رواية تيار الحب الفصل الحادي عشر بقلم رباب حسين
السماء تلك الليلة كانت تُنذر بما هو أكثر من العاصفة. لم تكن الغيوم تُخفي نجومها فحسب، بل كأنها تُخفي مصيرًا يوشك أن يُولد من رحم التمرد. في عمق الصمت الذي سبق الانفجار، كان قلب ليور يخفق بإيقاعٍ جديد... إيقاعٍ يخص البشر لا الملوك.
أما إيثر، فكانت عيناه تشتعلان بنارٍ لا تهدأ؛ نار الأب الذي يرى في ابنه انعكاس ضعفه الذي طالما هرب منه. بينهما صمتٌ يقطعه توتر الأرض والسماء، كأن الكواكب كلها تنتظر الكلمة التالية لتقرر مصيرها.
الحب في عرف كوكب لاروس خطيئة، أما في عرف البشر فهو خلاص.
وفي تلك اللحظة، أدرك كلٌ منهما أن المواجهة لم تعد بين ملكٍ وابنه… بل بين جيلين، بين عالمين، بين من يرى في الحب دمارًا ومن يراه ولادةً جديدة.
الشرارة اشتعلت... وما سيحدث بعد ذلك لن يُطفئه لا العقل ولا السلطة.
كانت النظرات بينهما كفيلة بأن تنذر بطوفان قادم ليمحي كل آثر بين الأب وابنه لذا تدخلت نوارا سريعًا لتخمد هذا التوتر فقالت بتعجب: عرفت منين إنها قبلت بحبك؟
نظر لها ليور هروبًا من نظرات إيثر الغاضبة وقال بتوتر: ده اختراع خليته تعمله، بيوصل البشر بالإنسان الآلي وعن طريقه بقدر اقتحم عقلها وهي كمان ممكن تخترق عقلي بس ده طبعًا لو أنا سمحت بده.
تحولت نظرات إيثر من غضب إلى تعجب، هذا الإختراع قد يخدم خطته في الإستيلاء على موارد الكورة الأرضية لذا بدل نظراته إلى الحزن وقال: وأول ما قالتلك تعالى نسيت أبوك اللي عرض نفسه للخطر وسافر من مجرة لمجرة عشانك؟
ليور: لا طبعًا، بس أنا عندي فكرة، أنا هخرج أجيب أدوات التنكر زي ما اتفقنا بس بدل ما تطلعو على سينا هتيجو عندي على البيت، هناك أمان ومحدش هيشك فيكو وكمان تتعرفو على فلك، أنا متأكد إنكم هتحبوها وهي كمان لو شافتكم هتعرف إنكم مش جايين تأذو سكان الكوكب.
نوارا: هي شاكة فينا؟
ليور: هي متعرفش عننا حاجة خالص، أظن لو قعدت معاكم هتعرف نيتكم الطيبة، بعد كده وقت ما تحب تسافرو على سينا نرتب سفر مريح ليكم وتسافرو.
نوارا: يعني خلاص، مش هترجع معانا؟!
ليور: أنا مش هقدر أسيبها، لو هي وافقت تيجي معايا على الكوكب هنرجع سوا.
إيثر: طيب أخرج شوف هتشتري إيه وأرجع بسرعة قبل ما حد يجي المكان ده ويشوفني.
ذهب ليور ليحضر بعض أدوات التجميل وأيضًا ثياب أخرى لهم ثم عاد إليهم، وضع ليور شارب مستعار ووضع على رأسه قبعة وبدلو ثيابهم ،وطلب ليور سيارة أجرة لهم وذهبو جميعًا إلى المنزل.
دخل إيثر ونوارا وسيزيف إلى غرفة ليور ثم وقف عند الباب وقال: هروح لفلك وأجيلكم على طول، هي هنا في الأوضة اللي جنبكم.
