رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسادس عشر
بعد أن ساعدت **سيرين** فاطمة على العودة إلى سريرها وأحكمت الغطاء عليها، عادت إلى غرفتها وقد أنهكها التعب فاستلقت على سريرها محاولةً استعادة بعض الراحة… لم يمضِ وقتٌ طويل حتى غلبها النعاس غير أنّ دفئًا غريبًا أيقظها فجأة… **ذراعٌ أحاطت بها من الخلف وصوتٌ خافت ناداها:
“سيرين…”**
تجمدت للحظة، لم تُدرِ متى تسلل **ظافر** إلى غرفتها… أحاط خصرها بقوة ووضع كفَّه الآخر فوق بطنها في حركةٍ مباغتة جعلت أنفاسها تتلاحق.
قالت بحدّةٍ مكتومة:
“ما الذي تفعله يا ظافر؟! يبدو أنك لم تفقد ذاكرتك تمامًا فما زلتَ متمسكًا بعادتك القديمة… اقتحام غرف الآخرين!”
لم يُجِب وظلّ صامتًا… بدا كمن يقاوم شيئًا في داخله كأنّه لا يريد لمسها حقًّا لكنه أيضًا لا يستطيع التراجع إذ كانت كلمات ماهر السابقة عن **كارم** ما تزال تؤجّج نار الغيرة في صدره فاقترب أكثر حتى همس بأنفاسه الساخنة قرب مسامعها ثم طبع قبلةً خفيفة عند مؤخرة أذنها.
ارتجف جسدها بعنف وشهقت مرتعشة.
“لا تجرؤ، يا ظافر!”
اقترب أكثر وهمس بشيءٍ جعل الدم يتصاعد إلى وجهها فاحمرّت وجنتاها كحبة طماطم ناضجة.
صرخت همسًا وهي تضع يدها على فمها خشية أن تسمعها **فاطمة** أو أحد الجيران:
“لا أحتاج ذلك!”
كانت الغرفة غارقة في الظلام إلا من خيط ضوءٍ باهتٍ يتسلّل من الخارج… لم يكن **ظافر** يرتدي قميصًا فبدا جسده المعضل متوتّر كوترٍ مشدود.
قالت سيرين وهي ترتجف:
“اخرج… الآن!”
توقّف لحظة ثم انحنى نحو أذنها من جديد وصوته ينساب كتحذيرٍ ناعم:
“إن رغبتِ يومًا في ذلك… فقولي لي ولا تبحثي عن أحدٍ سواي.”
صرخت بصوتٍ متقطع وهي تلفّ البطانية حول جسدها المرتجف:
“قلت لك اخرج حالًا!”
حين غادر **ظافر** الغرفة، لمحت **سيرين** على خصره أثر لقرصتها ما زال باهتًا لكنه لم يختفِ بعد.
نظرت إليه نظرة خاطفة ومرّ في خاطرها أنها كانت تظنّ يومًا أنها قادرة على التلاعب به مستغلة فقدانه لبصره وذاكرته لكن الأيام أثبتت لها العكس؛ فقد صار أكثر صعوبة في السيطرة كأنه كلما فقد جزءًا من ماضيه استعاد جانبًا آخر أكثر تمردًا من روحه.
قبل الحادث كان **ظافر** رجلاً جامد الملامح قاسيًا في قراراته لا يترك لأحد مجالًا للاقتراب أو التحكم أما الآن وقد تهاوت ذاكرته فقد انكشف وجه آخر له… وجهٌ لا يعرف الخجل ولا القيود… ارتجفت وقد تملّكها القلق من عودته إليها مجددًا فأغلقت الباب بإحكام تلك الليلة وأزاحت خزانةً صغيرة لتسُدّ بها المدخل كأنها تقيم حصنًا بينها وبينه لكن النوم لم يُطاوعها فكلما أغمض عينيها تداهمها صورٍ متلاحقة من حديثه، وصوته لا يفارق ذهنها كصدى بعيد وحين غلبها النعاس أخيرًا وجدت نفسها في حلمٍ غريب: قاربٌ صغيرٌ يهتزّ فوق محيطٍ بلا نهاية والأفق يبتلعها بصمته كأنها تائهة في قلب المجهول.
استيقظت فجأةً وجسدها يقطر عرقًا كمن نجت بأعجوبة من أعماق ذلك البحر والتفتت إلى هاتفها فرأت الوقت قد تجاوز العاشرة صباحا… تنفّست الصعداء حين تذكّرت أن **فاطمة** لن تستيقظ باكرًا اليوم.
ما إن فتحت **سيرين** باب غرفتها حتى دوّى رنين الهاتف بين يديها فرفعت الجهاز لتجد رسالة من **كارم** تقول:
> “هل أنتِ متفرغة هذا المساء؟ دعينا نلتقِ بـ **نوح**؟ لقد راسلني وطلب مقابلتي.”
وما إن قرأت اسم نوح حتى أضاءت ملامحها بشيء من القلق والحنين فأجابته دون تردد:
> “بالتأكيد، أراك في المشفى.”
كان **نوح** يرقد هناك منذ مدة ومع أن الطاقم الطبي يعتني به فإن **سيرين** لم تتخلف يومًا عن زيارته.
اغتسلت بالماء البارد تزيل عن نفسها بقايا ليلٍ ثقيل ثم ارتدت ثيابها بعناية وهبطت إلى الطابق السفلي… كان الإفطار لا يزال دافئًا فوق المائدة تفوح منه رائحة الخبز المحمّص والقهوة الطازجة.
نظرت نحو **ظافر** الذي كان يجلس في الركن غارقًا في قراءةٍ صامتة ثم قالت ببرودٍ يكسوه التحفّظ:
“سأخرج وسأعود الليلة… أرجوك اعتنِ بـ **فاطمة** جيدًا.”
لو لم تكن **فاطمة** تحت هذا السقف لكانت فعلت كما اعتاد هو في الماضي… خرجت ولم تعد بل وستبيت ليلتها في فندق لتجعله يذوق ما عانته معه.
قال ظافر فجأة بصوته الهادئ الذي يخفي توترًا دفينًا:
“إلى أين ستذهبين؟”
أجابته **سيرين** ببرودٍ لا يخلو من حدّة:
“ليس من شأنك… ومن الأفضل ألا تتبعني هذه المرة… وإلا فاخرج من منزلي.”
كانت تظن أنها أبدت من اللين معه أكثر مما ينبغي في الليلة الماضية وربما لذلك تجرّأ على نسيان أن في هذا البيت قواعد يجب احترامها.
لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك؛ **عائلة نصران** لم تعد تريده بينهم حتى **شادية** — تلك التي طالما دافعت عنه — أدارت له ظهرها.
ذات مرة اتصلت بها **سيرين** تسأل عن **جاسر** لكن **شادية** صدّتها ببرودٍ متعمّد واكتفت بقولٍ مقتضب:
> “اعتني بـ **ظافر** جيدًا ولا تدعيه يظهر في العلن… سأجعل ما تفعلينه يستحق العناء لكن إن علم الناس بأمره فلا تلوميني على ما سأفعله.”
حينها فقط أدركت **سيرين** أن **ظافر** يشبهها أكثر مما ظنّت كلاهما لم يكن يومًا الخيار المفضل لأمه وكأن القدر جمع بين روحين منسيّتين على هامش العائلة.
