رواية ظل البراق الفصل السابع عشر
في كل لحظة، أشعر بثقل الزمن على صدري، كأن كل ثانية تملي على قلبي سؤالًا لم يجد جوابًا بعد. هل أعيش لأجل ذاتي أم لأجل الآخرين؟ وهل تختصر الحياة في الانقياد لرغبات الآخرين، أم في الجرأة على مواجهة ما يزعجنا بداخلنا؟ في صمت الليالي، حين لا يزعجني سوى دقات قلبي، أكتشف أن القلب دائمًا يسبق العقل، يجرؤ على المجهول بينما يبقى العقل متحفظًا، يراقب ويحسب ويقيس. وأنا، بينهما، أحاول أن أجد نقطة التوازن، تلك النقطة التي تجعلني أستمر دون أن أفقد نفسي في الطريق.
…….
كان صباحًا جديدًا يشرق على بيت رقية المهدي، ذلك البيت الذي شهد على روح فتاة تحمل في ملامحها نكهة الأمومة، وصبر السنين الذي جاوز عمرها.
كانت رقية قد قلبت الشقة رأسًا على عقب، تنظف كل ركنٍ فيها بحماسٍ لا يخلو من الإرهاق، بينما كانت أصوات التواشيح الدينية تملأ المكان بخشوعٍ جميل:
“مولاي.. إني ببابِك قد بسطتُ يدي”
كانت المكنسة في يدها تتحرك بإيقاعٍ يشبه إيقاع قلبها، ومعها نور تجلس على الأرض تغسل سجادة كبيرة، وتتنهد بين الحين والآخر وهي تنظر إلى أظافرها التي تلفها الرغوة وقد بدأت تُبلى من الماء والصابون.
أما هنا، فكانت هي الأخرى تجلس بجوارها، تغسل سجادة أخرى وهي تردد مع صوت المنشد بتأثرٍ صادق.
وبين همسٍ وضحكةٍ مكتومة، بدأت نور وهنا تتبادلان الكلام بخفوتٍ، وكأن بينهما سرًا صغيرًا.
رفعت “رقية” رأسها من مكانها ونظرت إليهما بحدةٍ خفيفة وقالت وهي تمسح جبينها بطرف بلوزتها:
-” اللي في قلبها حاجة تقولي ياختي منك ليها، بدل ما تفضلوا تتهامسوا كده.”
تبادلت الفتاتان النظرات للحظة، ثم قامت “نور” واقتربت منها وقالت بصراحةٍ ممزوجة بالجرأة:
-“بصراحة بقى إحنا مش فاهمينك يا رقية.”
رفعت “رقية” حاجبها وهي تمسك المكنسة وقالت بهدوء:
-” مش فاهميني إزاي يعني يا دكتورة؟”
تقدمت “هنا”بخطوة وقالت:
–-“رقية، أنتِ ما بتستحمليش بُعد حد مننا كام ساعة، ده إحنا لما بنروح الجامعة أو مشوار و نتأخر ساعة بتفضلي متوترة وقلقانة، خصوصًا هو… ليه دلوقتي حاسينك عادي كده وهو مش جنبك؟”
اقتربت” نور” أكثر منها، وقالت وهي تمسح يديها في طرف الفوطة:
-” إحنا مانعرفش حاجة عن سيف بقالنا أسبوعين! من يوم ما خرج وحصل اللي حصل، وأنتِ روحتي له بيت خالتو، ومن وقتها ماشوفنهوش أبدًا… بصراحة هو واحشنا قوي وعايزين نشوفه.
وبعدين ليه مش عايزانا نروح نشوفه هناك؟أو حتى هو فكر يجي يشوفنا؟ وكمان يا رقية رمضان بكرة… مش هييجي يقضيه معانا؟”
وقفت رقية مكانها، تحدّق في الفراغ للحظةٍ وكأن الكلمات علقت بين صدرها وحنجرتها، ثم تنفست ببطءٍ وهي تستعيد تلك الليلة التي عادت فيها من بيت خالتهم بهدوءٍ مصطنع، وقالت لهن إن “سيف بخير، وإنه قرر يقضي فترة عند خالته علشان يهدأ ويركّز في مذاكرة الثانوية، وإنهم ما يزعجهوش لا باتصالٍ ولا بسؤال.”
عادت لهن بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة، وقالت وهي تخفض صوت التواشيح قليلًا:
-“مش أنا قولتلكم إنه كويس؟ يبقى ليه القلق ده؟ أنا عارفة إنه وحشكم، بس يا حبايبي اعتبروه مسافر، ومش هتشوفوه فترة، وده عشان مصلحته..إنتوا كنتوا شايفين هو عامل إزاي الفترة اللي فاتت، وماصدقنا رجع لعقله ومذاكرته تاني، يبقى نساعده على كده ونسيبه براحته هناك.”
تقدمت “هنا “بدموعٍ في عينيها وقالت بصوتٍ متهدج:
-” بس هو مشي وهو زعلان مني يا رقية… وكمان إحنا بنتصل عليه كتير، وتليفونه مقفول، أنا حتى رحت أشوفه هناك، خالتو قالتلي إنه فوق في شقة يوسف، ويوسف معاه، وأنا ماكنش ينفع أطلع، وهو رفض ينزل يشوفني.”
