رواية تيار الحب الفصل الثالث عشر 13 بقلم رباب حسين


رواية تيار الحب الفصل الثالث عشر بقلم رباب حسين 


لمعان خاطف اخترق الأفق كوميض برقٍ جريح ثم تحول إلى وهج أزرق يمزق سكون الليل.

ارتجت النوافذ وتتابعت ذبذبات غريبة كأن الهواء نفسه فقد توازنه.

رفعت فلك نظرها للسماء المشتعلة وقلبها يخفق بذعر لم تعرف له اسمًا، بينما ليور تجمد في مكانه... يعرف هذا الوميض، يعرف تلك الطاقة، يعرف أنها ليست من الأرض. صوت المركبة يخترق المسافة بين العوالم، يحمل نغمةً مألوفة تشبه نداء أبيه. تجمدت ملامحه بين الخوف والحنين بين أن يهرب بحبيبته أو يواجه قدره. اقتربت فلك منه بخطوات مرتجفة وقالت بصوتٍ خافت: ليور... إيه اللي بيحصل؟

لم يُجب. عيناه كانتا تتبعان الشرارة المتوهجة وهي تقترب أكثر فأكثر، حتى كادت تبتلع السماء كلها. في تلك اللحظة أدرك أن الحرب التي كان يخشاها... بدأت. وأن الحب الذي وُلد في الظلال... سيُختبر الآن تحت نورٍ لا يرحم.

كانت لحظات تحبس الأنفاس، هناك آلاف الأفكار تجول بعقل ليور، أهمها؛ لماذا شن إيثر الحرب على كوكب الأرض؟

نظر ليور إلى فلك التي امتلئت عينيها رعبًا وقال: متخافيش يا فلك.

فلك بغضب: مخافش إيه؟! قعدت تقولي متخافيش لحد ما شفت اللي بيحصل ده، إنت كنت عارف إن ده هيحصل؟

ليور: لا طبعًا، فلك بجد لازم نرجع بسرعة، خلينا نشوف هيحصل إيه، أنا عارف الجيش هينزل منين، بسرعة يا فلك.

ركضا إلى السيارة وقادها ليور مسرعًا حتى اقترب من المركبة، ولكن وجد ما لم يكن يتوقعه، هناك بشر كثيرون واقفون أمام المركبة وخلف كل واحد منهم آلي، ليس أي آلي، بل الآلي الذي إخترعته فلك، لاحظ ليور أن الآليين يتحكمون بالبشر، اخترق سمع ليور صوت فلك وهي تصرخ: بابا!

نظر لها ليور ثم نظر إلى الإتجاه التي تركض إليه وأمسك بها بقوة وقال: إستني يا فلك، الناس ديه متسيطر عليها، متقاربيش.

فلك بفزع: بابا... بابا من ضمنهم، إتصرف يا ليور دلوقتي.

قاطع حديثهما صوت قوي فعلم ليور أن المركب تفتح أبوابها ليهبط منها الجيش، لقد استخدم إيثر البشر كدرع يحميه ويحمي الجيش، هو يعلم أن عدد الجيش الذي أحضره لن يقف أمام كل هذه الجيوش حول العالم، لذا يستخدم سكان الكوكب كدروع بشرية والفضل يعود إلى إختراع فلك. 

جذب ليور فلك خلفه وقال لها: خليكي ورايا.

كاد يتحدث ولكن تفاجأ بدخول سيارات الشرطة ومدرعات حربية، فقد رصدت الحكومة المركبة منذ أن اقتربت من الكوكب لذا قامت برفع حالة الطوارئ، فتح ليور عينيه في صدمة، هو يعلم أن البشر سيخسرون هذه الحرب بالتأكيد، حاول ليور أن يحذرهم من الاقتراب ولكن لم يستمعو له، قامت أحد المدرعات بتوجيه الأسلحة على المركبة ليسبق الرصاص تيارات كهربائية قوية، صابت السيارات والمدراعات الحربية ليموت من بداخلها على الفور، نظر ليور وفلك لما يحدث بصدمة ثم قالت فلك في ذعر: ماتو؟! ماتو صح؟!

التفت ليور إليها وأمسك يدها يحاول تهدئتها ولكن بدأت فلك بالبكاء بهيسترية وقالت: أنا السبب، مكنش لازم أتستر على وجودك هنا، كان لازم أرفضك، الملك جاي أكيد عشان يمنعك تفضل هنا، أنا أصلًا إستغربت هو سابك هنا بسهولة كده إزاي وإنت وريث العرش، بس دلوقتي فهمت، باباك كان بيرتب للغزو، أنا فهمت لما شفت الكوكب بتاعك جوا دماغك إن الكوكب فقير بالموارد مش زي هنا، بس قلت أكيد مش هتطمعو فيه بالشكل ده، إوعى تكون متفق معاهم يا ليور؟!

