رواية حبل الوريد الفصل الرابع والاربعون 44 بقلم ياسمين عادل


 رواية حبل الوريد الفصل الرابع والاربعون 

         _ كان يلثم كفيها المثلجين بكلتا يداه ويبث فيهم من أنفاسهُ الساخنة علها تدفئ .. 
شحوب وجهها وعدم إنتظام أنفاسها لتكاد تكون منعدمة ، كل ذلك جعله يُقن إنه على وشك خسارتها خسارة نهائية .. 
تحشرج صوتهُ وهو يحدثها بصوت خفيض .. 
ثم نظر لمرآة السيارة وقال بتخوف :

- زود السرعة يامراد ، تاج بتضيع مني .. زود السرعة

       _ أزاد من سرعة السيارة وهو ينظر كُل دقيقة للخلف متابعًا ما يحدث .. 
حتى وصل أخيرًا أمام بوابات المصحة ، والتي كانت لا تزال محاطة بعدد لا بأس به من حراسات رجال الشرطة منذ الحادثة الأخيرة .. 
هرول ريان خارج السيارة ليطلب مساعدة أحدهم ، حتى لبى موظفو الإسقبال النداء وأرسلو المسعفين لنقل '' تاج '' للداخل ، ومن ثم عرضها على الطبيب المختص بحالتها .. 
منع الطبيب دخول أحدهم أثناء فحصها .. 
حيث هدر بصوتهُ في المساعدة خاصتهُ  :

- حضريلي حُقنة  ***** فورًا ، ومحدش يدخل هنا مهما حصل 

    _ كان إنقاذها عملية شديدة الصعوبة بعد ما أستقبلهُ جسدها من جرعات مكثفة في فترة قصيرة للغاية .. 
ولكنهُ كابد العناء من أجل أن يُبقيها قيد الحياة .. 
كُل ذلك وريان بالخارج ، يتضرع للّه أن لا يكون قد وصل متأخرًا إليها .. 
الذعر يكسو وجههُ المُصفر ، فهي وحيدتهُ التي أعتنى بها طوال السنوات الماضية وحدهُ .. 
ترعرعت تحت كنفهُ وفي رعايته ، حينما كان أبيه وأخيه مشغولون بصراعاتهم .. 
منع حالهُ بشدة من أن يذرف دموعًا ، ولكنهُ لم يستطع الإمساك بتلك العبرة التي خانتهُ بالسقوط خوفًا عليها .. 
أكتر من سبعة عشر دقيقة لا يصل إليه خبر من الداخل ، مما جعل شعوره بالنهاية يسيطر عليه .. 
ولكن أنقطع هذا الشعور مع تحرك مقبض الباب ليخرج الطبيب بوجه بشوش ، وبعجالة قال :

- الحمدلله سيطرنا على الوضع ، لو كنت أتأخرت دقايق كمان اللّه أعلم كانت هتكون فين دلوقتي 
ريان بلهفة : يعني إيه ؟ هـ .... هي بخير؟ 
الطبيب وهو يضغط على كتفهُ ليبث الطمأنينة لداخلهُ : حاليًا بقت أحسن .. محتاجين شوية وقت عشان أقولك إنها كويسة

          _ دفن وجههُ بين كفيهِ ، فـ أنصرف الطبيب ليتركهُ في لحظتهُ الضعيفة تلك .. 
بينما سار مراد بخطى تشبه خطوات السلحفاة .. لم تعد لديه القوة لأن يسير خطوة واحدة ولكنه يعاند .. 
أطمئن داخله، فقرر الإنصراف وحيدًا كما كان وكما سيكون .. 

.................................................................... 

          _  ( ياعم كــريم براحة شوية هتلبسنا في العربيات اللي قدامنا ) 

      _ قالها '' تامر '' وهو يتمسك بمقعدهُ الأمامي في السيارة ، بينما كان كريم شبه منهارًا .. أو منهار بالفعل ، يقود السيارة بجنون وتهور .. يبحث بعينيه عن أثر لسيارة '' قُصي '' وكأن هذا هو الحل الوحيد الذي يملكهُ الآن .. 
حل ضعيف ، ولكن مع ضعف قوتهُ وأنهيارهُ لم يسعفهُ عقلهُ لأكثر من ذلك حاليًا .. 
كاد يصطدم بشاحنة كبيرة للغاية ولكنهُ تفادها بمعجزة إلهيه  ، وكأن في عمرهُ بقية .. صرخ فيه '' صالح '' إنذاك ليقول :

