رواية ظل البراق الفصل الثامن عشر 18 بقلم مريمة


 رواية ظل البراق الفصل الثامن عشر 

تاهت خطواتي بين طرقات مجهولة

وكأن الرياح تدفعني بلا خريطة..

كل ظل يمرّ أمامي يهمس بصوتٍ بعيد

يذكرني أن الطريق لا يقتصر على الاتجاه..

بل على قلبٍ يعرف متى يتوقف ليستمع!

___________

هل شعرت يومًا أن الألم يلتف حولك من كل جانب، كأنه جزء منك، كأنك لم تعد تعرف أين يبدأ جسدك وأين ينتهي؟ هكذا كان سيف، جالسًا على أرضية شقة يوسف، محاطًا بظلام يبتلع كل شيء من حوله. يديه ممسكتان برأسه، يهز جسده المتشنج بلا وعي، بينما المسكن بدأ يفقد فعاليته، وأعراض الانسحاب تعود لتسيطر عليه، كالوحش الذي يلاحقه في كل خلية من جسده.

الصداع اجتاح دماغه بلا رحمة، والألم امتد إلى كل عضلة، فتح عينيه ببطء، فكانت حمراوان، ككرات دم تتوهج في الظلام، وصرخة صمت تتردد في عروقه. تنفسه أصبح سريعًا متقطعًا، محاولة يائسة للسيطرة على الألم الذي اجتاحه، وعلى الرغبة الجامحة في الشيء الذي دمره سابقًا، وها هو الآن يطلبه، بكل شدة، وكأنها الحياة نفسها.

همس لنفسه بصوت مرتجف:

– “لأ يا سيف… استحمل… استحمل… أنت قوي… ومش هتضعف تاني…”

لكنه لم يستطع منع دموعه من الانهمار، ولم يمنع صوته من أن يختلط بأنين طفل صغير، يصرخ بصوت داخلي لا يسمعه إلا قلبه المتعب.

أمسك الكوب القريب منه بعنف، والقاه على الأرض. صوت التحطم ارتدّ في أرجاء الشقة، ليوقظ” يوسف” الذي فتح عيونه بخوف و”مهاب “المُقيم معهم في البيت منذ ذلك اليوم . ركضا بسرعة، وهما في حالة صدمة، ليجدا سيف منهارًا، يبكي بلا توقف، يهمس بكلمات متقطعة لا يسمعها أحد، كأن قلبه يفرغ كل ما فيه دفعة واحدة.

“مهاب” جلس أمامه، مسك يده التي كانت تضغط على رأسه بعنف، وقال بصوت مملوء بالحنان:

– “بس… بس إهدي،و سيب دماغك، هتبقى كويس بعد شوية.”

وجذبه إلى حضنه، وهو يحتضنه بكل قوته، كأن حضنه وحده قادر على تهدئة العاصفة التي تدور بداخله. “يوسف” جلس بجوارهما، يضع يده على كتف سيف، يحاول أن يخفف من وطأة الألم قائلاً:

-“مش هنرجع تاني لحالة أول يومين يا بطل… إجمد الله.”

“سيف” ظل يتمتم همسات غير مفهومة، أصواته مرتبطة بذكريات وأحاسيس عميقة، حتى أمسَك” مهاب” وجهه بين يديه وقال بحنان:

-“بتقول إيه يا حبيبي… بتهمس بإيه؟”

رغم دموعه الغزيرة، بدأ لون عينيه يعود تدريجيًا لطبيعته، وتمتم

-“سورة يس..”

نظر “مهاب” و”يوسف ” لبعضهم بصدمة ، فاكمل “سيف “بدموع:

-” لما كنت بتعب كانت بتحط راسي علي رجليها وتقرأ يس ، وقتها ماكنتش بحس بأي ألم خالص..”

اكمل ببكاء طفل شعر بالذنب يتسلل إلى أعماقه:

– “بس هي دلوقتي مش موجوده، وأنا السبب.”

“يوسف “احتضنه بحنان، محاولًا كبح دموعه:

– “بس بتدعيلك، ومجرد اسمها بيقويك يا سيف، وأنت مش السبب ولا حاجة بلاش تفضل تلوم نفسك كتير مش هيجيب فايدة يا بطل.”

“مهاب” تابع بمرح، وهو يمرر أصابعه بين خصل شعره:

-“المهم دلوقتي أننا وصلنا لمرحلة كويسة في العلاج، واخونا بطل الأبطال لأول مرة ميقلبش علينا الشقة ويهددنا بالسكينة عشان عايز شمه.”

ابتسم “سيف” بين دموعه، وضحك خافتًا، مسترجعًا ذكريات بداية رحلته.

بعد خروج” رقية”، جلس” سيف “على الأرض، يغرق في دموعه، وكأن كل لحظة فراغ تتسرب فيها ذكريات الألم. لم يهدأ حتى دخل “مهاب” و”يوسف “الشقة، كأنهم جزء من الضوء الذي يقترب ليخرج الظلال من قلبه.

“مهاب “وقف أمامه، عيناه لا تحملان أي قسوة، لكن صوته كان حازمًا وثابتًا:

-“مافيش خروج من هنا لعند لما تتعالج وتتعافي من السم اللي دخل جسمك ده، ويا تقتنع انك محتاج تتعالج وتساعدنا في ده… يا هتتعالج غصب عنك يا سيف.”

“سيف” رفع عينيه متوهِّمًا، محتارًا، غارقًا في الحيرة والوجع. اقترب” يوسف” منه بخطوات محسوبة، صوته صارم وواضح:

-“لو فاكر أننا ممكن نسيبك في اللي أنتَ فيه ونغمي عيونا ونقول إحنا مالنا… فلأ! أنت أخونا يالا، وإحنا مش هنسمح ليك تغرق أكتر من كده. قدامك حلين مالهمش تالت، يا تتعالج…”

“مهاب “أكمل بصوت أهدأ، لكنه لا يقل صرامة:

-“يا تتعالج، وأحنا هنفضل في ضهرك، وعمرنا ما هنتخلي عنك. ولو كنا الفترة اللي فاتت اتشغلنا عنك، فحقك علينا… كل ده عدى وخلص، وهنا دلوقتي إحنا معاك. وعايزينك انت كمان تنسى العالم اللي روحت فيه رحلة ، وترجع تاني تبقى معانا.”

“سيف” تمتم بوجع، ودموعه تسيل بلا توقف:

– “الرحلة دمرتني يا مهاب… دي ماكنتش رحلة عادية، ده خراب حصل جوايا.”

“يوسف” رفع رأسه، أمسك وجهه بين يديه، ونظر في عينيه بقوة، كأنّه يجذبه من آخر نقطة ضوء داخله، وقال بصوت ثابت، يغلب عليه الحنان والصرامة في آن واحد:

-“خراب؟ ماشي يا سيف. اتخرّبت. بس تتعمّر تاني وإحنا معاك.

الخراب اللي جواك مش أقوى منك، ولا أقوى من اللي واقفين حواليك..إحنا مش جايّين نِرقّع جواك،لأ، إحنا جايّين نرجّعك بالكامل ، غصب عن كل حاجة وجعتك..ومهما قلت إنك انتهيت… أنا شايفك لسه قادر تقوم، قوم يا سيف، عشان إحنا مش هنسيبك تقع تاني.”

ظل “سيف” جالسًا على الأرض، ما زالت دموعه تنهمر بلا توقف، لكن شيئًا من الطمأنينة بدأ يتسلل إليه. حضن مهاب، واليد الدافئة ليوسف على كتفه، جعلاه يشعر لأول مرة منذ أيام بأنه ليس وحيدًا أمام الألم، وأن هناك من يقف بجانبه. بدا الألم أقل حدة، والاختناق بدا يخف شيئًا فشيئًا، وكأن الكلمات الحانية الممزوجة بالصرامة فتحت نافذة صغيرة يطل منها الضوء على قلبه المظلم.

جلس يوسف بقربه، ممسكًا كتفه، بينما مهاب ظل يمسح الدموع عن وجهه، ويهمس بين الحين والآخر بكلمات هادئة، توازن بين القوة والحنان، وكأنهما يعلمان أن مجرد وجودهما بجانبه أعظم من أي دواء. سيف أغمض عينيه، وسمح لنفسه بالاسترخاء قليلاً، بينما الصوت الداخلي الذي كان يصرخ في قلبه يهدأ تدريجيًا.

وبعد دقائق من الصمت، اتفقوا جميعًا بصمت ضمني:” سيف” سيبدأ العلاج هنا، في شقة “يوسف”، بعيدًا عن أي إغراءات أو مضايقات، وبإشراف طبي مباشر.” مهاب” تولى الاتصال بالدكتور “حازم”. الطبيب المختص بعلاج الإدمان، ليشرح له الحالة ويطلب حضوره فورًا لإجراء الفحوصات اللازمة.