اقتربت منها “رقية” بخطواتٍ بطيئة، ثم احتضنتها بحنان وقالت بصوتٍ دافئٍ ومحب:
-” حبيبتي، هو مش زعلان منك خالص، حد يزعل من هناه برضو؟بس هو مستريح كده يا هنا، وحابب كده..وبعدين تعالي هنا يا حلوة!مش أنا قايلة ماحدش يروح؟ ولا خلاص كلمة رقية ما بقاش ليها لازمة؟
قالت آخر جملةٍ بجديةٍ مصطنعة لتخفف الأجواء، فضحكت” هنا” بخفةٍ وهي تمسح دموعها وقالت بسرعة:
-“لا والله يا روقا، كلمتك فوق رأسي، بس الحيوان ده كان واحشني.”
انفجرت رقية ونور ضاحكتين على تعبيرها الأخير، فقالت” نور” بمودةٍ وهي تضع يدها على كتف أختها:
-” والله واحشني أنا كمان، بس أنا متأكدة إن طالما رقية متطمنة يبقى هو بخير.”
توقفت رقية للحظةٍ، ونظرت لنور بصمتٍ ثقيل، ثم قالت وهي تحاول أن تبدو مطمئنة:
-” أنا متطمنة علشان هو عند خالتكوا، وهي واخدة بالها منه أوي، وبصراحة البيت هناك هادي ورايق أكتر للمذاكرة، وبعدين كلكم بصراحة عامليني توتر.
ثم أشارت إلى نور بابتسامةٍ مرهقة وقالت:
-” الدكتورة آخر سنة وعاملالي قلق .
والدكتورة التانية مقضياها امتحانات وصياح ليل ونهار لعند لما هتقلب ديك بلدي.”
تعالت ضحكاتهما، فتابعت “رقية “بخفة ظلها المعتادة:
– وهو بقى ثانوية وعايز عسكري يقف وراه بالبندقية عشان يذاكر!
وانتوا عارفين خالتكم بقى عاملة إزاي.”
قالت” نور” وهي تضحك بمرح:
-“أنتِ هاتقوليلي على خالتو! تصدقي الواد سيف صعب عليا بجد.”
ابتسمت” رقية “وقالت بنغمةٍ جادةٍ على سبيل المزاح:
-” هنفضل نرغي كده ونسيب الشقة تضرب تقلب؟ خلّصوا بقى، عايزين نفرش قبل الليل يا ماما أنتِ وهي، رمضان بكرة! فوقوا كده.”
نظرت” نور” للسجادة أمامها وقالت بتأفف:
-” لازم أغسل دي يعني؟ بصي ضوافري بقت عاملة إزاي!”
رفعت “رقية “حاجبها وقالت بصرامةٍ طريفة:
– أنا غسلت كل السجاد ونشرته ونشف كمان، ودي يا حبيبتي أنتِ اللي قولتلي سيبيها يا روقا هغسلها أنا”.
قلدت صوتها في آخر الجملة ثم تابعت وهي تضحك:
-” اغسليها بقى وخلصيني.”
قالت” نور” بضيقٍ وهي تعاود الغسيل:
-” هغسل أهو… ودي آخره اللي يعمل فيها جامد.”
ضحكت” هنا “وقالت بخفة دم لرقية :
-” يا كبيرة، على فكرة ما فيش ترويقة اسمها ترويقة رمضان! أنتِ أي مناسبة تروقي وخلاص.”
اقتربت منها “رقية” وهي ترفع كُمَّ بلوزتها أكتر وتقول بابتسامةٍ مشاغبة:
-” أنا بحب أروّق يا قلب الكبيرة، وعندي مهارة ترويقة البني آدمين كمان… تحبي تشوفي؟”
صرخت” هنا” ضاحكة وجرت بعيدًا وهي تقول:
-” لا والله مصدقاكِ! أنا هدخل حالًا أروّق الأوضة وأخليها بتلمع.”
ضحكت رقية وهي تنظر إليها، ثم جلست على المقعد لثوانٍ تتأمل وجوه أخواتها، وداخلها غصّة دفينة لا يراها أحد.
لم تُرِد أن تقول لهن الحقيقة… لم تُرِد أن تُخبرهن أن أخوهم الصغير مدمن.
لم ترد أن تشوّه صورته أمامهم، ولا أن تجعله يشعر يومًا بالخزي حين يفيق.
فكذبت كذبةً تُشبه الحُب ، لتُبقي صورته نقيّة في عيونهم، حتّى يأتي اليوم الذي يعود فيه نظيف القلب والعقل، كما كان.
…………
كان إبليسُ يطربُ لتلك اللحظات التي يظنّ أنها ستقوده إلى النصر، غير مُدركٍ أنها ذاتُها سبيل هلاكه. وكذلك كان حالُ الجالسين الآن في ذروة نشوتهم، يحتفلون بإتمام صفقةٍ من صفقاتهم… غير واعين بأن هذه اللحظات السعيدة ستقودهم في النهاية إلى ما وراء الشمس.
جلس رزق البرّاق في صالة منزله، ممسكًا بفنجان قهوته، يرمق خالدًا بنظرة مشبعة بالثقة والغرور… وخالدُ على هيئته، كأن الكبرياء قد تسرّب إليهما من منبعٍ واحد.
