![]() |
رواية نجمة لكن ليست كبقية النجوم الفصل الثامن بقلم امل عبد الرازق
زين بتحدي: احبسيها هنا يا ماما على ما اروح أجيب المأذون
هدأ المكان للحظة، وتجمّدت النظرات في الهواء.
ساد الصمت، ورسمت الدهشة على ملامح وجه فرح ووجه مرام والدة زين.
تقدمت مرام بخطوات هادئة نحو فرح، وابتسمت بحنانٍ.
قالت مرام بصوتٍ خافت:
ـ فرح، اسمحيلي أتكلم معاكِ في موضوع مهم بالنسبالي أوي.
ردّت فرح باحترام:
ـ طبعًا… اتفضّلي.
تنفّست مرام بعمق، وكأنها تُخرج وجع عمرٍ طويل:
_ أنا عارفة زين كويس، ومستحيل يجبرك على حاجة… ولو حتى فكّر، هتلاقيني واقفة معاكِ ضده. هو بس بيحب يهزر كدا.
لكن بصراحة يا فرح… من يوم ما ظهرتي في حياة ابني، وأنا شايفة فيه تغيير. بدأ يرجع لنفسه… بهدوء.
زين تعب كتير أوي في حياته. عمره ما عرف يفرح بجد. اتخدع، واتكسر، ووجعه خلّى قلبه ينشف.
ابني كان خاطب بنت أختي… وطلعت مش كويسة وخاينه. كان بيحبها… بس الخيانة لما بتيجي من حد بتحبيه بتبهدل القلب.
سنتين يا فرح، سنتين وهو عايش على الذكرى الموجعة. مش ذكريات حلوة… لا، ذكريات بتمص الروح. اتغير… بقى غامض، وعصبي… وبيهرب من الناس والحياة.
وإحنا… بيت كامل، عايشين في حزن عشانه.
رفعت مرام رأسها محاولة منع دموعها من السقوط:
_ وربنا جزاها… وماتت موتة محدش يتمناها حتى لعدوه.
شهقت فرح بدهشة:
_ حضرتك تقصدي إن ميرنا ماتت؟
_ أيوه… ماتت. ومقت.ولة.
وضعت فرح يدها على صدرها، وخرج صوتها متقطعًا:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله…
قالت مرام بأسى:
_ مكنتش أتمنى يحصل كدا.
_ ماتت إزاي؟
_ كانت مأجرة واحد يضرب زين بالنار وهو مسافر، بس اللي حصل إن عمار هو اللي راح مكانه واتضرب هو بالنار. ربنا ستر… لو كان حصل لحد فيهم حاجة أنا كنت روحت فيها.
وزين مقتنع إن اللي حصل بسببه وعايش بالذنب… لأنه هو المقصود.
ارتعشت شفة فرح:
ـ يا ربي… إزاي حد يعمل كده؟ إزاي تفكر تقت.ل روح؟ ده شر وسواد قلب… ليه توصل نفسها لكده؟ ربنا يسامحها.
وباشمهندس عمار كويس؟
_ الحمد لله… أحسن. وهو في أوضة هنا.
_ طب ليه بتساعدوني؟
ابتسمت مرام بحنان أم:
_ لو أي بنت مكانك كنا هنساعدها. وبعدين… أنا واثقة إنك لو شُفتي حد في نفس ضيقتك، كنتي هتوقفي جنبه.
وبعدين… الدنيا لسه فيها خير. ادعي بس ربنا يوقفلك الناس الطيبة في طريقك.
امتلأت عين فرح بالدموع:
_ أنا كنت يئست من وجود ناس طيبين. شكراً على كل حاجة.
ربتت مرام على يدها:
_ اعتبريني زي والدتك يا فرح.
اشتعل الألم في قلب فرح فجأة، وهمست بصوت مخنوق بالبكاء:
_ وحشتني أوي.
_ الله يرحمها ويغفر لها.
_ ربنا يجمعني بيها في الجنة.
_ يا رب يا حبيبتي.
وبعدين… عايزة أقولك حاجة: زين كان مرعوب عليكِ. أنا مشوفتوش كدا من زمان.
ابني كان بيعيّط وإنتِ مغمى عليكِ… وبيقول: إزاي هتستحمل كل دا لوحدها؟ مش هسيبها.
وبيقول كمان إنه هينفذ وصية والدتك… وهيراعيكِ.
همست فرح بتأثر:
_ أنا مستحيل أنسى اللي عمله عشاني. أنا حقيقي بشكره من قلبي
هزّت مرام رأسها:
_ هو مش مستني شكر. والله زين محتاجك… وإنتِ كمان محتجاه.
_ بس أنا…
_ بلاش تفكري دلوقتي. إنتِ لسه تعبانة. ارتاحي الأول.
_ بس أنا عايزة أرجع البيت.
_ اعتبري دا بيتك مؤقتًا. ولما تقومي بالسلامة ارجعي برحتك.
_ أنا مش هرتاح غير في بيتي.
_ إنتِ أمانة في رقبتي لحد ما زين يرجع. يلا… ارتاحي شوية.
__________
_ إلْحَقي يا فوزية… ابنك اتحبس!
انفجرت فوزية بصراخ هستيري وهي تسمع الخبر:
_ يا نهار أبيض! إزاي؟ وليه؟
قال سيد سيد غاضبًا:
_ من ورا عمايلك! مش انتِ اللي كنتي بتقوليله هاتها بالعافية واكسرلها راسها بدل ما تفضحنا؟
ها؟ مش انتي؟!
صرخت فيه:
ـ ما انت كنت موافق!
ـ موافق من ورا زنك!
ـ محدش ضربك على إيدك. أنا كنت بفكر في مصلحتكم!
الواد اتحبس إزاي؟
ـ كسر الباب عليها… واتضرب… والبوليس خده.
ضربت خدها:
ـ والله ما هسيبك يا بنت رحمة!
رد سيد بملل:
ـ ما تطلعيها من دماغك بقى.
ـ مش هطلعها! لسه البيت بتاعها موجود، مش هسيبها غير في الشارع.
ـ كفاية غِل بقى.
فوزية تصرخ بجنون:
ـ دِ حبست ابني يا سيد!
ـ وطي صوتك… انتي اللي خربتي كل حاجه.
رنّ الباب…
دخل رجل يلهث:
ـ إلحق يا عمّ سيد… حسن ابنك عمل حادثة بالموتسيكل وخدوه المستوصف!
تسمرت فوزية مكانها.
تجمّد العالم حولها.
صرخ سيد وهو يجري:
ـ يا رب متعاقبنيش في ولادي!