- يادي الليلة اللي مش باينلها نهار ، ياعم قولنا هتلبسنا في حادثة و ****** أهالينا .. في إيه ياتامر مش رجعنا البت والحوار خلص؟ ما ترسيني على الموضوع 
تامر وهو يتابع الطريق بقلق : أخت إبن الأكابر كمان أتخطفت ، باين كدا الراجل ده ابن ****** مفيش وراه غيرنا
صالح : طب إحنا رايحين فين دلوقتي ؟ 
تامر وهو يضرب كفيه سويًا بقلة حيلة : واللي خلق الخلق ما اعرف ، بس إحنا هنموت سوا أو نعيش سوا معنديش مشكلة يعني  
صالح وقد أتسعت حدقتيه بصدمة : نموت سوا ! أنت أتجنتت ياعم ولا إيه ؟  ده انا فرحي أخر الشهر حرام عليكو! 
كريم  : بــــــــــــــس  ، بــس أرحموني
تامر وقد شعر بالأسف لحال صديقهُ : حقك علينا يابن الأكابر ، خلاص سكتنا بس ركز في الطريق الله يكرمك

      _ ثم أشار بعينهُ لـ '' صالح '' حتى يلتزم الصمت في هذه اللحظات العصيبة التي يمرون بها .. 
وهنــا تحديدًا ، في هذه اللحظة .. 
أنفجرت شلالات الدموع من محجري عينيه  '' كريم  '' ، فقد كبحها طويلًا ولكن لم يقوَ على الصمود كثيرًا .. 
تذكر مشاجرتهُ مع شقيقتهُ في الصباح ، لتهاجمهُ وخزة مؤلمة وهو يردد :

- ده انا لسه متخانق معاها الصبح ، بس مقصدتش أزعلها .. والله كنت ناوي أصالحها لما أرجع ! 
إزاي أتأخرت عليها أوي كدا إزاي بـس ؟ 

   _ ضرب على عجلة القيادة وهو يتمم عبارتهُ .. فشعر صاحبيهِ بالشفقة عليهِ حقًا ، فقد تكالبت عليه الهموم لتثقل عاتقهُ .. 
تنهد صالح بضيق وقال مُآزرًا له :

- أهدا ياكريم ، لو خباها في بطن أمهُ هنرجعها بعون اللّه بس انت أهدا
تامر وهو يربت على فخذهُ : صلي على النبي ياصاحبي ، هنرجعها وغلاوتك

      _ وأخيرًا وجد نفسهُ يتوقف أمام المخفر ، وسرعان من ترك السيارة ليغدو للداخل ومن ثم يحرر بلاغًا بالواقعة ، لعل أجهزة الشرطة تتوصل إليهم عن طريق الحركة المرورية بالشوارع .. 
أستقبلهُ الظابط ( النبطشي) ، ليجدهُ في حالة لا يرسى لها .. تنغض جبينهُ وهو يتسائل  :

- سرقة ولا خناقة ولا .....
كريم بصوت متحشرج وهو يقاطعهُ  : خطف ، أختي أتخطفت وانا عارف اللي خطفها وعايز أعمل بلاغ

....................................................................

     _ أجفل '' رئيس المباحث '' بصرهُ عنهُ عندما إنتهى من سرد المغامرة التي قام بها بمساعدة كريم ورفاقهُ .. 
ثم تنفس بتذمر وهو يقول :

- اللي عملتوه مش قانوني بالمرة ، كان ممكن تعرفونا وإحنا هنتدخل ونرجعلك أختك
ريان وقد سئم تباطئهم في الوصول لشقيقتهُ : أمتى ! بعد ما تموت أوڨر دوس ( جرعة مكثفة تؤدي للموت ) 
رئيس المباحث بلهجة حازمة : أنا مقدر شعورك عشان كدا مش هلومك ، بعد ما تطمن عليها ياريت تشرفنا عشان نكمل المحضر ونثبت الواقعة
ريان وهو يشيح وجههُ بعيدًا : ماشـي 

