![]() |
رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني من ضحايا الماضي الفصل السابع عشر بقلم شهد الشوري
سارع أوس ورجال العائلة إلى القسم فور انتشار خبر القبض على مالك وبحوزته مخدرات، كانت الفوضى تسيطر على الجميع، الاتصالات لا تتوقف، والقلق يتضاعف كل دقيقة
حاولوا الاتصال بالمحامي مرارًا، لكن بلا جدوى، حتى جاءهم صوت ابنه الأكبر يخبرهم بالخبر الذي أثار الذعر في القلوب المحامي توفى !!!
وقف أوس في حيرة قاتلة، كأنه فقد السيطرة على كل شيء لم يفق من صدمته إلا حين قال ادم بصرامة موجهة لأمير :
اتصل بالمحامية غزل الصياد
التفت أوس إليه بحدة وغضب، قائلاً :
غزل الصياد إيه اللي تيجي يا آدم، انت ناسي.......
قاطعه آدم قائلاً بنفاد صبر :
لا مش ناسي، وعارف إنها عينها منك وبتحاول تقرب منك كذا مرة، لكن شيل الكلام ده على جنب دلوقتي.....ابنك أهم
لم يستطع أوس الرد، فلم يعد لديه ترف المناقشة، كل ما يشغله الآن هو ابنه مالك......فقط مالك
بعد اتصالهم بها، جاءت غزل، ودخلت عليهم بخطوات ثابتة تحمل ثقة امرأة تعرف قيمتها جيدًا، مرت بجانب أوس، ليلتقط أنفاسه بضيق منها لم ينجح في إخفائه
دخلت غزل للداخل، ليتحرك الوقت بعدها بثقل يرهق الأعصاب، حتى خرجت أخيرًا وقالت بجدية قاطعة :
هيتحول على النيابة بكرة الصبح.........
جاء الصباح، كان مالك يسير مقيدًا وسط عناصر الشرطة، تسير خلفه العائلة كلها، وغزل التي بذلت كل ما يمكن، لكن القضية كانت أعقد مما توقعت
بعد انتظار طويل أثقل صدورهم، خرجت إليهم، فاندفع أوس نحوها يسأل بلهفة تكشف رعب أب لا يحتمل الفقد :
ابني يا غزل، هيخرج، مش كده....؟!!
لكن غزل هزت رأسها قائلة بأسف :
لا، هيتحبس خمس أيام احتياطي على ذمة التحقيق، حاولت أطلعه بكفالة بس وضعه صعب، الكمية اللي كانت معاه مش كمية تعاطي، دي اتجار
ارتعد أوس، وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه، وما إن خرج مالك حتى اندفع إليه أوس، وضمه بكل قوته برعب
لكن مالك، رغم خوفه، رد بصوت هادئ :
متقلقش يا بابا، أنا معملتش حاجة، وأكيد هخرج
ثم أسرع قبل أن يسحبه العساكر :
عاوز أشوف عشق، هاتهالي يا بابا
أومأ له أوس، ثم التفت نحو شريف، بينما حمزة كان يقف صامتًا، كان يشعر بالذنب، لكن الغيرة والكراهية كانت أكبر من أي تأنيب، كيف مال طلب رؤية عشق
كيف لا يرى والده إلا مالك
كيف يطلب المساعدة من شريف بدلاً منه
ما يقهره حقًا ان والده لا يراه مهما فعل !!!!
اندفع أوس قائلاً لشريف بلهفة :
شريف، خليه يبات في مكتبك أو مكتب حد من صحابك.د، ابني مش هينام يوم واحد مع المجرمين في الحبس
رد عليه آدم بهدوء يحاول السيطرة على الموقف :
اهدى يا أوس، مالك مش هيدخل الحبس لحظة، صدقني لحد ما الإجراءات تخلص انا هتصرف
وبالفعل، استخدم آدم وإخوته نفوذهم حتى تم نقل مالك إلى المستشفى وكأنه مريض، مجرد حيلة قانونية لتجنب دخوله السجن مع المجرمين......
كان اليوم عصيبًا، والقلوب أثقل من أن تحتمل
جلست مهرة تبكي بحرقة وكأنها لم تكن هي العقل المدبر للمصيبة، وكأنها لم تتفق بنفسها مع الرجل الذي دس المخدرات لابنها، وما إن دخل حمزة حتى ألقى عليها نظرة ساخرة وقال :
اللي يشوفك كده ما يقولش إنك العقل المدبر يا مهرة هانم، إيه الأداء الجامد ده، والله للحظة صدقتك
بينما عشق كانت منهارة، تبكي بخوف وقلق
دخلت غنوة لتنظيف الغرفة، لكنها صُدمت من حالتها، اقتربت منها بتردد وسألتها بحزن :
انتي كويسة يا عشق هانم؟
نفت عشق برأسها وهي تبكي أكثر، فاقتربت غنوة، وقدمت لها كوب الماء، لتتفاجأ بعشق تعانقها، اخذت غنوة تقرأ عليها آيات القرآن التي كانت خالتها تقرؤها عليها وقت الشدة، وبعد أن هدأت قليلًا، غفت عشق، فغطتها غنوة ثم خرجت بحزن
لتجد مروان أمامها، منهكًا، كان قد عاد للتو من القسم مع والده وشقيقه عاصم، اقتربت منه وسألته بتردد :
عشق هانم كانت بتعيط جامد، ونامت دلوقتي، ينفع أسأل ايه اللي حصل؟!!
تنهد مروان بتعب، وقال :
فنجان قهوة بسرعة وتعالي ع المكان اللي بنقعد فيه، الواحد لازم يفصل اليوم لسه طويل
احضرت له غنوة القهوة وجلسا سويًا في الحديقة، ليردد مروان بتعب :
المشاكل بتجي ورا بعضها، والواحد خلاص تعب
صمتت غنوة بأسف، فتابع مروان بحزن على شقيقته، مع قليل من المرح :
عشق منهارة على مالك، طول عمرها بتحبه، ويوم ما الواد اتشجع واتكلم، جاتله المصيبة دي
سألته غنوة بفضول، فهي بطبيعتها فضولية، ويظهر هذا الجانب من شخصيتها فقط مع المقربين منها :
مصيبة ايه، كفا الله الشر
قص عليها مروان ما جرى، فرفعت غنوة نظرها إليه قائلة :
لا حول ولا قوة إلا بالله، إن شاء الله خير، ربنا يفك كربه
أخذت تفكر للحظات ثم قالت ببعض التردد :
بس، لو المخدرات بتاعته، هتكون عليها بصماته لأنه أكيد مسكها، ولو مش بتاعته يبقى هتكون عليها بصمات اللي مسكها وحطها ليه، وبكده تقدروا تعرفوا مين اللي دبر المصيبة دي ليه، ويطلع براءة
نظر إليها مروان بدهشة، فقالت بحرج :
بتبصلي كده ليه؟!
رد عليها قائلاً بإعجاب واضح :
مستغرب، المفروض المحامي هو اللي يقول الكلام ده، عرفتيه منين
ردت عليه بخجل واحراج :
محمود ابن خالتي، خريج حقوق، كنت بسمعه ساعات وهو بيشتغل
تغير وجه مروان، ومر في عينيه شيء يشبه الغيرة، حاول أن يخفيه قدر استطاعته :
وتقعدي معاه وتسمعيه بتاع إيه إن شاء الله
ارتسم التوتر على ملامحها، فقامت من مكانها قائلة :
أنا هروح أخلص شغلي
لكن قبل أن تخطو، امتدت يده تلقائيًا تمسك كفها بلطفٍ متوتر، وقال برجاء مخنوق :
خليكي شوية، بقالي يومين مش عارف أتكلم معاكي
تجمدت غنوة في مكانها، لم تتوقع أن يصرح بشيء يشبه هذا، لا هي، ولا هو نفسه، كان صوته يشبه اعترافًا لم يكتمل ردت عليه بخجل يكاد يُسمَع في ارتجافة أنفاسها
عندي شغل كتير دلوقتي، خليها بليل......بعد إذنك
ترك يدها ببطء، وكأن أصابعه تعجز عن الفراق، ثم اكتفى بإيماءة قصيرة سمح لها بالمغادرة، تابعها بعينيه حتى اختفت، ليظل وحده مع فوضى أفكاره، تسربت الحقيقة إليه كوجع لا يمكن إنكاره، كان يشعر معها بشيء يشبه الدفء، يشبه الانتماء......يشبه الحب، حب لم يتوقعه، ولم يخطط له يومًا
كان طوال حياته يضع شروطًا لامرأة المستقبل
أن يرتاح لها، أن تكون متعلمة، من بيئته، من مستواه، من عالمه، امرأة تليق به !!!
لكن غنوة، لم يكن فيها من شروطه إلا شرط واحد فقط
أن قلبه يرتاح إليها، وكان هذا وحده أخطر ما قد يحدث لرجل مثله هو......