رفع” رزق” حاجبيه في نشوةٍ ظاهرة وقال بسعادة عارمة:
-” الشغل كان نضيف المرادي بشكل! كُل حاجة تمت زي مانا عايز وأكتر ، والمكسب المرادي غير كُل مرة في زيادة 30% .”
لمعت عينا “خالد” في خبثٍ متباهٍ، وانحنى قليلًا للأمام وهو يغمز لوالده بثقةٍ زائدة، ثم قال بنبرةٍ تحمل مزيجًا من الزهو والاستهانة:
-” ده الطبيعي مننا يا بابا ، إحنا بقالنا شهرين بنجهز للصفقة دي وبنخطط ، لازم تطلع كده وأحسن من كده كمان ، أنتَ بس لو تسمع كلامي ونشتغل لوحدنا شوية ، المكسب هيزيد اضعاف أضعاف اللي بنكسبه.”
قطب “رزق “حاجبيه في حدة،وانحنى بجسده قليلًا نحو ابنه وهو يرفع يده بتحذيرٍ سريع حادّ، قائلاً بنبرةٍ لا تخلو من الوعيد:
-” أوعي تفكر في كده تاني يا خالد ، إحنا مش قد الكبير ولا الباشا ..لو بس شموا خبر إننا هنشتغل لوحدنا ولا بنفكر في ده هنتمسح من علي وش الدنيا ، وبعدين ماحنا شغالين كويس وبناخد حقنا تالت ومتلت ، عايز إيه تاني؟”
ارتسم على وجه” خالد” تعبير الضيق وقال :
-” بس شغالين تحت إيديهم برضوا ، بناخد الاوامر ومكسبنا منهم، ليه مانبقاش إحنا الكل في الكل وإحنا اللي نقول الاوامر وندي المكسب ؟ هنفضل طول عمرنا تحت الناس يا بابا؟”
ارتعش صدر “رزق” بغضب، فتصاعدت أحاسيسه مثل موجة عاتية، وضرب كفًا بكف بقوة، ثم قال:
-” إحنا مش شغاليين في مصلحة حكومية يا خالد بيه، هنا الغلطة برقبة علي طول ! زي ما احنا محتاجيين ليهم هما كمان محتاجيين لينا ، أحنا بنشتغل معاهم مش تحتهم بس هما ماعندهمش عزيز وقت لما حد مننا يقول هلعب لوحدي مش هيلحق يخلص جملته أصلًا.”
كبت “خالد” غيظه في أعماقه، وحاول أن يضبط انفعاله، ثم قال:
-” ماشي يا بابا اللي تشوفه .”
نظر “رزق ” إلي خالد وقال بهدوء مطمئن:
-” عالفكرة الكبير مبسوط منك علي الأخر ، وباعتلك نسبة مخصوص بعيد عن نسبتنا الأصلية ، وده يخليك متطمن إنك هتعلي قريب وهتبقي الدراع اليمين بس الصبر يا باشا .”
لمعت عين” خالد “ببريق الطمع، وارتسم على وجهه ابتسامة خفيفة مشوبة بالتوقع، ثم قال:
-” طب والله كنت متوقع ، مش قولتلك إبنك مش سهل وبكرة تشوف هيبقي إيه؟ ولا تقولي عامر ولا تقولي ابنه!”
ردَّ “رزق ” بلامبالاه :
-” ولا يفرقوا معايا ، كده كده شايف نفسي أعلي منهم ، هو عامر بس عشان بيعرف يقول كام كلمة ويأكل عقل الناس فاعملينه كبير عليهم والحامي بتاعهم ، بس هيجيله ضربة توقعه ونخلص منه ونرتاح .”
قال ” خالد ” بكره :
-” ومهاب سهل اوقعه ، مفاتيحه كلها في إيدي .”
ارتسمت على وجه” رزق” ابتسامة ساخرة، وضحك بخفّة، ثم قال بلهجة ملؤها السخرية:
-” مفاتيح مين اللي في إيدك؟ مهاب البراق؟ مهاب مش سهل زي ابوه ، ابوه طيب وبييجي من كلمتين ، بس هو لأ ، ده يلعب بيك وبابوك وبعيلتك كلها وتبقي فاكر إنك موقعه بس هو اللي حاطك مفتاح في ميداليته يا خالد بيه ، أنتَ مش قد مهاب وأنا بقولك أهو بلاش تلعب معاه عشان النهاية هتزعلك .”
اغتاظ” خالد” من كلمات أبيه، فارتفعت حدة انفعاله، فوقف متصلبًا، وأخذ مفاتيحه بيده، ثم قال بثقة زائدة وكأنها تحدٍّ واضح:
-” الأيام بينا يا حاج ، وهتشوف وقتها مين اللي هيزعل .”
ثم ترك خالد أبيه وراءه، ومضى خارج البيت بخطوات واثقة، كأن كل خطوة تعكس تمردًا مكتومًا وانفجارًا داخليًا من الغضب المكبوت.
……..
كانت حارة البراق قد بدأت تلبس ثوبها الرمضاني، الزينة ترفرف من شرفة إلى أخرى، ألوانها تلمع في ضوء المصابيح، والأهالي يزينون الشرفات والنوافذ وكأن الحارة كلها تحتفل بوصول شهر رمضان. العيون المعلقة على الشرفات تلمع بالفرح، والضحكات تتقافز بين البيوت، رغم أن كل قلب يحمل قصته وما يخبئه من هموم، إلا أن نسائم رمضان كانت تطبطب على الجميع، كأنها تقول لكل واحد: “ابتسم، فالفرحة هنا.”