         _ أنصرف رئيس المباحث عقب أن أصابهُ الضجر على أثر تصرفهم دون الرجوع للشرطة .. 
بينما تعامل ريان مع الموقف بعدم إكتراث ، ودخل لشقيقته كي يطمئن عليها .. 
مازالت نائمة نومًا عميقًا ، وساعدها يتصل بالمحاليل الطبية عن طريق أبرة طبية .. تأملها بأسف ، ثم جلس على طرف الفراش ، قادهُ تفكيره نحو ما كان من الممكن أن يحدث في حالة موت شقيقتهُ أو عدم العثور عليها .. مؤكد كان سيموت قهرًا ، وفجأة تذكر '' كريم  '' .. الذي كان گالجندي المجهول واختفى بمجرد إنتهاء المهمة ، رغم إنه شدد على إنه لن يترك '' تاج '' حينما يستعيدها .. 
حتى إنه لم يظهر بالمصحة ، أنتابهُ الفضول حول ذلك ، فنهض ليستخرج هاتفهُ من جيب بنطالهُ .. ومن ثم حاول مرارًا الإتصال به ، ولكنه '' كريم '' لم يرد .. 
فـ أصابهُ القلق أكثر وأكثر .. 
لمح أسم '' كارمن '' ضمن الأرقام الأخيرة التي تحدث إليها اليوم ، فخفق قلبهُ وهو يضغط عليه للأتصال .. راغبًا طمئنتها على ما آل إليه الأمر  .. 
ولكن المثير للدهشة إنها أيضًا لا تُجيب رغم تعدد الإتصالات ، فقد كان هاتفها مُلقى على الأرضية .. بنفس المكان الذي فقدت فيه وعيها وغابت عن الأدراك .. 
محاولة تليها الأخرى ، حتى وجد أحدهم يُجيبه  :

- ألـو

    _ أبعد ريان الهاتف عن أذنهُ ليتأكد إنه أتصل بالرقم الصحيح ، ثم أعادهُ على أذنيه وهو يتسائل بقلق ملحوظ نتج عنهُ رجفة في صوتهُ  :

- مين معايا ؟ مش ده رقم كارمن؟ 
- أيوة هو ، بس آآ ..... 

      _ تأوهت لطيفة بتألم شديد وهي تتسائل وسط دموعها :

- مين يابني اللي متصل ؟ 
الحارس : واحد إسمه ريان  

     _ أنتفضت واقفة من جلستها وهرولت نحو الحارس وهي تقول :
- طب أديهوني بسرعة ، ألو
ريان ودقات قلبهُ تكاد تكون مسموعة للجميع : في إيه يادادة ، مين اللي رد عليا وفين كارمن ؟ 
لطيفة بصوت باكي خالجهُ النشيج : ألحقني يابني ، قُصي الله يحرقهُ خطف كارمن وضربني على راسي وهرب ، لولا الحرس اللي بره دخلو يدورو عليا مكنش حد حس بيا ، ألحقهــا يابني
ريان  : ......     

       _ ما هذا الكم المتتالي من الصدمات ؟ 
لو كان جبلًا لـ إنهار أمام كل ذلك ! .. حقًا فاقت الأحداث قدرتهُ وأستُهلكت طاقتهُ  ، أبعد الهاتف عن أذنهُ ليردد غير مصدقًا :

- كتيـر عليا اللي بيحصل ، أقسم باللّه كتير ومش قادر أتحمل ! 

     _ أستند على الفراش ليترك جسدهُ على حافتهُ ، بدأت أنفاسهُ تتصارع وكأنهُ يركض .. 
ما عظم هذا الذنب الذي أرتكبهُ ليستحق كُل ذلك ؟ 
هكذا كان تفكيرهُ .. ماذا سيفعل ومتـي ؟ 
مُحال سيكون قُصي مدبرًا أمرهُ منذ البداية وقد أخذ أحتياطاتهُ .. ولكنه لن ييأس  . 

.................................................................... 

        _ تقريبًا حان موعد آذان الفجر .. 
عندما كان قُصي يغادر حدود عاصمة القاهرة متجهًا نحو مدينة الغردقة .. ولكن مع هذه الإحتياطات الأمنية والكمائن الموجودة وجد عجزًا في العبور بها وهي مستلقاه في غيبوبتها بالخلف .. 
تأهب داخلهُ للهرب وقرر ذلك ، هدأ من سرعتهُ مخادعًا ذلك الشرطي الذي أستعد لإستقبالهُ .. 
حيث أقترب الشرطي من السيارة ، ولكنهُ تفاجئ بإنطلاق قُصي دفعة واحدة للأمام متجاوزًا إياه .. 
تم إطلاق النار صوبهُ .. ولكن خابت تلك الرصاصات في الوصول إليه ، مازال لديه الفرصة للهرب مجددًا .. 
لاحقتهُ سيارة الشرطة  ، ولكنهُ تجاوزهم بمهارة .. وكأنهُ معتاد على ذلك .. كان الحظ حليفهُ الليلة ، فقد عاونهُ في تجاوز تلك السيارة الحادثة التي كانت على الطريق .. ليستغلها هو أسوأ إستغلال .. 
نظر للمرآه ليضحك بصوت مرتفع وهو يقول  :

- شايفة ياحببتي ربنا بيسهلنا الموضوع إزاي ؟ 
عشان تصدقي إنك عشاني مهما حصل

................................................................... 