لم تمضِ ساعة حتى وصل الدكتور” حازم”، رجل في منتصف الأربعينيات، وقور المظهر، عيناه تحملان مزيجًا من الصرامة والطمأنينة. رحّب بهم، ثم ركّز نظره على سيف، بابتسامة هادئة كأنها تقول له: “مش لوحدك بعد اليوم”. بدأ بسحب دم من سيف لإجراء التحاليل، ليتمكن من معرفة نوع المخدرات التي تناولها، وكمية تأثيرها على جسمه ، اعطي عينه الدم للمرض كان معه فذهب لمعمل لكي يُحللها .وحينها جلس الدكتور” حازم “مع سيف، متحدثًا بهدوء بعدما اعطاه دواء لكي يهدأ .

يوسف ومهاب ظلّا يراقبان المشهد، يتبادلان نظرات مطمئنة، يعرفان أن هذه البداية ربما ستكون أصعب لحظة، لكنها كانت البداية الصحيحة. سيف بدأ يشعر أن الحياة أمامه ليست مجرد خراب أو ألم، بل فرصة للعودة، فرصة ليقف من جديد، مدعومًا بالأشخاص الذين يحبونه ويريدونه بخير.

جلس سيف أمام الدكتور حازم، والعيون لا تكذب، ترتجف بين الخوف والاعتراف، بينما جسده ما زال يترنح من أثر الانسحاب. الدكتور” حازم” نظر إليه بهدوء، وصوته ثابت، حازم لكنه غير قاسي:

-“بدأت أمتي يا سيف”

“سيف” خفض رأسه قليلاً، وكأن وزن الكلمات ثقيل على صدره، ثم بدأ يتمتم بصوت مرتجف:

-“أنا… بدأت من حوالي أربع شهور بس… وماكنتش عارف إني بأخد مخدرات أصلاً. كانت مجرد حباية صغيرة للصداع… وأنا اتعودت عليها. كل يوم كنت باخدها على أساس إنها للصداع… وفعلاً كانت بتسكن الألم، بس لو ماخدتهاش في يوم، جسمي كان بيتعب قوي، وكنت بتعصب على أي حد.”

تنفس بعمق، محاولًا تمالك نفسه، ثم أكمل بارتجاف أكبر:

-“فضلت على الحباية دي لشهرين، بعدين إيهاب اداني حبوب تانية نوع تاني، وقال لي ده هيساعدك تركز طول الوقت، هيساعدك تذاكر أكتر، بس الحبوب دي كانت بتعمل حاجات غريبة في جسمي،كنت بفضل صاحي لوقت طويل وفايق، وأوقات بحس إني بسّرح في عالم تاني، وأوقات بحس إني مبسوط وطاير، ودي بقت إدمان فعلًا،كل يوم لازم آخد حبيتين ، لحد اليوم اللي اكتشفت فيه إن أنا مدمن بجد.”

صمت “سيف” قليلًا، ودموعه بدأت تترقرق، عيناه تبحثان عن أي علامة تفهم أو قبول. جسده ما زال يرتجف من أثر الحبوب السابقة، وكل ذكرى كانت تتسلل إليه كصاعقة، بين الألم والحنين لليوم الذي بدأ فيه كل شيء بلا وعي.

يوسف ومهاب جلسا قريبًا، يراقبان بدقة، يشعران بثقل ما كان على سيف، ويعرفان أن مجرد سماعه كلامه بصراحة، كان أول خطوة نحو التعافي، رغم صعوبة الاعتراف.

سأله “حازم ” بهدوء :

-” عرفت إزاي وإمتي ؟”

ارتجف جسد “سيف” وهو يستعيد ذكري ذلك اليوم :

-” الصداع والتعب زاد عليا في يوم أوي ، ويومها كان عندنا امتحان شامل في الفيزياء وأنا أصلًا ماكنتش بحضر الدروس الفترة اللي قبلها ، بس قولت لازم احضر الأمتحان ده عشان المستر قايل انه هيبلغ اولياء الأمور بالدرجة والحضور ، فانا خوفت يكلم رقية ويقولها اني مابحضرش ، فقولت هذاكر بس التعب والصداع كانوا جامديين أوي ، وايهاب كان دايمًا يسيب معايا حبوب من الصغيرة اللي كنت باخدها فالأول فاخدت واحده بس ماعملتش حاجة ، مانا بقيت اخد اللي اقوي منها فهي مابقتش بتأثر ، فلبست ونزلت للمكان اللي بيقعدوا فيه عشان اشوف حل للصداع والحرب اللي في دماغي دي ، يومها دخلت الكافية لقيتهم قاعدين هما التلاتة وسمعتهم .”

وصل إلى المكان الذي اعتادوا الجلوس فيه، حيث التقى بأصدقائه، وسرعان ما سمعتهم يتبادلون الضحك:

اسلام:

– “يعني دلوقتي هو بقي مدمن رسمي بس مش عارف.”

إيهاب بسخرية:

– “هو ده إدمان يا اهبل!! ده لسه في كي جي ون… أنا خايف ادخل عليه بالتقليل ليفرفر مننا.”

رامي بضحك:

– “ياعيني الواد بيجي يقولك زي البيبي حباية للصداع يا إيهاب، أصل دماغي هتنفجر.”

ضحكوا جميعًا بصخب، بينما سيف وقف جامدًا، عيناه تتسعان من الصدمة، جسده يرتجف من الغضب والارتباك. لم يكن يصدق أن ما أخذها على أنه مجرد حبوب صداع قد جعله مدمنًا. اقترب منهم وسحب ايهاب وهو يهزّ ملابسه بعنف، صوته يختلط بالغضب والارتباك:

– “بتضحكوا عليا وخلتوني مدمن! ليه يا أخي… أنا عملت فيكم إيه؟ ومفهمني إنك خايف على مصلحتي طول الوقت وانت بتدمرني؟ أنا كنت مأمن ليك وباخد الحبوب منك على إنها حبوب صداع بجد وانت بتديني سم؟”

“إيهاب” ابتعد عنه، صوته بارد:

-“أنا ماضربتكش على إيدك يا صغير، أنت كنت بتاخد بمزاجك. وبعدين يا حلو، أنت مأمن إيه ومصلحة مين؟ أنتَ مش مصاحب ناس من الجامع! إديك شايف احنا قاعدين فين وانت جيت هنا بمزاجك، وقعدت معانا بمزاجك، شربت بكيفك وخدت الحبوب بكيفك برضه… احنا مش كتفناك وخليناك تدمن غصب عنك.”

“سيف “صرخ:

-“انتوا خدعتوني! وضحكتوا عليا!”

“رامي” ضحك بسخرية:

-“ليه نُغه؟ هنضحك عليه ونشربه حاجة صفره؟ فوق يا أسطي، أنتَ بقيت كده بمزاجك.”

في هذا الوقت بدأ سيف يشعر بالدوخة الشديدة والتعب القاتل، جسده يئن، رأسه كاد أن ينفجر، فلاحظ “ايهاب ” هذه الحاله وقال وهو يجلس ببرود :

-” ويا تكمل بمزاجك، يا تمشي من هنا .”

لم يستطع”سيف” أن يقاوم رغبة جرعة جديدة. نظر لهم والألم يشتد عليه فاستسلم أخيرًا، وجلس معهم، ضعفه بدأ يسيطر عليه، لكنه عرف أنه لا مفر من مواجهة الحقيقة ، ومن وقتها كان قد تناول بالفعل الحبوب، وشرب السجائر التي كانوا يلفونها له، وكان يشارك معهم في أشياء لم يكن يفهمها تمامًا، وكل ذلك أصبح جزءًا من روتينه المدمر. آخرها كانت البودرة التي أخذها قبل يومين فقط، وما زال تأثيرها يختلط بأحاسيسه ويجعل جسده في حالة اهتزاز دائم.

كان يحكي و جسده متعب، قلبه مضطرب، لكنه لأول مرة شعر بضرورة الاعتراف لما حدث، وبدأ يشاركهم بما حدث بالفعل، صوته مختلط بالارتباك والدموع، وعيناه تبحثان عن أي أمان وسط هذا العالم الذي بدا فجأة كله خارج سيطرته. بعد أن توقّف صوت سيف، وبقيت كلماته معلّقة في الهواء كأنها اعتراف خرج من أعماق قلبه لأول مرة، جلس الدكتور حازم في هدوء. كان ينظر إلى سيف نظرة لم تكن تحمل لومًا ولا استنكارًا، بل شيئًا أثقل… مزيج من الفهم واليقظة الإنسانية.

اقترب قليلاً، ثم قال بصوت دافئ، منخفض، كأنه يخاف أن يوقظ داخل سيف شيئًا موجوعًا:

-“خلصت؟”

هز سيف رأسه بتعبٍ يشبه الانكسار.

تنفّس الدكتور بعمق، وأسند يديه فوق ركبتيه، ثم قال برفق:

-“طيب اسمعني بقى، من غير ما تتكسف،ولا تخاف.”

رفع “سيف” عينيه نحوه، وكأن شيئًا خفيًا داخله يريد التعلّق بأي أمل.

ابتسم الدكتور ابتسامة بالكاد تُرى، ثم قال:

-“أول حاجة، اللي انت حكيتوا ده يدل على إنك مش ضعيف… بالعكس، الضعيف هو اللي يكمّل الكدب على نفسه..واللي استسلم خلاص مش بيحكي… انت حكيت وحاسس بالغلط اللي أنتَ فيه، ودي أول خطوة في العلاج عندي.”