________
في المستشفى
وقف سيد مترنحًا، عيونه محمرة، صوته مكسور:
ـ طمنّي يا دكتور… ابني عامل إيه؟
_ البقاء لله ربنا يصبركم
صرخ سيد:
ـ بتقول إيه؟ يعني حسن مات؟
ـ ربنا يرحمه… لو فضل عايش كان هيعيش مشلول طول عمره.
انهار سيد على الأرض، يبكي كطفل ضلّ طريقه:
ـ يا رب خُدني أنا… مش ولادي!
دخلت فوزية تحمل عصيرًا وملابس:
ـ بصّو… جبتله اللي بيحبه!
فين حسن؟ ليه ساكتين؟
نظر إليها سيد بعيون محطمة:
ـ حسن مات يا فوزية.
تجمّدت…
العصير سقط من يدها…
ثم علا صراخها المجنون:
ـ لأااااا!!
_______
كان سيد يقف أمام فوزية في الغرفة البيضاء الباردة، وجهه شاحب، وصوته يرتجف بين الندم والذهول. عيناه كانتا محمرّتين، كأن العمر كله نزل عليه في لحظة واحدة. رفع يده ليمسح دمعة سقطت دون إرادة منه، ثم مال بجسده المثقل نحوها، صوته يخرج كأن كل كلمة شوكة في حلقه.
قال بانكسار عميق:
– فضلت أقولك ابنك طايش، بلاش تخليه يركب موتسيكلات…
وتنهّد تنهيدة موجوعة، تلتف في صدره كحبل يشدّ روحه.
– فضلتي تقوليلي: انت ولادك رجاله، ولاد العمدة، مش هتسيبه أقل من غيره.
رفع عينيه للسماء لحظة كأنه يبحث عن مخرج، ثم عاد بنظره إليها، ينزف قهرًا.
– لحد ما ممّوتيه… والتاني اتحبس.
مسح وجهه بكفه المرتعش، وصوته يكاد ينكسر:
– خسرنا ولادنا الاتنين… ومعرفناش نرضى باللي معانا… وطمعنا...
– وخدنا إيه من الطمع غير المرض وخسارة ولادي؟
هز رأسه بحسرة، يبلع دموعه بالعافية:
– والمحامي كلمني وقالي حسام هيتحبس ٢٠ سنة، وحتى الفلوس اللي معانا مش هتطلّعه من حبسته.
اقترب خطوة كأنه يستجدي إجابة:
– قوليلي خدنا إيه غير غضب ربنا يا فوزية؟
– كنا مستورين وعايشين…
اغمض عينيه، وتنهّد كأنه يطرد ذكريات سوداء:
– كرهتيني في أخويا وبنته… وخلّيتيني أطردها من بيتها وهي يتيمة.
ضغط على أسنانه بندم، وقال بخفوت متقطع:
– عملنا نفسنا مش واخدين بالنا إن ليها رب كريم ورحيم وهيرجع حقها.
وضع يده على قلبه وكأنه يشعر بثقل الموت فوقه:
– أهو أنا كمان عندي مرض في المناعة ومالوش علاج… يعني ميت ميت.
صوته خائف كالطفل:
– بس أنا خايف… خايف من القبر وظلمته… وقتها هكون لوحدي وبتحاسب.
دموعه نزلت علنًا:
– خايف من ربنا يا فوزية… ربنا اللي أغضبته وكلت حق اليتيم وظلمت الغلابة… وكله من وراكِ، بس بردو انا غلطان إني مشيت وراكِ وزي زيك في الذنب،
فتح كفّيه للسماء يستغيث:
– أنا كنت راضي يا رب… كنت راضي والله، بس الشيطان عمى عيني
سقطت دمعة ثقيلة:
– سامحني… أنا آسف… خد كل اللي حيلتي بس سامحني.
بعد صمتٍ ثقيل… نادى بصوت مبحوح:
– سامعاني يا فوزية؟
لم تتحرك. لم ترمش. وجهها جامد، عينها زائغة.
زاد صوته ارتعاشًا:
– بت يا فوزية… سامعاني؟!
وقف زيد أمامها
يبكي وهو يرى زوجته تشد شعرها وتتحدث مع الفراغ.
– إلحقوني يا خلق! مراتي فطست هي كمان!
دخل الطبيب مسرعًا، يحاول السيطرة على الموقف:
– اهدى يا حج، هي جالها نوبة هلع ومن الصدمة فقدت عقلها.
سيد بصوت مصعوق:
– يعني فوزية اتجننت؟!
الطبيب بحزن:
– للأسف… ولازم ننقلها لمستشفى خاصة بالحالات دي.
وقف يشاهدها وهي تشد شعرها وتتمتم بكلام غير مفهوم، دموعه تسيل بلا توقف:
– خدتي إيه من الفلوس؟ أهو بقيتي مجنونة وبتكلمي نفسك وبتشدي في شعرك… انبسطي يا فوزية… أنا كمان شكلي هتجنن…
اختنق صوته وهو يبكي:
– الفلوس قضت علينا… والطمع يا فوزية خلّص علينا خالص…
ركع على ركبتيه واضعًا يده على رأسه:
– لا ولاد… ولا زوج… ولا زوجة!
هز رأسه بمرارة:
– هنسيب كله وفرح اللي هتاخده في الآخر يا فوزية… هو حقها مكنش حقنا إحنا.
صرخ بألم:
بتضربيني يا فوزية؟!
تدخل الطبيب وقال بحزم:
– اخرج بسرعة يا حج عشان هنديها مهدّئ.
وقف على الباب، التفت لها بنظرة مكسورة، وقال بمرارة موجعة:
– مع السلامة يا أم الصبيان والرجالة… مش كنتي دايمًا بتعايري رحمة بخلفتك وإنك وراكِ رجالة؟
هز رأسه ضاحكًا بمرارة:
– يعني هي ملهاش اللي يجيب لها حقها؟ أهو حقها هي وبنتها هو اللي رجع في الآخر.
– أهو يمكن ربنا يخفف عنك سيئاتك بمرضك.
مد ذراعيه للسماء مستسلمًا:
– مع السلامة يا فوزية… ومع السلامة يا حسن… ومع السلامة يا حسام…
أغلق عينيه وانهار:
– مع السلامة يا ولادي… أنا السبب في ضياعكم يا ولادي…
– اخترت ليكم أم غلط… وأنا نفسي كنت غلط… سامحوني.
وفي النهاية، خرج منه همس مكسور:
– يا رب أنا غلطان… سامحني…
_________
مرَّ شهر كامل لم يعد فيه زين إلى البيت، غرق في العمل حتى كاد ينسى نفسه، لكن فرح كانت تحمل ذنبًا لا يخصها؛ تخيلت أنها السبب في ابتعاده، وظلّت تشعر بثقلٍ في قلبها كلما فكرت أنه ترك بيته لأجل وجودها وكلما حاولت الذهاب إلى بيتها تمنعها والدة زين.
