصيتش وراك مرة واحدة علشاني، أنا مش هاجي على نفسي علشانك أنتَ، صدقني أنا عملت اللي عليا بزيادة معاك والله، بس أنا مش هقدر أخسر نفسي أكتر من كدا علشانك، ولا هقدر أظلم الإنسان اللي حبني وعاوزني زي ما أنا بعيوبي قبل الحلو اللي فيا، عارفة إني ممكن أكون قاسية عليك، بس كتر الجفا بيعلم القسوة، وأنتَ مورتنيش غير الجفا والقسوة، عاوزني أطرحلك حنية إزاي؟.
بدت كأنها حقًا حسمت أمرها، لذا عدَّلت حقيبتها فوق ذراعها ثم مسحت عبرات خائنة كانت ستظهر لكنها تحكمت فيها وفرضت الحصار ثم أضافت:
_عن إذنك يا “عـاصم” وحقيقي أنتَ علمتني كتير أوي في حياتي، ليك فضل كبير عليا إني أوصل للي وصلتله كله، بس أهم حاجة هي إني عرفت قيمة نفسي وإني خسارة في أي حد، أظن دلوقتي أنتَ صدقت الكلام اللي سبق وقولته، قولتلك إنك هتفضل لوحدك وطريقك هينتهي بيك لوحدك، لو كنت مرة واحدة بس خليت بالك من العيل اليتيم ولا وقفت في صف الواد اللي أبوه كسره، ولا حتى راعيت ربنا في مرات أخوك وبنتها، كان زمانك دلوقتي متحاوط بأمانهم، بس أنتَ كنت بتدفع تمن خسارتك من غير ما تحس، وعلى فكرة، أنا كلها أيام بسيطة وهتجوز، نصيحة إنساني، زي ما أنا نسيتك.
أنهت الحديث ثم التفتت، التفتت بغير عودةٍ وتركته خلفه يتألم، صحيح لم تظهر عليه أي علامات للألم، لكن نظرات عينيه أوضحت لها هذا، وقفت عند الباب تحاول للمرة الأخيرة أن تُفتش عنه في قلبها، حاولت أن تجد له ولو ذكرى واحدة فقط، ذكرى وحيدة لعلها تشفع له، لكن كل الذكريات أصبحت أشواكًا في قلبها، لذا تنفست بعمقٍ كأنها تطرده من داخلها ثم غاب رد فعلها حتى اصطفك الباب فجأةً كدليلٍ على رحيلها…
[عودة للحاضر]..
دون أن يشعر كانت العبارات تهبط فوق وجنتيه، شعر بسخونة المياه وهي تُنافي برودة بشرته، تنفس بعمقٍ وصورتها لم تبرح خياله، ضحكتها الرقيقة لازالت تتراوح بين ثنايا عقله، سراديب قلبه أُغلِقت على عينيها فقط لم يعد يتذكر من بين الورى غيرها هي وحدها، اليوم أدرك معنى أن يعض الإنسان يده ندمًا وقهرًا على أشياءٍ ضيعها بنفسه من نفسه، ثم يعود ويبكي..
لكن بماذا يُفيد البكاء؟ إن كان الحصول أصبح مستحيلًا؟
أتت الممرضة وقادت المقعد به لغرفته، ولج من جديد للكآبةِ والظلماء الموحشة التي تخرج من قلبه لتملأ المكان حوله، كان يبحث بعينيه عن أي ملمحٍ للروح لكنه لم يجد سوى الحزن وحده، أرخى رأسه للخلف ثم نظر من النافذةِ وتذكر شريط حياة “يـوسف” بأكلمه.. تحديدًا موقفًا من بين المواقف لكن هذا لم يبرح خياله ما دام لازال حيًا…
بعد وفاة “مصطفى” بليلتين فقط وهروبهم من المدينة..