كلما ابتعد عنها، شعر أنه يخسر شيئًا لا يفهمه، وكلما اقترب، شعر أنه على حافة هاوية
صار حائرًا بين قلب يخونه كل يوم، وعقل لا يريد أن يستسلم، يعرف أنه لا يستطيع الزواج بها، ويعرف أنه لا يستطيع الابتعاد عنها
كان ممزقًا بين طريقين، كلاهما مُوجِع
حتى وصل، مُرغمًا، إلى حلٍ يراه الأنسب، والأقسى في الوقت نفسه، حلٌ لم يتخيل يومًا أنه سيصل إليه، أو يتخذه !!
.......................
كانت صافي تجلس في غرفتها تغلفها حالة من الصمت التام، لا تنطق بكلمة ولا تبادل أحدًا الحديث، لقد عُزلت عن العالم فور خروجها من المستشفى، فبعد محاولة الانتحار الفاشلة أحضر والدها عدة ممرضات يراقبنها ويعتنين بها جيدًا، خوفًا من أن تكرر المحاولة مرة أخرى
انتبهت صافي لرنين هاتفها، التقطته ببرود، لتجد ان هشام ابن عم إياد، هو المتصل، ردت عليه ببرود ممزوج بفضول صامت، ليأتيها صوته الماكر الشامت عبر الهاتف :
حمد الله ع السلامة يا صافي، إخص عليكي تعملي في نفسك كده، وعشان مين يعني، بقى بذمتك إياد يستاهل تضيعي نفسك عشانه وكمان تنتحري، أومال لو كان بيحبك بجد
سألته صافي ببرود :
عاوز إيه؟!
رد عليها هشام بمكر ظاهر :
عاوزك كويسة وبخير يا روحي، متخافيش، انا مش زي إياد حبيب القلب اللي ضيعتي نفسك عشانه، انا هشام اللي طلبك في الحلال وأنتي رفضتيه عشان تشتري الرخيص اللي خد منك اللي عاوزه وهرب يتمتع بغيرك، أصل حبيب القلب دلوقتي غرقان في الصواريخ الأجانب، كل يوم في حضن واحدة شكل، مقضيها ع الآخر بعد ما كان نازل مصر عشان يدوق الحلوين اللي زيك ويرجع لقديمه تاني
اشتعلت نار في قلب صافي، لم تكن نار يأس، بل نار غضب نابع من القهر الذي سيطر عليها جراء الغدر الذي تعرضت له، صرخت عليه بغضب :
اخلص، قول اللي عندك يا إما هقفل السكة في وشك
رد عليها هشام بمكر :
اهدي بس ماتبقيش حمقية أوي كده، أنا بكلمك عاوز مصلحتك
سألته بحدة، ونبرة قاطعة :
اخلص
تابع هشام ببرود وبراءة زائفة، وكأنه يقدم تضحية عظيمة :
كل الحكاية إني لقيت حل لمشكلتك يا روحي، أنتوا بتدوروا على إياد عشان يصلح غلطته ويتجوزك، عشان لما ييجي مغفل بعده ويتجوزك ميقولش عليكي إنك شمال، أنا بقى قررت أضحي وبعرض عليكي الجواز مرة تانية، وهقوم بدور المغفل اللي هيشيل ليلة مش ليلته........
قبل أن يكمل كلماته المقززة، كانت صافي قد أغلقت الخط في وجهه بغضب واشمئزاز، لم تشمئز في حياتها من أحد كما اشمأزت من ذلك البغيض الكريه !!!!!!
...............
اقتحم ياسين مكتب والده بخطوات لاهثة، وصوته يسبق أنفاسه وهو يقول :
بابا، ابن جلال الخولي نزل مصر من كام يوم، ولما فرغت كاميرات المطار لقيت عربية خطفته من قدام باب المطار اول ما خرج، ولما دورت، عرفت ان العربية تابعة لأبوه جلال، قدرت أخلي واحد من رجالتهم يتكلم ويقول مكان إياد، الراجل اتكلم وقال انه هرب من رجالة ابوه ونزل على مصر، فابوه حبسه في مخزن الفيلا، ومش مخلي حد يشوفه خالص
رفع آدم رأسه ببطء، وعيناه تضيقان وهو يراجع الأحداث بصوتٍ خافت :
معنى كده ان ابوه سفره بره مصر غصب عنه، يعني اياد ما اتخلاش عن أختك
حرك ياسين رأسه بعنف، قائلاً والغضب يتفجر في عينيه :
لا يا بابا، خرج برغبته الراجل اللي اتكلم موجود تحت في مخزن الشركة، والرجالة لحد دلوقتي بيدوروا على البت صاحبتها......بس مش لاقين ليها اي اثر لحد دلوقتي
وقف آدم بثبات، وخطواته نحو المخزن كانت هادئة حد الرعب، كان هدوء يشبه الهدوء، الذي يسبق العاصف، وما إن دخل ورأى رجل جلال مقيدًا ومحاطًا برجاله، حتى بدأ بأسئلته بصرامة باردة، جعلت الآخر يتلعثم وهو يروي كل شيء خوفًا من أن يلفظ آخر أنفاسه هنا :
والله يا باشا انا ما اعرف حاجة، جلال بيه اتفق مع ابنه اياد انه يسافر بره مصر، سفره لكن فجأة رجالة جلال بيه بره مصر قالولنا ان اياد بيه غفلهم وهرب ونزل مصر ساعتها امرنا نروح نستناه في المطار واول ما نشوفه نجيبه ع الفيلا علطول، ونفذنا اللي امرنا بيه، وقامت خناقة كبيرة بينهم عشان اياد بيه كان مصمم يجي للهانم بنت سعادتك يا باشا، لما عرف انها حامل وحاولت تنتحر فجلال بيه خاف وامرنا نحبسه لحد ما يسفره تاني ده كل اللي اعرفه والله يا بيه ابوس ايدك مشيني من هنا انا عندي عيال عاوز اربيهم
تجمد آدم للحظة كأن الزمن توقف عن الحركة
كيف يخونه رفيق عمره جلال؟!
كيف يُهرب ابنه ويترك ابنته لذلك للمصير الأسود؟!
كيف هو بكل تلك الندالة.....؟!!
الخذلان الذي ضرب صدره كان أقوى من أي غضب عاشه من قبل، بعد صمت طويل، التفت إلى ابنه ياسين قائلاً بصوت صارم لا يقبل نقاشًا :
خد ولاد عمك والرجالة، وما ترجعش غير ومعاك رجالة عيلة الخولي كلها، كبيرهم وصغيرهم، وبعدها خدهم على المخزن
أومأ ياسين فورًا، وانطلق ينفذ الأوامر بسرعة البرق
خلال وقت قصير، كانت عائلة العمري كاملة في حالة استنفار !!!
بعد صراع دام طويلاً، وبعد معركة شرسة بين رجال عائلة العمري، والخولي، استطاعوا أخيرًا اقتحام فيلا جلال
قُيد كل من فيها، واقتيد جلال، وإياد، وفاروق، وهشام الأربعة مكبلين بقوة
ما إن لمح ياسين اياد، حتى تقدم بخطوات غليظة ولكمه بقوة هائلة جعلت الدم يتفجر من أنف إياد وشفتيه
رفع يده ليضربه مرة أخرى، لكن ثائر ابن عمه امير أمسك بذراعه سريعًا وهو يقول بهدوء يحاول من خلاله تهدئة النار المتقدة بداخله :
اهدى يا ياسين دول مايستاهلوش، احنا ناخدهم دلوقتي مكان ما عمي آدم قال، وهو اللي يقرر نعمل فيهم اي
تراجع ياسين على مضض، وصدره يعلو وينخفض من شدة الغضب، ثم أمر الرجال بحملهم جميعًا، وانطلقت السيارات نحو ذلك المخزن المهجور، والأربعة لا يدرون أي مصير ينتظرهم خلف بابه الحديدي الداكن، ولا أي غضب مكبوت ينتظر أن يُفرج عنه !!!!!!
...............