كانت والدته قلقة عليه، لا تهدأ ولا تطمئن رغم اتصالاته القليلة. ولم تُجب فرح بعد على طلب زواج زين منها، ما زال قلبها خائفًا وحائرًا.
وفي تلك الفترة بدأت صحة عمار تتحسن تدريجيًا، حتى طلب من والدة أسيل أن تتصل بوالده وعمه ليحضروا، فنيته أن يطلب الزواج من أسيل مرة أخرى، وقد وافقت أسيل حين سألتها والدتها؛ فما زال قلبها ينبض به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلست فرح بجوار أسيل، والابتسامة تخفف من ظلّ الأيام الثقيلة:
– الجميل عامل إيه النهارده؟
– الحمد لله أحسن بكتير يا سيلا.
– طب الحمد لله ربّ العالمين. عايزة أقولك على حاجة يا فرح… او بالتحديد أشكرك.
– ده أنا اللي المفروض أشكركم على كل اللي عملتوه عشاني، واستضافتكم ليا في بيتكم.
– ده واجبنا يا فرح، وإنتِ بقيتي واحدة مننا خلاص.
– طب إيه الحاجة اللي عايزة تقوليها؟
ابتسمت أسيل ابتسامة رقيقة وقالت بمزاح دافئ:
– عايزة أقولك شكرًا على القلم اللي ضربتيه لعمار… فَوَّقُه من الغفلة اللي كان فيها.
احمرّت وجنتا فرح خجلًا ورفعت يديها اعتذارًا:
– والله ما كنت أقصد أبدًا.
– ده عشان إنتِ إنسانة محترمة وبتخافي ربنا مش البشر.
– الحمد لله… وهو جواه خير، بس كان تايه عنه. ربنا كريم، يحب العبد التائب.
– الحمد والشكر لله.
– واضح إنك بتحبيه.
– أنا أصلًا كنت خطيبته.
نظرت فرح لها بذهول:
– ده بجد؟
– آه والله، بس سيبته.
– ليه كده؟
تنهدت أسيل، وعينيها تلمعان بحنين:
– لأنه كان زي ما انتي شفتي كده.
سيبته وكنت بعيط ليل نهار. دعيت ربنا يصلحه والحمدلله بقى كويس ورجع عن الغلط. وهنتجوز أول ما يقوم بالسلامة.
– ربنا يثبتكوا ويسعدكم.
– يا رب، ويرزقك اللي يستاهلك… ويكون زين أخويا، علشان إنتو لايقين على بعض أوي.
تلون وجه فرح خجلًا حتى شعرت أن وجهها يشتعل، وخفق قلبها بقوة؛ فاستأذنت سريعًا وخرجت إلى الحديقة تستنشق الهواء.
– طبعا اتفضلي، البيت بيتِك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرجت فرح إلى الحديقة للمرة الأولى لترى البيت من الخارج. كان بسيطًا لكنه ساحر، فيه. لفت نظرها حمام السباحة الصافي، ثم انتبهت إلى أصوات الخيول، فاتجهت نحو الإسطبل.
ركضت الخيول في الساحة الواسعة كلوحة حيّة، اقترب منها حصان بملامح لطيفة فابتعدت بخوف.
– متخافيش… واضح إنها حبيتك.
– حضرتك مين؟
–انا اللي بهتم بالخيول.
– ومبتخافش منهم؟
– دول زي ولادي. مفيش أرقى من الحصان.
تحبي تدخلي تتفرجي عليهم؟
فرح بحماس:
_ ياريت، انا بحب الخيل جدًا
دار بينهما حديث لطيف عن الخيل حتى سمعا صوتًا يأتي من الخلف:
– روح إنت كمل شغلك يا عم جميل… وأنا هشرح لها عن الخيول.
تجمدت فرح في مكانها حين سمعت صوته. وقفت بخجل لا تعرف أين تنظر.
– عاملة إيه النهارده؟ يا رب تكوني أحسن.
– الحمد لله بخير… وكنت محتاجة أشكر حضرتك على كل اللي عملته معايا.
– ده واجبي… وصوّرتلك بيتك والباب بعد ما اتصلح عشان تطمني.
اغرورقت عيناها بالدموع:
– ممكن أروح أشوفه بنفسي؟ البيت وحشني أوي.
رقّ قلبه ولان صوته من شدّة ما شعر به من حنان تجاهها:
– أكيد هتروحي، بس بشرط ترجعي معايا. لسه تعبانه ومينفعش تفضلي لوحدك. وكمان في مفاجأة ليكي قريب إن شاء الله.
– مفاجأة إيه؟
– ما هي مفاجأة بقى، ينفع أقول؟
ضحكت خفيفة، فانشرح صدره:
– طيب هروح دلوقتي؟
– لأ مش النهارده. الوقت اتأخر، وآسيل مش موجودة، ولين عندها امتحانات وقاعده في سكن قريب من الكلية، حبينا نبعدها عن الدوشة، لما تعرفيها هتحبيها.
– خلاص، بعد إذنك.
– استني… رايحه فين؟
– هدخل أوضتي… عشان تاخد راحتك في البيت. كفاية إنك بطلت تيجي البيت بسببي.
نظر لها بدهشة ممزوجة بعتاب:
– زعلتيني… أنا مش بعيد عن البيت بسببك. الشغل كان واقف، وكان لازم أخلصه.
العملاء متضايقين بسبب التأخير ، وكمان عمار مش معايا، لكن عمي ساعدني الباشمهندس ياسين فضل معايا لحد ما خلصنا
_ ما شاء الله كلكم مهندسين
_ أيوه بس يعني كل واحد متخصص في حاجه، يعني انا مهندس ديكور، إنما عمار مهندس معماري، وابويا زيه، إنما عمي مهندس مدني ومشغلين معانا كذا مهندس، لحد ما عملنا اسم لينا
_ ما شاء الله عليكم
_ ايه رأيك افرجك على الاسطبل
_ لأ خلاص مش مهم
_ هتحبيهم أوي دا خيل عربي أصيل
_ واضح جدا انك بتحبهم
_ بحبهم اوي فوق ما تتخيلي، اول مره ركبت خيل كان لسه عندي ١١ سنه، ومن لحظتها وانا متعلق بيهم، ولما غيرنا بيتنا فضلت ازن على والدي يجيبلي حصان وبالفعل عملي الاسطبل دا، بس انا اهتميت بيه وكبرته
_ ما شاء الله
_ بحس ان الخيل فيه مني شويه
_ أنا بقول كدا بردو
_ليه بقى شايفه انه شبهي
_ لأن عمي جميل قالي ان الخيل عصبي وانت عصبي
- انا مش هنكر إني عصبي وللأسف كان لقائنا الأول عباره عن عصبيه بس، لكن جوايا خير، زي الخيل بالظبط، لما بيحب صاحبه بيخلص ليه وبيكون مطيع وترويضه مش سهل على أي إنسان.