في شارع الورشة، كان الشباب يقفون على السلم، يعلقون الزينة بحماسة لا تخلو من فوضى محببة. بين يديهم الأسلاك والأنوار الصغيرة، كانت أصابعهم تتحرك بسرعة، وأعينهم تتبادل الضحكات والمقالب الخفيفة. مهاب كان واحدًا منهم، يرفع الأنوار عالياً ليثبتها فوق المدخل، وابتسامة لا تفارقه، رغم كل ما يدور في قلبه، قال بمرح وهو يثبت احد الأنوار وينظر للنافذة التي تقف بها رقية تتابع ما يحدث :
-” ألا ما حد جابلنا كوباية مية حتي نبل ريقنا بيها ، للدرجادي قلبكم جامد علينا ، ده حتي رمضان بكرة والقلب العاصي بيحن و ..آآه هقع يا غبي .”
قال آخر جملته عندما اهتز السلم قليلاً، ثم نظر بغضب ل “يوسف “، الذي كان ممسكًا بالسلم، لكنه ابتسم بمرح وحرك رأسه حركة خفيفة، وقال ضاحكًا:
-“مش وقت نحنحتك يا خويا، إيدي وجعتني من ماسكة السلم! بقالك ساعة بتعلق في فرعيين نور!، ورقبتك وجعتك يا حبيبي من كُتر البص، اخلص خليني أقعد وحياة ابوك.”
كان مهاب على وشك الرد، حين ظهرت” هنا “فجأة من الشباك، واقفت بجانب رقية، وقالت بصوت منخفض، مليء بالحماس وهي تنادي يوسف:
-“أبيه يوسف… يا ابيه يوسف يا يوسف!”
رفع” يوسف” رأسه لينظر إليها، ابتسم وقال مازحًا:
-“أبيه! يبقي عايزة حاجة، قولي قولي، أصل أنا ناقص.”
نظرت إليه” هنا” بفرحة طفلة، وقالت بحماس:
-“هات سلم وعلق الزينة من بداية الشباك هنا.”
ابتسم “مهاب” لها وقال بخفّة:
-“عيوننا للدكتورة هنا، من غير ما تقولي، كنت هعلقلك زي كل سنة.”
ردت” هنا” باحترام، وعيناها تلمعان:
-“ربنا يخليك يا أبيه مهاب.”
ضحك “مهاب” بلهفة ممزوجة بالسخرية:
-“الله أكبر… مانا اسمي بيتقال عادي أهو، مهاب سهلة وبسيطة.”
وفي تلك اللحظة، انفجر يوسف في الضحك، بينما كانت هنا تنظر إليهم باستغراب، متسائلة عن سبب هذا الضحك المفاجئ، كان “عامر”، يجلس على كرسيه المعتاد أمام محل الحاج عمران، يتأمل المشهد بصمت، يراقب المشهد بصمت ، أراد أن يشاكس ابنه، الذي كان واضحًا عليه الغضب والانزعاج، فرفع رأسه نحو الشباك وقال لرقية بصوت حنون يمزج المزاح بالحب الأبوي:
-“ست البنات ممكن كوباية شاي من إيدك؟”
نظرت “رقية “إلى الرجل، الذي كانت تعتبره جزءًا من عائلتها الصغيرة، وعيناها تملؤهما الاحترام والمحبة، وقالت بصوت هادئ دافئ:
-” دقايق والشاي يبقي عندك يا عمو عامر .”
واختفت من أمامهم ، فنظر “مهاب” بصدمة لأبيه الذي غمز له ، هز مهاب رأسه بضحك مرح وقال لعامر:
-” حبيبي يا كبير، لأ حلوة منك! ، المدخل من عندك بقي لأحسن ابنك بالله خلاص جاب أخره.”
-” والله أنا اللي جبت أخري منكم يا عيلة البراق ، أيدي وجعتني يا ابني انزل بقي .”
جملة قالها يوسف بضيق، ثم التفت “مهاب” إليه مبتسمًا بمرح:
-“تصدق نسيت إني واقف على السلم… نازل يا خويا أهو.”
وبالفعل، بدأ مهاب ينزل من أعلى السلم، بخطوات حذرة ومتماسكة،بعد أن نزل، قال له “يوسف” وهو بروح مرحة :
-“لازم تنسى يا صاحبي، مش كل شوية تبص! قال يعني احنا مش ملاحظين؟”
ابتسم” مهاب” وقال بلهفة وصدمة مصطنعة:
-“يا لهوي ، كله لاحظ؟!”
غمز له” يوسف” قائلاً مازحًا:
-“الحارة كلها… نفر نفر.”
ضحك” مهاب “بمرح وأجاب:
-“صلحوا الغلطة وجوزونا.”
“يوسف” أشار له ليصمت، وقال بتحذير ضاحك:
-“تعرف لو سمعتك هتعمل إيه؟ وأنت يا حبيبي مش ناقص.”
رد “مهاب” بضيق مصطنع:
-“ما تفكرنيش بقي، من يومها وهي مصدرالي الوش الخشب.”
قاطعة “يوسف ” وقال ضاحكًا:
-” هي علي طول مصدرالك الوش الخشب يا مهاب .”