أكمل الدكتور:

-“بص يا سيف، جسمك اتحطّ في دائرة اسمها الاعتماد.

اتعود على مادة، مهما كانت، حبوب، بودرة، سجاير مُركّبة… مش مهم الشكل، المهم إن دماغك صدّقت إنها الحل.وأنا بقى دوري إني أفكّ التصديق ده.”

مال للأمام أكثر، وكأنه يكلّمه من مكان أقرب لقلبه من أذنيه:

-“العلاج مش إنك تبطّل بس، العلاج إنك تفهم جسمك بقاله شهور بيصرّخ ليه،تفهم خوفك ورغبتك…والفراغ اللي جواك واللي خلاك تمسك أول حاجة تُطفي الوجع.”

نظر له ” سيف ” باهتمام فقال الدكتور بحزم دافئ:

-“إحنا هنمشي في العلاج على تلات مراحل الخطوة الأولى، هي إنك تبقي عايز من جواك أنك تتعالج ، تبقي مصدق إنك محتاج مستعدة وتسمحلي أساعدك ،إحنا هنسحب السم من جسمك تدريجيًا، نخليه يهدأ بالراحة بعدين نفكك أي فكرة أو رغبة اتربّت فيه.

في المرحلة دي، هتحس بتعب.. صداع… قلق… أحيانًا غضب و ده طبيعي. كل ده إشارات إن جسمك بيرجع يشتغل زي ما هو بس بطريقة صح بالطريقة اللي ربنا خلقنا بيها ، بس مش هتبقى لوحدك

أنا هتابعك ساعة بساعة،ومهاب ويوسف هنا.. مش هيسيبوك لحظة.”

رمق سيف بنظرة تشجيع واكمل شرح له :

-” بعد كده يابطل جسمك هيبقي رجع إلي حد ما طبيعي ووقتها نقدر هنعالج دماغك، نصلّح الرسائل اللي اتشوّهت فيها.

هنتكلم كتير،هتفهم نفسك… ويمكن تكرهها شوية، بس بعدين هتسامحها.”

سيف شعر بارتعاشة خفيفة في أصابعه.

-“أما المرحلة الأخيرة دي بقي ، ودي أهم مرحلة،إنك ترجع تبقى إنسان طبيعي،تصحى من غير ما تفكر في حتة حباية،وتنام من غير قلق،وتبصّ في المراية وتقول أنا رجعت”

ساد الصمت قليلاً، ثم قال الدكتور بصوت منخفض لكنه ثابت:

-“وعشان أكون واضح معاك الطريق ده مش سهل.

فيه أوقات هتضعف،وأوقات هتكرهني… وأوقات هتفتكر صحابك والسكة اللي ضيّعتك، و مش مطلوب منك تكمل النهاردة كله . خطوة صغيرة… بس خطوة… كل يوم هتحس بتحسن بسيط… ومع كل تحسن، هتكتشف إنك أقوى من أي حاجة تحاول تحطك تحت.”

“سيف “رفع رأسه وفي عينيه شعور جديد خليط من الخوف والرجاء.

ابتسم الدكتور وقال:

-“وانا… مش جاي أنقذك،أنا جاي أعلمك تنقذ نفسك..

جاهز نبدأ؟”

قال ” سيف” بإصرار :

“أيوه… مستعد.”

مرّ خمسة عشر يومًا كأن الزمن فيهما بلا ملامح. كل لحظة امتداد لوجع، وكل يوم امتحان جديد بين سيف ونفسه.

لم تكن المعركة ضد مادة كيميائية فقط… بل ضد ذاكرة، وضد رغبة، وضد خوفٍ .

كان الليل ثقيلاً، والهواء في الشقة كأنه يحمل توترًا ملموسًا.

جلس سيف على السرير، جسده كله يضطرب، وعرق بارد يتجمّع على جبينه.

“مهاب ” وقف امامه وهو يعطيه الدواء :

-“يلا يا سيف خد الدوا.”

“سيف” هز رأسه بعنف، ودموعه تتساقط بدون صوت:

-“مش قادر… والله ما قادر… جسمي بيوجعني… ريّحني يا مهاب، ريّحني بس… هاتلي منه… حتّة صغيرة بس.”

“يوسف” قال بصرامه:

-” لأ يا سيف، مافيش رجوع. خد الدوا.”

قال “سيف ” ببكاء وألم:

-“ليه؟ ليه الوجع ده؟! ده أنا جسمي زي النار! آه يا يوسف!”

جلس “يوسف” بجواره وربت علي ظهرة ،وقال بصوت هادئ رغم دموعه:

-“استحمل ده طبيعي، صدّقني طبيعي. أول كام يوم دول أصعب حاجة، بس هتعدّي.”

“سيف” في لحظة يفقد السيطرة ويصرخ:

-“مش هتعدّي! أنا حاسس إني هموت! إنتوا مش فاهمين!”

أقترب منه “مهاب ” ومسك وجهه بقوة وقال بصرامه:

-” فاهمين، بس والله لو رجعتله تاني، هتموت بجد.”

أخد” سيف “الدواء بالعافية… ونام بعدها تحت أنفاس متقطعة كأن كل نفس يقتطع من روحه جزء

في اليوم التالي، جلس الدكتور حازم أمامه. كانت نظرات الطبيب ثابتة، فيها صبر طويل، ونبرة تشبه يدًا تربت على كتفٍ منكسر.

قال الطبيب بهدوء:

-“حاسس بإيه دلوقتي يا سيف؟”

تنفس” سيف” بعمق، لكنه لم يجد الكلمات.

تردد… ثم قال بصوت متقطع:

-“حاسس إن جسمي عايز حاجة ومخّي عايز يهرب وكل حاجة بتوجع، حتي النفس اللي بتنفسه بيتعب .”

أومأ الطبيب ببطء، وقال:

-“ده طبيعي. جسمك بيفكّك السلسلة اللي اتربط بيها. دي علامات انسحاب بس الانسحاب مش موت..الانسحاب ولادة جديدة، بس ولادة من غير بنج.”

اغرورقت عينا” سيف “بالدموع، وقال بضعف:

-“أنا تعبان.”

ابتسم الطبيب ابتسامة صغيرة، وقال:

-“التعب ده طريق النجاة..أنتَ لسه في أول الطريق… الطريق اللي بيرجعلك نفسك. ولسه عندك فرصة ذهبية، لأنك ماوصلتش للمرحلة اللي المريض فيها بيخسر روحه وصحته وسنينه،أنتَ وقفت بدري، وده معناه إن شفاءك مش مستحيل… بالعكس، قريب.”

رمش “سيف “بعينيه، كأنه يسمع لأول مرة كلمة “قريب”.

وذات ليلة، اشتدت عليه الآلام حتى كاد يصرخ. كان يتحرك في الغرفة كأن الأرض تلسعه. يفتح النافذة، يغلقها، يجلس، ينهض، يمشي ثم يعود إلى السرير.

دخل” مهاب “سرعًا عندما سمع حركته

قال “سيف” بصوت حاد مرتجف وهو يتمسك بسكينه حادة كان يضعها في غرفته بدون علم مهاب أو يوسف:

-“هاتلي حاجة أي حاجة أنا مش قادر رجلي بتترعش دماغي بتولّع يا مهاب والنبي هاتلي…”

اقترب “مهاب” منه وسحب السكين من يده ووضع يديه على كتفيه لإيقاف اهتزازه:

-“بُصّلي يا سيف بُصّلي كويس،إحنا مش هنرجّعك لورا.

انت فاهم؟ مش هاترجع لورا.”

قال “سيف” بألم:

-“عايز أرتاح، مش أكتر…”

اقترب” يوسف” منه، وصوته منخفض لكنه حاد:

-“الراحة اللي بتدور عليها مش موجودة في اللي انت فاكره.

بس تعرف فين؟

في اليوم اللي تقوم فيه الصبح… من غير ما تحتاج حاجة.

في اليوم اللي ترجع فيه رقية تشوفك راجل،مش ولد بيجري من وجعه.”

ارتجف سيف…

وارتفعت زفرته الثقيلة.

وقال بصوت مكسور:

“أنا خايف…”

رد “يوسف “بهدوء:

-“كلنا خايفين معاك… بس إحنا مش سايبينك.”

في نهاية الأسبوع الثاني، عاد الطبيب لزيارته.

جلس الثلاثة: سيف، مهاب، يوسف.

لكن الدكتور ركّز نظره على سيف فقط.

-“حاسس بإيه النهارده؟”

تنفس “سيف” ببطء وقال:

-“الوجع أقل من الأول، بس لسه في خوف.”

أومأ الطبيب:

-“الخوف بيكمّل العلاج مش بينقضه، أنتَ دلوقتي قطعت أكتر مرحله خطيرة،جسمك بيتنضّف،عقلك بيرجع يشوف،والألم اللي حسّيته ده مش ضعف. ده دليل إن جسمك لسه عايش.”

أغمض سيف عينيه بتأثر،فكأن الكلمات تلمس قلبه لا أذنيه.