في ناس معينه بتعرف تروضه، الفرس طبعه حيوان عصبي وعنيد ولما يحتاج حاجه لازم يعملها وبيعشق الحريه يا فرح
تعالي ادخلي متخافيش، هعرفك عليهم
_ هشوفهم من بعيد
_ اسمعي الكلام وتعالي ادخلي الاسطبل
_ لأ انا بخاف، هما لسه مش عارفني
_ علفكره انتِ عنيده زي زمرده، لكن واضح انها حبيتك، تعالي افرجك عليهم عشان عايز اوريكِ مكان واثق انك هتحبيه
_مكان ايه
_ كفايه اسئله بقى، تعالي يلا
_ حاضر
ثم قال لها بابتسامة هادئة:
_ بُصي بقى…
الأدهم دا هو الفرس شديد السواد، شعره أسود بالكامل، وده لون نادر ومحبوب جدًا بين الخيل العربي. وغالبًا بيكون فيه لمسة بياض خفيفة في الغُرّة أو الرجلين زي ما أنتِ شايفة.
والهانم زُمردة جمالها في لونها الأشقر أو الكستنائي، وبرضه رجليها وغرتها فيهم الأبيض اللي بيديها نقاء وشياكة ملكية.
أما دا بقى… شهاب حبيبي.
اللي يميّزه لونه الأشهب، وده مزيج بين الأبيض والأسود بدرجات مختلفة.
والأشهب له كذا نوع:
الأشهب الحديدي / الأزرق: لما اللون الأسود يكون غالب بقوة ويسيطر.
الأشهب الفاتح: وده اللي بيكون فيه بقع بيضاء أو وردية باينة.
الأشهب الرماني: اللي شهبته مخلوطة بلون أحمر أو نقط حمراء فاتحة.
الأشهب الملمّع (الأشيم): بتظهر عليه بقع متفرقة تغيّر في درجته.
الأشهب الأخضر: وده نادر جدًا، بشهبته درجة خضراء خفيفة.
ومعلومة كده لذيذة… زمان كانوا الخيل الشُهب مراكب الملوك والقادة
قولي بقى… تقدري تحددي دا أي نوع فيهم؟
_أشهب حديدة
_ شاطره، واضح إنك ذكية
وكلما تحدثت… كان قلبه يزداد تعلقًا.
ولمّا وضعت يدها على رأس زمردة وشعرت براحةٍ غريبة ثم قبلت رأسها، قال لها هامسًا:
– مبروك… بقيتوا أصحاب.
ثم اقترب ليقبّل رأس الفرس هو الآخر، فهربت فرح بخجل وارتباك.
لمحت قلبه الحقيقي لأول مرة…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعدها قادها إلى الحديقة الخلفية… حيث الجنّة الصغيرة.
ورود بألوان تناجي السماء، أشجار مثمرة، ريح طيبة، وأمان.
– غمضي عينك وامشي ورا كلامي.
اتبعت خطواته حتى فتحَت عينيها فانبهر قلبها قبل عينيها.
– بسم الله ما شاء الله … دي جميلة أوي.
– كنت واثق إنها هتعجبك.
كانت فرح تتأمل المكان بعينين تلمعان اندهاشًا، وابتسامة خفيفة تتسلل إلى ملامحها لأول مرة منذ زمن طويل. الطبيعة حولها تنبض حياة، والألوان تتراقص أمامها في لوحة بديعة، حتى شعرت كأن روحها تُروى بعد عطش طويل.
– تعرف أنا أكتر حاجة بحبها في حياتي الورد والزرع؟
حبيت أوي الشجر اللي قدام البيت ومحاوط السور، بس فعلًا كان نفسي ألاقي ورد، لأنه بيريح أعصابي جدًا. أنا مشوفتش في جمال الجنينة دي.
– مبسوط إنها عجبتك، تعالي أفرجك عليهم.
– سبحان الله بجد… ألوان الورد مبهجة أوي أوي.
– أنا كمان بحب الورد، لكن ماما وإخواتي بيعشقوه، وتقريبًا معظم أنواع الورد موجودة.
– ممكن تعرفني على الأنواع دي؟
– أكيد. دا طبعًا عارفاه.
ورد بلدي، عارفاه وبحب ألوانه.
– شاكرة… ممكن أسألك سؤال؟
– اتفضل.
– أكتر لون بتحبيه إيه؟
– البنفسجي… بس ليه السؤال؟
– لأن أنا فكرت في كدا بس قولت أتأكد برضه.
– وليه فكرت في كدا؟
– لأن دايمًا بلاقيك بتلبسي لبس داخل فيه اللون البنفسجي، وبعدين هو لون بيرمز لكل جميل.
– أنا فعلًا بحبه وقريب جدًا لقلبي.
ابتسم زين قليلًا قبل أن يشير لزهرة رقيقة تتمايل مع نسيم خفيف. كانت ملامح فرح تزداد خجلًا.
– دي بقى يا فرح زهرة الرقة والخجل: البنفسج. لونها دليل على الوفاء في التعامل مع الآخرين.
تلون وجه فرح من الخجل، وارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيها رغمًا عنها، وشعرت بأن قلبها ينتفض داخلها. علمت ما يقصده ضمنيًا، وتمنت بقلب خائف ألا تكون فتنةً له، ولا سببًا لتجاوز حدودهما. فسارعت لتغيير الموضوع:
– طب الزهور البرتقالية دي معناها إيه؟
– الزهور البرتقالية دليل على الجرأة والإثارة.
أما اللون الأخضر في الزهور فيحمل الطاقة الإيجابية اللي بتشع التفاؤل بين الناس.
أما نبات الصبار فليه كذا نوع، واللي بيميزه جمال ألوانه المبهجة… في منه التين الشوكي، الساغوار، الصبار النجمي، أنابيب الأرجن، البراميل، الكولا القافز، الرجل العجوز… وده غير الأنواع المهجنة.
– واضح إنك دارس عنهم كلهم.
– بصراحة أنا بحب الورد وبحب أوفر أنواع كتير منه، فبتعلم عنه وأعرف البيئة المناسبة لكل زهرة… والحمد لله قدرت أوصلها للمنظر اللي أنتِ شايفاه دا.
– ما شاء الله عليك.