نظر له “مهاب” برفعة حاجب وقال :
-” بجد؟ “
-” آه والله .”
زفر”مهاب ” وقال بمرح :
-” أومال أنا زعلان ليه ؟! بس المرادي الموضوع مختلف ..”
وفي تلك اللحظة قاطعتهم “هنا “وهي تقول بحزن، وعيناها مليئتان بخيبة الأمل:
-“نزلت ليه… مش هتعلقي الزينة؟”
-“أنا هعلقها!”
كان هذا صوت” مازن”، الذي وصل للتو وسمع جملة هنا، فرفع رأسه بحماس.
ابتسم عامر ومهاب ويوسف بمكر، فقال “مازن” وهو يحاول رفع صوته ليُسمع الجميع:
-“قولت أساعدكم يعني…”
فابتسم والده بهدوء ورحم ابنه وقال:
-“وماله يا حبيب أبوك؟ خد السلم ده، واسنده على الحيط، وعلق الزينة دي على البيوت يلا.”
نظر” مازن” إلى والده بغمز، وقال له بحماس:
-“طلباتك أوامر.”
أخذ السلم من يد يوسف وأسنده على الحائط، وما إن صعد ليصل أمام شباك هنا حتى اغلقت الشباك في وجهه.
ضحك الجميع بصوت عالٍ، فقال بغيظ وهويحاول النزول :
-“طب وربنا ل…”
لكن “مهاب “لحقه بسرعة قبل أن يُكمل كلامه:
-“ما تحلفش يا حلو… هتعلق يعني هتعلق! ولا تتعلق ؟”
نظر” مازن “إلى مهاب بضيق، لكنه رد بغلب:
-“هعلق يا كبير… هعلق!”
في تلك اللحظة، ارتدت رقية أسدالها وخمارها، وحملت صينية كبيرة عليها كؤوس الشاي لجميع الموجودين في الورشة. نزلت على السلم بحذر وأناقة، وما إن لمحها مهاب حتى أسرع إليها، وأخذ الصينية من يدها بابتسامة دافئة وقال:
-“تسلم إيدك يا رقية… تعبناكِ.”
أجابت وهي تصعد السلم خطوة خطوة:
-“ولا تعب ولا حاجة… إحنا أهل.”
قال “مهاب “بلهفة واضحة:
-“محتاجين نتكلم.”
توقفت لثوانٍ، ثم ردّت بهدوء:
-“حاضر… أوعدك هنتكلم قريب.”
تفاجأ من موافقتها السريعة، فقال على عجل قبل أن تختفي خلف السلم:
-“كل سنة وانتِ طيبة يا رقية.”
وصل صوته إليها وهي تصعد السلم وترد بابتسامة خفيفة:
-“وانت طيب يا هندسة.”
ابتسم مهاب بحب، واتجه لتقديم الشاي لكل الموجودين في الورشة، خطوة خطوة على السلم، حتى بلغ عبدالله الذي كان يقف على سلم صغير، صوته يملأ الحارة، يغني “رمضان جانا”، فتجاوبت معه أصوات المارة، والضحكات تتعالى في الهواء. صوته كان جميلاً ويداعب قلوب الناس، كأنه يهمس لكل واحد منهم أن الفرح الحقيقي لا يحتاج سببًا سوى حضور هذا الشهر المبارك.
زياد، صديق عبدالله، كان يضحك على أخطاء صديقه في تعليق الزينة، يمد له يد المساعدة أحيانًا، ويقف في أحيان أخرى يصفق له ويشجعه، مشهدهما كان يضيف روح الأخوة والمرح للورشة كلها.
“زياد ” بحماس :
-” ايوه يا عبدالله يا جامد ، قول كمان قول .”
تتعالي ضحكات “عبدالله ” ويقول :
-” والله العظيم تعبت منك ، أنتَ يابني أول مرة يجي عليك رمضان ولا إيه؟”
نظر له “زياد ” بمرح وقال :
-” ياعم شارعنا شارع ناس مابتحبش تفرح ولا بتعلق زينه ولا الجو الحلو اللي إنتوا عاملينه ده ، ده يا مؤمن مرة لميت عيال الشارع واشترينا زينة وقولنا هنركبها ولسه بنقول بسم الله ، محول الكهرباء فرقع .”
تعالت ضحكات “عبدالله ” فأكمل زياد :
-” من يومها وكل ما حد يشوفني هعلق زينة يحلف ماهي متعلقة ، بس هما اللي خسارنين ، كنت عايز افرفشهم بدل ما هما ناس جد الجد كده..خدني اعيش معاكوا هنا يا عبدالله وهتكسبوا شاب لُقة .”
-” ولا اللي عايش في حارة مرتاح ولا اللي في مدن وسط عمارات وفلل مرتاح ، طب نعلموكوا إيه يا جدعان .”
“زياد ” بلهفة وروح مرحة :
-” سفرني يا غالي سفرني إن شاء الله حتي دُبي ، أنا راضي بقليلي ياعم .”
قال له”عبدالله ” وهو يرتشف من الشاي :
-” الحاج عامر هيسفرك لمكان بعيد لو ماخلصناش اللي بنعمله ده في خلاص نص ساعة ، يلا يابا ورانا لسه شغل في الورشة .”
-” طب غني تاني يلا.”