جلس “يـوسف” على درجات السُلم الرُخامي الصغير يبكي وهو يضع رأسه فوق كلا ذراعيه، كان يبكي بقهرٍ وحالٍ يجعل القلوب تنفطر لأجله، طفلٌ حُرِمَّ من عائلته وبيته، فانتهى به الأمر هكذا باكيًا بدون رعاية، اقترب من خلفه “عـاصم” ولمحه، وقتها وقف بجواره مباشرةً وسأله بهدوءٍ:
_أنتَ لسه مانمتش؟ قوم مينفعش تسهر كدا.
وقتها التفت له “يـوسف” بعينين سكن فيهما الجمر المُلتهب من البكاء ثم وقف بجسدٍ هزيلٍ وقال بوجعٍ سكن قلب اليتيم:
_مش عارف أنام، بابا كان بياخدني في حضنه كل يوم يحكيلي حكاية لحد ما أنام وبعدها أصحى أصلي الفجر معاه، خايف أنام.
وقتها رق قلبه، كانت تلك هي المرة الوحيدة التي جعلت قلبه يرق لأجل هذا الطفل اليتيم، فتحرك بهدوءٍ وأمسك كفه ثم قاده لغرفته ووصل معه “يـوسف” فوضعه فوق الفراش ودثره جيدًا ثم ترك الضوء الخافت بجواره، كانت مرة وحيدة سمح لمشاعره تغلب عقلانيته، لكن في حضور أمه التي وبخته، عاد الجمود يكسوه من جديد ووأد عاطفته بمهدها..
تعالى صوت نحيبه على تلك الذكرى البعيدة ثم ردد في العلن قبل نفسه كأنه لأول مرةٍ يتحدث منذ زمنٍ بعيدٍ طال به غياب صوته كما يطول غياب الشمس خلف الغمام:
_وأنا كمان خايف يا “يـوسف”..
وفقط..
كانت تلك هي كلمته الأخيرة،
أدلى بخوفه وندمه وقسوة الحياة معه، لكن لن يُنكر أنه من سبق وسكب لغيرهِ من هذا الدلو المُر، فلا يُحق له أن يلوم الحياة على ردها لفعله، هو قدم الشر، وزرع الحقد؛ فكان المقابل ندمًا..وفقط
____________________________________
<“وموعدي اليوم موعد السجن في حدائق الحُرية”>
لا شك في حتمية أن الحياة تحمل المعنى بنقيضه..
فتجد السجين هو من يسعى لحُرية الناس، وتجد الضعيف هو الذي يمد غيره بالقوةِ، أما الفقير فهو الذي يحمل في قلبه الغنى والتعفف، أما الحُر فذاك حينما يخضع لقواعد العشق هو بذاته من يبحث عن سجنه حتى لو بين رمشٍ وهدبٍ فقط…
قُبيل الظُهر كان “بـاسم” يقف في ردهة المشفى الرُخامية، وقف ينتظر بفارغ صبره خروجها، انتظر طلتها عليه حتى يتحرر من أسر الوحدة التي تكالبت عليه بدونها، رحلة دامت لشهورٍ عِدة، طال غيابها عن مرأى عينيه لكنها لم تَغِب عن قلبه، أنهت العلاج من المخدرات، ثم اتجهت لدورات علاج نفسي، أرادت أن تتعافى من أي أثرٍ لتلك الفترة في حياتها، أرادت أن تنسى حياتها منذ أن كانت في الثامنة عشر من عُمرها، حتى وهي في الخامس والعشرين، أرادت أن تبدأ معه خير البداية، ولأجله هو تلك المرة..
مل من الانتظار، لقد انتظر هذا اليوم منذ ثلاثة أشهر حينما انقطعت عن رؤيته تمامًا وطلبت منه أن يُساعدها، كان يكتفي فقط بالإطمئنان عليها عن طريق خالته التي كانت وسيطًا بينهما، لكن اليوم لا مفر، حتى ولو رفضت سيخرج المناضل الذي كان في قلبه لأجلها هي، سيثور كما فعلها من قبل حتى يرحل بها، بحث بعينيه عن أي شيءٍ يدله عنها، وكأن قلبها كان يُناديه، فما إن التفت وجدها..!!