– تعرفي يا فرح… الزهور هي اللغة غير المنطوقة اللي بتحمل رسائل كتير سواء بلونها أو شكلها أو طبيعتها. لما بتشوفيها بينتابك شعور بالراحة والهدوء، بتوهب القلوب الطمأنينة، وعطرها بيشعل هرمون السعادة جواكي.
في هنا ورد بلدي، اللوتس، البنفسج، النرجس، الكامليا، الأقحوان، الليلك، الياسمين، الفل، القرنفل، والصبار…
وزهرة الزنبق غالبًا بتكون في حفلات الزفاف، وهي من المفضلات عندي هي والتوليب… وبيظهروا أكتر في الخريف والشتا.
– أول مرة أعرف أساميهم والمعلومات دي.
– أتمنى تكوني انبسطتي.
– بجد شكرًا من قلبي، أنا كنت محتاجة أشوف حاجة تريح أعصابي، فربنا كرمني وشوفت الخيول والورد وأشجار الفاكهه.
– كنت لسه هحكيلك عنهم.
– أنا شوفت شجرة التفاح والموز والبرتقال.
– حبتيهم؟
– أوي أوي أوي.
– تعرفي إن دي أول مرة من يوم ما شوفتك… أشوفك فرحانة؟
ضحكت بخفة، فازداد المكان دفئًا.
– انتو زارعين خضار كمان؟
– طبعًا، دا إحنا بقينا عايشين في غابة استوائية… أيوه كده اضحكي، طلعتِ عيني.
– على فكرة أنا بحب الضحك والله، بس الابتلاءات كانت كتير وأنا راضية بيهم كلهم، وهفضل صابرة… حد يطول ياخد حسنات؟
– عندك حق يا فرح… أنا اتعلمت منك كتير.
– بجد؟
– أيوه طبعًا.
– زي إيه؟
– مهما حصل لازم نحمد ربنا، ونرضى بكل حاجة، ويكون عندنا قناعة باللي معانا، ونصبر على اختبارات ربنا لينا ونتعلم منها.
– الحمد لله… أنا بردو عندي أخطاء زي أي حد، لكن ربنا ساترني.
– مين مش عنده أخطاء؟ أهم حاجة نتوب لربنا… ربنا رحيم بينا أوي.
– عندك حق.
– يلا، الجو بقى برد… ادخلي ارتاحي.
– تصبح على خير.
– وانتِ من أهله.
دخلت، وقلبها لا يعرف أين يمضي…
وهو وقف مكانه لحظات طويلة؛ يتنفس وكأنه وجد نفسه أخيرًا.
ـــــــــــــــــــــــــــ
في صمت دافئ يملأ أرجاء البيت، وقف زين أمام والدته التي قابلته بنظرة ممتزجة بين اشتياق وعتاب، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة محاولةً منه لتلطيف الأجواء.
قال ممازحًا بصوت يحمل حنينًا صادقًا:
مرمر... وحشتيني.
_ بزمتك وحشتك؟ تغيب عني شهر كامل؟
ابتسم زين وحاول التبرير كعادته:
_ ما أنا كنت بكلمك يا جميل
قاطعت كلامه بنبرة عتبٍ محبّة:
_ بتكلمني خمس دقايق في اليوم بس يا زين؟
يا ماما دول رضا أوي... وبعدين أنا جيتلك اهو.
_ انت هنا من بدري ومجتش تشوفني.
تنهد زين باستسلام:
_ آسف
ربتت على كتفه قائلة بابتسامة حنونة:
"مش زعلانة منك... تعرف ليه؟"
_ ليه؟
_ لأنك عرفت تخلي فرح مبسوطة. أنا كنت شايفاكم من البلكونة. البنت دي جميلة أوي وطيبة وبنت أصول، وعلى خلق ودين.
وافقها بابتسامة صادقة:
_عندك حق يا ماما.
نظرت إليه بتمعن ثم قالت:
_ملاحظة إنها غيرت فيك كتير.
ضحك بخفة:
_ يا ترى للأحسن ولا للأسوأ؟
_ للأحسن طبعًا... مش ملاحظ إنك مش بتزعّق مع حد خالص؟
أرخى كتفيه وكأنه تذكّر نفسه:
_ تصدقي؟ صح.
تنهدت مبتسمة:
_واضح كده والله أعلم إنك اتشدّيت ليها.
ابتسم زين ابتسامة فيها حيرة وإعجاب غير معترف به:
_أنا مشوفتهاش إلا في المصايب، لكن معرفش شدتني إزاي. يمكن عشان بريئة وصادقة يا ماما.
_ هي فعلًا كده. إيه رأيك تفاتحها في موضوع الجواز تاني؟
_أخاف أضايقها وتسيب البيت."
قالت بهدوء:
_ هي مُصرة ترجع بيتها يا زين.
أخفض رأسه قليلًا ثم قال بابتسامة حزينة:
_ أنا بس مستني لما أطمن عليها. وعرفت من واحد كنت مخليه يتابع عمها وولاده إن ابن عمها اللي كان بيتهجم على بيتها هيتحبس ٢٠ سنة، وابن عمها التاني مات، ومرات عمها اتجننت، وعمها عنده مرض نادر وخطير وحالته متدهورة وكتب كل أملاكه بإسمها، لكن أنا محبتش أقولها حاجة لأنها فيها اللي مكفيها وما صدقت تتحسن.
تنهدت الأم بحرقة:
_لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا ما بيسيّبش حق حد أبدًا.
_فعلاً والله… اللي طمعوا خدوا إيه غير جزاء طمعهم وجشعهم؟ جهزتي العشا يا مرمر؟ أنا هموت من الجوع.
ضحكت برقة وحنان:
جاهز يا قلب مرمر… يا صفية يلا حضري السفرة.
سألها زين فجأة:
_لين هترجع إمتى؟
_ لسه فاضل معاها أسبوع.
_ ترجع بالسلامة. معلش قولي لفرح تخرج تاكل معانا، وأنا هطلع أخد شاور سريع، وأشوف الواد عمار وحشني.
_متتأخرش عشان الأكل هيبرد.
رد ضاحكًا وهو يتجه للصعود:
_ حاضر يا قمر.
ـــــــــــــــــــــــــــ
فتح باب الغرفة فجأة، ودخل زين بابتسامة واسعة وصوت مرتفع، ليكسر حالة الهدوء.