             _أنتشر خبر هروب تلك السيارة من الكمين .. 
ووصل للدوريات الأخرى وتسرب أيضًا للمخافر .. 
تم التشكك فيه ، خاصة عقب مقارنة أرقام السيارة الهاربة بأرقام السيارة التي أدلى بها كريم في البلاغ .. 
وتم التعامل مع الموقف على هذا الأساس ، فقد تبين إنه الخاطف وتم التأكد أيضًا .. 
أغلق '' ريان '' هاتفهُ عقب هذه المكالمة وقال  :

- الغردقة !  وناوي على إيه في الغردقة يابن ******

      _ قام بالإتصال على '' كريم  '' ، فهو أيضًا بحاجة له الآن .. ليأتيه صوت كريم الواهن :

- أيوة ! 
ريان بلهجة متحمسة : كريم ، أنا عرفت قُصي رايح بيها فين 
كريم وهو يهب من مكانهُ واقفًا : عرفت منين وأزاي؟ 
ريان : واحد معرفة في المرور كلمتهُ وحكيتله اللي حصل ، وهو جابلي الخبر .. هرب بيها من كمين الحدود في إتجاه الغردقة ، أنا محتاجك معايا انت والشباب
كريم : أنا جايلك ، بس أبعتلي المكان

      _ أرسل له رسالة تفيد بموقعهُ ، ثم وقف أمام فراش شقيقتهُ منتظرًا لشئ ما .. 
ليجد '' مراد '' يقتحم الغرفة وهو يصيح مستنكرًا  :

- مش دي أختك اللي كنت هتموت عليها من ساعتين ! خلاص مبقتش متحمل تقعد معاها وجايبني أنا أقعد ! 
ريان وقد برزت تعابير غريبة على وجهه : أنا لازم أروح مشوار مهم ولازم حد يقعد مكاني ، خليك راجل معاها مرة.. مرة واحدة 

      _ لم ينتظر ، بل أنصرف تاركًا إياه في ظل الأمر الواقع الذي حشرهُ فيه .. ليبدأ معركة جديدة ، معركة لأجل من دق لها قلبهُ ، 
هي ساكنة الفؤاد ، وإن كانت مُعذبتهُ . 

.................................................................... 

        _ أجهشت ببكاء مرير ، وهي تاركة جسدها الرخو رغمًا عنها .. كان يقيد حركة قدميها عن طريق تكبيلها بحبل غليظ في الفراش الذي تتمدد عليه .. 
كانت الرؤية مشوشة بالنسبة لها ، فما زال المخدر مسيطرًا على رأسها ، حتى إنها قالت بضعف شديد من بين آنين بكائها :

- سيبني  ، حرام عليك سيبني 
قُصي وقد تألم قلبهُ لما يقوم به حيالها : أنتي مسيبتيش ليا أي خيار تاني أقوم بيه ، يوم واحد بس وهنكون بره مصر .. ولحد ما اليوم ده ينتهي سامحيني ياكارمن
كارمن وهي تشهق بمرارة ملتقطة أنفاسها بصعوبة بالغة : أنت مجنون ، أنا بكرهك .. بكـــرهك، مش عيزاك سيبني في حالـي
قُصي وهو يحتضن كفها بإمتلاك : أنا مجنون بيكي أنتي ، بقى عندي هوس إسمهُ كارمن .. بكرة هتحبيني أنا متأكد 

     _ حاولت إنتشال كفها ، ولكن لا قوة لديها ، الخدر مسيطرًا على كُل أعصابها الحركية .. مسح على ظهر كفها بحنو وهو يردف :

- حياتنا هتكون جنـة وإحنا سوا ، صدقيني
كارمن ومازالت الدموع تنسال على جانبي رأسها بفيض : آآ ... أنا  آ ........ 
قُصي وهو ينزح عبراتها بإبهامهُ : ششـش  ، أرتاحي دلوقتي .. غصب عني مينفعش أسيبك صاحية هنا لوحدك

       _ قنينة ذات شكل غريب ، تحوي محلولًا ذا رائحة نفاذة .. نثر منهُ على منديلًا ورقيًا ، وأستعد ليشممها إياها .. ولكنها حركت رأسها بإعتراض وهي تهمس بصوتها الضعيف  :
- لأ ، لـ ....... 