هي بذاتها صاحبة الأعين العسلية، هي نفسها الجميلة التي سرقته من نفسه، هي التي لأجلها يعلن عن ثورةٍ أمام كل طاغٍ متجبرٍ قد يتسبب في حزن هذا الجمال، ابتسم لها بعينيه ثم اقترب منها فوجدها تركض حتى ترتمي بين ذراعيه، حملها بقوةٍ وأخفاها في عناقه الذي طوقها، بينما هي فبمجرد أن وجدت نفسها آمنةً بقربه؛ بكت، كانت تبكي بشدةٍ وقالت بصوتٍ مرتجفٍ:
_كنت خايفة تزهق ومتستنانيش، وحشتني.
أبتعد عنها يطوق وجهها بكفيه ثم لثم جبينها وقال بصدقٍ:
_دا أنا أسيب روحي تروح مني أهون عليا من إني أزهق وأنا مستنيكِ، وحشتيني أوي والدنيا برة ملهاش طعم من غيرك، أبوس إيد أمك يا شيخة قولي إن كدا خلاص مفيش حاجة تاني، أنا راضي بيكِ زي ما أنتِ، لو مش مصدقاني أنا هشتغل ديلر علشانك لو تحبي، بس بلاش غيابك يطول.
ضحكت رغمًا عنها بين عبراتها التي أغرقت وجهها الوضاء الذي أصبح مُشرقًا ثم بادرت بإمساك كفه وهي تقول:
_مفيش غياب تاني خلاص، أنا جيت وهكمل اللي جاي كله معاك، بس بقولهالك أهو دي آخر مرة هديك فرصة تختار بيني وبين حياتك، يا أنا وبس، يا حياتك يا “بـاسم”.
ابتسم بحنينٍ لها ثم رفع كفه يزيح غُرتها الذهبية التي عادت لطبيعتها _بعيدًا عن تلك الألوان الغريبة التي كانت تصبغ خصلاتها_ عن جبينها ثم قال بحبٍ وصدقٍ اقتبسه من حديث قلبه عنها:
_و”بـاسم” بيقولك مفيش حياة من بعدك، يا تكوني أنتِ حياتي كلها يا مش عاوزها خالص ولا لازماني، قولتي إيه أنتِ؟.
والقول أتى على هيئة عناقٍ طوقت به عنقه؛ فضمها بقوةٍ تلك المرة كأنه يختبر نوعًا جديدًا من الانتصار، تحديدًا يشبه ذاك اليوم الذي رحل فيه الفاسد وأعلن أمام جموع الشعوب في كل البُلدان تنحيه عن منصبه، تذكر يومها كيف احتضن رفيقه وكيف صرخ وهلل وركض في الميادين، تذكر كيف رفع رأسه بشموخٍ أمام العالم ليخبر العالم من هو وماذا فعل، يومها بات في ميدان التحرير بين عناق “حـمزة” الذي كان يحمي الشباب ويوثق اللحظات ويكتب عن الثورة الحُرة التي جعلت العالم بأكمله يعلم من هُم الشباب وكيف هي قوتهم..
رحل بها يحمل حقيبته فوق ظهره وهي بيده ثم جلست خلفه فوق الدراجة السوداء الخاصة به، ثم بدأ يتحرك بها وهي تحتضنه من الخلف تبتسم تارةً ثم تضحك تارةً أخرى حينما يلفح الهواء وجهها، لأجله تخلت عن نفسها القديمة، عن إدمانٍ كان في جسدها، تخلت حتى عن أناسٍ من المُفترض أنهم عائلتها، لكنها حتى لم تندم على هذا الفعل، لقد سبق وتخلوا هم عنها، واليوم هي تختار ما يُريح قلبها..
ولجت معه شقة خالته التي أطلقت الزغاريد وهي تستقبلها، أرتمت هي في عناقها بقوةٍ وبكت، بينما “كِـنز” فضمتها باكيةً وهي تشعر كأن ابنتها تاهت عنها ثم عادت من جديد لأحضانها، ظلت تُربت عليها وتحتضنها ثم قالت بصوتٍ باكٍ:
_حياتنا نورت بوجودك فيها، دي الضحكة مكانتش عارفة طريق وشنا في غيابك، يا قلبي عليكِ، طمنيني بقيتي كويسة؟ لسه فيه حاجة بتوجعك؟ قوليلي علشان لو كدا ماخليهوش يمس شعراية منك، السافل اللي عاوز ليلة فرحه النهاردة دا.