ثم تبدلت نظراتها إلى الشك وقالت بهدوء مصحوب بريبة: إنت.... إنت اللي قولتلي على فكرة الإختراع ده، أنا إزاي مفهمتش؟! باباك كده عارف كل اللي في عقول الناس هنا بسببي، أنا خليت كل الناس صيد سهل بالنسباله.

ليور بصدمة: فلك إنتي إزاي تفكري فيا كده؟!

فلك بغضب: أمال أفكر إزاي؟!

كانت لحظة فارقة بينهما، خذلان، ألم، كانت نظرات ليور لها كفيلة بأن تنبأ بأن هناك شيء إنكسر بداخله، لا يعلم كيف سيعالج هذا الشرخ ولكن هناك شيء واحد مؤكد، لن نعود كما كنا... 

سمعا صوت مدوّي بالأعلى فنظرت له فلك بتوجس لترى سفينة أخرى تقترب فنظرت إلى ليور وقالت: سفينة حربية تانية؟!

ليور: ده بابا.. ديه السفينة الملكية.

زاد خوف فلك، وبدأ يظهر بعض البشر حولها لم يتم السيطرة عليهم، تبعهم بعض السيارات التابعة للشرطة فأشارت لهم فلك على الفور وأخذت تصيح أمامهم كي لا يقتربو، وقفت أحد السيارات أمامها واصطفت السيارات خلفها، ونزل أحد الضباط وقال بغضب: بتعملي إيه؟!

نظرت له فلك بخوف وحاولت أن تشرح له ما يحدث فقالت: مستخدمين البشر كدروع، هما مسيطرين عليهم ومخترقين عقلهم بالآليين دول.

نظر الضابط لما يحدث ووجد بالفعل عدد كبير يقف أمام جيش الغزو فقال بتعجب: عرفتي الكلام ده منين؟

تنفست فلك بقوة، هي تعلم أن عليها الآن أن تبوح بكل شيء، بكل الأحوال لم يستطيعو أن يأذو ليور، ومن المؤكد أن إيثر سيحميه، أما هي فعليها حماية الكوكب منهم، فقالت: عشان أنا عارفة واحد منهم، وفاهمة هما عايزين إيه بالظبط.

نظر لها الضابط بغضب وقال: إنتي كنتي متسترة عليهم؟

لم تستطع فلك الإجابة فاقترب ليور منهما وقال: لا، هي مكنتش تعرف إن كل ده هيحصل، ولا أنا كمان.

الضابط: وإنت مين إنت كمان؟!

ليور: أنا ليور إيثر، أمير من كوكب لاروس، اللي بيعملو عليكم غزو دلوقتي، لو سمحت إسحب الجيش بتاعك وعناصر الأمن، أنا هعرف أوقف الغزو ده من غير ما حد يتأذي، كفاية اللي ماتو لحد دلوقتي.

نظرت له فلك بنظرات مليئة بالخوف، الندم، التوجس بأن النهاية قد اقتربت. 

هبطت مركبة الملك ووقف خلف الجيش وفجأة انقطعت الأضواء دفعةً واحدة فأصبح الظلام حالك، أخذ الناس ينظرون حولهم في خوف، ثم أضاءت شاشات الإعلانات ببعض الكلمات ليعلو صوت الناس اللذين يقفون أمام الجيش ليقولو بصوت واحد: أنا الملك إيثر، جئت في سلام، لا أريد حرب أو إراقة الدماء، فقط نريد مشاركتكم الكوكب، أنتم تلوثونه ولا تجيدون استخدام موارده، بتقدمنا عنكم نستطيع خلق حلقة وصل بيننا ونعيش معًا في سلام.

قال الضابط بغضب: بيقول إيه ده؟!

ليور: إهدى لو سمحت، سيبني أتصرف.

الضابط: وأنا أثق فيك ليه؟! إنت واحد منهم زي ما بتقول؟

ليور: عشان معندكش حل تاني.

نظر له الضابط ولم يجد ما يقوله فقرر أن يصمت ليرى ما سيحدث، اقتربت فلك من ليور وقالت: هو إنت هتعمل إيه؟

ليور: هحمي كوكبك، عشان تتأكدي إني مكنتش أعرف إن ده كله هيحصل ولا ليا يد فيه.

نظرت فلك أرضًا في خجل، ابتعد عنها ليور بخطوات ليرفع يده عاليًا وبعد وقت أنزل يده وبدأ بخلع معطف حلته ورابطة عنقه وأعطاها لفلك، نظر داخل عينيها وكأنه يودعها ثم رفع عينيه بالأعلى وبعد وقت وجدت نوح يركض خلفها فقال ليور: نوح هيفضل معاكي، هيحميكي.