     _ لم تكمل عبارتها ، فقد أشتمتهُ بالفعل .. لتذهب إلى نومها مرة أخرى ، فيطمئن هو على عدم تحركها من هذا المكان .. 
سحب الغطاء ليُدثرها به ، ثم أنحنى يُغرق وجهها تقبيلًا حتى شبع .. أو إنه لم يشبع أو يكتفي منها .. 
وقف ينظر نحوها نظرات عاشقة طويلة ، ثم خرج عن هذه الغرفة الصغيرة للغاية والتي تحوي فراشًا صغيرًا وطاولة قصيرة بجانب مقعد واحد .. 
صعد على السلم الخاص بـ اليخت خاصتهُ ، حتى أصبح على السطح .. وقف ينظر لهذه الزُرقة البديعة التي تحيطهُ ، فـ السماء تعلوهُ وبالبحر أسفلهُ ، وباله مشغول بها .. 
وما الذي سيفعلهُ معها بعد السفر ، 
قرر السفر عن طريق '' البحر  '' حيث سيستعين بأحد رفاقهُ المهاجرين بالخارج ليكون خارج مصر ويسكن بلدًا أخرى بعيدًا عن الجميع .. 
وقف سائق اليخت بالطابق الأسفل يهتف بصوت مرتفع :

- هنفضل واقفين في نص البحر كدا كتير ياقُصي باشا ؟ 
قُصي وهو يخفض بصرهُ لينظر إليه : هرجع على الشط هجيب حجات نسيتها وأرجع تاني نكمل رحلتنا
- ماشي ياباشا

..................................................................... 

          _ قام '' تامر '' بفتح مشروب العصير المُعلب ومد يدهُ به نحو ريان وهو يردد :

- أشرب يازوء ، من أمبارح مشربناش حتى الميا
ريان وهو يتجاهل النظر إليه : مش عايز ، مش عايز أي حاجة
صالح : متقلقش ياكابتن ، إحنا أهو في الغردقة وهنقلبها عليهم بس لازم تشرب حاجة عشان تفضل واقف على رجلك

        _ أنتقل ببصره نحو صالح يرمقهُ بنظرات غير مفهومة ، ثم نطق بحسرة شديدة  :

- الميا حرام عليا وهي غايبة معرفش مكانها ، لو أقدر أمنع النفس كمان كنت منعتهُ .. لحد ماأرجعها
تامر وقد صدمتهُ عبارة ريان : يادين النبي ! هو لسه في حد بيحب كدا  ؟  أنت اللي زيك ماتو كلهم وربنا يازوء

    _ مازال كريم دافنًا وجهه بداخل راحتيه منذ أن جلسا في هذا المقهى الشهير .. وأخيرًا رفع رأسهُ ليهتف :

- طالما مش في الشاليه بتاعه ، إيه اللي جابهُ الغردقة ؟ 
صالح عقب أن أرتشف جرعة كبيرة من المشروب : حاجة واحدة ملهاش تاني ، هي البلد دي فيها إيه زيادة عن أي بلد تاني ؟ 
كريم بعدم فهم : مش فاهم! 
صالح : البلد دي فيها بحر ، يبقى إيه ؟ 
ريان وقد أضاء عقلهُ أخيرًا : هيسافر بيها بحري ؟! 
صالح : صح كدا ، ماانت نبيه وبتفهمها وهي طايرة أهي ! 

     _ وقف ريان فجأة وهو يردد بتلهف :

- طب مستنين إيه ؟ يـــلا بينا

     _ أستعد جميعهم للرحيل .. حيث ترك كريم بضع ورقات نقدية على الطاولة المربعة ولحق بهم في الخارج.. 
كان ريان يُحدث أحدهم هاتفيًا ويقول :

- طمني ، وصلت لحاجة ؟.. طب أول ما توصل لحاجة قولي فورًا .. تمام
كريم وهو ينظر حولهُ بتمعن : في حاجة ؟ 
ريان وهو يهز رأسه بالسلب : لأ ، واحد معرفة كدا في شركة إتصالات مكلفهُ يتابع تليفون أبن الـ ***
تامر : مش هيفتحه ، طالما قفلهُ مش هيفتحهُ

     _ حك ريان كفيهِ بإنفعال ؛ثم ردد :

- هنعمل إيه دلوقتي ، مش معقول هنلف على الشواطئ والسواحل ! 
صالح : أكيد في حل ! 

......................................................................