قال بنبرة صاخبة مازحة:
_ أنا جيت
انتفض عمار في مكانه وهو يضع يده على قلبه تمثيلًا:
_ يا عم بالراحة، نشفت دمي! في حد يخرّع حد كده؟
ضحك زين بخبث:
_ يا سيطا ما انت قاعد بتتدلّع، وأنا شايل الشغل لوحدي
لوّح عمار بيده باستهزاء:
_ بقولك إيه؟ أنا معايا أربع شهور كمان على ما أخف
_ نعم يا أخويا؟ دا أنا بقالي شهر ما دخلتش البيت
فتح عمار ذراعيه كطفل يطلب حضنًا:
_ صحيح… هات حضن! وحشتني
هز زين رأسه باستياء مصطنع:
_ إنسان بارد… بارد… بااااارد
رد عمار:
استنى أنادي لأسيل ترد عليك وتقولك مين البارد
_ كفاية إني عارف إنك بارد
ابتسم عمار بتهكم:
_ بص يا معلم ومن الآخر… عايزني أخفّ بسرعة؟ نفّذ اللي هقوله
قول يا عمار أفندي
_ حدّق عمار في وجهه طويلًا ثم قال ببطء:
من الاخر كدا ومن غير لف ودوران ...
انت بتحب فرح.
تجمدت ملامح زين:
_ بحب مين؟!
_ زي ما سمعت
رفع زين حاجبيه:
_ يا سلام عليك… وعرفت المعلومة دي منين؟
ابتسم عمار وهو يروي:
أنا خرجت البلكونة أستنشق الهواء المنعش… فخير اللهم اجعله خير… لاقيت واحد اسمه زين في الاسطبل… وباس زمردة بعد ما فرح بَاسّتها، الواد بقى رومانسي ونتعلم منه
صرخ زين:
_ اخرس! إنت بتقول إيه يا مجنون؟
ضحك عمار:
_ طب تنكر إن دا حصل؟
نظر زين حوله بقلق:
_ هو في إيه؟ هو انتو كلكم كنتوا واقفين في نفس البلكونة ولا إيه؟ أنا طلعت متراقب
ثم قال بصوت منخفض حائر:
_ بحبها؟… هل باين في عيوني؟
ابتسم عمار بثقة:
_ واضح وضوح الشمس، ياريتني كنت صورتك
تنهد زين بعمق:
_ بصراحة يا عمار مش عارف… بس أنا غلطت في حقها غلطة كبيرة، وواضح إنها مش مسامحاني. وخايف أفتح الموضوع ده
اقترب عمار قليلًا باهتمام:
_ هو أنا تايه عنك يعني؟ قولي عملت كارثة إيه؟
جلس زين على طرف السرير:
_هحكيلك
_ احكي… وكلي آذانٌ صاغية
أخذ زين نفسًا عميقًا:
_ لما أنت عملت حادثة وتعبت، في نفس اليوم والدتها تعبت. وأنا بعتلها الإسعاف وجيت نفس المستشفى… المهم، والدتها كانت محتاجة عملية والمبلغ مش معاها
_ ها… وبعدين؟
خفض زين رأسه خجلًا:
_ معرفش عملت كده إزاي… والكلام دا لساني نطقُه إزاي…
_ قول! قلت إيه؟
بلع ريقه ثم قال:
_ قولتلها هدفع فلوس العملية… بس مقابل تتجوزيني. أنا أساسًا كنت دفعت… بس قلتلها الجواز هيبقى صُفقة. قدام الناس بس. عشان أرتاح من كلام ماما
شهق عمار ساخرًا:
_ طبعًا هي شافتك بتستغل ضعفها وقالتلك: انت مش هتشتريني بفلوسك
رفع زين رأسه:
_ بالظبط! بس عرفت منين؟
قهقه عمار:
_ دي ردّة فعل واحدة ضربتني بالقلم علشان مسكت إيدها بالعافية! فرح متربية
مرّر زين يده على جبينه:
_ تصرفي غلط… صح؟
تصرفك زفت يا زين… ولازم تعتذر
_ خايف
_ بقولك لازم
تنهد زين:
_ هي مش ناسية اللي حصل… وأنا جرحتها. وقت غلط… إحساس ضعف… ومكنش ينفع أبدًا
ربت عمار على كتفه:
_ مش كل حاجة الفلوس بتجيبها
أخفض زين صوته:
_ بس كنت شايفها البنت المناسبة… ومعرفتش أسيبها تروح مني
ضحك عمار:
_ وقعت… ومحدش سمّى عليك يا زيزو! من أول ما القهوة سلختك
ابتسم زين رغمًا عنه:
_ فيها حاجة جذبتني يا عمار
_ الحل تعتذرلها
_ طب اسمع… هننزل نتغدى تحت
_ أسيل هتكون موجودة؟
_ لأ، عندها امتحانات
_ يبقى أنا تعبان ومش قادر
_ ما تتلم بقى! دي أختي، احترم نفسك
_ هتبقى مراتي يا صاحبي
_ لما تبقى مراتك ابقى شوفها. وعموماً… هي هتتغدى معانا
وقف عمار فجأة:
_ اسندني يا ابن عمي
_ وقف زين وضحك:
ما كنت لسه تعبان؟
صرخ خلفه:
زين! يا ابن عمي! استنى! مش قادر أجري وراك!
_ هترجع الشغل إمتى؟
_ كمان ٣ شهور
_ خلاص… انزل لوحدك
شهرين!
_ يا عم أنا ساند نفسي بالعافية. انزل لوحدك
_ شهر!
_ أسبوعين يا عمار
_ موافق!
ضحك زين وهو يساعده:
تعالى يا حبيبي… هو أنا عندي أغلى منك؟
غمز عمار:
_ إنسان واطي
_ قلت إيه؟
_ بقول صوتك واطي… مش سامعك يا قلب أخوك
_ بحسب
_ لا متحسبش يا حبيبي
__________
كان البيت يعجّ بدفء غير معتاد، كأن الجدران تبتسم في حضور فرح، تستعيد أنفاسها بعد غياب طويل.
لم تكن الخطوات وحدها هي التي عادت، بل الروح أيضًا… روح ظلت معلّقة بالخوف، ثم وجدت أخيرًا منفذًا نحو الطمأنينة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– منوّرة البيت والدنيا كلها يا فرح.
– دا بنور حضرتك يا باشمهندس، ألف سلامة عليك.
– الله يسلمك.
– أنا وفرح بقينا أصحاب خلاص.
– طبعا يا سيلا، أنا ربنا رزقني بأخت جميلة.
_ لسه لما تعرفي لين هتحبيها أوي.
قالت مرام بوِد:
– تعرفي يا فرح… والد زين اسمه وليد، شبهه بالظبط بس على كبير بقى. كان هو المعيد عندي في الكلية.
– هو حضرتك مهندسة؟
– أيوه مهندسة ديكور.
– ما شاء الله.
– بس أنا غيرت يا فرح ودخلت طب، ولين في سياسة واقتصاد.