كانت سمر ترتجف رعبًا، وصوتها مليء بالخوف وهي تتحدث إلى وائل عبر الهاتف :
ايه العمل دلوقتي يا وائل؟
ثم همست بصوت أشبه بالهسيس، تكاد الكلمات تختنق في حنجرتها :
نوح لو عرف اللي عملته في الخدامة بنت مش هيسكت وهيموتني، دي اللي مربياهم، وغير كده، الزفته دي لو اتكلمت وقالت اللي سمعته، هنروح فيها إحنا الاتنين
رد عليها وائل ببرود وسخرية لاذعة :
إيه، شايفك مرعوبة دلوقتي، مش إمبارح كنتي فردالي صدرك ومش هامك حد
جزت سمر على أسنانها بغل مكبوت، وقالت بغضب :
اخرس، مش وقت استظرافك السخيف ده، إحنا في مصيبة بجد يا وائل
زفر وائل بملل، متحدثًا عن إزهاق روح بدم بارد، كما لو كان الأمر لا يعدو كونه ترتيبًا يوميًا تافهًا، وهو أمر ليس غريبًا عليهما، فقد تفوقا هما الاثنان على الشيطان في الشر والمكر :
انتي هتشغلي بالك ليه، خلصي عليها وخلاص
ردت عليه سمر بذعر :
مش هينفع، ساعتها نوح مش هيسكت وهيدور ورا الموضوع، وممكن يعرف أصله، قولتلك مربياهم، وبيعزها اوي
عاد وائل إلى سخريته، واستهزائه مرة أخرى :
جرى إيه يا سمورة، بقى بعد ما قتلتي أسامة الشرقاوي بجلالة قدره ولبستي التهمة لأدهم الجارحي، دلوقتي خايفة تموتي حتة شغالة
صمت للحظة، ثم تابع ببرود :
ع العموم، تقدري تموتيها بأي طريقة محدش يشك فيها، أو تهدديها، لو فتحت بوقها واتكلمت هنقتلها
ردت عليه سمر بيأس وحيرة :
مش دي اللي تخاف، ولائها كله لولاد أسامة، مش هتبيعهم لو على موتها
رد عليها وائل بنفاذ صبر :
جرى إيه يا سمر، ما تشغلي مخك شوية.، هي مش عندها بنت قد بسمة تقريبًا
أدركت سمر ما يقصده، فرددت بمكر :
نهددها ببنتها؟
ضحك وائل ضحكة سخرية، فأنهت سمر المكالمة بسرعة، وهبطت إلى قبو الفيلا الذي قيدت فيه سهير، بعد أن أبلغت نوح كذبًا أن سهير استأذنت منها للحصول على إجازة لبضعة أيام، ما ان خطت بقدمها لذلك القبو رأت سهير منكمشة على نفسها، تتكور خوفًا، تحاول أن تصرخ لكن الشريط اللاصق الموضوع بإحكام على شفتيها يمنعها من الحديث أو الصراخ
انحنت سمر نحوها، تطل عليها بنظرات مليئة بالشر والوعيد :
اسمعي مني الكلام اللي هقوله ده كويس عشان مش هكرره تاني، اللي سمعتيه تنسيه خالص، ولا كأنك تعرفيه خالص، وإلا والله العظيم هحطك إنتي وبنتك في قبر واحد وأدفنك إنتي وهي صاحيين، وقبل ما أعمل كده، هخلي رجالتي كلهم يتسلوا عليها واحد واحد، وقدام عينك، إنتي لسه متعرفيش آخري إيه، ولا أنا ممكن أعمل إيه فيكي وفي أهلك كلهم، مش بس إنتي، عشان كده زي ما قولتلك، تنسي اللي سمعتيه كله وتمحيه من ذاكرتك، أحسن ما أمحيه أنا بنفسي وأخليكي تفتكري بس اللي هيحصلك إنتي وبنتك
ابتلعت سهير ريقها بصعوبة، يمزقها خوف شديد على فلذة كبدها الوحيدة من تلك الشيطانة، اعتدلت في وقفتها، تتحدث بجبروت وقسوة :
في كل الأحوال أنا أقدر أسكتك للأبد، وهتغوري في داهية ولا تسوي إنتي وبنتك، لكن قلبي الطيب مش مطاوعني على كده، وقولت الأول أحلها معاكي من غير أذى......إلا بقى لو إنتي عاوزاها تتحل بالدم، بس مع ذلك هقدملك نصيحة، كده كده هسكتك قبل ما تتكلمي فاختاري تسكتي بمزاجك أحسن ما أسكتك انا بالعافية
انهمرت دموع سهير بقهر وقلة حيلة، فتابعت سمر بقسوة :
ها، اختارتي إيه؟ رجالتي تحت البيت عند بنتك مستنيين إشارة واحدة مني، وخدي بالك، رجالتي هتفضل هناك عشان أول ما عقلك يوزك تلعبي بديلك بمكالمة تليفون واحدة يخلصوا
نفت سهير برأسها وهي تعتصر قهرًا، اقتربت منها سمر وأزالت اللاصق عن فمها، فاندفعت الأخرى تتحدث سريعًا، بصوت مرتعش من الرعب والتوسل :
أبوس إيدك يا هانم، بنتي لأ، والله هعمل كل اللي تأمريني بيه، بس بلاش تأذي بنتي
ابتسمت سمر بمكر وانتصار، ودفعتها بقدمها إلى الخلف بمنتهى التجبر، انكمشت سهير على نفسها بمهانة وذل، وهي مَقهُورة......
لكي تنقذ ابنتها التي من لحمها ودمها، ستضحي بأولادها الذين ربتهم على يديها كأمهم !!!!
................
لم تستطع سهير الصمود أمام توسلات بسمة، فانهارت في النهاية، كاشفةً لها كل ما فعلته بها سمر !!!
كانت سهير تتقن لغة الإشارة، إذ حرص أسامة قديمًا على اختيار مربية تستطيع التواصل مع طفلته على نحوٍ يليق باحتياجاتها، وبرغم سوء أخلاقه، إلا أن حبّه لأبنائه كان صادقًا، يدللهم ويوفر لهم كل ما يتمنون......
تجمدت ملامح بسمة، واتسعت عيناها في صدمة هزت أعماقها، الكلمات التي سمِعتها كانت كفيلة بأن تقلب كيانها رأسًا على عقب، فوجدت نفسها تتخبط بين الخوف والذهول، وبين رغبة مُلِحة في الهروب وأخرى أشد منها في المواجهة
تسلل صمت ثقيل إلى صدرها، لكنه لم يطل، إذ انتفض قلبها فجأة، كأن قوة خفية أعادت له نبضًا كان يوشك أن يخمد، لأول مرة منذ سنوات، شعرت أن الخوف الذي كبلها بدأ يتصدع
رفعت رأسها ببطء، وتنفست بعمق، وكأنها تبتلع كل ما تبقى منها من تردد، لقد آن الأوان........
قررت أن تواجه شقيقها، لن تهرب بعد اليوم، ولن تختبئ خلف جدار الصمت الذي كان ينهشها كل يوم دون رحمة ستمضي إلى شقيقها وتخبره بكل ما يحدث دون علمه، بكل ما ينهش روحها ليلًا، وبالرعب الذي يسكنها، وهو غافل عنها غافل عن صرخاتها الصامتة التي لم يسمعها أحد.......
ستقول له إن خوفها يقتلها !!!
صمتها يدمرها، ويدمر كل من حولها ولم تعد تملك رفاهية الانتظار، بل لم تعد تملك خيارًا آخر سوى المواجهة !!!!
.................
ولجت حبيبة من باب تلك الفيلا الفخمة التي لم ترى مثلها إلا في الأفلام، تحمل بشرى سارة لـ غنوة ابنة خالتها !!
لكنها توقفت مكانها متجمدة على الباب الداخلي للفيلا، حين رأت ذلك الرجل تحديدًا.......
إنه الرجل الذي رفعت عليه حذاءها لتضربه به في السوق في ذلك اليوم، ظنًا منها أنه حاول خطف شقيقتها الصغرى دينا، وقبل أن يتحدث يومها أو يأخذ ردة فعل، كانت قد جذبت شقيقتها وركضت بها بعيدًا، وها هو يقف الآن يناظرها بغضب جامح، تكاد نظراته تقتلها، سألها إلياس بغضب لاذع :
انتي بتعملي ايه هنا يا بت أنتي؟!
ردت عليه حبيبة بغضب مماثل :
وأنت مالك
من شدة غضبه منها، اقترب منها بخطوات متسارعة، غاضبة، يود لو يضربها، لكنه يستحيل أن يفعل ذلك بامرأة......
شعرت حبيبة بالخوف من أن يتطاول عليها، فرددت قائلة بغضب وتحدي رغم رعبها الداخلي :
والله لو قربت مني لانسل شبشبي عليك يا راجل انت
ازداد غضب إلياس في تلك اللحظة، وفجأة، خرجت غنوة تجفف يديها، لتتفاجأ بالمنظر المشحون بينهما، فركضت تسأل إلياس بخوف :
إلياس باشا، حصل حاجة ولا إيه، بنت خالتي غلطت في حاجة...؟!
نظر إلياس إلى حبيبة بغضب، وقال بصوت أرعبها :
قسماً بالله لولا إنك ست، كنت نسلت شبشبك اللي فرحانة بيه ده عليكي وبلعته ليكي
استشاطت حبيبة غضبًا من إهانته لها وردت عليه بمكابرة، رافضة الاعتراف بأنها مخطئة :
انت زودتها أوي يا راجل أنت، بلاش قلة أدب، ايه سكتناله دخل بحماره
رد عليها إلياس بانفعال وغضب متفجر :
طوأنتي مش متربية
انتفضت حبيبة بغضب وردت عليه بغضب أكبر وهي تضع يديها على خصرها بوقاحة :
مين دي اللي مش متربية، لا بقولك إيه.........