         _ قاد '' قُصي '' الـ ( لانش) خاصتهُ نحو الشاطئ ، وترك كارمن في اليخت مازالت نائمة تحت حراسة سائق اليخت ..  
كانت تتخبط الأمواج نتيجة سرعة اللانش ، حتى أقترب من الشاطئ فـ هدأ من سرعتهُ .. حتى وصل ، تركهُ وراح يبتعد عن الساحل نحو منطقة المحال التجارية ، 
أستقل سيارة أجرة قامت بتوصيله لمتجر بيع وشراء الأجهزة المحمولة وما ينتمي إليها .. ولج للداخل لشراء جهاز محمول جديدة وبطاقة هاتفية أيضًا ، ثم عاد نحو الساحل مرة أخرى بالسيارة الأجرة .. 
ومنها إلى اللانش ثم إلى اليخت ، جلس بالقرب منها على المقعد وبدأ بتشغيل الهاتف الجديد .. 
ولكنهُ وقع في خطأ ما ، گالسارق الذي يترك خلفهُ بصمة تدل عليه .. الرقم الهاتفي الذي يريد الإتصال به مُسجل على الهاتف القديم ولا يوجد طريقة للحصول عليه سوى بفتح الهاتف القديم .. 
ركل الأرض بقدمهُ وهو يردد بضجر :
- إزاي أنسى حاجة زي دي ؟ 

       _ بات مجبرًا على فتح الجهاز ، وبالفعل قام بتشغيلهُ وحصل على رقم الهاتف المنشود وقام بالإتصال عن طريق هاتفهُ الجديد .. ليقول :

- أنا قُصي ، أنت فين ؟ 
حضرت الباسبورات ؟ طيب ، أنا جايلك بنفسي عند **** أيوة أنا في الغردقة عندك دلوقتي .. مسافة السكة

    _ أغلق الهاتف القديم نهائيًا ، ثم وقف منتصبًا وهو ينظر إليها بنظراته الملهوفة .. مسح على شعرها بهدوء وهمس :

- حبي ليكي هيخليكي تحبيني ، أنا متأكد مجرد ما تكوني معايا في بلد لوحدنا وتبقي مراتي كل حاجة هتتغير 

   _ تنهد بشوق وتابع  :

- حتى ولادنا اللي هيربطونا ببعض أكتر هيخلوكي تحبيني لأنهم مني ومنك 

     _ قبّل جبهتها ، ثم أنطلق ليترك اليخت مرة أخرى .. 
......................................................................

      _ بدأ يقطع الأمل في الحصول عليها مرة أخرى .. 
هو يعلم إنها ستكون بأمان لدى قُصي ، ولكن الأهم من أمانها هو راحتها ورغبتها .. 
كان الحديث دائرًا ولم ينصت إليه ، حتى أنتبه لرنين هاتف ريان ليرد و :

- عرفت مكانه ! 
   _ قالها وهو يتحرك بهيستريا في المحيط ، وأتبع قوله بـ :

- قول فين بسرعة ، هـا .. تمام ، تمام تمام ، سلام
تامر : ها ياعم فين؟ 
ريان وهو يركض مسابقًا إياهم : يلا بينا بس

         _ أستعان بالخريطة الإلكترونية للوصول إلى العنوان الذي تم إلتقاط الإشارة الهاتفية منه .. فوجد نفسهُ أمام ساحل البحر ، نظرة خاطفة شمل بها البحر ليقول :

- الدنيا سواد مش شايف حاجة ! 
صالح مدققًا النظر أقصى اليمين : بص كدا ، في مركب منورة بعيد أهي
ريان وهو يشرأب برأسه ليتمكن من الرؤية : آه شايفها ،طب خليكو هنا
كريم وهو يقف حائلًا أمامهُ : خلينا هنا فين ؟ أنا جاي معاك
ريان : أنا مش هروح ، هشوف حاجة بس وجاي
كريم : حاجة إيـ ....... 