– ما شاء الله.
– زين كان الأول على دفعته، بس أبوه قاله مش هيقدر يوفق بين إنه يبقى معيد ويمسك فرع من فروع الشركة، فقرر يستقر في الشركة… وبعدها بسنتين راح عمار ومسكوا الشركة هما الاتنين.
قالت فرح بهدوء:
– أنا خريجة كلية تجارة… كان نفسي أدخلها ودخلتها الحمد لله وبمجموع عالي جدًا.
– فرح شاطرة جدًا في شغلها.
– إزاي عرفت إني شاطرة وأنا مشتغلتش غير يوم واحد؟
– الإنسان المجتهد بيبان عليه.
– فعلًا يا فرح، واضح إنك شاطرة.
– شكرا لحضرتك.
– اعملي حسابك يا فرح… بعد الأكل هنروح بيتكم طالما أسيل موجودة.
– بجد؟
– إن شاء الله.
قالت بحماس:
– أنا شبعت.
– طب اهدي أجيب مفتاح العربية.
– ممكن أفضل في بيتنا النهارده؟
– ممكن، وأسيل هتفضل معاكي.
– طبعا موافقة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ارتجفت أنفاس فرح لحظة دخولها البيت… المكان الذي حمل الخوف يومًا، أصبح يحتضنها من جديد.
– بتعيّطي ليه يا فرح؟
– كنت مفتقدة بيتنا أوي… أوي.
ضمتها أسيل:
– الحمد لله رجعتي… نورتيه يا فروحه.
– إيه دا؟ مين عمل دا؟
– أنا يا فرح.
– ليه؟
– عشان تحسي بالأمان.
– عملت باب حديد غير الخشب؟
– أيوه، وكل شبابيك البيت عليها حديد… بس فيه مسافات عشان تفتحي براحتك والشمس تدخل.
– أنا مش عارفة أشكرك إزاي.
– خلاص بقى… مافيش "شكرا" دي تاني.
– ربنا يبارك فيك.
– يلا… هسيبكم ترتاحوا، وأجي آخدكم بكرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– البيت وحش أوي من غير ماما.
– الله يرحمها يا رب.
– اللهم آمين.
– إيه رأيك نروق البيت سوا؟
– روحي إنتِ ارتاحي… وأنا هروق البيت.
قالت أسيل بمرح:
– مستحيل تعمليه لوحدك! هنخلص بسرعة مع بعض، وبعدين نقعد ناكل شيبسي وشوكليت ونتكلم سوا.
– حاضر.
__________
– بصي بقى، أنا شوفت الفستان دا وعجبني قوي، وقلت دا اتفصل مخصوص عشان فرح.
– لأ طبعًا مش هاخده، أنا عندي فساتين كتير.
– زعلتيني يا فرح! مش قولتي إننا أخوات؟
– طبعًا أخوات.
– يبقى تقيسي الفستان حالًا!
– تعرفي إني بحب اللون البنفسجي؟
– الحمد لله اختياري كان مناسب. يلا البسيه!
– حاضر.
– فروحة، خليكي إنتِ كمّلي لبس، وأنا هروح أشوف مين بيخبط.
– ماشي يا سيلا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عادت أسيل بعد لحظات وهي ترفع حاجبها باستغراب.
– مين اللي كان بيخبط يا أسيل؟
– ملقتش حد برّا.
– طب تعالي شوفي الفستان!
وقفت أسيل غير مصدقة جمال صديقتها.
– بسم الله ما شاء الله، اللهم بارك! حلوة قوي يا فرح، زي الأميرات… بل أحلى! استني بقى، معايا تاج من الزهور هيعجبك قوي… استني ألبسهولِك… حلو قوي قوي يا فرح.
– دي عيونك الحلوة.
– تعالي نروح الأوضة التانية، المراية اللي هناك أكبر.
– حاضر.
ما إن دخلتا الغرفة الأخرى، حتى تجمدت فرح في مكانها، واتسعت عيناها فزعًا.
قالت وهي تتنفس بسرعة:
– بسم الله الرحمن الرحيم!
ربتت أسيل على كتفها لتهدئتها:
– اهدي يا فرحتي.
ظهرت مفاجأة غير متوقعة، فقد كان زين ومن معه يقفون بانتظارها.
– مش إنتِ قولتي ملقتيش حد برّا؟
– أنا اللي قولتلها تقولك كده.
تقدم الجميع بخطوات هادئة، وابتسمت والدة زين بحنان.
– حضرتك نورتي بيتي المتواضع.
– دا منور بيكِ يا فروحة.
– إزيك يا فرح؟
– الحمد لله، أهلا بحضرتك.
– أهلا بيكِ يا بنتي، أنا والد زين.
– اتشرفت بحضرتك.
– وأنا عمه وزي أبوه بالظبط.
– أهلا وسهلا بحضرتك.
– وأنا عمار… طبعًا غني عن التعريف.
– أكيد طبعًا.
ضحكت لين بخفة:
– وأنا لين. إنتِ بقى فرح اللي خطفتِ قلوب العيلة كلها وبالذات… شخص معين كده. بصراحة ليهم حق.
احمر وجه فرح خجلًا، وبادرت بالسلام على الجميع وهي مرتبكة.
حاولت أن تقوم لتُحضِر العصير، لكن أسيل أمسكت يدها بلطف:
– اقعدي، أنا هجيب كل حاجة.
وافقت فرح بعد إصرارها المتكرر.
تقدم زين بخطوات واثقة، وعيناه لا تفارق فرح.
– بصراحة يا فرح، أنا جاي النهاردة وجايب كل أهلي عشان أعتذرلك قدام الكل على تصرفي الغلط معاكِ، واتمنى تقبلي الورد دا مني… وجايبه من الجنينة على فكرة.
– مسامحاك يا باشمهندس… إنت عملت حاجات كتير عشاني، وانا مسامحة من قلبي.
تدخل والد زين بصوت واضح:
– يبقى ندخل في الموضوع التاني يا بنتي.
رفعت فرح رأسها بتوتر:
– اتفضل.
– أنا جاي طالب إيدك لزين ابني. بقاله شهر بيخطط لليوم دا ويكاد يكون مش بينام.
ثم اقتربت والدة زين، واحتضنت يد فرح:
– أنا مش هاعتبرك مرات ابني… إنتِ هتكوني بنتي يا فرح.
ابتسمت أسيل بحماس:
– هنفضل مع بعض قريبين دايمًا، وهتكوني أختي بجد.
أضافت لين:
– وأنا كمان! مش أسيل لوحدها. أول ما أخلص الكلية الامتحانات هفضل معاكِ علطول
ارتعش صوت فرح قليلًا:
– أنا كان نفسي يكون ليا أهل تطلبوني منهم.