تورد وجهها خجلًا وهربت بعينيها من لقاء عينيه، فيما زجر هو خالته بحدةٍ فضربته في بطنه ثم اندفعت تحدثه بقولها:
_إيه بتزغرلي ليه؟ مش قولتلي إن الليلة دي ليلة الفرح؟ هكدب عليها يعني؟ ماهي لازم تبقى عارفة إنك عيل واطي مالكش أمان وهتضحك عليها، اسمعي أنتِ تباتي معايا بتاع شهر كدا علشان وحشتيني وهو يبات في شقته ميقرفنيش، وليلة الفرح مش مهم الأيام الجاية كتيرة.
ضحكت “نـورهان” لها بينما هو فصل بينهما وطل على خالته من علياءه وهدر بجمودٍ كأنه يُجاهد كي لا ينفعل في وجهها:
_أقسمت بالله كلمة منك كمان ومش هخليكِ تلمحيها غير على العيل الأول، البت وحشاني، وراعيت ربنا وصبرت علشان أنول، ويوم ما أنول ألاقيكِ واقفالي في الرزق؟ مكانش العشم فيكِ.
ضحكت خالته بينما هو ضم زوجته لعناقه بقوةٍ فوجدها تتكيء برأسها على صدره وتتمسك به، فضحكت خالته بينما هي همست لهما بحبٍ وتأثرٍ من مشاعرهما نحوها:
_أنا محظوظة إنكم عيلتي، وبحبكوا أوي فوق ما تتخيلوا.
في الجهة الأخرى ضم خالته وأصبح يضم كلتيهما بين ذراعيه ثم شملهما بأمانة المفروض عليهما، حقًا أتعبته الحياة حتى كره لفظ اسمها على لسانه، لكن هذا العوض الذي رزقه به الخالق يعوضه عن خسائر شتى، لكن ثمة بعض الخسائر لا تعوض بأي ثمنٍ، منها عناق أمه له، وصوت رفيقه الحُر..
وكلًا منهما صورته وُضِعت أمامه فوق الحائط وهو يبتسم بحنين لهما، ولسانه يُردد الدعاء لهما.
____________________________________
<“هذا الدين أتانا كي يُغيثنا، ففرطنا في النجدة لأجل الهلاك”>
ومقام الشكر جامعٌ لجميع مقامات الإيمان، ولذلك كان أرفعها وأعلاها، وهو فوق الرضا، وهو يتضمن الصبر من غير عكس، ويتضمن التوكل والإنابة والحب والإخبات والخشوع والرجاء؛ فجميع المقامات مُندرجة فيه، لا يستحقّ صاحبه اسمه على الإطلاق إلا باستجماع المقامات له.
ولهذا كان الإيمان نصفين: نصف صبر، ونصف شكر، والصبر داخل في الشكر، فرجع الإيمان كله شكرًا، والشاكرون هم أقل العباد، كما قال تعالى:
{وقليلٌ من عبادي الشكور}
النهار انتصف، تحديدًا بعد صلاة العصر، كان “مُـحي” يجلس في مسجد الحارة وسط الصبية الصغار، تلك الفترة التي يأخذ في استراحته من العمل، ثم يذهب ويصلي في المسجد، ثم يجتمع بالصغار الذي كون معهم علاقات صداقة ثم اكتسبهم لصفه، وقد كان يستغل تلك الساعة في تقديم بعض الدروس الدينية لهم، ومن بينهم جلس “إيـاد” يستمع له، فوجده يقول بهدوءٍ:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
ربنا ينفع بكم ويجعلكم سبب لرفعة الأمة، وانتشار الإسلام ونصرته وعزته، فاللهم أعز الإسلام والمسلمين، النهاردة درسنا عن الإسلام نفسه، الدين الذي أتانا يُغيثنا، يعني ينقذنا من طُرق الضلال، ربنا سبحانه وتعالى ميز الإنسان بالعقل، خلقه عاقل وواعي علشان يقدر يختار بين الطرق اللي هو عاوزها، وكذلك يقدر يشوف المصير اللي هو عاوزه، فالعِبرة دومًا في النهايات، النهاية اللي بتنتهي بيها حياة المرء، طب الإنسان أصلًا طالما هو مسلم ليه بيضيع؟ خقولكم ليه.