ذهب ليور وطرق الباب لتفتح فلك الباب فورًا لترى ابتسامة ليور تعلو وجهه فقالت: إتأخرت كده ليه؟
ليور: هقولك، بس ممكن أدخل الأول؟
تحركت فلك من أمام الباب ليدخل ليور ثم التفت إليها بعد أن أغلقت الباب وقال: خلاص مش خايفة مني؟
نظرت له فلك بصمت ثم قالت: مش عارفة، أنا مش فاهمة أنا حاسة بإيه، بس اللي أنا متأكدة منه إني.... إني مش عايزاك تبعد.
ابتسم ليور لها وقال: أنا كنت خلاص همشي، الملك كان عايز ياخدني معاه مقدرتش اعترض عشان إنتي رفضتيني.
فلك: كنت هتقدر تمشي ومتشوفنيش تاني؟
ليور: أنا كنت همشي وسايب قلبي هنا، إحنا غيركم يا فلك، لما بنحب مش بنعرف ننسى ولا نحب تاني، واللي بيتكوي بعذاب الحب سواء بالرفض أو الهجر بيعيش اللي باقي من عمره كأنه ميت.
فلك بتوتر: كويس إني لحقتك، أنا... برغم إني مش عارفة اللي بعمله ده صح ولا غلط بس إحساسي بيقولي إني مش هعرف ألاقي حد زيك تاني، ولا حد هيفهمني زي ما إنت فهمتني يا نور.
ليور: لا، ليور، اسمي ليور، وبعدين متقلقيش، الملك هنا والملكة كمان وحابين يتعرفو عليكي عشان تتأكدي إنهم مش قصدين شر أبدًا.
فتحت فلك عينيها في صدمة وقالت: هنا فين؟!
ليور: في شقتي، جنبك هنا، لو حابة تتعرفي عليهم تيجي معايا.
فلك: عندنا العروسة مش بتروح لأهل العريس.
ضحك ليور لتنظر له فلك وتبتسم تلقائيًا ثم قال: وعندنا كمان، خلاص، هروح أخليهم يجو هنا.
كاد يذهب فأمسكت فلك ذراعه وقالت: إستنى بس، خلينا نتكلم شوية مع بعض، أنا عايزة أعرفك أكتر.
نظر إلى يدها ثم نظر إلى عينيها وابتسم وقال: عايزة تعرفي إيه سيدتي؟
ضحكت فلك وقالت: سيدتي!
ليور: عندنا الحبيبة بتبقى أهم حد في الدنيا، وأقل لقب ليها هو سيدتي.
فلك: وإيه أكتر لقب ليها.
اقترب منها ليور وقال بصوت هادر: مولاتي، أما إنتي هتكوني ملكتي، ملكة قلبي وحياتي، ضالتي اللي عشت أدور عليها لحد ما لقيتها خلاص وبقت بين إيديا، من النهاردة روحي فداكي، ولو طلبتي طلب واجب عليا تنفيذه بدون نقاش.
فلك: لا ده دلع زيادة أوي وأنا مش حمله.
ليور: إنتي تستاهلي أكتر من كده، أنا عايز أعوضك عن كل اللي شوفيه في حياتك.
فلك: طيب ممكن أسألك سؤال؟
ليور: أكيد.
فلك: هو.... هو الكهربا اللي بتخرج منك ديه، ملهاش كنترول، أنا بصراحة خايفة ألمسك.
ابتسم ليور وقال: لا طبعًا ليها كنترول، أنا لا يمكن أئذيكي، متخافيش مني يا فلك، بجد الموضوع ده مضايقني أوي، إنتي عرفتي أنا إيه وشوفتي كل حاجة مريت بيها، أظن ده يطمنك كفاية.
فلك: هو اه شفت كل حاجة، وشفت كمان سيراف.
ضحك ليور وقال: اشمعنة سيراف يعني؟!
فلك: مش ديه اللي كنت هتتجوزها؟
ليور: اه.
فلك: وأول ما شفتها أعجبت بيها، هي حلوة أوي بصراحة.