   _ تجاوزه ريان وهبط هذا المنحدر الرملي حتى وقف أمام الشاطئ مباشرة .. وجد شابين واقفين أمام اللانش الخاص بهم ، فأقترب منهم وهو يقول :

- كابتن ، أنا محتاج اللانش بتاعك ضروري ، ساعة زمن وأرجعه 
الشاب وهو يتطلع لهيئتهُ المنمقة : على فين ان شاء الله؟ 
ريان وهو يشير برأسهُ نحو اليخت : هوصل لليخت اللي هناك ده ،في حاجة مهمة جدًا لازم أجيبها من هناك
الشاب مستغلًا الموقف : ٥٠٠ دولار
ريان وقد تحفزت حواسه : خليهم ١٠٠٠ ، بس لازم أروح حالًا

       _ أخرج ريان بطاقة الإئتمان خاصتهُ من حافظة نقوده ومدها له وهو يقول :

- ودي خليها معاك ضمان 
الشاب وهو يلتقطها منهُ : متفقين

      _ وبحركة رياضية سريعة صعد ريان على مُتن اللانش وشغل المحرك وبدأ في قيادتهُ لداخل البحر ، ليقول له أحد الشابين :

- خلي بالك البحر بالليل وحش 
الشاب ٢ بهمس خافت : إيش عرفك إن الڨيزا فيها فلوس ! يمكن بينصب
الشاب ١ : مظنش ، شكله إبن ناس أوي 

     _ كانت الصدمة جلية على وجوه كربم ورفاقهُ عندما وجدوهُ يدخل للمياه في هذه الظلمة بمفردهُ .. وقد خدعهم أيضًا حتى لا يصطحب أحدهم ، ركض كريم فور رؤيتهُ يفر داخل المياه وصرخ :

- ريـــــان ! بقى بتخدعنـي ! 
  _ أنتبه الشباب أصحاب اللانش له ، فأقتربو منه وتسائل أحدهم :

- هو نصب عليك في حاجة ولا إيه ؟ 
كريم بلهجة راجية : أختي مخطوطة في اليخت ده ، شوفلي لانش ألحق أروح بيه معاه
الشاب ٢ وقد شعر بالتوتر : خطف ! 
كريم وقد تهدجت أنفاسهُ : شوفلي لانش تاني الله يكرمك
الشاب ١ : صعب ، بس هشوفلك كدا

        _ أقترب ريان من اليخت خلسة ، وقد ساعدتهُ أضاءة اليخت في أن يرى وسط هذه الظلمة الحالكة .. 
تسحب بهدوء ، قفذ بداخل اليخت .. فأصدرت أقدامه صوتًا أنتبه له السائق ليقول :

- قُصي باشا ، أنت جيت ؟ 
     _ أستطاع بفطنتهُ أن يفهم بأن قُصي غير موجود باليخت .. أستدار ريان من الخلف ، بينما بدأ السائق في البحث عن مصدر الصوت .. ليتفاجئ بريان يأتي من خلفهُ مسلطًا فوهة السلاح على رأسه .. فرفع السائق ذراعيه بتخوف شديد وهو يقول :
- آآ .. مين ؟ 
ريان : لف بصلي ، لـف

    _ ألتفت السائق رويدًا رويدًا ، حتى أصبح قبالتهُ .. فنطق ريان متسائلًا بصرامة  :

- بتعرف تعوم ؟ 
- آآه
- نط في الميا

   _ جحظت عيني السائق بذهول ، وأنفرجت شفتيه ليعيد ريان على مسامعهُ :

- بقــولك نـــط  ، أنفد بجلـدك مني

     _ سار السائق مهرولًا نحو مقدمة اليخت ، وقبل أن يستعد للقفذ ، كان ريان قد قذف به ليسقط في المياه ..  ثم أستدار ليبحث عنها عقب أن أستشف عدم وجود '' قُصي '' .. 
وأخيرًا وجدها ، سار خلف عبقها حتى وجدها .. مسجاه على الفراش گالدمية .. 
هرول إليها وهو يقول بفزع :
- كـــارمن  ، حببتي .. فوقي كلميني ، كــارمن .. سمعاني

       _ لا ترمش حتى بعينيها ، نزع عنها الغطاء ليحملها .. ولكنه تفاجئ بإنها مُقيدة ، فأسرع محاولًا حلّ وثاق ساقيها .. أخذ الأمر منه بضع دقائق حتى أفلح ، ثم بدأ بحملها للخروج من هذا الحجرة الصغيرة .. 
كان الدرج ضيقًا لحد ما ، مما عسر سهولة الصعود بها للسطح .. ولكنه جاهد ليفعلها ، حتى صعد أخر درجة .. ليجد '' قُصي '' واقفًا أمامهُ .. مكتفًا ساعديهِ خلف ظهرهُ، ثم قال ببرود :

- تحب أساعدك ؟ 
ريان  : .......... 
قُصي ببسمة كاذبة : مكنتش أتصور إنك هتوصل بالسهولة دي ! حقيقي أبهرتني 