أمسكت فلك ذراعه بخوف وقالت: إنت رايح فين؟

رتب ليور على يدها وهو يبتسم لها ابتسامة حزينة ثم قاطعه وصول مركبته، ابتعد عن فلك ووقف أسفلها ليهبط منها مخدع قدمين وكأنها لوح طائر مضيء بإضاءة مختلفة، لم يرو شيئًا كهذا من قبل، هبط من المركبة ليقف أمام ليور، نظر له ليور ثم التفت لينظر إلى فلك وهو يبتسم والدموع في عينيه، شعرت فلك بأن هذه هي النهاية، وقف ليور على اللوح ليخرج منه بدلة حديدية بدأت تكسو جسده بداية من قدمه حتى رأسه، كانت من معدن غير متعارف عليه على الأرض، كان الناس حولهم يشاهدون ما يحدث في ترقب وانبهار والخوف يسيطر عليهم، ارتفع اللوح ليقف ليور أعلى الجيش، وقعت عين ليور على إيثر الذي نظر إليه بتحدي فقال ليور: الكوكب تحت حمايتي، ومظنش تحب نقف قدام بعض يا جلالة الملك.

وقف إيثر على اللوح الخاص به ليرتفع أمامه وقال بغضب: إنت اللي خنت شعبك، سبت العرش وزوناد والعيلة بس عشان البنت ديه، لو عايز تفضل هنا هخليك هنا، بس على شرط، تفضل الملك وتبقى ملك عليهم كلهم.

ليور: أنا مش عايز أبقى ملك عليهم، جلالة الملك أنا بطلب منك كوريث للعرش وابنك الكبير إنك توقف الغزو حالًا، كفاية الناس اللي ماتت لحد دلوقتي، إحنا عمرنا ما أذينا حد ولا عملنا غزو على ناس ضعيفة، الناس هنا طيبين زينا، ويمكن أكتر، أنا عرفتهم وفهمتهم، الناس هنا قلوبهم صافية، بلاش نأذيهم جلالتك، أنا بخاطب نفسك الطيبة واللي متأكد إنها هترفض الأذية للبشر، هما معملوش أي حاجة لينا، ليه نموتهم ظلم؟!

إيثر: إنت اللي فضلتهم علينا، إنت مخدوع فيهم، فاكر إنهم زينا، فاكر إنهم هيحبوك بإخلاص، محدش بيحب بإخلاص، كلهم هنا بيضحكو على بعض، بيمثلو عليك الحب وقلوبهم مليانة غل وحقد، نفوسهم مريضة، أنا عرفت ده لما أقتحمت عقولهم بالجهاز ده، عرفت أد إيه هما منافقين، وهما اللي سهلو عليا ده، هما اللي سابو دماغهم للتكنولوجيا من غير حتى ما يفكرو في العواقب، مش عارفين إن لما تبقى دماغك في إيد حد يقدر يقراها ويحس بمشاعرك ويفهمك كويس إنك هتبقى لعبة في إيده، سابو أصولهم وبقو ليل نهار قدام شاشات، فاكرين إنهم بيتسلو لكن الحقيقة هما لعبة في إيد اللي فاهم واللي صنع التكنولوجيا ديه، لكن إحنا لا، إحنا بنقدر الحاجات اللي هما شايفنها حاجة عادية وضامنين وجودها، إحنا نقدر نحافظ على الكوكب ده منهم، وحتى لو فكرنا نحب عمرنا ما هنغش ولا نخدع زيهم.

ليور: بس يستحقو فرصة، كلنا نستحق فرصة، ليه دايمًا بتقرر عننا كلنا، ليه بتحط قوانين ولازم كلنا نمشي وراها، أنا عارف إنك حبيت ماما وكانت رفضاك، عارف كل حاجة، ولما القدر لعب لعبته وبقيت إنت الملك بدل أخوك اللي مات قبلت تتجوزك، بس بعد ما عرفت لوعة الحب وعذابه، الوجع اللي خلاك تقول لا محدش هيتعذب زيي تاني، حرمت الكوكب كله من إنه يجرب حتى يحب، جي تعاقب الناس ديه عشان أنا أخترت أعيش معاهم وإنت أصلًا السبب اللي خلاني أبعد، إنت اللي قولتلي روح دور على حد يحبك، ولما لقيته جي تعاقبهم ليه؟!

إيثر: يعني لو لغيت القانون ده هترجع؟ لو وافقت هلغيه وترجع معايا ولو عايز تتجوز واحدة بتحبها أنا موافق، مش هتتجوز سيراف.

نظر ليور إلى أسفل ليرى فلك تتابع ما يحدث وهي تبكي، عاد ليور النظر إليه وقال: إنت عارف إننا بنحب مرة واحدة، بس لو وقفت الغزو وسمحت لشعبنا إنه يحب.... هرجع معاك.