ضحك عبدالله ، واخذ يغني مرة ثانية لرمضان …
الضحكات، الموسيقى، الأنوار، ورائحة الشوارع الممزوجة برائحة الكنافة والبلح والحلوى الرمضانية، كل هذا خلق مشهدًا نابضًا بالحياة. حتى أولئك الذين يحملون في قلوبهم حزنًا أو مشاكل، وجدوا أنفسهم يبتسمون بلا وعي، لأن روح رمضان كانت هناك، تطبطب عليهم بلطفها الخاص، تذكرهم بأن الفرح يمكن أن يأتي، حتى لو للحظة، ليغطي على أي ألم.
كان الشارع كله مليئًا بالحركة، والقلوب تتراقص مع الأنغام، ومع كل ضحكة وكل أغنية، كان يبدو أن حارة البراق قد اجتمعت لتخبر الجميع: “رمضان هنا… والفرحة رغم كل شيء حاضرة.”
………..
في البيت الذي يفيض حنان ناهد ويغمره دفء عاطفتها.كانت ناهد واقفة في المطبخ، هي وهبة، يفرّزان أشياء رمضان في الثلاجة بعناية وحذر، تتناثر الأصوات الخافتة للمطبخ بين حركة الأيدي وفتح وغلق الأدراج.
نظرت “ناهد “لهبة بعينين مليئتين بالحنان، وقالت لها بصوت دافئ:
-“روحي يا هبة افطري مع بيت أهلك أول يوم، طالما قالولك تعالي. من حقهم برضه يا حبيبتيي تكوني معاهم أول يوم.”
“هبة “رفعت رأسها برفض خفيف، وقالت بابتسامة :
-“وأسيبك يا ناهد؟ لأ طبعًا، هما هناك كتير مع بعض، لكن أنا وأنتِ مالناش إلا بعض. إحنا هنفطر هنا زي كل سنة.”
ابتسمت” ناهد” لها بحب، وقالت وعيناها تلمعان بالدموع:
-“أنتِ أصيلة يا بت… عارفة لما محمد مات، قولت خلاص ما بقاش ليا حد، أمي وأبويا ماتوا وأخويا خلاص راح ومراته هتاخد بنته وتروح بيت أهلها وهتفضلي لوحدك بين أربع حيطان يا ناهد، بس يوم ما قولتي أنا هفضل في بيت جوزي مع أخته، قلبي رجع يعيش من تاني،ربنا يعلم إنك عندي أكتر من أختي وسما بنتي اللي ما خلفتهاش.”
دمعت عينا “هبة”، واقتربت من ناهد لتحضنها، وقالت وهي تحبس ابتسامتها:
-“أنتِ من ريحة حبيبي يا ناهد، وأنا عمري ما كنت هبعد عن هنا.. عن البيت اللي عشت فيه أجمل أوقاتي مع جوزي وأبوه بنتي. انتِ مش لوحدك… أنا وسما هنفضل معاكِ لحد ما نجوزها، ونفضل أنا وأنتِ بقي نقرد لبعض.”
ضحكت “ناهد “بمرح، وقالت:
-“طب يلا بسرعة… حطي الحاجات دي في الفريزر وكده إحنا خلصنا كل تفريزات رمضان، من الحق هي سما لسه نايمة؟”
أجابت “هبة “بهدوء:
-“لأ! صحيت وفي أوضتها، مش عارفة مالها اليومين دول كده… علي طول في أوضتها، وكل ما تكلم معاها تقولي سيبي يا ماما.”
نهضت” ناهد” بقلق وقالت وهي تتجه نحو غرفة سما:
-“يوه، ليه كده؟ هروح أشوفها أنا.”
دقت على باب الغرفة، فسمعت سما تقول:
-“ادخلي.”
دخلت” ناهد” بابتسامة حنونة، وقالت:
-“إيه يا قلب عمتك… ما خرجتيش من أوضتك ليه من الصبح؟ أنتِ تعبانة؟”
أجابت” سما” بهدوء وصوتها منخفض:
-“لأ يا عمتو… أنا كويسة، بس قولت أنام طالما مافيش دروس النهاردة.”
نظرت إليها” ناهد” بقلق، وجلست بجانبها، أمسكت يدها وقالت:
-“نامي براحتك يا جبيبتي، بس أنا ليه حاسة إن سما مخبية حاجة عليّا.”
تملصت” سما” بعينيها وقالت بتوتر:
-“لأ… مخبية أيه؟ ولا حاجة.”
ابتسمت” ناهد” بحنان وثقة، وقالت:
-“سما… أنا عارفة إنك في سن متلخبط، وفي أوقات هتحسي بلخبطة وتوهه… وممكن يحصل معاكِ حاجات أنتِ مش هتفهميها دلوقتي. فعايزاكِ أي حاجة تحصل، تحكيها ليا أو لماما… أي حد يدايقك، تقولي على طول.”
نظرت سما إليها بتوتر، فكرت فيما إذا كانت ستبوح بما يحدث معها من مدرس يقترب منها بطريقة غير مريحة، لكنها أدركت صعوبة تصديق أحد لذلك، ستقول كيف أن معلمٍ، صيته حسنٌ بين الجميع ومعروفٌ بأدبه واحترامه يقترب منها بطريقة غير مألوفة، وأنها تلمح في نظرته لمسات من اهتمام تتجاوز حدود اللياقة المعتادة، وكأن النظرات تختلط بين الفضول والانجذاب بطريقة غريبة ومرب، فابتسمت متوترة وقالت:
-“مافيش حاجة يا عمتو… أنا بس بطني كانت وجعاني شوية، بس دلوقتي تمام، وشوية هخرج أقعد معاكم.”