ليور: هو إنتي متضايقة ليه؟ أنا مش فاهم.
فلك: واضح إنك متعرفش يعني إيه غيرة.
ليور: غيرة! لا مش فاهم.
فلك: الغيرة ديه يعني إن أنا لما بحب حد مش بحبه يشوف حد غيري حلو ولا يعجب بحد غيري ولا يتكلم مع حد غيري كده يعني.
ليور: اااااه فهمت، بس لا معندناش غيرة، ديه جديدة، أصل اللي كان متعارف عليه قبل ما نمنع الكلام في المشاعر خالص إن طبيعي لو حبيت حد مش هشوف ولا هحب غيره، فا فكرة إني ممكن أشوف واحدة غيرك حلوة أو أعجب حتى بحد ديه تنسيها، أنا ملكية خاصة ليكي وإنتي كذلك، قلوبنا في كوكبنا مبتتقسمش، يعني اللي بيحب معندوش مهرب غير إنه ينتمي للي بيحبه وبس.
فلك: يعني لو شفت حد مثلًا وقولتلك إنه حلو مش هتضايق؟
ليور: لا، هسيبك، لأن ساعتها هعرف إنك مش بتحبيني.
فلك: لا وعلى إيه، بس عارف إن الموضوع ده يلغي فكرة الخيانة أصلًا.
ليور: لا خيانة إيه، معندناش الكلام ده، عمرها ما حصلت في الكوكب عندنا خالص.
فلك: طيب تعالى إحكيلي أكتر، أقعد هنا.
جلس ليور بجوارها وظلا يتحدثا معًا، أما إيثر فكان ينظر من النافذة في صمت فاقترب منه سيزيف وقال: مولاي، هنرجع من غير سمو الأمير؟
إيثر: لا، مش هرجع من غيره، الإنسية ديه ضحكت على عقله وقدرت تكسبه لدرجة إنه باع عيلته كلها عشانها، أنا هقولك على خطة هنعملها سوا، بس محدش يعرف عنها حاجة حتى الملكة.
سيزيف: أمرك يا مولاي.
قص له إيثر ما يفكر به، أما ليور فكان ينظر إلى فلك وهي تتحدث معه ويرى نظرات الإعجاب تزداد أكثر وأكثر داخل عينيها فقال: فلك، أنا عايز أعرف إنتي بتحبيني ولا لا.
ظهر الارتباك على وجه فلك وقالت: إنت فاجأتني بالسؤال.
ليور: فلك أنا عارف حقيقة مشاعرك بس مستغرب مش عايزة تعترفي بيها ليه؟ مترددة؟
فلك: لا، اوووف مش عارفة، ليور الموضوع كله يلغبط، إنت جي من كوكب تاني، اه إنت شبهنا بس مختلف.
ليور بضيق: تاني يا فلك خايفة من الاختلاف؟
فلك: طيب بص، خلينا بس نتكلم ونفهم بعض أكتر، أنا متأكدة إن الحاجز ده هيتشال لو قدرنا نتفاهم مع بعض وأحس إنك فعلًا زينا هتلاقيني خدت على الوضع أو مبقتش شايفاه.
تنهد ليور في ضيق ثم قال: ماشي يا فلك، خدي وقتك، أنا هرجع أوضتي عشان أشوفهم محتاجين حاجة ولا لا، بليل هجيبهم وأجي، مناسب ليكي؟
فلك: اه، تنورو في أي وقت.
ذهب ليور إلى منزله وبعد وقت نزل ليحضر بعض الطعام، أما فلك فتلقت مكالمة من مراد وأخبرها أن الأختراع الذي قامت به انتشر على نطاق واسع وسوف يقوم بتصنيع عدد كبير منه وأيضًا نوع جديد من الآليين لربطهم به ويتم بيعهم معًا، وأن براءة الأختراع سيتم تسجيلها باسمها، شعرت فلك بالسعادة فقد حققت حلمها الذي تعبت لأجله لأعوام، عاد ليور إلى منزله وتناول الطعام معهم وأخبرهم بأن عليهم الذهاب لمقابلة فلك، رحب إيثر بالفكرة وهذا ما آثار ريبة نوارا ولكن لم تتحدث أما ليور فشعر بالسعادة أن إيثر قد تفهم موقفه ولا يوجد مشاكل أخرى تقف عقبة أمامه.