توقف يراقب تركيزهم معه، فأضاف بوجهٍ بشوشٍ:
_لأن الإنسان قدر يتغر في الدنيا، بتفتن العباد فيقعوا في الفخ، تلاقي حد عاوز شُهرة وحد عاوز فلوس وحد عاوز سُلطة وحد تاني ورا شهوات وملاذات، كل دا في دنيا زائلة، تُفنى ولن تَدُم، الفتنة دي بتيجي من إيه؟ من عدم الرضا بقضاء الله، الإنسان عاوز الاكتر دايمًا من اللي عنده، وتلاقيه بيقلد ويعمل زي غيره، وغيره يقلد غيرهم، ونفضل كلنا نمد بصرنا لحاجات بتضيعنا، ليه؟ لأن ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز:
_{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} وجاء التفسير بـ:
وكل واحد منهم يأتي لربنا يوم القيامة فردًل بنفسك لا بمال لا شهرة ولا معارف ولا أي حاجة، اللي هييجي بيه هو العمل الصالح ولن ينفعك حينها إلا صلاتك وقلبك وعملك الصالح فأعد نفسك لمثل هذا الموقف، خليك جاهز وقبل أي معصية خليك مستعد يمكن تموت عليها، فكر قبل ما ترتكب الذنب يمكن دي آخر مرة ليك ودا آخر نفس فيك، طب لو صعب عليك ومش قادر؟ خلاص الحياة كلها مُغريات ليك؟ هفكركم وأشرحلكم.
سكت هُنيهة ثم اقتبس الحديث من الدروس التي تعلمها وقال :
_اقبض على جَمر دينِك بقوَّةٍ، فإنها تُمطر فِتنًا
الالتزام بشرع الله راحة ما بعدها راحة وهو برِّ الأمان الوحيد وبه السكينة والسعادة، إلا أن الثبات في وجه الفتن المُحيطة فذاكَ صعبٌ يحتاج منَّا جِهادًا، وأجرُه عظيمٌ عند رب العالمين،
حيثُ صوَّره النبي ﷺ بحديثه:
“يأتي زمان على أمتي القابض على دينه كالقابض على جمرة من النار”
ويقصد بها ﷺ كثرة الفتن، أعاذنا الله وإياكم منها وثبّتنا على الإلتزام بشرعه ما استطعنا هذا، لذا إن دين الإسلام دين الحق، لم ينتشر بالسيف، لم ينتشر بالترهيب، فمتسمحش لحد يشوه صورة دينك وتكون مثال سيء للمسلم والمسلمين…
توقف يلتقط أنفاسه فوجد “أيـوب” يجلس في الخلف ويستمع له مبتسم الوجه وحثه برأسه أن يُكمل، فتابع “مُـحي” الحديث بقوله:
_عمرو بن العاص قاهر الروم وفاتح مصر- نشر فيها الدين الإسلامي وخلصها من أيدي الرومان وآمن الأقباط المصريين علي أرواحهم وأموالهم وكنائسهم ولم يجبر أحدًا على الدخول في الإسلام، وهذا يدل علي أن الإسلام لم ينتشر بحد السيف إنما انتشر بالتسامح والعدل، رضي الله عن سيدنا عمرو بن العاص الذي أشار وأصر على فتح مصر وعن سيدنا عمر بن الخطاب الذي وافق، والحمد لله دائمًا، لقد كان فتحًا عظيمًا..
سيظل دخول سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه مصر هو أعظم حدث في تاريخها، منذ شمس ذلك اليوم وكل سجدة يسجدها مسلم في مصر، تُكتب في ميزان حسنات عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وأرضاهما..