أضاف الطبيب بنبرة أعمق:

-“وهقولك حاجة،كتير بيفلتوا منّا في المرحلة دي،لأنهم بيبصّوا ورا مش قدّام..بس أنتَ رغم إنك في عز التعب مارجعتش.

وده مش طبيعي ده إنجاز..وصدقني يا سيف بعد فترة هتبص لليومين دول وتقول دول كانوا بداية إنقاذي.”

عاد سيف من ذكرياته مسح دموعه بظهر يده كأنما ينتزع من وجهه آخر أثرٍ للانكسار. ثم رفع عينيه نحو مهاب ويوسف، وكانت النظرة مختلفة تمامًا عمّا كانت عليه قبل دقائق؛ نظرة امتلأت بعزمٍ جديد يشبه بدايات شروقٍ خجول.

قال بصوتٍ ثابت رغم الرجفة الخفيفة فيه:

-“أنا هتعالج وهخف ومش هرجع للطريق ده تاني.

مش هرجع لطريق خسرني ديني ونفسي وإخواتي.

أنا هتعافى ومش هبقى عبد لمخدر ولا لإيد بتحركني زي ما هي عايزة…هارجع لنفسي… والله هارجع.”

كان الصمت ثقيلًا لثانية… قبل أنّ يقطعه” مهاب “بحماسٍ صادق، وقد اتسعت عيناه فخرًا:

-“بطل أقسم بالله بطل.”

ولم يتأخر “يوسف” لحظة، بل أشار إليه بفخر مصطنع مبالغ فيه ليضحكه:

-“فخر حارة البراق والانحاء المجاورة.”

ضحك سيف من وسط دموعه… ضحكة صغيرة، لكنها كانت بالنسبة لهم معجزة شفاء.

لكنّ الضحكة لم تدم طويلًا، إذ ارتفع صوت حاد من خلف باب الشقة:

-“افتح يا صايع انتَ وهو! صوتكم واصل لآخر الشارع! أومال لو مش صايمين كنتوا عملتوا فينا إيه؟ افتح يا لاااا!”

نظر “مهاب” نحو الباب، ثم قال ليوسف وهو يقوم متجهًا لغرفته:

-“ماعرفش ليه يا أخي حاسس إن أمّك مش طايقانا!”

رد “يوسف “وهو يذهب ليفتح الباب بنبرة ساخرة واضحة:

-“حاسس؟ لا يا بيبي اتأكد. دي فعلًا مش طايقانا.”

فتح “يوسف” الباب فشهقت “سميّة” بمجرد أن رأته.

رفعت الصينية التي تحملها وقالت بصدمة:

-“طالعلي مَلِط يا ابن سميّة؟ يا بختك في ابنك يا سميّة! قالع هدومك ومعاك شباب في الشقة؟ أمسك! أمسك!”

ألقت الصينية في يده بعنف، فوقف “يوسف “مذهولًا، فاغر الفم وهو ينظر لنفسه ، فكان لا يرتدي سوي بنطال فقط .

دخلت سميّة الشقة قبل أن ينطق، فوقعت عيناها على المشهد الكامل

مهاب جالس على الأرض بفانلة سوداء وسيف مائل على جانبه، رأسه مستند على رجل مهاب، وهو بدوره يرتدي شورتًا وفانلة.

رفعت يدها على صدرها وقالت بصوتٍ يشبه كتمة مصيبة:

-“ياحوستك يا سميّة في العيال اللي مربياهُم!طب هو سافل… وأنا عارفاه!”

وأشارت إلى” يوسف” الذي وضع الصينية على الطاولة وقد بدأ يضحك.

ثم نظرت إلى” مهاب” بدهشة مصطنعة وقالت:

“لكن إنتَ يا عاقل يا محترم تقعد كده من غير هدوم وسط شباب سَفَلة زي دول؟”

انفجر “مهاب “ضاحكًا بصوت عالٍ:

-” غير هدوم إيه؟ مانا لابس أهو! وبعدين والله يا سميّة، أنا قومت لبست الفنلة دي علشان أنتِ داخلة.لو مش أنتِ كنت فضلت من غيرها، كفاية البنطلون!”

شهقت بصوتٍ أعلى:

-“يالهوووي عليّ وعلي سفالتكم يا عيال!وقاعدين من غير هدوم… بتعملوا إيه يا سَفَلة؟”

اقترب” يوسف” منها وهو يضحك:

-“خلاص خلتينا ألوان يا سميّة؟فضحتينا وسط الحارة يا وليّة؟

ده احنا حتي في رمضان!”

دفعت وجهه بعيدًا بيدها وهي تُحدث “سيف” :

-“وانتَ يا أستاذ! قاعدلي بشورت وفنلة؟فاكر نفسك بتصوّر فيلم ياالا ولا إيه؟قوم يا أخويا من عَلي رجلُه، قوم!”

فتح “سيف “عينه نصف فتحة وقال بكسل ساخر أفرحها:

-“مهو لو ابنك بيصلّح التكييف، مش هنقعد ببدل يا سوسو.

وبعدين مافيش حد غريب، إحنا أسرة في بعضينا.”

-“أسرة واطية!”

كانت جملة يوسف العفوية، وانفجر الثلاثة بعدها في ضحكٍ مرح،

ضحك نسف ثقل الأيام الماضية كلها.

جلست سميّة، وضعت الصينية أمام سيف وقالت بنبرة أمٍّ حنونة تختبئ تحت قشرة الهزار:

-“قوم كل ده كله عشان تقدر تُصلّب طولك.”

حدّق” سيف” فيهم بصدمة:

-“بتهزروا؟! النهاردةأول يوم رمضان!ولا هو مجاش عندكم يا جدعان؟أنا صايم!”

اتسعت عينا” مهاب “في رعب مصطنع:

“صايم؟ يا نهارك فُل؟أنتَ ماخدتش الدوا أول ما صحيت يا .”

هزّ “سيف” رأسه:

-“لأ… أنا صايم.”

“يوسف” قال بهدوء :

-“لا يا سيف الدكتور حازم قال لأ،في دوا لازم يتاخد… وفي أكل لازم يدخل جسمك..إحنا في بداية الأسبوع التالت ولسه جسمك ضعيف،والصيام هيكسر عليك العلاج.”

فتح سيف “فمه” ليعترض، لكن “مهاب” أشار بإصبعه وقال بنبرة حازمة لا تحتمل نقاشًا:

-“ولا كلمة،ما تفرحش بقوة كام ساعة،أنتَ محتاج تكمل على خير، والتحاليل بتاعة امبارح بتقول جسمك لسه ضعيف.وربنا مدّيك رخصة،عدّي الأسبوع ده وبعدها نشوف الدكتور هيقول إيه.”

تنهّد سيف واستسلم بصمتٍ واقتناع.

فابتسمت “سميّة” وقالت:

-“كُل يا حبيبي وخد دواك ربنا يهونها عليك يا قلبي.”

ابتسم لها بسكينةٍ نادرة.

قال “مهاب” وهو يتكئ بابتسامة:

-“هتفطريني إيه النهارده يا سوسو؟”

نظرت له بازدراء مصطنع:

-“فطار؟ أنتَ مش هتروح تفطر في داركم يا واد؟”

ضم ذراعيه وقال بضحك:

-“وأسيب أكلك اللي مافيش منه؟لا يا أخت سميّة أنا قاعد على قلبِك النهاردة.”

غمزته بخبث وقالت:

-“يعني مش علشان هي وأخواتها بييجوا يفطروا عندي في رمضان، صح؟”

انفجر “يوسف” ضاحكًا:

-“واحد صفر لسميّة.”

رمقه”مهاب “نظرة تهديد كوميدية وقال لها:

-“وماله يا حماتي هنعزمِك عندنا يومًا ما بإذن الله.”

التفتت إليه بنظرة قرف:

-“حماتي مين يا شحط؟ ده أنتَ حتي ولا طايل منها كلمة يا عبيط ،

وبعدين اتلحلح شوية.. عيال عايزة الحَرق بالله.”

خرجت وهي تتمتم، فأغلق يوسف الباب ضاحكًا:

-“جنّنا الست كانت هادية ، بس يلا نصيبها بقي”

نظر” مهاب” إليه باستغراب:

-“أمّك بتقولي اتلحلح؟طب أتلحلح أكتر من كده إزاي؟ده أنا قربت أبيّض !”

جاء صوت” سيف” فجأة من وسط الأكل:

-“طب ما تبيّض.”

استدار الاثنان له مصدومين، ثم انفجرا ضاحكين.

وقف “مهاب “ببطء، بملامح تهديد هزلية:

-“والله؟ده احنا هنفوق على راسي بقى؟ أنا فاكر إني قلتلك وغلاوة اختك لربّيك من أول وجديد،ومزاجي غاوي تربية دلوقتي.”

نهض “سيف” بسرعة وهو يصرخ ضاحكًا

جرى أمامه، ومهاب يجري خلفه، والشقة تمتلئ بالصوت والمرح،

حتى توقف” سيف” ليلتقط أنفاسه، ورفع يده مستسلمًا:

-“خلاص خلاص أنا اللي هبيّض!”

ضحك “مهاب” وضمه من كتفه وقال:

-“حمدلله على سلامة البدايات.”