     _ تذكر حالًا إنه نسى سلاحهُ بالأسفل عندما كان يحلّ الحبل عنها .. فكز بإنفعال على أسنانه وهو يردد :

- سيبني أمشي ، وانا هعمل نفسي مشوفتكش
قُصي وهو يشير نحوها بعينيه : سيبها عشان نعرف نتفاهم

    _ أيقن ريان إنه على حافة معركة حامية معهُ ، فتحرك خطوتين ليتركها على الأرضية في الزواية .. وقبل أن يرفع رأسه إليه وجد ضربة عنيفة على ظهرهُ أسقطتهُ مسطحًا بجوارها .. ومالبث أن ألتفت بجسدهُ حتى وجد ضربة أخرى بعصأ غليظة على بطنهُ ليصرخ هو متألمًا ألمًا شديدًا .. 
وقبل أن يسقط بالضربة الثالثة عليه زحف ريان زحفة واحدة لتكون الضربة على الأرض .. ثم جذب ساقهُ بعنف ليسقط قُصي على ظهرهُ .. 
أندفع الأدرينالين في دمائهُ ، نسى ألمه وتحامل على نفسه ليقف صلبًا .. ثم أنقض عليه ليكيل له اللكمات والضربات
 .. لم يستسلم قُصي .. حيث تشنج بجسدهُ ليجعلهُ ينحدر عن جسدهُ وبدأ يركلهُ بركبتهُ في معدتهُ .. 
أستمرت الحرب والضربات تتبادل أدوارها بينهم ، كل منهم لديه حقدهُ على الآخر ، يكفيه لأن ينهي أمرهُ .. 
بدا قُصي وكأنه إنهار على أثر كُل تلك الضربات المبرحة ، فأنصرف ريان عنهُ ليلحق بها ويفر ، ولكنهُ مجرد أن أدار ظهرهُ .. أسرع قُصي بسحب سكين الفاكهة عن الطاولة وطعن بها ساقهُ ليسقط مرة أخرى وهو يصرخ  : .. 

- آآه 

      _ وقف قُصي على قدميه مرة أخرى .. ودخل من الزاوية اليمنى ليختفي بضع لحظات ، ثم عاد حاملًا لدلو من الـبنزين ..  فتحهُ ونثر الدلو كاملًا في المحيط ، حتى أفرغ أخر قطرة به .. بنفس الوقت الذي كان ريان يحاول أن يقف على قدميه ولكنهُ عجز .. 
تفاجئ بهذا الجنون الذي يحدث ليصيح فيه بجأش :

- بتعمل إيـــه يامجنـون ! 
قُصي وقد لمعت عيناه بوميض مخيف : طالما مش عارفين نعيش سـوا ، نموت كلنا سـوا

     _ أخرج علبة الثقاب ، وأشهرها أمامهُ وهو يردد :

- يأما هتسيبنا وتمشي من حياتنا ، يأما هولع في اليخت وإحنا جواه
ريان وهو يكشر عن أسنانهُ بحقد شديد : على جثتي أسيبهالك 

      _ أخرج أحد الأعواد وحكها بالعلبة ليشتعل ، وقبل أن يترك قُصي عود الثقاب ركلهُ ريان في عظمة ساقهُ الأمامية ليسقط على جانبهُ ويسقط العود أيضًا محدثًا حريق هائل .. 
سحب قُصي جسدهُ وهو يزحف ليقف ، ولكنه تفاجئ بالعصا تعرف طريقها لغرة رأسه مرتين متتاليتين  .. 
سقط فاقدًا للوعي .. بينما تعرج ريان بخطواتهُ عقب أن نزع السكين عن ساقهُ وخطى نحوها ولينحني قائلًا بنبرة راجية :

- كارمن ، قومي أبوس إيدك مش وقتهُ .. فوقي أرجوكي آآه

     _ لا حياة لمن تنادي ، فقد كانت غائبة عن الوعي بالكامل .. فـ أضطر أن ينحني بجسدهُ ليحملها ضاغطًا على ساقهُ المصابة ليزيد نزيفها .. 
النيران مُضرمة في المكان ، من المؤكد إنها طالت قُصي .. حتى إنها تزحف نحوهم بسخونتها الحارقة .. 
خرج ريان متعرجًا وهو يحملها ، حتى إنها كادت تسقط منهُ ولكنه تمسك بها جيدًا .. 
النار من خلفهُ والبحر من أمامهُ ، وسرعان ما وجد نفسهُ يقفذ بها في الهواء ليسقطا في المياه ويختفيا أسفل سطح الماء و................................. 


تعليقات