لم ترغب “ناهد “في الضغط عليها، فابتسمت وأومأت برأسها قائلة:
-“ماشي يا عيوني،هعملك حاجة سخنة تشربيها لما تطلعي ووقت ما تحبي تتكلمي أنا هنا وجنبك.”
تخرج ناهد، تاركة سما وحيدة في غرفتها، وأفكارها تتشابك بين نظرات المدرس التي بدأت منذ أسبوعين، ومحاولاته للتقرب منها بحجة الشرح، لكنها لم تفصح عن شيء بعد ،ولا تعرف ماذا ستفعل ، فالموقف صعب عليها للحد الذي يجعلها تهرب بالنوم .
……..
حلّ الليل على حارة البراق، والأنوار الملونة للزينة تلمع في كل زاوية، تعكس ألوانها على الجدران الباهتة وتنساب على الطرقات الضيقة. أصوات مئذنة المسجد تتعالى بصوت تراويح أول يوم رمضان، وتملأ الحارة بالروحانية والسكينة، فيما تصعد من البيوت أصوات الدعاء والتهليل، تتمازج مع ضحكات الأطفال الذين يركضون بين الأزقة.
بعد الصلاة، فتحت ناهد ورقية باب المطعم الذي يعمل طوال رمضان، في فترة العصر وأحيانًا في المساء. نظرت “رقية” لناهد وقالت:
-“دلوقتي عايزين حد يساعدنا في شهر رمضان ده… انتِ عارفة أن محل الفول والطعمية اللي في الحارة جنبنا، مابيشتغلش في رمضان، وكله بقي بييجي ياخد من عندها. وإحنا بنفتح مرتين في اليوم الحمد لله، ونادية مش هتنزل الشغل تاني، ومحمود، أنا قولته مش هشتغل شهر رمضان.”
سألت” ناهد “بدهشة:
-“قولتيه ليه بس كده؟”
أجابت “رقية” مبتسمة:
-“الشهر بيعدي بسرعة يا ناهد،والعيال في العادة مش بيذاكروا أصلاً، وده تالتة إعدادي، يعني سنة مهمة… خليه يخلص الفترة اللي باقية فيها على خير ويذاكر.”
أومأت” ناهد” برأسها:
-“عندك حق، وعموماً مرتب محمود هيبقى شغال زي ما هو.”
ردت رقية:
-“أه، عاملة حسابي على كده… شوفيلنا حد يساعدنا بقي على الأقل بالليل، وأنا وأنتِ هنمشيها فترة العصر.”
“هبة” كانت معهم في المطعم، ابتسمت وقالت بحماس:
-“انتوا تايهين ليه؟ مانا اهو… هساعدكم بالليل.”
قالت” ناهد “برفض:
-“وسما هتفضل في البيت لوحدها؟… لا لا مش موافقة.”
وفي تلك اللحظة، دخلت نور وهنا، ومعهم سما، الذين كانوا يصلون في مسجد آخر غير الذي صلت فيه رقية وناهد وهبة.
سألت” نور “باستفهام:
-“مش موافقة على إيه يا ناهد؟”
أجابت “هبة”:
-“عايزين حد يساعدهم في المكان الفترة دي… وأنا قولتلهم هساعد بالليل، لكن مش راضين عشان سما متبقاش في البيت لوحدها.”
قالت “هنا” بسرعة:
-“إيه اللي هيخلي سما لوحدها؟ هتيجي معانا… أصلًا سيف هيقضي آخر فترة في الثانوية في بيت خالتو، يعني عادي تيجي تقعد معانا. والليل كله ساعتين بس، وبعدها بننزل نتسحر مع رقية وناهد هنا، والفجر بيأذن على طول.”
أجابت “سما” بهدوء:
-“وأنا موافقة على فكرة.”
نظرت “رقية “إلى ناهد وهبة، وقالت بصرامة مزجت بالمرح:
-” ومش وقت تفكير خالص يا حجة أنتِ وهي موافقين ولا أروح أزعق في ميكروفون الجامع وأقول عايزة واحدة تشتغل معايا شهر رمضان يا ولاد الحلال؟”
تعالت ضحكات الجميع، فقالت ناهد بغلبة:
-“موافقة… وأمري لله.”
نظرت للبنات جميعًا وقالت:
-“يلا يا حلوة منك ليها زي ما متعودين كل سنة، بنسحر الحارة كلها من عندنا أول يوم مجاني ، شمروا كده، وكل واحدة هيساعد.”
هزت البنات رؤوسهن بحماس، وبدأت رقية توزع المهام، تقول لكل واحدة منهن ماذا ستفعل، والحيوية والضحكات تملأ أركان المطعم، في أجواء رمضانية دافئة ومليئة بالفرح والوفاء.
كان الشباب قد تجمعوا أمام القهوة الصغيرة، مشغولين بمشاهدة مباراة كرة القدم التي جمعت فرق الحارة، ضحكاتهم وهتافاتهم تملأ المكان وتضفي على الليل حيوية خاصة. وما إن انتهت المباراة حتى اقترب “مهاب” من يوسف وقال له:
-“جبت الترابيزات اللي بنحطها أول يوم سحور؟”
أجاب” يوسف “مبتسمًا:
-“أيوه… كلهم في الورشة عندي.”