“سيف” رفع حاجبه:

-“بدايات إيه؟”

“يوسف” ضمّهما هما الاثنين وقال بحماس:

-“بدايات رجوع سيف المهدي… حبيب الملايين!”

وكانت تلك اللحظة وحدها… كافية لتشبه شفاءً لا يُكتب في روشتة.

……

أنا العبدُ المُقرّ بكل ذنبٍ .. وأنت السيّدُ المَولَى الغفورُ

فإن عذّبتَنِي فبسوء فِعلِى .. وإن تغفر فأنت بهِ جديرُ

أفرُّ إليك منك .. وأين إلاّ إليك يفرّ منك المُستجير

……….

كان رمضان قد دخل الحارة كضيفٍ عزيزٍ يعرف طريقه إلى القلوب قبل البيوت. لم يكن مجيئه ضوءًا ولا رائحةً ولا نسيمًا فحسب، بل كان حضورًا يوقظ في النفوس ما خبّأته الأيام من شوقٍ ونيةٍ ورجاء. وكل صباحٍ من صباحاته الأولى يشبه يدًا ربانية تربّت على قلب الإنسان قائلة:

“هنا تُصفّى الروح… وهنا تُغفر الخطوة… وهنا يولد المرء من جديد.”

وفي بيت رقية، كان لهذا الصباح مذاق آخر؛ سكينة دافئة تتسلل إلى الأرواح قبل الجدران، وتنهّدات خفيفة تقول إن القلوب تستعد لرحلة تغيير لا تشبه أي رحلة أخرى.

استيقظت رقية قبل الظهر بساعة، أدّت صلاة الضحى ثم جلست تقرأ القرآن، صوتها منخفض لكنه ثابت، كأن كل كلمة تجد مكانها الطبيعي داخل قلبها. وما إن ارتفع أذان الظهر حتى توقّفت، أغمضت عينيها برهة… وكأنها تسلّم قلبها لله من جديد

بعد دقائق، استيقظت نور ثم هنا، وتلاقت نظرات الأخوات الثلاث، تتقابل ابتساماتهنّ كما تتلاقى قطرات الندى حين يجمعها ضوء الشمس.

جلست “هنا” وهي ترتّب طرحتها، قائلة بإحساس صادق:

“بصّوا بما إن رمضان جِه، أنا ناوية السنة دي أبطل أغاني فيها مزيكا خالص. حاسّة إن المزيكا بتعمل غشاوة كده على قلبي، وكل ما أفتح المصحف بحسّ إن الكلام مش داخل زي زمان. فاهمين؟ كإن قلبي مش صافِي.”

لم تستنكر “رقية” كلامها، بل ابتسمت بلطف:

-” عندك حق ، هي بتعمل كده فعلًا ، بتدخل للقلب زي السم اللي محطوط في طبق كيك ، شكله حلو ، وطعمه جميل ، وبيخليكِ تستمتعي لدقايق ، بس هو في الخلفية بيقتل وانتِ مش حاسه .”

مالت “نور” للأمام بحماس:

-“وأنا نفسي أسمع تفسير لسور كتير، يعني أنا دايمًا بختم القرآن في رمضان، بس عمري ما فكرت أعرف تفسير الآيات أو أسمع حتى تفسير جزء واحد، بالرغم إنه بقي متاح وبسهولة جدًا تسمعي وتتثقفي في دينك، بس ما كنتش بعمل كده. فبإذن الله ناوية رمضان ده، مع الختمة، أسمع تفسير جزء واحد على الأقل من القرآن، عشان القرآن يسكن قلبي أكتر وأكتر.”

رقيّة ابتسمت لهم بعمق، وقالت:

-“الله يثبتكم على الطريق، ويجعل رمضانكم فرصة لتقوى قلوبكم ونقاء نفوسكم.”

“هنا “نظرت إليهم بغمزة مازحة:

-“طب وأنتِ بقي يا شيخة روقا ناوية على إيه؟ يعني اللي احنا قولناه دي انتِ ما شاء الله بتعمليه، حفظ وقربتي تختمي، تفسير وبتقرأي وتتعلمي، ميوزك مافيش، واخرك كرتون، صلاة في وقتها ومنتظمة و…”

ضحكت “رقية” بخفّة وأضافت:

-“حيلك حيلك، الله أكبر الله أكبر.”

” هنا “ضحكت وقالت:

-“مش بحسد يا روقا والله.”

“رقيّة “بحنان:

-“عارفة يا نور عيني، بس رقية مليانة عيوب برضه يا هنا، واللي بعمله ده الطبيعي، ده الأساس أصلًا. أنا كده مش شيخة، أنا مسلمة عادية، بتعمل الواجبات اللي عليها، وطمعانة أدخل الجنة برحمة ربنا مش بأعمالي أبدًا، رمضان فرصة عشان تقربي من ربنا أكتر ، فامسكوا فيها بقي وجمدوا كويس ، وربناهيساعدكم .”

قالت “نور ” بابتسامة:

-” أنا بحبك أوي يا رقية وبحب كلامك .”

“رقية “وهي بتحضنه:

-” وأنا بعشقك يا مفعوصة أنتِ وهي ، يلا قوموا شوفوا هتعملوا أيه لعند لما العصر يأذن ، عشان هتروحوا تساعدوا خالتكم في تجهيز الفطار وأنا هنزل المطعم .”

……….

حين فتحت رقية أبواب المطعم، دخلت مع ناهد، وكانت أشعة الشمس تتسلل بخفة إلى الداخل، لتلقي بظلالها على الطاولات المرتبة والأرضية . كان المكان يبدو هادئًا.

“ناهد”، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الانزعاج، قالت متزمرة:

-” بالله ماعارفه احنا بنفتح أول يوم رمضان ليه؟ نص الشعب لا عازم لا معزوم، وعاملين محشي يا ست انتِ!”

ابتسمت “رقية” متأملة تعبيرات وجهها، وأحست بطغيان روح مرحة صغيرة داخل صديقتها، فقالت وهي تجلس على كرسي:

-” هنبدأ صياح بقي على العصر؟ اهدي يا ناهد احسن يطقلك عرق وانا بصراحة لسه محتاجاكِ.”

رفعت” ناهد” حاجبها بفضول واستغراب، وقالت:

-” محتجاني في ايه يا ست رقية ياللي ممرمطة اللي جابوني؟”

ضحكت “رقية” بخفة، وقالت:

-” يا وليه يا مفترية، هو انا شوفت اللي جابوكِ أصلًا؟ أنا مرمطاكِ انتِ بس.”

تمثّلت” ناهد” بطريقة مسرحية، وقالت:

-” اشُق هدومي منك يا بنت المهدي؟”

ردّت “رقية” بجدية مزيفة:

-” عيب، اختشي يا ست هانم، احنا نعتبر في الشارع لما تروحي ابقي شُقي براحتك.”

نظرت لها “ناهد ” بصمت فرفعت “رقية “صوتها بهدوء لتوضح الخطة:

-” خلاض ماتزعليش أولاً يا ستي، احنا فاتحين عشان زي ما انتِ شايفة كده المطعم حالته تسد النفس بعد السحور، وكل حاجة في مكان مختلف، فاحنا عايزين نروقه ونرجع كل حاجة مكانها ونجهز شوية حاجات لبليل.

ثانيًا، بقي يا اخت ناهد، في شعب في النص ماحكتيش عنه؟ الشعب اللي مش معزوم لأنه وحيد وماعندوش حد يعزمه، وفي اللي مش عازم عشان حالته ما تسمحش بكده، ومش كله عامل محشي وبط،والليلة الكبيرة اللي بنعملها دي، زي ما في بيوت هتبقي محتارة تعمل أصناف إيه النهاردة، وفي بيوت برضو هيبقوا مش عارفين يفطروا إيه. مش حيرة من كتر الأصناف لأ، ده حيرة من قلة الفلوس والحال البسيط، وأبسط حاجة هيجبوها فول وفلافل، فامنجيش احنا كمان نسد الدنيا في وشهم ونقفل.

وأضافت” رقية”، وقد اتسع ابتسامها قليلًا:

-” وبعدين يا حبيبتي أنا أكل أحلي من مليون بطاية أم 500 جنية دي .”

ضحكت ” ناهد” وقالت بحب:

-” بحب حنيتك رغم قسوة الدنيا معاكِ يا رقية. قلبك لسه نضيف رغم أنه لو كان اتوسخ ماكنش حد هيلومك.”

ابتسمت “رقية” وقالت بهدوء:

-” مافيش حد بيبقي عايز يوسخ قلبه ، في ناس بتتأذي فبتأذي وهي فاكرة ان هي كده بتنتقم لنفسها بس الحقيقة هي بتنتقم من نفسها ، وفي ناس بتأذي لمجرد الأذى هما مرضي بيستمتعوا بده ، وفي ناس عارفة ان الأذي محطة ولازم كلنا نمر بيها ، بس ماينفعش نكرر اللي حصل معانا مع غيرنا ولا نمشي في سكه غلط ونرمي اللوم علي الظروف والناس، وبيبقي في أيدينا الأختيار في الأخر ..