نظر إليها إلياس نظرة حادة أرعبتها، جعلتها تصمت وتتوقف عن التمادي، وقبل أن يفقد أعصابه بالكامل، نظر لغنوة وقال بصرامة ونبرة مليئة بالغضب :
خديها من وشي أحسن أقسم بالله أنا على آخري.......
بصعوبة، جذبت غنوة حبيبة التي نظرت إلى إلياس بغضب ورغبة مُلحة في داخلها أن تضربه وتنتقم منه على كلامه المهين !!!
ما أن قصت حبيبة على غنوة ما حدث في السوق، حتى عاتبتها غنوة بضيق :
ليه حق الراجل يا حبيبة، يعني بدل ما تعتذري منه وتراضيه بكلمتين، تهزقيه، وكمان زعلانة عشان بيرد على إهانتك ليه؟
ردت عليها حبيبة بغضب وعناد لا يلين :
انا مغلطتش، هو اللي وقف قصاد البت دينا وهي بتشاور ع الراجل التاني، يعني ماليش ذنب أعتذر منه ليه بقى؟
ردت عليها غنوة بضيق ويأس من ان يأتي يوم وتعترف فيه حبيبها خطئها :
عمرك ما هتتغيري، مفيش فايدة فيكي ولا في طولة لسانك، المهم ما علينا، إيه اللي جابك ليا فجأة كده ؟؟
ردت عليها حبيبة بحماس متناسية كل شيء حدث :
مبروك يا بت، قدمتلك في مدرسة ثانوي منازل والحمد لله كل الورق اتقبل وخلصتلك كل حاجة، أبلة سعاد جارتنا كتر خيرها هي اللي ساعدتني في تخليص كل الإجراءات والورق، حتى الكتب هتوفرها ليكي مع فيديوهات شرح مدرسين صحابها أون لاين بأسعار كويسة أوي، كل اللي عليكي بس إنك تذاكري وتروحي ع الامتحانات بس، وإن شاء الله ربنا هيوفقك ويكرمك
ابتسمت غنوة بسعادة غامرة وصفقت بحماس ثم احتضنت حبيبة بحب وامتنان عميق، ابتعدت عنها قائلة بحب :
كتر خيرك يا حبيبة، مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه، ربنا يخليكي ليا ومتحرمش منك ابدًا
ابتسمت حبيبة وعانقتها بهدوء، واتفقت معها أنها ستشتري لها مستلزمات الدراسة كلها وتجلبها لها خلال يومين
بينما في الخارج، وقف إلياس برفقة بدر يحدثه بخصوص تلك الملفات التي أرسلها يوسف حديثًا لـ شريف، صُدم بدر ما إن استمع لاسم ذلك الرجل الذي يدير كل تلك الشبكة، والذي توصل إليه يوسف من خلال تلك الملفات في ذلك اليوم، ولم يصدق أن ذلك الرجل يخرج منه كل ذلك الشر والأعمال الفاسدة !!!!!
خرجت حبيبة تحاول تجنب رؤية ذلك الرجل المدعو إلياس، حتى لا تتشاجر معه من جديد، لكن الحظ لم يحالفها، فما إن خرجت من باب الفيلا، رأته يقف بجانب سيارته يتحدث بالهاتف، رمقته باحتقار وازدراء، ثم خطت بعيدًا متجاهلة إياه، ليرمقها الآخر بنفس المقت والغضب، يود لو يكسر عظامها، لكنه لا يرفع يده على النساء........
..................
نظرت قمر إلى نوح الواقف أمامها، لسانها ثقيلًا، وكأن حمم الغضب والحزن قد عقدت عقدة في حلقها، لكن الدموع كانت تحارب جاهدة كي لا تسقط، فليس هذا الشخص المستحق لدموعها، هذا الذي ائتمنته على روحها فخذلها وكسرها بأبشع طريقة ممكنة......طريقة تذبح كل أنثى !!
- انت مين؟
نطقت تلك الكلمات بصوت مخنوق بالدموع، فتحَاشى نوح النظر إليها، للمرة الأولى، ترك نفسه للحظة بعيدًا عن الغضب والحدة، عازمًا على مصارحتها، لكن كيف له أن يتكلم وهو عاجز حتى عن مواجهتها ؟
سؤالها، رغم وضوحه، أصابه بالتعجب، فنظر إليها بعدم فهم
صمتت قمر للحظات، ثم أعادت سؤالها بحزن وألم واضح :
نوح اللي كان بيخاف عليا من الهوا واللي كان بيحبني، أو اللي كنت فاكراه بيحبني؟
صمتت للحظات أخرى ثم تابعت بقهر مرير :
ولا نوح اللي خدعني ودمر حياتي، أنت مين فيهم؟!
اعتصر الألم قلبه من كلماتها، لكنه أجاب بصوت مُثقل بالحزن الذي ارتسم على ملامح وجهه :
انا نوح اللي أبوكي قتل أبوه ويتمه هو واخته، نوح اللي فجأة لقى نفسه مسؤول عن حاجات أكبر منه بكتير ومجبور يشيل المسؤولية وينجح، نوح اللي للمرة التانية حس باليتم بعد موت امه، بسبب أبوكي
ردت عليه قمر بمرارة، وغضب :
انت قولتها اهو، بسبب أبويا مش بسببي، ماعملتش ليه كل اللي بتعمله ده من غير ما تخليني أحبك، ليه توجع قلبي مرتين، ليه تخسرني حاجتين في وقت واحد، ودلوقتي بتحاول تخسرني أكتر حاجة غالية في حياتي، عاوز تخسرني أهلي اللي مش هيستحملوا يسمعوا كده عن بنتهم
صرخ عليها نوح غاضبًا ومتألمًا :
انا كمان خسرت أهلي والسبب أبوكي
حركت قمر رأسها نفيًا ونظرت إليه قائلة بمرارة وغضب :
لو أبويا اللي قتل كان واجه، كان قالك في وشك أنا قتلت أبوك، أبويا طول عمره كان شجاع مش جبان زيك
نظر إليها نوح بغضب جارف، فتابعت قمر بغضب أشد :
آه جبان......جبان عشان مكنش عندك القدرة تحل مشكلتك معاه وش لوش، وراجل لراجل، جبان عشان يوم ما فكرت تاخد حقك، خدته من الحريم اللي أنت مقدرتش تتشطر وتعمل راجل غير عليهم هما مش ع الرجالة.......
في تلك اللحظة، فقد نوح سيطرته بالكامل، وكاد يرفع يده عليها لولا أنه سيطر على اندفاعه ومسك الطاولة، حطمها بكل قوته بغضب جارف جعل قمر تنتفض مكانها رعبًا
اندفع يونس نحوها، فقد كان يقف بعيدًا يراقب كل ما يدور بينهما، وما إن اقترب حتى اندفعت قمر تقف خلفه مذعورة، فاشعل ذلك فتيل غضب نوح أكثر وهو يراها تحتمي بغيره
التقت نظراته بنظراتها في صمت طويل، كانت نظراته الأولى غضبًا جارفًا، ونظراتها خوفًا خالصًا، سرعان ما تحول الغضب في عينيه إلى حنين، والخوف في عينيها إلى عتاب ولوم
ابتعد يونس على مضض وترك لهما المكان مرغمًا، فقد رأى أن وجوده غير مُرحب به في تلك اللحظة، كان مقهورًا وغيورًا وهو يراها واقفة مع نوح، تمنى لو يركض بها بعيدًا عن هذا المكان، لكنه لم يستطع اتخاذ تلك الخطوة بعد أن طلبت هي بنفسها المجيء إليه
اقترب منها نوح خطوة، وقال بلسان ثقيل وقلب مثقل بالحزن :
يا ريتك ما كنتي بنته يا قمر......ياريتك
ردت عليه قمر بسخرية مريرة وقوة كاذبة :
انت فاكر إني لو كنت بنت حد تاني كنت هقبل بيك وأنت مدمر حياة بنت تانية بريئة مكاني، كنت فاكرني هرضى بواحد زيك ندل وجبان وحيوان، انا سواء كنت بره الدايرة دي أو جواها، أنا عمري ما كنت هقبل بواحد زيك، ولو كنت عارفة اللي حصل زمان عمري ما كنت هاخد صفك أبدًا حتى لو دوست على قلبي وموته......