صاحت فلك بقوة: لااااا، لا يا ليور.... لا.

أغمض ليور عينيه بقوة فقال إيثر: موافق، إرجع معايا وهسيبهم للأبد.

تمالك ليور أعصابه وقال: إسحب الجيش وإبعد السفينة الحربية.

أشار إيثر إليهم فانسحب الجيش وأغلقت السفينة أبوابها وارتفعت عاليًا لتختفي بسرعة البرق من أمامهم، اقترب إيثر من ليور واحتضنه بقوة، كانت فلك تنظر إليهما وهي تبكي، إلتفتت إلى نوح وقالت: فين الجهاز العصبي؟!

مد نوح يده وأعطاه لها فأخذته بسرعة ووضعته لترتبط بنوح عصبيًا وأخذت تنادي باسم ليور الذي سمع صوتها يتردد داخل عقله، ابتعد ليور عن إيثر قليلًا وأغمض عينيه وحدثها بعقله قائلًا: نعم يا مولاتي.

بكت فلك بضعف وقالت: متمشيش، إنت زعلت مني صح؟! أنا مشكتش فيك يا ليور، أنا بس كنت خايفة ومتلغبطة، بس عمري ما أشك فيك، حقك عليا، لو إنت هتمشي عشان تثبتلي إنك متقصدش اللي حصل ده ولا تعرف عنه حاجة، فأنا مصدقاك، مش محتاج تثبتلي حاجة تاني، متمشيش، عشان خاطري متمشيش.

انسابت دمعة من عينه وقال: إنتي عارفة إني هبعد عشانكم، هبعد عشان محدش يتأذي، ودلوقتي هبعد عشان شعبي يستحق يعيش الحب اللي عيشته معاكي ودوقت حلاوته بين إيديكي، يمكن مكنش ليا حظ فإني أبقى مع اللي حبيتها، بس هما يستحقو فرصة تانية.

فلك ببكاء: وأنا؟!... أنا هعمل إيه من غيرك؟ فكرت في كل الناس إلا أنا؟!

ليور: إنتي عندك فرص تانية، هتنسيني، هتعرفي تحبي غيري، لكن إنتي متأكدة إني من غيرك هبقى ميت، أنا بجرح نفسي قبلك، بصي قدامك يا فلك، باباكي واحد منهم، لا يمكن أبقى أناني والناس ديه كلها تموت بس عشان أفضل معاكي، قلبي يموت أهون، سامحيني يا ملكتي، مش هقدر أوفي بالوعد.

فلك بغضب مصحوب بالبكاء: إنت قولتلي إنك لازم تلبي أوامري، قولت إنك مش هترفضلي طلب.

ليور: وإنتي طلبتي أحميهم، وأنا بنفذ أوامرك، نوح هيفضل معاكي، هيبقى مختلف، أنا هطوره دلوقتي قبل ما أمشي، هيفضل جنبك ويحميكي لحد ما تنسيني وتحبي غيري، وتبقي زوجة... وأم.

فلك ببكاء: متمشيش يا ليور، أنا بحبك.

انسابت دموع عينيه ونظر لها على الفور وقال بألم: جاية تقوليها دلوقتي؟ جاية تقوليها في الوقت اللي هتدبحني فيه!

فلك: كنت غبية ومقولتهاش قبل كده، بس إنت كنت عارف إني بحبك، متمشيش.

أغمض ليور عينيه مرة أخرى وقال: أنا كمان بحبك، سامحيني.

انطلق اللوح ليصعد إلى مركبة ليور الذي جلس على الفور بمقعد القيادة وبدأ تشغيل المركبة وهو ينظر عبر الزجاج إلى فلك التي تركض نحو المركبة، قام ليور بتطوير نوح ثم انطلقت المركبة بسرعة البرق ليختفي في ثواني. 

صرخة فلك ملئت المكان، وفي ظل ما يحدث، هناك من سمع هذا الحديث، نعم، سمع إيثر ما دار بينهما، علم أن هذه البشرية قد أحبته بصدق، تذكر إيثر الألم الذي مر به عندما ظن أن لن يتزوج الملكة، وشعر بألم ليور، أغمض عينيه في حزن وذهب إلى المركبة ليصعد كل الفضائيين خلفه ولحقت المركبة الملكية بليور، وقعت فلك أرضًا، تبكي بقوة وتحتضن معطف ليور، سمع جميع من حولها ما قالته فلك، نظرو لها بحزن، أما البشر اللذين كانو يقفون كدروع قد عادو إلى طبيعتهم، ركض مسعود سريعًا إلى فلك التي تبكي بالأرض وضمها إليه، وقف نوح خلفها وأخذ يرتب على كتفها في مشهد حزين خيم فيه الألم على كل من يقف ويشهد ما يحدث.

الفصل الرابع عشر من هنا

stories
stories
تعليقات