قفزت من مكانها بحيوية وقالت:

– “يلا بقي نشتغل عشان نلحق نخلص، وأروح عند خالتو.”

ضحكت “ناهد” وقالت:

-“يلا يا أحلى شيف في الدنيا.”

ابتسمت رقية، وشرعت الاثنتان في عملهما، فيما كان صوت التواشيح يملأ الخلفية، متناغمًا مع خطواتهما.

….

كان البيت في حركة غير معتادة، والحديقة تعج بالعمال الذين يكدّون لضبط السفرة الكبيرة، التي ترتص عليها أصناف الطعام بأشكالها المختلفة، بينما تتردد أصداء أذان المغرب في الخلفية. واقفًا عند مدخل الحديقة، كان محسن المهدي يرتدي بدلة غالية وشيك، ووفاء إلى جانبه، بفستان راقٍ يكشف عن ملامح من جسدها، ومرصع بالمجوهرات البراقة. استقبلوا الضيوف الذين اعتادوا على الحضور كل عام في أول يوم من رمضان، وهم شركاء عمل كبار، يظهرون للعالم بمظهرٍ نظيف ومرتب. كان من بينهم ثلاثة رجال مع زوجاتهم.

“محسن” استقبل أول الضيوف بحرارة، مصافحًا عاصم باشا وقال:

-” عاصم باشا اللي مشرفنا، نورت يا باشا أنت ومدام نهي.”

ضحك “عاصم “وقال:

-” ده نورك يا محسن.”

“نهي”، زوجة عاصم، صافحت وفاء:

-“نورك ونور وفاء هانم يا محسن بيه.”

ثم جاء الزوجان الثانيان: “حاتم” وزوجته” سمر”، والثالثان:” فريد” وزوجته “فاتن”. “وفاء” قالت بابتسامة متكلفة:

-” اتفضلوا يا جماعة، الأكل جاهز.”

اتجهوا جميعًا إلى السفرة، جلس محسن على رأس الطاولة، ووفاء بجانبه على اليمين، وقصادها فريد وجانبه زوجته فاتن، وجانبها جلست نهي مع عاصم إلى جوارها، ومن ناحية وفاء جلس حاتم وزوجته سمر.

“محسن” نظر إليهم وقال:

-” اتفضلوا، ابدأوا يا جماعة.”

بينما بدأوا يأكلون، أمعنت نهي النظر في طقم المجوهرات الذي ارتدته وفاء وقالت بدهشة، ونبرة حقد مخفية:

-” ده طقم جديد يا وفاء؟ ده كله ماس ماس صح؟ .”

“وفاء” ابتسمت بخفّة ورفعت يدها لتلمس عقدها، مظهرة غرورها:

-” آه يا نهي، لسه جايلي من باريس من يومين بس ، عجبني فطلبته علي طول .”

“حاتم”، الذي كان يجلس بجانب سمر، علق بضحكة خافتة:

-” وفاء دايمًا بتعرف بتبهري الناس وتجيب الحاجة اللي عينها تقع عليها.”

“فريد”، بابتسامة متكلفة، قال:

-” المهم إننا نعرف نعمل الشغل اللي عينيا عليه صح ومن غير أي غلطة .”

“محسن”، وهو يلتفت إليهم بنظرة تغلبها الكبرياء:

-“ما تقلقوش، كله تحت السيطرة، شغلنا مظبوط علي المسطرة ونضيف .”

نهي، بحنق مخفي، تهمس لزوجها:

-” هنقضيها شغل بقي وغرور ،”

قال “عاصم ” :

-” بس الحفلة بتاعت أخر مرة كانت حوار ! المظهر العام فيها خلي الكل يعرف إننا رجعنا بقوة .”

قالت زوجته :

-” بس كانت مبالغ فيها أوي يا عاصم ، المظاهر اللي بتحكي عليها دي كانت زيادة حبتين علي الشغل .”

“وفاء” ردت بابتسامة منمقة:

-” طب ما ده شغلنا، والمظاهر جزء من اللعبة.”

رغم الضوضاء والغرور الذي يملأ أركان البيت، وصخب الحديث عن المال والشغل والظهور أمام الضيوف، كان في أعلى الطابق عالم آخر، عالم هادئ بعكس كل ما تحت، عالم ينتمي لقلب زين المهدي البرئ، الذي جلس بمفرده في غرفته منتظر الفطار. دخلت عليه الدادة فتيحة بحلةِ من البشاشة، صينية في يديها تحمل أصناف الطعام التي يعرف أنه يحبها، ووجهها يشع دفئًا وحبًا، مختلفًا تمامًا عن جدّية وغرور من حولها

“قالت” وهي تضع الصينية أمامه:

-“يلا يا زين باشا عشان تفطر، عملتلك كل الأكل اللي بتحبه.”

رد هو باحترام، ممزوج بامتنان صادق:

-” تسلم إيدك يا داده فَتِيحة.”

اقتربت منه بحنان، تربت على كتفه بهدوء:

-” بس يا حبيبي، مش كنت تنزل تفطر معاهم تحت بدل ما تقعد لوحدك كده؟”

ابتسم” زين “بابتسامة بسيطة، وعيناه تلمعان بالبراءة:

-لا لا، مابجبش الجو اللي تحت ده، بيفضلوا يتكلموا في الشغل والفساتين والفلوس وكلام غريب أنا مابفهموش، وبتخنق بصراحة. أنا هشغل حاجة، أسمعها وافطر بمزاج.”

ابتسمت له الدادة، وفهمت براءته وحبه للبساطة رغم نشأته وسط برّاق مظاهر وعالم مزدحم بالغرور:

-” ماشي يا حبييي، كمل أكلك على مهلك، ولما تخلص نادي حد يجي ياخد الأكل ويجبلك شوية حلويات، يستاهلوا بوقك.”

أجابها بابتسامة صافية:

-” ماشي يا ست الكل.”

ذهبت هي وجلس زين، وهو يمسك التاب الخاص به، وقال وهو يضحك بخفة:

-” طب الواحد يشغل ماتش ولا يشغل الشيخ أمجد يروق باله كده؟ نشغل الشيخ أمجد يرزعنا كلمتين يفوقونا.”

وبالفعل، بدأ يشغل محاضرة دينية، واستمع إليها باهتمام، يأخذ من الكلمات نورًا داخليًا، وكأن كل جملة تغرس في قلبه حبًا للخير والهدوء والحق.

هنا، في هدوء غرفته، كان واضحًا أن التربية القاسية أو الجو المحاط بالمظاهر لا يعنيان بالضرورة أن يخرج الإنسان بنفس السمات. فزين، على الرغم من كل ما يراه حوله من غرور وخداع ومظاهر زائفة، ظل قلبه نقيًا، متعاطفًا، وفاهمًا أن الخير لا يُقاس بالمكان الذي وُلد فيه أو بالأشخاص الذين كبر بينهم، بل بالإرادة والنية الصافية، وبالقدرة على أن يختار المرء طريقه بنفسه بعيدًا عن سموم العالم.

……

حين نزل مهاب من شقة يوسف عائدًا إلى بيته لتناول الإفطار، وجد أمام باب الشقة إبراهيم، والد يوسف، جالسًا على كرسيه المتحرك يقرأ القرآن بخشوع.

نادى” إبراهيم” بصوت حنون، ممزوج بالمرح:

-” حيلك حيلك يا هندسة، رايح فين كده؟”

اقترب” مهاب” وجلس أمامه على ركبته، وقبّل رأسه باحترام، قائلاً بابتسامة:

-” رايح بيتنا يا سيدي، ولا عشان قعدت عندكم أسبوعين هنسي بيت البراق؟”

رد “إبراهيم” بعينين مشرقتين ووجه دافئ:

-” بيت مين يا خويا؟ انت هتفطر معانا النهاردة، دي سميه بتعملك مخصوص الملوخية اللي بتحبها.”

ضحك” مهاب” بخفة، وأمال رأسه قليلاً نحو إبراهيم:

-” كنت عارف إن قلبها حنين والله، بس انت عارف إننا كلنا بنتجمع على الفطار النهاردة، ومش حلوة مني إني مابقاش موجود، فلازم اروح حالًا.”

في تلك اللحظة، ظهرت “سميه” على باب الشقة، بابتسامة وحنان:

-” انتَ رايح فين يا واد؟ مش قولنا هنفطر مع بعض؟”

أجابها” مهاب” بغمزة خفيفة:

-” مافي واحدة زعقتلي من كام ساعة، فقولت بيتنا أولي بيا.”

“ابتسمت” بحنان، ويدها تشير إليه ليجلس:

-“بهزر معاك يا هوبا! اقعد بقي افطر معانا.”

رد بهدوء، وفي عينيه براءة مختلطة بالمسؤولية:

-” نفسي والله بس لازم اروح، مرة تانية بقي.”

نظر إليه” إبراهيم” بعينين دافئتين وقال:

-” بأذن الله، هنروح من بعض فين يعني؟ سلملي على أبوك.”

“مهاب”، وهو يبدأ نزول السلم:

-” يوصل يا غالي.”

ضحكت” سميه” بخفة:

-“واد يا مهاب.”