انا بنت أدهم الجارحي والحمد لله إني بنته، لأنه ع الأقل رباني عندي قلب مش بيظلم حد ولا باخد حد بذنب حد تاني، مش زي أبوك اللي طلع نطع زيك
ازداد غضب نوح وهو يحاول أن يتمالك نفسه عليها. أما قمر، فبالرغم من أنها جاءت كي تمنعه من فضحها، إلا أنها لم تستطع الصمت عن كل هذا الحديث الذي بداخلها
الألم ينهش قلبها، وسبحان من جعلها تقف أمامه كل هذا الوقت، تتواجه معه وتقول له كل ما يجب أن يُقال
شعرت أنها مُنهكة، بمشاعر كثيرة لم تستطع وصفها أو التعبير عنها لأحد سوى يونس الذي يقف معها ويدعمها، وكأن الله أرسله إليها ليخفف عنها ولو جزءًا بسيطًا
ابتعدت قمر من أمامه واقتربت من يونس الذي كان سعيدًا بكلامها القوي، فنوح يستحق أكثر من ذلك، وما إن خرجا، نظرت قمر إلى يونس وقالت بدموع وحزن عميق :
مقدرتش أطلب منه يا يونس، مقدرتش أقوله غير الكلام ده أنا محستش بيه ندمان ولو للحظة، محستش إني صعبانة عليه، شوفت في عيونه كلام كتير أوي يمكن ما اتقالش بس حسيته، ومن اللي حسيته ده لساني مقدرش يطلب منه حاجة، أنا موجوعة أوي يا يونس، ليه يحصل معايا أنا كده؟!
انهمرت دموعها بقهر وهي تسترجع ذكرياتها مع نوح، وكيف أن نوح نفسه أصبح كابوسًا لها الآن، أخذها يونس ومضيا في صمت، وهو أيضًا لم يكن يعرف ماذا يفعل، حتى توصل لحل واحد لا مفر منه......ربما خطف نوح !!!!!
...................
كانت عشق واقفة أمام حمزة في أحد المطاعم الهادئة، يداها ترتجفان رغم أنها تحاول بثباتٍ هش أن تخفي خوفها بعد كل ما قاله لها........
كان جالسًا في مواجهتها، ظهره مستندًا إلى المقعد، ووجهه لا يخلو من مكرٍ مُتعالٍ، وكأن الدنيا وما فيها ملكً له !!!!
انحنى قليلًا نحوها، قائلاً بتهديد صريح :
اللي سمعتيه يا عشق......يا أنا، يا مالك حبيب القلب
اتسعت عيناها، وارتجف قلبها بين ضلوعها، الكلمات سقطت عليها كطعنة، لكنها لم تستطع الرد، اكتفى هو بابتسامة باردة، كأنه يمنحها نعمة الاختيار، بينما كان يعرف أن اختياره هو وحده الذي يريد فرضه !!!!!!
........
على الجهة الأخرى، كان أوس يغرق بين الأوراق ومحاولات الاتصال، يبحث عن منفذ لإنقاذ ابنه، الإرهاق ينهش ملامحه، واليأس يضغط على صدره، لم يشعر إلا بباب المكتب يُفتح ببطء، ثم خطوات أنثوية يعرفها جيدًا
دخلت غزل الصياد بثقة امرأة تدرك تمامًا تأثير حضورها، تحمل جمالًا لا يتكرر بسهولة، تقدمت بخطى ثابتة، وعيناها لا تفارقانه، حتى قالت بصوت ناعم لكنه جريء :
وحشتني يا حبيبي
رفع أوس رأسه بغضب قائلاً بحدة، ونفاذ صبر :
اطلعي بره يا غزل، أنا فيا اللي مكفيني، مش ناقصك
جلست على المقعد المقابل، وقد علت شفتيها ابتسامة ماكرة :
ما أنا جاية أريحك يا روحي
لم يعلق، فقط تبعها بعينيه بتعجب، وهي تجلس امامه قائلة بثقة، وبكلمات محسوبة :
انا أقدر أطلع ابنك براءة، من بكرة الصبح
صمتت للحظات ثم تابعت بصرامة :
تتجوزني يا أوس !!!!!!
اتسعت عيناه، بينما تجمد صوته قبل أن ينفجر صارخًا :
أكيد اتجننتي، قال اتجوزك قال، انا مستحيل اعمل كده في مراتي واحطها في الموقف ده
ضربت كفها على المكتب بحدة، قائلة :
مراتك اللي عملت فيك انت، وابنك اللي محدش عمله
لم يستمع إليها، ظنها مناورة جديدة، حيلة أخرى لتفوز به :
انتي بتلعبي على إيه، افهمي بقى أنا عمري ما هابصلك، ولا اسمي هيتربط بيكي.....فاهمة
اقتربت منه كأنها لا ترى غضبه، وقالت بثباتٍ يحمل جنون العشق :
مش بمزاجك يا أوس، قولتلك قبل كده، وهقولهالك تاني، غزل الصياد عمر ما حد ملكها إلا إنت
مالت بوجهها حتى صار صوتها يلمس أذنه، وهمست بجرأةٍ لا تعرف الخوف :
لو عاوز تتخلص مني، موتني، الموت أهون عندي من إني أسيبك يا أوس
ثم رفعت كفها تمرره على جانب وجهه ببطء :
أنا لما بحب حد ما يفرقنيش عنه غير الموت، وأنا بحبك
دفعها بحدة جعلتها تتراجع خطوة :
وأنا بحب مراتي، ولا يفرق معايا لا انتي.......ولا غيرك
صرخت عليه غزل بانفعال وغيرة :
وهي عمرها ما حبتك، ولا راعت مشاعرك، ولا كانت باقية عليك، مراتك اللي انت بتموت فيها، حبيبة القلب عمرها ما فكرت في حد غير نفسها........
صمتت للحظات ثم تابعت بغضب :
مراتك اللي راحت أجرت واحد عشان يحط مخدرات في عربية ابنها وبلغت عنه عشان تلبسه قضية مخدرات !!
ثم تابعت بصوتٍ أقوى مليء بالاحتقار :
اللي تبيع ابنها، ضناها، تبيع أبوه، وتبيع أي حد مهما كان ليها مين يا أوس باشا
تجمد أوس، تجمد كل شيء داخله، الكلمات سقطت عليه كصاعقة شقت كيانه نصفين
ظل يحدق فيها، صدره يعلو ويهبط، وكأنه يحاول يتنفس وسط انهيارٍ عنيف، فهو يعرف غزل لا تقول حديث إلا اذا كانت على يقين !!!!
لكن هل يُعقل......
هل مهرة التي أحبها يومًا، ووقف بجانبها سنين، واعتقد أن ما بينهم أقوى من أي ريح، هي نفسها المرأة التي تُتهم الآن بأنها دمرت ابنها بيديها ؟؟
مرت الأسئلة في رأسه كطعنات
لما تغيرت مهرةظ...دد؟!
أم أنه هو الذي كان أعمى.....؟!
هل يدافع الآن عن امرأة لا يعرفها....؟!
أم أنه يتمسك بصورةٍ قديمة انمحت منذ زمن....؟!
ارتج قلبه بين الصدمة والرفض، هو لا يريد التصديق
لا يستطيع، ضاقت أنفاسه، كأن الغرفة أصبحت أصغر
الحقيقة تُطبق عليه من كل اتجاه
لا يعلم ان تلك الحقيقة هي بداية الانهيار !!!!!!!!
❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤
بخطواتٍ ثابتةٍ لا تعرف التردد، دخل آدم ذلك المخزن المهجور التابع له، حيث احتُجز فيه جلال وابنه إياد، ومعهما فاروق وهشام
كان بارد الملامح إلى حد زرع الفزع في القلوب، خاصة قلب جلال الذي لم يكن يخشى على نفسه بقدر ما كان يرتجف خوفًا على ابنه
أما إياد، فعلى الرغم من خوفه من آدم، إلا أن شيئًا أثقل كان يجثم فوق صدره، صافِي وابنهما.....
ذلك الخوف وحده كان ينهش قلبه بلا رحمة
خلع آدم سترته ودفعها إلى أحد رجاله، ثم بدأ يطوي أكمام قميصه بتروي، وكأنما يستعد لما هو آتٍ، عندها لم يتحمل جلال، وصرخ بخوفٍ أقرب إلى الرجاء :
عشان خاطر العِشرة اللي بينا يا آدم سيب ابني
حسابك معايا أنا، طَلع ابني بره الموضوع، وخُد حقك مني
انا اللي غلطان، مش هو
ضحك آدم بسخرية باردة وهو يجلس على كرسي أتى به أحد رجاله، بينما وقف ابنه ياسين خلفه، ينظر نحو إياد بتوعد منتظرًا إشارة واحدة من أبيه لينقض عليه
ردد آدم بنبرة ساخرة :
عندك حق انت فعلًا الغلطان
انت اللي ما ربيتش راجل، ولا علمتُه يعني إيه مسؤولية يعني إيه يتحمل نتيجة غلطه
ما عرفتش تخليه راجل يحترم بنات الناس، ويضحك عليهم
ابنك الرجولة حتى ريحتها ما شمهاش......