ابتسم وهو يلمح الصغار ينصتون له ومن بينهم مُعلمه “أيـوب” الذي ابتسم بفخرٍ وردد الدعاء خلفه، وقد اقترب منهم “مُـحي” يوزع عليهم الحلوى التي يجلبها لأجلهم ومع كل قطعة لصق بها ورقة كرسالةٍ منه لهم، حيث كتب بمساعدة “أيـوب” الذي أصبح يُجاهد معه باسم الدين الإسلامي:
_”يا بني!
هذا الدين كي يصل إليك، بُصق في وجه النبي، وضُرب “أبو بكر” في المسجد الحرام بالنعال، ومُنع “مُصعب بن عُمير” من الطعام والشراب، وتخشّف جلده تخشّف الحيّة، وكان “بلال” بن “رباح” يوضع في عنقه حبلًا ثم يُسلَّم للصبيان كي يجرُّونه ثم يُضرَب بالعصا، وعُذَّب “خباب بن الأرت” بالنّار..
يا بني!
هذا دينٌ أتاكَ على أشلاءِ ناسٍ،
فلا تكن محطة نحسٍ، قاسي القلب فتفرّط فيه”.
انتهى الدرس وخرج الصبية الصغار يتحدثون ويتهامسون كعادة نهاية كل درسٍ، وقد خرج “أيـوب” بمحاذاة “مُـحي” الذي كان يبتسم له فوجد “أيـوب” يقول بضحكةٍ واسعة:
_ربنا يبارك فيك، أنتَ مثال للشاب الصالح اللي المفروض يكون نموذج للمسلمين، المعركة كلها بتقوم على تغييب الصغيرين، علشان يطلع جيل جاهل بأمور دينه، يطلع مُغيب ومُشتت ويكون مسخ بيتحرك من غير عقل، أنا مبسوط أوي بيك وإنك بتستغل وقتك مع الأطفال الصغيرين، هما دول اللي الأمل لسه متعلق بيهم، يمكن هِمتنا ضعفت ويمكن يكون اللي شُفناه تقل خطواتنا، بس على الأقل لازم نحارب علشان الأجيال الجاية تكون واعية شوية.
أومأ له “مُـحي” وقال بصدقٍ حثه عليه قلبه:
_أوعدك يا “أيـوب” هفضل أحاول.
تركا بعضهما عند المسجد وذهب “أيـوب” للعمل في محل الفُخاريات، بينما “مُـحي” عند عودته وقف حينما لمح سيارة “بـهجت” تصف عند البناية ويترجل منها أفراد أسرته، هندم سترته الشتوية “سويت شيرت” باللون الأبيض السُكري ثم اقترب وألقى التحية عليهما، فردوا عليه بوجهٍ بشوشٍ، بينما هو فسأل بضحكةٍ واسعة:
_خير يا عمي؟ كان فيه حاجة؟.
ضحكت “جـنة” بخجلٍ فيما قالت أمها بودٍ وسعادةٍ:
_كنا بنجيب فستان كتب الكتاب، جيبت البدلة؟.
ضحك لها ورغمًا عنه خانته عينه نحو جنته التي حتى الآن يُحرم عليه النظر إليها، فتنهد وقال بيأسٍ من طول الإنتظار:
_جاهز والله، جاهز من بدري ومستني رهن إشارة.
ربت والدها فوق كتفه فيما تحركت أمها وهي خلفها، وآخر شيءٍ فعلته كانت نظرة وداعٍ منها له، ليعلم هو أن عيناها تُضاهي قوة الموسيقى، كلاهما سيانٌ فنون حُرمت عليه، وعيناها ليست كأي فنٍ، هي فنٍ من نوعٍ خاصٍ كأنها نعيمٌ وُجِدَ فوق الأرض، وهو العاصي الذي ينتظر قبول التوبة كي يستحق الجنة.