وقف “مهاب” لثوانٍ، ابتسم لها قائلاً:

-” قولي قولي، ما انتِ مش هتنزليني بالساهل كده.”

أجابته بمكر وابتسامة:

-” في حد طالع في الأسانسير يا واد، مش هتنستني تشوفها؟”

هز “مهاب” رأسه بامتعاض خفيف، وأكمل نزوله وهو يقول:

-” اللهم إني صايم يا سميه، ودي ماينفعش اشوفها وانا صايم.”

تصاعدت ضحكات سميه وإبراهيم، ومع وصول مهاب إلى الأسفل، انفتح الأسانسير وخرجت منه “رقية”، تستغرب من صوت ضحكاتهم:

_-“لله يديم ضحكتكم دايمًا، بس مالكم كده فاتحينها على البحري؟”

رد “إبراهيم” بابتسامة ودية:

-” لا ولا حاجة، افتكرنا حاجة كده، ماتشغليش بالك.”

شدت” سميه “رقية من يدها وهي تقول:

-” تعالي شوفي أخواتك اللي طبخت مرتين بسببهم دول.”

تبسمت رقية باستغراب، لكن لم تعارض، ودخلت مع سميه إلى الداخل، بينما كان الجو العائلي مليئًا بالدفء والود، مختلفًا تمامًا عن صخب الخارج ومظاهر الناس من حولهم.


كان بيت عامر البرّاق غارقًا في دفءٍ لا تخطئه العين؛ بيت يمتلئ بالحب مهما ضاقت الأيام، ومائدة تجمعهم كما اعتادوا دائمًا، في لحظة تبعثر حولها الضحكات والقلوب.

جلست الجدة مفيدة في صدر المائدة، ترفع يديها بالدعاء كعادتها، وقالت بصوتٍ يقطر حنانًا:

-“كل سنة وانتوا طيبين يا حبايبي، ربنا يديم لَمتكم دي.”

انحنى “عامر” يقبّل يدها، وهو يقول بحب صادق:

-وانتِ طيبة يا حبيبتي، ويديم وجودك جنبنا يا رب.”

بادرت فريدة قائلة:

-“آمين يا رب… يلا كلّوا قبل ما الأكل يبرد.”

أما “انتصار” فكانت تضع طبقًا أمام مازن وهي تقول بنبرةٍ حافلة بالحب:

-“عملتلك الأكل اللي بتحبه، عشان ماتقولش محدش بيهتم بيك.”

التهم” مازن “أول لقمة بشراهة وهو يقول:

-“حبيبتي حبيبتي حبيبتي… خمسة حبيبتي يا ماما والله.”

ضحك” مهاب” وهو ينظر إليه:

-“براحة هتموت مننا يا حبيبي. الاكل مش هيطير.”

فتداخل” حسن” مازحًا:

-“مازن… ماتجيب الطبق اللي جنبك ده؟”

رمقه “مازن” بنظرة ازدراء مصطنعة

-“ما جنب أخوك محمد طبق زيه؟ ولا إنتوا مابتجوش غير على الغلبان مازن الشقيان التعبان…”

قطع “عامر” المشهد بضحكة مفعمة بالمرح:

-“للي مابينامش وطالع عينه في الكلية والشغل… كمل يا حبيب أبوك كمل.”

انفجرت الضحكات، ومازن غمز أباه:

-” اللي فاهمني ، حبيبي يا حاج والله. قولهم قولهم خليهم يحسّوا بيا شويّة.”

ربّت” مهاب” على كتف أخيه وقال:

-“كُل يا مظلوم يا ضحية… كُل.”

ثم وضع له لقمة في فمه، فتعالت ضحكات الجميع…

لكن على طرف المائدة كانت هناك عيون أخرى لا تعرف الضحك؛

عيون رزق البرّاق وزوجته سعاد وابنه خالد، التي اشتعل فيها كلُّ ما هو غير طيّب.

أما شهد فكانت ساهمة، عينيها معلّقتان بصمت على مهاب.

قال عامر وهو يوجّه الحديث لأخيه:

-“ساكت ليه يا عم رزق؟ مش عادتك يعني.”

أخفى “رزق” حقده خلف ابتسامة باردة:

-“ولا حاجة يا أخويا… باكل وبسمعكم.”

“سعاد” تمثّلت الحنان وهي تقول:

-“والله احنا بنحب القعدة معاكم ووسطكم يا حاج عامر.”

فردّت “انتصار” بذات الأسلوب المتكلّف:

-“نفس الإحساس يا سعاد والله.”

كان صوت انتصار مثالياً، لكن ملامحها كانت تفضحها، فمالت نادين نحوها هامسة:

-“صوتك مثالي بس وشّك بيقولهم إنك مش طايقاهم.”

رمقتها أمها بنظرة حادة فصمتت.

قاطعت شهد الحديث وهو تُحدث نادين:

-“عاملة إيه في شغلك يا نادين؟ قدرتي تتعوّدي؟”

نادين بهدوء:

-“الحمد لله كويسة، آه اتعوّدت.”

فتقول” سعاد” بنبرةٍ تحمل السمّ في عسل:

-“والله ما عارفة لزمة إيه الشغل ده. مش متوفّر ليكِ كل حاجة؟ وبعدين يا حبيبتي انتِ مطلّقة! يعني ماينفعش تخرجي برا.”

كانت نادين تجهز للرد، لكن” مهاب “تدخّل قبلها، ونبرة صوته هادئة لكنها قاطعة، تكشف عقله الواعي ورفضه لأفكار المجتمع العقيمة:

-“بصي يا طنط مرات عمي ، اختي آه الحمد لله متوفر ليها كل حاجة، ومابتشتغلش عشان الفلوس..هي بتشتغل عشان نفسها… عشان تبقى واقفة على رجلها، وتحس إن ليها حياة برا أربع حيطان..وبعدين موضوع إنها مطلّقة ده المجتمع اللي عامل منه شبح!

تسرّبت الجدية في صوته أكثر وهو يتابع:

-“المطلّقة مش تهمة عشان تفضل مسجونهة جوه البيت

اللي بتتطلّق مش بتقلّ قيمتها، ولا بتبقى محتاجة حد يخبّيها.

دي ست زي أي ست، من حقها تشتغل، وتخرج، وتنجح، وتعيش.

الطلاق عمره مايقل من قيمة الست.

ثم أضاف بنبرة فيها سخرية خفيفة لكنها موجّهة بذكاء:

-وبعدين اللي بيغلط في حد، مش هيسأل هي متجوزة ولا مطلّقة. فبدل ما نلوم الستات علي إنهم بيعشوا حياتهم ، نلوم نظرتنا اللي عايزة الست تفضل قاعدة محبوسة بين اربع حيطان لمجرد إنها مطلقة .”

كانت الجملة الأخيرة كفيلة بإسكات الطاولة لثوانٍ.

قالت” سعاد” بتوتّرٍ واضح، وهي تشدّ طرف المنديل بين أصابعها:

-“مش قصدي يا مهاب… أنا بس خايفة عليها.”

تغيّرت ملامح “عامر”قليلًا، ثم قال بابتسامة مصطنعة تُخفي ضيقه:

-“خلاص يا سعاد… يلا يا جماعة كملوا أكلكم.”

وعادت حركة الملاعق فوق الأطباق من جديد، كأن الجميع يحاول أن يعيد المائدة إلى صخبها المعتاد بعد الشرارة الصغيرة التي مرّت بينهم. غير أنّ شيئًا ما كان مختلفًا هذه المرّة؛ خالد ظلّ صامتًا، لم يرمِ تعليقًا واحدًا، لم يلوّح بنظرة ساخرة، ولم يوجّه سهمًا من كلماته المعتادة التي تستفزّ الجميع.

لاحظ مهاب الأمر، فرفع بصره نحو خالد باستغرابٍ خفيف، كأنه ينتظر منه أن ينطق بأي كلمة تفسد الهدوء… لكنّه لم يفعل.

رمشه مهاب بطيئة، ثم هزّ كتفه داخليًا بلا مبالاة، وعاد إلى طبقه، يأكل في صمتٍ ثقيل يشبه الهدوء الذي يسبق جملة لا يريد أحد أن يسمعها.

……….

في بيت الهاشمي كان الجو مختلفًا تمامًا؛ الدفء يملأ المكان، والضحكات تتنقّل بين الوجوه كأنها ضوء صباحٍ لا ينطفئ. كانت المائدة مزدحمة بالطعام، لكنّ الهدوء العائلي الذي يغلفها هو أكثر ما يلفت الانتباه.

وقفت “عائشة” تتحرك بين الكراسي، تتأكّد من أن أمام كل واحدٍ منهم ما يكفيه من الطعام، كأمٍّ تُصرّ على أن يشعر الجميع بالشبع والراحة قبل أن تجلس.

مدّ “محمد” يده فجأة، وأمسك بيدها بحنان وهو يقول:

-“يا حبيبتي كلّنا قدّامنا أكل اقعدي بقى عشان تاكلي.”

جلست وهي ترفع حاجبيها مازحة:

-“قعدت أهو.”