في المساء، ذهب ليور مع عائلته وسيزيف إلى منزل فلك، استقبلتهم فلك بترحاب وجلست معهما أما سيزيف فكان يقف بعيدًا عنهم قليلًا فقالت فلك: هو مين اللي واقف هناك؟
ليور: ده قائد الرحلة اللي جاب الملك والملكة هنا.
أومأت له وجلست تتحدث معهما، لم تشعر بغرابة في الأمر بل على النقيض فكانت نوارا تتحدث معها بارتياح ولم تشعر بأن هناك إختلاف كبير بينهم، وأيضًا أخبرت ليور بشأن الجهاز العصبي، وأن الشركة سوف تقوم تصنيعه، وأنها قد حققت حلمها أخيرًا والفضل كله له.
بعد وقت، غادر الملك والملكة وتبعهما سيزيف وظل ليور بمنزل فلك قليلًا ثم نظر إليها وقال: حاسس إنك مرتاحة.
ابتسمت فلك وقالت: اه بصراحة، مامتك طيوبة خالص، هو جلالة الملك هو اللي قليل الكلام بس ده منطقي يعني مش مستغربة.
ليور: لو الملك معترض مكنش جيه لحد هنا، أنا مبسوط أوي، مكنتش عارف إن كل حاجة هتتحل بسهولة كده.
فلك: أنا عمومًا بقلق لما الدنيا بتمشي سهلة كده، بحس إن فيه حاجة هتفاجأنا، ياريت إحساسي يطلع غلط.
ليور: مش هسمح لأي حاجة تبعدني عنك، إنتي ليا مهما يحصل.
ابتسمت له فلك ونظرت إليه في صمت، أما إيثر فوقف خارج الغرفة واقترب منه سيزيف فقال: فحصت الجهاز العصبي اللي هي عملاه؟
سيزيف: فحصته وعرفت معمول إزاي، ومن اللي قالته واضح إن الموضوع هينتشر وده هيساعد في خطة جلالتك.
إيثر: كده فاضل إننا نستنى، إحنا هنرجع المركبة زي ما قلنا لليور بس مش هنرجع الكوكب، أول ما نوصل هناك هنبعت إشارة للجيش بتاعنا إنه يرسل طائفة كاملة للكوكب ده، وفي الوقت اللي هيجو فيه هيكون المشروع بتاعها انتشر وساعتها ننفذ خطتنا، ليور مش هيرجع غير لما الكوكب ده يتدمر لإن ساعتها فلك هتكرهه، وده اللي أنا عايزه... غبي، فاكر إنهم زينا بيحبو بإخلاص، ميعرفش إن لو الحب إتعارض مع مصلحتهم بيرمو الحب ورا ضهرهم، البشر مستغلين مش زينا.
سيزيف: مولاي إنت حقك تخاف على وريث العرش وده يسمحلك تغزو عوالم مش كوكب زي ده بس، حضرتك تأمر وعلينا التنفيذ.
إيثر: خلينا نرجع المركبة وندرس الخطة كويس عشان مش عايز أخطاء.
سيزيف: تحت أمر معاليك.
هناك بشر يستغلون الحب، وهناك من لا يؤمن به مثلهم، وهناك من يحارب لأجل الحب، فليس هناك قاعدة واحدة مفروضة على جميع البشر، فنحن مختلفين وأظن أن على إيثر إختبار ذلك الاختلاف بنفسه ليعلم أن هناك من هو مخلص في الحب مثلهم أيضًا.