____________________________________
<“تلك المرة اجتمع الشبيهان في شبيهٍ ثالثٍ لهما”>
“أنا هُنا…أنا لأجلك هُنا”…
كانت تلك هي البداية للحكاية، لم يكن مجرد حديثٍ فحسبٍ، هي كلمات نطق بها القلب وصرحت بدلًا عنه العين، حيث
“أنا هنا وهفضل معاكِ هنا”
جملة واحدة كانت سببًا في بداية القصة لتُكتب في أواسط كتب العشق والحُب ، جملة قامت بأسرها منذ البداية ولا زال أثرها ثابتًا كما هو في خاطرها وخُلدها، جملة بعثت في نفسها أملًا جديدًا أن ما سبق من مُر قد مَر ولا يهم من الأمر إلا أن يبقَ هو دومًا وأبدًا هنا، هنا حيث الاثنان يُعانقان بعضهما، والسماء فوقهما، والطيور الحُرة ترفرف بجناحيها كأنها تطوقهما، هنا حيث القلب بجوار القلب ، هنا حيث الأمان في كنف من نُحب…
حقيبة ممتلئة، منتجات جديدة تدخل البيت، حماس يخالطه الخوف، رغبة في الرؤية تنافسها رهبة من الألم، قلوب تتلهف وأرواح تترقب، وقلوب تنتظر لتستبين كيف سيكون النبض، جلست على حافة الفراش تضم بطنها وهي تعد الساعات المتبقية، ياليت الساعة المتبقية تمضي وينتهي الأمر وهي تحتضن الروح الثالثة، الشبيه الآخر لهما، شعرت بضربة خفيفة في بطنها فضحكت رغمًا عنها، بينما “يـوسف” أخذ المال من الخزينة ثم وضعها في حقيبتها واقترب يجاورها وسألها بحنوٍ:
_جاهزة؟ ولا نأجلها شوية يمكن لسه الإجتماع مخلصش.
كان يسخر ويمزح حتى تضحك هي، لذا ضحكت رغمًا عنها ثم وضعت رأسها فوق كتفه وهي تقول بأملٍ في القادم:
_مش خايفة، بس متحمسة أوي، مستنية الساعات الفاضلة لحد ما أضمه لحضني، نفسي ييجي دلوقتي يطمني وأرتاح وهو معايا، تخيل دا هيكون الشبيه التالت لينا؟ هيكون فيه مني ومنك مع بعض، هياخد حنيتك وقوتك وقلبك الجميل، وياخد مني ذوقي وهدوئي، هانت خلاص.
ضمها بذراعه ثم مسح فوق كتفها، ظلت بجواره هادئة حتى صدح صوت المُنبه من هاتفها فرفعت رأسها بلهفةٍ، بينما هو فحمل الحقيبة الكبيرة ثم أسندها وتوجه بها إلى السيارة وذهبت معه أمها وأمه و “ضُـحى” التي ذهبت بدلًا عن “قـمر” التي بسبب تعب حملها وبقاء “أيـوب” معها منذ ما يقرب ثلاث ساعات.
ولجت المشفى وتم تحضيرها بغرفة المشفى ثم بدأت المتابعة الطبية لمنطقة البطن ومتابعة حركة الجنين، بدأت المشفى وقتها تمتليء، حيث أتى “أيـوب” ووقف بجوار “يـوسف” الذي اطمئن ما إن رآه أمامه، وقد أتى “عبدالقادر” يقف مع ابن أخيه ثم “نـادر” و “عُـدي” ثم “إيـهاب” وبقية الشباب، الجميع حضروا حتى “سـراج” أتى بالمشروبات وجلس في الخارج مع الشباب والرجال في بهو العيادة بالطابق الأرضي…
أما “يـوسف” فكان يتابع مع الطبيبة التي تخبره بكافة التفاصيل، وخلفه يتحرك “أيـوب” يُنهي كل الإجراءات ومعه “أيـهم” الذي كان يخبره أنه أصبح لديه خبرة في تلك الأمور، واستمر الحال بين الحماس والدعاء والسؤال والترقب، حتى ولجت غرفة الولادة عند منتصف الليل كي تضع مولودها الأول..