ثم مال بجسده للأمام، ونظر لجلال نظرة حملت غضبًا عميقًا يمتزج بمرارة العتاب :
بلاش بقى نتكلم في موضوع العشرة، لأنك انت اللي دمرتها بايدك، يوم ما هربت ابنك وانت عارف انه غدر ببنتي، بدل ما تجيبه وتيجي لحد عندي وتقولي ابني هيكون راجل ويتحمل غلطته، لكن انت ندل، ندل ومعملتش بالعشرة اللي انت بتحلفني بيها دلوقتي
رد عليه جلال بتبرير :
خوفت تأذيه، هربته لحد ما اتكلم معاك ونحل الموضوع سوا
ضحك ادم بسخرية وقاله :
ومجتش ليه فضلت مستني ليه كل الوقت ده
اعتدل آدم في جلسته للخلف ثم رمقه بنظرة حادة وتابع بسخرية قاسية :
حياة كان عندها وجهة نظر لما رفضت تتجوزك زمان
انكسر جلال، تنهيدة ثقيلة خرجت من صدره، ولم يجد ما يدافع به عن نفسه، الخوف على ابنه كان يلتهمه من الداخل
اراد ان يحميه من اي شيء !!
لكن إياد، تجرأ وسأل بصوت مليء بالقلق والرعب :
صافي.....صافي كويسة، هي والبيبي، حصلهم حاجة؟!
لم يتحرك في آدم شيء، وكأن خوف إياد لا يعنيه، نهض من مكانه وقال لجلال بلهجة جعلت الدم يتجمد في العروق :
متخافش يا جلال انا بس هربيلك ابنك، هعلمه ازاي يبقى راجل، وبعدها هشرب من دمه واخليه يقف قدامي راجل لراجل عشان انا مش باخد حقي من النسوان
في لحظة لم يستوعبها أحد، انقض آدم على إياد
سنوات عمره لم تنتزع منه رشاقته ولا صلابته، بالأضافة إلى غضبه كلما تذكر ما حدث لابنته كان يشعل نارًا لا تهدأ
ظل يضربه بعنف، وقسوة تدخل ياسين وسحب والده بعيدًا قائلاً وهو ينظر إلى اياد بغضب وقرف :
سيبه يا بابا، ما يستاهلش، وبعدين ماتنساش، احنا لسه محتاجينه
التفت آدم نحو جلال الذي انهار يرجوه أن يبتعد عن ابنه، فصرخ فيه بوعيد مظلم :
دي لسه البداية يا جلال، ورحمة أمي لهتشوفوا الويل على ايدي
في تلك اللحظة، دخل أحد الرجال وخاطب ياسين وآدم :
البت اللي أمرت ندور عليها يا باشا، لقيناها، وجيبناها بره زي ما امرت.....ندخلها؟!
انكمش هشام وفاروق برعب، فابتسم آدم بسخرية وقال بوعيد :
ده الحبايب كلها متجمعين انهارده
ثم أشار للرجل، فدخل وهو يجر خلفه فتاة ترتجف خوفًا، وما إن رأت هشام، ةإياد وحاله، حتى صرخت بأعلى صوتها مذعورة :
انا ماعملتش حاجة والله...
هشام هو اللي قالي أحط المخدر لإياد وصافي
وهو اللي جاب ناس ركبوا كاميرات في الأوضة
وهو اللي ضحك على إياد وقاله إن صافي اتفقت معايا عشان توقعه ويتجوزها، وقاله انها ماشية مع رجالة كتير غيره، وانها كانت بتحاول معاه قبله، هشام عمل كده عشان ينتقم منها لأنها رفضته زمان، وأخد فلوس من عمران عشان يوقعكم في بعض وتنسحبوا من المشروع، انا ماليش ذنب، هو اجبرني اعمل كده لأنه ماسك عليا فيديوهات
صرخ هشام بغضب هستيري :
وحياة أمك ده انتي عملتي كده عشان بتغلي منها، ونفسك تأذيها من زمان، وكنتي معايا في كل حاجة خطوة بخطوة، ابويا هو اللي خطط وعمل كل ده من البداية انا ماليش دعوة
ارتفع صراخ فاروق بدوره، مصدومًا من أن ابنه يلقي بكل شيء عليه لينجو :
كدب، كله كدب، انا فعلاً خدت فلوس من عمران عشان اخلي جلال ينسحب من المشروع، بس ماكنتش أعرف ازاي فهشام
هو اللي خطط ونفذ كل حاجة، كان عاوز يخلص من اياد، بعدها يقتل جلال عشان يورثهم
نظر آدم إليهم بقرف، أب وابنه، كلاهما يحاول النجاة على حساب الآخر، أما جلال، فكان ينظر إليهم بانكسار هؤلاء من ظنهم سندًا، فإذا بهم خنجرًا في ظهره
بينما إياد كان يتنفس بصعوبة، مصدومًا، وهو يستمع لصراخ ميرا العالي :
هو السبب يا اياد، هو السبب في اللي انت فيه، قولهم يسيبوني، انا ماليش ذنب
كان إياد يشعر بعارٍ يغمره، وخزيٍ لا يشبه أي ألم
ما تلا ذلك كان قاسيًا، ضرب مبرح طال فاروق وهشام وميرا، عقابًا لا رحمة فيه.......
بعد وقت طويل، عاد آدم إلى الفيلا
قص عليهم ياسين ما حدث، ليحل صمتٌ ثقيل في المكان
كانت صافي، تستمع، وعيناها تتسعان بصمتٍ موجع
ثم غادرت إلى غرفتها دون أن تنطق بحرف، الجميع شعر بثقل ألمها، أما آدم فكان الحزن يشق طريقه إلى قلبه......
منها وعليها
كانت آخر كلمات قالتها له قبل أن تهرب إلى غرفتها :
أنا عاوزة اشوفه يا بابا !!!
..............
دوى صراخ أوس في أرجاء الفيلا كالعاصفة، صرخة حادة اخترقت الجدران قبل أن تخترق القلوب، ارتجت مهرة في مكانها، واهتز الهواء من حولها كأن كل شيء يستعد لانفجار أكبر، تجمع الجميع أمام باب الغرفة، مذهولين، فأوس لم يُعرَف يومًا بهذا الغضب، ولم يره أحد من قبل على هذه الصورة التي تقترب من الجنون
التفت إليها وقد اشتعلت عيناه غضبًا لا يُروض، وصوته يجلجل كأنه يقتص من خيانة عمر كاملة :
مـهـررررة !!
ارتعشت، لاصقة ظهرها بالحائط، وكأن الظل وراءها يبحث عن مهرب لا تملكه :
انتي اللي حطيتي المخدرات في عربية ابنك، انتي اللي عملتي في مالك كده، انتي وابنك التاني الصايع؟!
هزت رأسها بعنف، خوف وذعر، تحاول إنكار الحقيقة التي التصقت بها كوصمة لا تُغسل :
انت اتجننت يا أوس، أنا أعمل كده في ابني، طب ليه، وهستفاد اي من كل ده
اقترب أوس منها خطوة، ثم أخرى، حتى قبض على يديها بعنف أرعبها، وجعل أنفاسها تتقطع بين يديه :
اومال الفيديو اللي ظهرتي فيه وانتي بتتفقي مع ابن ال.... اللي حط المخدرات لمالك ده إيه، والفلوس اللي اديتيهاله كانوا بتوع إيه، لسه بتكدبي، لسه بتلفي وتدوري على كدبة تانية تقوليهالي، ابنك ذنبه إيه عشان تدمريه كده، جبروتك وقسوة قلبك وصلوكي انك تأذي ابنك
ارتعشت أنفاس مهرة، ثم انفجرت، كأن الباب الذي حبس سوادها طوال السنين انفتح دفعة واحدة، صرخت بوجهه بعينين زائغتين بين الدفاع والهجوم بكلمات غير مرتبة :
انا مكنتش هأذيه، ده ابني، مستحيل آذيه، بس كمان كنت مستحيل أسيبه يتجوز بنت حياة ويعيشها معززة مكرمة، مستحيل اخليه يتجوز اخت يوسف اللي قهر بنتي وكسر قلبها وفضحها وسط الناس، بنت حياة مش احسن من بنتي عشان تتجوز اللي يحبها وبنتي تتعذب، كنت عاوزة اقهر قلب حياة زي ما طول عمرها قاهرة قلبي، وابنها سبب وجع بنتي، كنت عاوزة اجوزها لحمزة عشان يذلها، وياخدلي حقي منها هي وامها، واخوها، حمزة غير مالك، حمزة كان هيذلها انما مالك حبها، وأنا مش عاوزة كده، أنا عاوزة اقهر قلوبهم زي ما قلبي اتقهر
سقطت الكلمات من فمها ثقيـلة، مرعبة، فاضحة لظلام لم تتوقع يومًا أن يُكشف
أما أوس، فلم يتحرك، لم يصرخ، لم يمد يده
ظل ينظر إليها، نظرة رجلٍ رأى الحقيقة أخيرًا، ورأى أن المرأة التي عاش معها ليست المرأة التي ظنها
كانت نظرة موت، موت احترام، موت ثقة، موت كل شيء بينهما، نظرة واحدة فقط لكنها كانت أقسى من كل الصراخ !!