“مهاب” بهمس :
-” هنبقي نختفي شوية نروح لسيف ونرجع علي طول .”
-” ماشي ، شوية كده ونروح .”
توجه “مهاب” بعد ذلك إلى مازن وقال له بلهجة شبه أمر:
-“مازن مش هتتسحر برا الحارة رمضان ده.”
ابتسم “مازن” بخفة ورد عليه:
-“ما تقلقش… قاعد على قلبكم.”
بدأ الجميع بالتحرك نحو ورشة يوسف، حيث أخرجوا الترابيزات بعناية ليضعوها في شوارع الحارة. كانوا يشاكسون بعضهم، يتبادلون المزح والضحك، وكل واحد يحاول أن يصل أولًا إلى الطاولة .
وفي المطعم، وقفت رقية رغم التعب الذي بدا على ملامحها، تحمل سنوات من الخبرة في تجهيز السحور لأول يوم رمضان، بنية صدقة عن صحة إخوتها، شعور داخلي لا تبوح به لأحد. نظرت للبنات وقالت:
-“يلا معاد السحور ، ابدأوا طلعوا الصواني دي للشباب وهم هيتصرفوا.”
كانت الصواني مليئة بسندوتشات فول وفلافل وبطاطس وجبن، مرتبة بعناية لتصل إلى الشباب في الشوارع بسرعة.
خرج مهاب من خلف المنضدة وهو يحمل صينية كبيرة، ثم انضم إليه يوسف ومازن، وعامر واقفين عند الطاولات، ينسقون مع باقي شباب الحارة لتوزيع الطعام على الجميع.
قال يوسف بابتسامة وهو يمد صينية مليئة بالسندوتشات:
-” بسرعة قبل ما الفول يبرد يا عيال ، وزعوا بسرعة.”
رد” مازن” بحماس:
-“تيجي نتسابق ونشوف مين هيوزع أكبر عدد؟”
ضحك” مهاب” وقال بمرح:
-“يلا نتقسم لفريقيين واللي يخسروا هما اللي هيغسلوا الأطباق والكوبايات.”
نظر له “يوسف ” بثقة وقال :
-” أنا وعبدالله والجيش اللي ورايا دول في فريق ، وأنتَ ومازن والشعب اللي وراك دول في فريق، موافقين؟”
قالوا جمعيًا في نفس واحد
“موافقين”
فقال وهو يسرع بمرح :
-” المسابقة بدأت .”
في الزاوية، كانت ناهد وهبة ينقلان صواني كبيرة إلى الطاولات، وهما يتبادلان النكات مع سما، التي بدأت تضحك لأول مرة منذ أيام، وكأن الجو الرمضاني أخفى عنها أي ضيق.
قالت” ناهد” وهي تسحب صينية:
“مش مصدقة بالله إننا بنلحق نعمل الكميات دي ماشاء الله ، ده في العادي بنتعب من يوم الشغل البسيط .”
قال “نور ” التي تقف خلفهم :
-” الفرحة بتنسي التعب يا ناهودة ، وبعدين إحنا نيتنا خير ، فربك بيساعد .”
كان الجميع في قمة السعادة، يزدحمون على المائدة ويبتسمون بينما يتبادلون أطراف الحديث ويأكلون بشهية. أما هي، فواقفة في زاوية، عيناها تتبع كل حركة، وقلبها يعتصر شوقًا له. فقد كان يملأ اليوم بروحه الجميلة، التي تشبه قلبه الطيب، رغم أن الدنيا قد شوهت ملامحه
كانت تعرف أنه لن يصوم غدًا، ومع ذلك تمنت لو يقف بجانبها، ويهمس لها بعفوية:
-“خلصي يا رقية، هاتليي أكل كتير، الفجر قرب يأذن .”
رفعت رأسها إلى السماء، وأغمضت عينيها لحظة، قائلة:
-“يارب، هونها عليه وقويه في الرحلة دي.”
ظهر صوت “مهاب” من خلفها، لكنها لم تلتفت، يقول:
-” هو كويس ، وقوي بشكل ماتتخيلهوش يا رقية ! محتاج شوية وقت وهيرجع أحسن من الأول .”
ظلت صامتة فقال بمرح محاولة للتخفيف عنها :
-” يلا يا أستاذة نروح نتسحر قبل ما أكلك يبرد وأنتِ مابتحبيش الأكل بارد .”
ضحكت بغلب وقالت :
-” يابني سيبني في حالي بقي ، أنا في إيه وأنتَ في إيه؟.”
قال بابتسامة وهي يسير من أمامها :
-” خلي قلبك يلين بس وإحنا هنبقي في مكان واحد ، يلا وماتقفيش لوحدك كده .”
ابتسمت بخفة وذهبت وراءه …انتهت الليلة تقريبًا عند وقت الفجر، والضحكات لم تتوقف، والصواني فارغة تقريبًا، لكن السعادة ظلت تملأ المكان، وركن مطعم رقية أصبح مركز فرحة الحارة، حيث الخير والنية الطيبة اجتمعا في ليلة رمضانية لن تُنسى.