وقتها وقف “يـوسف” صريع الذكرى في موضعه، يخشى حدوث ألف شيءٍ، يخشى الفائت ويخشى القادم، يخشى كل شيءٍ، شعر لوهلةٍ أنه بدون جدارٍ يتكيء عليه كأنه أصبح عُرضة للإنهيار، فأتى “أيـوب” ووقف بجواره وأمسك مرفقه وقال بصوتٍ هاديء:
_متقلقش، أنا جنبك ومعاك وهيخرجوا ليك بخير.
لا يعلم كيف أتى، ولا حتى متى شعر به واستمع لصوت نداء القلب، فابتسم له “أيـوب” بحنوٍ ثم ضم رأسه لصدرهِ بقوةٍ، وبعد مرور ساعة بالتقريب أتت البُشرى حينما صدح صوت الصغير من الغرفة، فطارت إليه القلوب، الجميع تلهفوا لرؤية الصغير، فخرجت الطبيبة تقول بوجهٍ بشوشٍ:
_مش قولتلك ثق في ربنا ثم فيا؟ ولدت أهيه بدون ألم الحمدلله وجابت ولد زي القمر، عن إذنكم، مبارك عليكم وربنا يجعله ذرية صالحة.
أطلقت “أسماء” الزغاريد تنشر خبر الفرحة، بينما “يـوسف” أنهالت عليه القُبلات والأحضان والمُباركات، كان بين الجميع تائهًا حتى استقر دون أن يشعر بنفسه في عناق “عبدالقادر” الذي ضمه بقوةٍ، كان كلًا منهما يبحث عن من يريد، وكأنه وجده بالفعل، ازداد عناق “عبدالقادر” له كأنه يحتضن “مصطفى” بينما “يـوسف” فشعر أنه بين عناق “مصطفى” بصورةٍ أخرى، حتى أتى “أيـوب” يحمل ابنه وهو يبتسم له بعينين لامعتين..
حرك “يـوسف” عينيه نحو “أيـوب” ثم هبط بهما لصغيره، أقشعر بدنه وهو يتذكر أول مرةٍ يحمل فيها “قـمر” ثم تذكر فرحة والده بها، تذكر أمنية الراحل في وجود ولدٍ آخر يكون أخًا لـ “يـوسف” حيث أخبره وهو يحتضن “قـمر” التي سرقت قلبه منذ الطلة الأولى في وجهها:
_طب الحمدلله إنك فرحان إنها بنت، إن شاء الله أجيبلك ولد وأخليك كبير عليهم، وهخليك تسميه زي ما سميت أختك كدا، بس جهز الاسم علشان أنا ممكن أقولك يلا ماما هتجيب نونة في أي وقت.
وقتها دار بعينيه بحثًا عن الاسم وقال بلهفةٍ:
_في المدرسة خدنا معنى اسم حلو أوي لما تجيب ليا اخ هسميه على اسمه، بس خليه مفاجأة زي اسم “قـمر” كدا ما عجبك.
خرج من شروده بعينين دمعتين وهو يحمد ربه في سره وجهره، حمله وهو يشعر أن جسده يتعرض لضربات كهربية، نبضات قلبه تعالت، وجهه أِحمر بشدةٍ، توقفت الأصوات حوله ولم يعد يعلم كم مر من الوقت عليه حتى يقف يحمل قطعة منه تحمل الروح فيها، لا يعلم كيف انتهى به الأمر هنا في رواق المشفى يحمل ابنه؟ لحظة..!! ابنه؟ هل حقًا يحمل ابنه؟ هذا لم يكن مجرد خبالٍ؟ ألم يكن عقله عاد لمرضه وزاد الأمر عليه قسوةً حتى يعيش بهذا الحلم؟ أهذا حقًا حقيقة وليس وهمًا؟.
هبطت عبراته تباعًا وضم ابنه، كان عناقه لابنه قشة قسمت ظهره، لا يعلم لما يبكي لكنه حقًا كان يتحمل أضعاف طاقته، لاحظه الجميع، لكن أسرعهم كان “أيـوب” الذي ضمه وضم ابنه يخفيهما بين أحضانه، وواساه باليد والنظرة والعناق، وكان خير الأخ الذي يشد به أزره، ويستند عليه عضده..

تعليقات