صمت عم لدقائق طويلة بينهما........
عينيه تتقلبان بين ملامح زوجته التي عشقها عمرًا كاملاً، وبين الحقيقة التي تكشف نفسها أمامه كوحشٍ يخرج من ظلمة الغابة، لم يتخيل يومًا أن الحب يمكن أن يكون أعمى إلى هذا الحد، ولم يتخيل أن مهرة، تلك التي حفظ ملامحها أكثر من ملامحه، تحمل في قلبها كل هذا السواد
اقترب منها قائلاً بصوتٍ متحشرج :
للدرجة دي بتكرهيها؟! عملتلك إيه حياة عشان كل الحقد اللي في قلبك ده ناحيتها
حدقت به مهرة، وفي عينيها نار تشتعل منذ سنوات، نيران لم يلتفت لها أحد، ثم انفجرت تصرخ بغل يشق الصمت :
حبيتها أكتر مني يا أوس، كانت رقم واحد في حياتك ومن بعدها انا واولادك، كنت كل ما تقع في مشكلة تجري عليها هي، ولما يحصل بينا خلاف تروح تستنى كلمتها عشان تشوف تصالحني ولا لأ، ليه تحبها اكتر مني، ليه بحس دايمًا إنها الأولى وأنا التانية، ليه كلمتها هي اللي تمشي، ليه هي اللي تدخل في كل حاجة كأنها الحكم بأمره، والكل واقف مستني رأيها.......
ارتجفت أنفاسها، توقفت لحظة لتلتقط زفيرًا مشبعًا بالغل، ثم أكملت بصوتٍ مبحوح مليء بالمرارة :
حتى لما جابت سارة، كانت عارفة إني بكرهها، عارفة إنها كانت السبب في فضيحتي وضياعي، جابت سارة اللي كنت انا وانت ممكن نخسر بعض بسببها ونتطلق، ومع ذلك دخلتها حياتنا من تاني، بكل بساطة طلبت مننا نتقبلها ونسامحها، وطبعًا طالما حياة قررت اننا لازم نسامحها، يبقى نسامحها، ونقبلها ولا كأنها عملت حاجة، ونحط جزمة في بوقنا عشان حضرتك خايف تقف قصاد اختك، انت فضلت ساكت على كده يا اوس سنين بس انا عمري ما نسيت
تلعثمت الكلمات بين شفتيها، وارتعشت أصابعها وهي تستعيد الجرح الأعمق، قبل أن يخرج صوتها مكسورًا ممزوجًا بالغل :
ليلى بنتي، ليه يحصل فيها كده؟! ليه تدفع ثمن انتقام ابنها الحقير اللي سبها ليلة فرحها، بنتي مظلومة، كل يوم بتتعذب وتموت بالبطيء بسبب ابن حياة، وانت واقف شايف وساكت
صمتت للحظات ثم تابعت تشحنه ضد شقيقته بكلمات عشوائية مليئة بالغل :
وبنتها....بنتها اللي فرقت بين ولادي، وبتلعب عليهم هما الاتنين، خليتهم يحبوها عشان تفرق بينهم، اختك واولادها عمرهم ما حبوك ولا حبوني أنا وأولادي، كل حاجة بتحصل بسبب أختك، أختك اللي ولادها دمروا ولادي، اختك اللي من زمان وهي بتفرق في المعاملة بينك وبين اخواتك واولادهم، تفتكر لو سارة كانت عملت كده في ادم، او ريان، او امير كانت هي عملت اللي عملته وجابتها وسطنا بالساهل، كانوا اخواتك هيقبلوا بالوضع اللي انت قبلت بيه على نفسك وعليا
تساقطت كلماتها كالسكين على قلبه، وظل أوس صامتًا، يسمع كل شيء، يصعقه زيف الحقيقة التي عاشت بجانبه، لأول مرة يرى مهرة بلا قناع، يرى الشيطان الذي غذاه صمت السنين كان يشعر أنه غريب معها، أنه عاش عمره مع وهم، وأن عينيه لم تكن تبصران سوى صورة مزيفة !!!
لقد خسر.....خسر بيته الذي صار ساحة للحقد بسببها
كل شيء تهدم أمامه، وكل الطرق تقوده إلى حقيقة واحدة مهرة لم تكن يومًا مأمنه، بل كانت السكين في خاصرته
نظر إليها طويلًا، حتى صارت ملامحها باهتة في عينيه، لم يعد يرى وجهها بل يرى غلاً متجسدًا، كان صمته ثقيلاً، يسبق زلزالًا لا عودة بعده
اقترب منها، رفع رأسه أخيرًا، وصوته خرج كالرعد، كلمتين فقط، لكنهما هدمتا كل شيء :
انتي طالق يا مهرة !!!
سقطت الكلمة عليها كالصاعقة، لم تكن مجرد قرار، كانت نهاية عمرٍ من العمى، وبداية مواجهةٍ مع الحقيقة
............
خرج أوس من عند مهرة وقد تغيرت ملامحه كليًا، كأن عاصفة تجتاح صدره، شق طريقه نحو غرفة ابنه حمزة، وما إن فتح الباب حتى باغت ابنه بصفعة قاسية، دون أي تمهيد فأشعلت الدم في عروق الآخر، لكنه ظل صامتًا، يختنق من الداخل وهو يواجه نظرة أبيه......
تلك النظرة نفسها التي طالما حملت الاحتقار والتقليل
صرخ أوس بصوت دوى في المكان، غاضبًا، محملًا بالخذلان :
بتساعد امك عشان تسجن أخوك، وتلوي دراع بنت عمتك عشان تتجوزك، هي دي الرجولة يا نطع، بتطعن أخوك في ضهره وتضيع مستقبله، عشان تتجوز اللي بيحبها بالغصب يا واطي يا زبالة........
ثم قبض على مقدمة قميصه، بنف وقربه منه، فاهتز صدر حمزة من قوة الجذب :
ايه السواد والشر اللي في قلبك ده
ظل حمزة صامتًا، يقاوم رغبة دفينة في أن يصرخ بما يحمله قلبه منذ سنين، ابتلع وجعه، ورد بنبرة حزينة صادقة، تحمل تعب عمر كامل :
انا عملت كده مجبور، مهرة هانم هي اللي أجبرتني، لما عرفت إني اتقدمت لعشق، قالتلي هتنفذ اللي هقولك عليه غصب عنك، وإلا كانت هتجبر عشق تتجوز أي حد يذلها ويأذيها، وتساومها بمالك، كنت عايزني أعمل إيه، فضلت أسايرها، قولتلها هعمل اللي انتي عايزاه من غير خططتها الحقيرة بس هي غفلتني وعملت كده، ماما كل اللي هاممها ان عشق تتعذب ومتكونش مبسوطة، كانت عاوزة تشوه صورة عشق في عين مالك عشان يناسها، وتفضل عشق على ذمتي متعذبة وهي متجوزة واحد مبتحبهوش، وحتى لو سابته بعدين كل الطرق اللي ممكن تجمعها بمالك تكون اتقفلت لأنه خلاص هيكون كرهها، وحتى لو لسه بيحبها فهو استحالة يتجوز مراة اخوه
اشتعل أوس غضبًا أكثر وصرخ عليه :
وطالما خايف كده، ومكنتش راجل كفاية توقف أمك عند حدها، وتحمي اخوك، ليه ماجيتليش، وسبتني أنا اتصرف لو عايز تحل فعلاً.....
تنفس حمزة ببطء، ورسم على ملامحه مزيجًا من الانكسار والدهاء، محملًا والدته كل الذنب دون تردد :
عشان هي في الأول والآخر أمي، ماكنتش عايز صورتها تتبهدل قدام العيلة كلها، أنا استحملت كتير وسكت، عشان العيلة متتفكش، وعشان ليان بنت عمتي سارة متتأذيش
تجمّد أوس للحظة لا يستوعب ما قاله :
ليان؟!!!!
أخفض حمزة رأسه قائلاً بحزن اجاد تصنعه ببراعة :
كانت عايزاني، أكسر عينها، عشان تنتقم من أمها بيها، وأنا رفضت، ووقفت أمي عند حدها، وكنت بحاول أنقذ عشق بس هي رفضت، أنا كل اللي كنت بحاول اعمله، اني أحمي أمي وأخويا من غير ما أدمر العيلة دي
واصل حديثه بمكر هادئ، يزرع الشك في قلب أبيه :
وبعدين الراجل اللي عمل المصيبة دي، موجود، وحضرتك تقدر تسأله، هل شافني قبل كده، وهل اتعاملت معاه، لو أنا مشترك وبساعد أمي وعندي علم مكنتش سيبت أمي تعمل أي حاجة، وكنت نفذت بإيدي، وساعتها الراجل كان هيعترف عليا أنا مش هي بس !!