أجابها والد زين بحنان:
– إحنا أهلك يا فرح.
ابتسم زين بثقة:
– أنا قولتلك في مفاجأة… صح يا فرح؟
لم ترد، فقط نظرت بخجل وتوتر.
– المفاجأة الأولى… إننا هنحوّل البيت دا لملجأ للأطفال زي ما كنتي بتتمني.
شهقت فرح:
– إيه دا؟ عرفت منين؟
– غصب عني لاقيت مذكراتك وإحنا بنركب الشبابيك… وهيكون حسنة جارية على روح والدتك.
همست فرح والدموع تلمع في عينيها:
– ماما سايبة ليا فلوس هعمل الملجأ بيها.
– خلاص… يبقى نعمله سوا.
– والمفاجأة التانية… غمضي عينيك.
أغلقت عينيها، فقُوبلت بصوت مألوف يهتف:
– ادخلي يا مفاجأة! افتحي عيونك يا فرح.
– عمي!
أسرع نحوها باكيًا:
– حقك عليا يا نور عيني… سامحيني يا بنتي… أنا آسف. ربنا انتقم ليكِ مني، ولادي منهم اللي مات والتاني اتحبس، ومراتي اتجننت، وأنا عندي مرض ملوش علاج… كل دا عشان ظلمتك. كتبّت كل أملاكي باسمك… بس سامحيني، أحب على رجلك تسامحيني، انا ندمت والله
– لأ يا عمي، أوعى تقول كدا تاني. انت فوق راسي مهما حصل. انت أخو والدي الله يرحمه وكان بيحبك.
– هتسامحيني؟
– مسامحاك… وربنا يسامحك.
تنفّس براحة باكية:
– نفسي أقابل ربنا وانا تايب.
– ان شاء الله هتتعالج وهتبقى كويس،
مسحت دموعها، وقالت بثبات:
– موافق يا عمي تبقى ولي أمري؟
ابتسم وسط دموعه:
– ياااه يا فرح… دي هتبقى أحلى حاجة عملتها في حياتي.
رفع والد زين صوته:
– إحنا جايين رسمي نطلب إيد بنت أخوك.
سألها عمها بخجل:
– إيه رأيك يا حبيبتي؟
لم تتكلم… لكن ابتسامتها كانت كافية.
ضحك زين:
– السكوت علامة الرضا.
وانفجر الجميع فرحًا.
– بصراحة يا فرح… أنا جايب المأذون معايا وقاعد في العربية.
– مش فاهمة؟
– يعني جبت الشبكة.
– إزاي؟
– أسيل جابتلي مقاسك في السر… وأنا اخترت الفستان.
ثم أكل بحماس:
– يلا بقى، أمي هتلبسك الشبكة.
– ما شاء الله… حلوة أوي، بس ليه السرعة دِ.
– خلاص… كدا بقيتي خطيبتي، صح ولا إيه؟
– صح.
– ناقص إيه بقى؟
– ناقص إيه؟
– إنك تبقي مراتي.
فتحت فمها بدهشة:
– مش فاهمة!
– المأذون برّا… خير البر عاجله.
– إزاي طيب؟
– أنا مش قادر أستنى أكتر.
– أسيل؟!
– نعم يا عمار؟
قال عمار بحزم:
– المأذون اللي هيجوز أخوكي… هيجوزنا؟
– لأ مش وقت سكوت خالص!
– مش انت موافق يا عمي؟
– موافق على إيه؟
– شوفتِ؟ هو موافق!
ضحكت أم زين وسط دموع الفرح:
– يا حلاوة… ولادنا كلهم مجانين!
بس دا أحلى جنان شوفته في حياتي
_______
وبعد دقائق قليلة، كان صوت المأذون يعلو بالدعاء، وتعالت الزغاريد داخل البيت المتواضع الذي تحوّل فجأة إلى عالمٍ من الفرح والدهشة والدموع الحارة. كُتِب الكتاب، وأصبحت فرح زوجة لزين رسميًا وأسيل زوجة لعمار
كانت فرح واقفة في منتصف الغرفة، مبهوتة، كأن قلبها خرج من صدرها وواقف جنبها بيحضنها. يدها ترتعش، ووجهها متورد من الخجل والفرح.
زين وقف جنبها، بيبص لها بنظرة فيها امتنان وسكينة، كأنه أخيرًا ريّح روحه اللي كانت تائهة.
أول كلمة كسر بيها الصمت
_ مبروك يا فرحي.
رفعت عينيها ليه بخجل:
– الله يبارك فيك… يا زين.
ضحك عمار بصوت عالي، وهو ماسك قلبه بتمثيل درامي: – يا ناس حد يلحقني… أنا قلبي مش مستحمل الفرحة دي… أخيرًا اتجوزتها
زين ضرب كتف عمار بخفة:
– اهدى يا عم انت، إنت أصلاً كنت بتعيط من شوية
عمار بتمثيل:
– أنا؟! ده كان تراب دخل في عيني… إنما قلبي صلب وزي الحديد يا ابني!
أسيل ضحكت وقالت:
– ما تقول إنها دموع الفرحة يا سي عمار
قبل يدها قائلًا:
_ انا اتولدت النهارده يا أسيل، بحبك.
_ ربنا يتمم بخير يا حبايبي… يا رب تكون أيامنا كلها كدا لمّة وفرح.
زين قال بهدوء مؤثر:
– مفيش بيت اتبنى بالرضا والدعوة الصادقة إلا وكان فيه نور.
عمّت السكينة المكان، وكأن الرحمة نزلت من السماء تسند البيوت اللي تعبت كتير.
ضحك الكل، وضحكتهم كانت أنقى من الزينة، وأصدق من أي مظاهر.
لم يكن هناك فستان أسطوري ولا قاعة فاخرة…
لكن كانت هناك قلوب اتجمعت على نية صافية…
وهذا وحده كان كافيًا لتبدأ الحكاية أجمل مما تخيلوا.
________
**"ليست الحكاية عن فتاة تزوّجت، ولا عن رجل وجد نصيبه…
بل عن بيوتٍ أُعيد بناؤها بالدعاء بعد أن هدمها الألم، وعن قلوبٍ ظنّت أنّها خُلقت لتبقى وحيدة ثم أيقنت أنّ رحمة الله أكبر من كل فراغ.
في هذه الحكاية… لا ينتصر الأقوى، بل من صبر.
ولا يُعطي القدر هداياه دفعة واحدة، بل حين يطيب القلب للنعمة.
هنا… تبدأ القصص حيث كان الآخرون يظنون أنّها انتهت."**
#تمت