خرج أوس بخطوات متثاقلة، والصدمة تضرب رأسه مثل الصاعقة، وما إن تجاوز عتبة الغرفة حتى توقف.....
كانت مهرة واقفة دموعها تنساب بصمت، وعينيها معلقتان بابنها الذي سممها بكلماته وسلمها للخزي بلا رحمة
لقد جاءت لتحميه من كلمات ابيه وعتابه، لتتفاجأ به يتخلى عنها بلا تردد
نظر إليها أوس، نظرة مختلطة بالقرف، والخذلان
ثم مر بجانبها دون كلمة، لكن الدموع خانته، انطلقت رغمًا عنه، ثقيلة......مؤلمة
شعر لأول مرة أن البيت الذي كرس عمره لبنائه
لم يكن إلا بيتًا أوهن من خيط العنكبوت !!!!!!
بينما في تلك اللحظة تحديدًا، أدركت مهرة لماذا أصر عليها بالذات أن تسلم الكيس للرجل الذي سيضعه بداخل سيارة نوح، متعللًا بانشغاله، كما أدركت لاحقًا أن ما في ذلك الكيس كان مخدرات حقيقية، وليست مزيفة كما كانا قد اتفقا !!!
وقفت مهرة أمام ابنها، عيناها مشدوهتان إليه كأنها تراه لأول مرة، ذلك الواقف أمامها، المليء بالجفاء، لا يمكن أن يكون حمزة ابنها، لكن حمزة لم يبالي بها، واجهها بنظرةٍ جامدة، وقال ببرودٍ قاتل :
أنا عملت اللي قولتيه
صرخت مهرة، وصوتها يتخلله وجع لا يُحتمل، وهي تمسك صدرها الذي يئن من الألم :
أنا قولتلك تسجن أخوك كده؟!
أنا قولتلك نلهيه بس، لحد ما تتجوز بنت حياة
قولتلك حط اي مادة تانية، عقبال ما تقرير الطب الشرعي يطلع، انت تساوم عشق انها تتجوزك من ورا أهلها قبل ما أخوك يخرج من السجن، قولتلك اعمل كده عشان نبعد اخوك عنها، ونلوي دراعها، ببراءة أخوك
لكن ما قولتش ليك تأذيه كده بحق وحقيقي
إزاي يا حمزة؟! منين جبت الكره ده، وليه؟!
ضيعت مستقبل أخوك ليه؟!
لم يرد، بل استدار عنها، تناول كأس العصير وشرب منه ببرودٍ صادم، تابعته مهرة بعينين دامعتين، وجسدٍ يرتجف من الصدمة :
وبعد ده كله، تروح تقول لأبوك إن أنا السبب؟!
تطلعني أنا المخططة لكل ده لوحدي، وانك البريء؟!
أبوك طلقني بسببك، قلبك قاسي كده ليه يا حمزة،
بتخسر أهلك ليه، وعشان مين......عشان بنت حياة؟!
التفت إليها ببطء، وعيناه تلمعان قسوةً وقال :
عشانك انتي
تراجعت خطوة، تنظر له بذهولٍ وكأنها تلقت صفعة،
فقال حمزة بغِل مكتوم :
انتي اللي علمتيني أكرههم، علمتيني أشوف نفسي وبس،
نسيتي ولا ايه، نسيتي كلامك ليا من وأنا صغير،
لو انتي نسيتي، أنا بقى ما نسيتش يا ماما، كل كلمة محفورة جوايا لحد دلوقتي
رفع صوته وهو يسخر بمرارة، مقلدًا نبرتها القديمة :
انت ليه مش زي فلان، خليك زي ولاد عمك، وأحسن كمان
خليك الأعلى عشان يتعملك ألف حساب
ما تبقاش ضعيف، واللي يغلط فيك خد حقك منه بالقوي
ما تسيبش حد يتفوق عليك، خصوصًا ولاد سارة وحياة
أخذ يُلقي على مسامعها كلماته كالسهام،
ينطقها بمرارةٍ تراكمت عبر السنين،
يُعدد خطاياها واحدةً تلو الأخرى،
كيف كانت تمنعه من مشاركة عائلته أي شيء،
وكيف زرعت في قلبه الكُره بدل المحبة،
علمته أن يُحب نفسه فقط،
وألا يرى في الدنيا سواها،
حتى غدا قاسيًا، وجاحدًا، حتى معها
كانت كلماته تتساقط كالرصاص على قلبها، كل جملة خرجت من فمه كطعنةٍ تعود لتغرس في صدرها،
كان يرميها بمرآة ماضيها، بكل ما غرسته فيه من سم
تابع حمزة بضحكة قصيرة مشوبة بالغل :
ولا جوزك أوس باشا اللي عمره ما شافني
طول عمره شايف مالك بس......
دلوقتي بقيت أنا الأفضل، ومالك حبيب قلبه في السجن
اقترب منها ببرودٍ قاتل، وصوته صار أقرب للهمس :
أنا عملت زي ما ربتيني بالظبط، شوفت نفسي الأول، حتى لو على حساب أقرب الناس ليا
مش إنتي اللي قولتيله ما تسيبش حد ياخد منك حاجة؟
مش إنتِ اللي علمتيني كل ده، علمتيني، وأنا نفذت اللي اتعلمته يا مهرة هانم
اقترب أكثر، وهمس بجانب أذنها بقسوة :
أنا بنفذ كلامك......بالحرف.
قالها ثم نظر إليها ببرود،
لم يُبدِي أي ندم، فقط نظرة طويلة خلت من أي شعور
ثم استدار وغادر الغرفة بتعالي!!
تجمّدت مهرة مكانها، وكأن الهواء غادر الغرفة،
نبضها ارتفع ثم اختنق، وعيناها زاغتا في فراغٍ لا يُرى،
وجهها شاحب كأن الدم تخلى عنه وتركه باهتًا
حاولت أن تتنفس، لكن أنفاسها صارت متقطعة
مدت يدها نحو قلبها، وارتجف جسدها بعنفٍ مكتوم،
ثم.....سقطت أرضًا، بلا صوت
ظل الصمت يملأ المكان،
وبقيت مهرة على الأرض،
لا يُدرى أكان ما بها وجع لحظةٍ عابرة،
أم سقوطًا لا عودة منه !!!!!!!!
...............
كان الليل يطبق بثقله على الحانة، وأضواؤها الخافتة تنعكس على وجه نوح الشاحب، بينما كان يجلس في الركن وحيدًا، يرتشف كأسه بشراهة لم يعتدها يومًا، كانت كلمات قمر لا تزال ترن في أذنيه، تشتعل فيها الحقيقة والخذلان والوجع أراد أن يذهب إلى والدها ويخبره ليثأر منه، أراد ان يصرخ عليها بأنه لم يقصد إيذاءها، لكن قلبه كان أضعف من أن يحتمل نظرتها، وأضعف من أن يحملها جرحًا جديدًا
على الناحية الأخرى من صدره، نار أخرى تشتعل، نار رؤية أدهم مقهورًا أمامه، فلو لم يفعل ما فعل بوالده، لكان الآن يعيش معها بسلام، يحبها دون أن يمس روحها بأذى
لولا أدهم الجارحي لكانت حياته أصبحت أفضل !!
هكذا كان يحدث نفسه، كل رشفة كانت تزيد غضبه وانكساره
نهض من مقعده مترنحًا، خطواته غير متزنة، ورأسه يدور للمرة الأولى بهذا الشكل في حياته بتأثير الكحول، خرج إلى الشارع البارد يبحث بعينين نصف نائمتين عن سيارته، يجر أنفاسًا ثقيلة كأنها لا تعود إليه كاملة
على مسافة ليست بعيدة، كانت مجموعة من الرجال تترقبه بصمت، كانوا هناك منذ وقت طويل، يراقبون كل حركة منه بتركيز، همس أحدهم للآخر وهو يراقب نوح يترنح :
يلا بينا
تقدموا نحوه بهدوء، وما إن فتح باب سيارته وجلس، حتى انقض أحدهم من المقعد الخلفي، وضع منديلًا مخدرًا على فمه قبل أن يملك فرصة لفهم ما يحدث، ارتخت أطرافه في ثوانٍ، سكن جسده !!
اقتربوا من رجل الأمن عند البوابة، مد أحدهم ظرفًا ممتلئًا بالمال، ثم انطلقت السيارة بسرعة في طرق جانبية معتمة، حتى وصلت إلى المكان الذي حدده يونس مسبقًا، ترجلوا من السيارة، التقطوا لنوح صورة وهو مقيد بلا وعي......
أرسل الرجل الصورة إلى يونس، وما إن ظهرت على شاشة هاتفه حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة نصر، وبدوره أرسلها إلى قمر التي حين رأتها شعرت بقليل من الراحة !!!!
................