ضحك” هاشم”، حماها، وقال وهو يشير إلى محمد باستياءٍ مصطنع:

-“الراجل بقاله ساعة يقولّك اقعدي اقعدي، ماتفهمي بقى إنه ما بيعرفش يحط لقمة في بوقه من غير ما تكوني جنبه!”

ارتفعت الضحكات من محمد و مروان و هدى، فهزّت “عائشة” رأسها وقالت:

-“يا سيادة اللواء بطل كلامك ده.”

اقترب “محمد” منها أكثر وقال بحب لا يخفيه:

-“ويبطل ليه؟ده أنا فعلاً ما بيحلاش لقمة في بوقي غير وأنتِ جنبي.”

رفع “مروان” عينيه للسقف وقال بمرح:

-“حج محمد وحياة أبوك الراجل الكُبّرة ده يا شيخ!

إحنا عندنا جفاف عاطفي من الدرجة الأولى فارحمنا شوية!”

ضحكت” هدى” وأضافت وهي تشير لعائشة:

-“وبعدين الست بتقلب طماطماية جنبك، فاهدَى على روحك شوية.”

لم ينتظر والدهم طويلًا؛ قطّب حاجبيه والقي على هدى خيارة وهو يقول:

-“لما تقلب طماطماية أحسن ما تبقى بومة زيّك أنتِ وهو!

مالكوش دعوة بينا وشيلوا عينكم من حياتنا بقى، قرفتونا!”

انفجرت المائدة بالضحك، وكلّما حاول أحدهم التوقف كانت نكتة جديدة تنطلق من أحد أفراد العائلة، فيعود المرح ليغمرهم من جديد…

وظلّوا يتمازحون ويتبادلون الضحكات حتى أصبح الفطور أقرب إلى احتفالٍ صغير يجمع القلوب التي لا تعرف إلا الصفاء.

…..

“هُناك قلوبٌ خُلِقت لتظلَّ لينة، مهما أثقلتها الأيام. قلوبٌ لا تُجيد القسوة على من أحبَّتهم، حتى وإن حاولت التظاهر بالصلابة؛ تفضحها رعشة الحنين في صوتها، وارتجافة الرحمة في نظرتها. وكانت هي واحدةً من تلك القلوب… قلبٌ يأبى أن يُؤذي، مهما أُوذِي.”

كان بيت يوسف في ذلك المساء غارقًا في دفءٍ يعرفه كل من وطئت قدماه هذا المكان. رائحة الطعام تملأ الشقة، والضحكات تتقاطع بخفة بين هنا ونور وهما ترتبان المائدة، بينما كانت “سمية” تميل نحو رقية لتهمس لها بقلق واضح في صوتها:

-“إخواتِك صدّعوا دماغي بسيف، وعايزين يطلعوا يشوفوه. وأنا طول الوقت بقول إن يوسف ومهاب فوق، وسيف نايم ، وماينفعش يطلعوا. بس خلاص يوسف نازل، وهما هيقولوا نشوفه. هنعمل إيه؟”

تنهدت “رقية”، ونظرت سريعًا نحو أخواتها، ثم ردّت بالهمس نفسه:

-“بصراحة ماعرفش. وبعدين دول اتنين دكاترة، لو نزّلناه وقعد شوية، ممكن يلاحظوا أي حاجة!”

ضحكت” سمية” بخفة وهي تهز رأسها:

-“هيلاحظوا إيه؟ شوية الهالات اللي تحت عينه؟ ولا وشه الدبلان؟ عادي يا رقية تأثير سهر ومذاكرة.”

قالت “رقية “بقلق أكبر:

-“وإيده اللي مليانة آثار الحقن؟”

ردّت “سمية” ببساطة واقتناع:

-“يلبس بكُم يا رقية. نزّليه شوية والله هيفرق معاه أوي.”

ازدادت حيرة” رقية” وهي تهز رأسها:

-“يا خالتي افهمي. إخواتي مش أغبيا، وهما أصلًا مش مصدقين الحوار اللي أنا عاملاه عليهم ده. وبعدين سيف لسه في أول علاجه ما ينفعش.”

تدخل صوت” يوسف” من خلفهما، منخفضًا هادئًا، لكنه قاطع:

-“فطار ربع ساعة مش هيأثر يا رقية. هو لسه واخد علاجه… وحالته النهاردة كويسة أوي. خلّيه ينزل يقعد معاهم شوية، وبعدها يتحجج بالمذاكرة ويطلع.”

لم ترد؛ فتابع هو بمكر خفيف وهو يرفع حاجبيه:

-“يعني أنتِ كل يوم تشوفيه وهو نايم، وهما مش من حقهم يشوفوه؟ يا مفترية!”

كتمت ابتسامة صغيرة، لكنها ظهرت رغمًا عنها.

هي نعم قالت له ذات يوم “ما أشوفش وشّك” في لحظة غضب… لكنها لم تستطع يومًا تنفيذها.

ومنذ بداية العلاج، صارت تدخل الشقة كل يوم وهو نائم… تجلس بجواره قليلًا وتطمئن عليه… ثم تغادر قبل أن يشعر بها.

رفعت عينيها ليوسف وقالت بهدوء مستسلم:

-“اطلع هاته.”

لكن قبل أن يتحرك، اقترب إبراهيم بكرسيه المتحرك قائلًا بجدية تخفي ابتسامة:

-“لسه نازل من عنده، وقالّي رقية قالت ما أشوفش وشّك غير لما ترجع سيف اللي ربيته، وأنا لسه ما رجعتش سيف اللي ربته… فمش هنزل.”

كانت تلك الجملة كفيلة بأن تخونها دموعها.

ولم يمرّ ثوانٍ حتى لاحظت نور تجمعهم فسألت:

-“يا جماعة بتتفقوا على إيه كده؟”

بسرعة مسحت رقية دموعها، وأخذت المفتاح من يد إبراهيم وهي تقول:

-“ولا حاجة، هطلع أصحي أخوكم عبال ما تحطوا الأكل.”

صعدت وحدها.

وقفت أمام الباب لحظة أخذت نفسًا عميقًا، وتمتمت:

-“مش هتضعفي… هنلبس الوش الخشب… ده اللي ينفع معاه دلوقتي.”

فتحت الباب، كان وجهها جامدًا، لكنها ما إن تقدّمت خطوة حتى تكسّر ذلك الجمود تمامًا.

كان سيف يجلس على الكرسي، يعبث بتوتر في أصابعه، مرتديًا ملابسه وكأنه طفل ينتظر أمه تأخذه للحديقة.

رفع رأسه لها… بلهفة ممزوجة بالخزي.

ثم أعادها إلى الأرض فورًا.

تقدّمت نحوه خطوة… ثم ثانية… ثم ثالثة.

وفي كل خطوة تهمس لنفسها:

“أوعي… أوعي تحني.”

لكنها ما إن وصلت إليه وقام واقفًا ورأسه ما زالت منكسرة…

حتى انهارت كل حصونها.

تقدم الدمع في صوتها وهي تقول:

-“موطي راسك ليه؟”

قال بصوت مهزوم، ودموعه تنزل دون إرادته:

-“ماقبلش تشوفي وشي… وأنا مش سيف اللي تعرفيه… ولا اللي ربيتيه.”

أمسكت وجهه بكلتا يديها المرتجفتين، ورفعت رأسه إليها:

-“أول حاجة في تربية رقية إنك ما توطيش راسك أبدًا.

مهما عملت حتى لو غلطت تفضل راسك مرفوعة مش بجاحة لأ شجاعة ومسؤولية، غلطت؟ تعترف و تتحمل نتيجة غلطك ،و تصلح لو ينفع.وإن مانفعش ، نتعلم وما نكررش تاني غلطنا ، وفي كل الاحوال مش سيف المهدي اللي يوطي راسه قدام حد ، سيف يواجه الدنيا بكل اللي فيها ، يضحك مرة ويتجرح مرة ، الدنيا تدوس عليه بكل قوتها مره ، ترميه وسط بحر امواجه عالية ومالو عادي ، هيواجه ويكمل ،يوقع ويقوم عادي ، مش سيف اللي يترمي وسط موج الدنيا ويستسلم ويقول الموت اسهل ، سيف اللي اعرفه بقاله ١٦ ليلة بيعافر وسط موج قاسي أوي ، بيكسب نفسه من جديد وبيرجع قلبه اللي الدنيا كانت هتضيعه ، سيف تربيتي ماكابرش علي الحقيقة اللي اترمت في وشه ، وقرر يواجه ويتعافي ، يبقي ليه مش قادر يرفع عينه في عيني ؟ غلطان يا ابن المهدي ، انتَ رجعت سيف اللي اعرفه من أول ما قولت للدكتور أنا هتعالج، ورقية تتشرف بيك قدام اي حد وفي اي وقت .

لم يستطع سيف الوقوف أكثر…

فوقع عليها في حضنٍ كامل…

حضن طفل وجد أخيرًا الشط بعد أمواج طويلة.

بكى بصوت يزلزل صدره، وظلت هي تربت على شعره حتى هدأ.

بعد لحظات أخرجته من حضنها، مسحت دموعه، وقالت بابتسامة صغيرة:

-“يلا ننزل لإخواتك… صدّعوا دماغي بعايزين يشوفوا سيف.”

قال بتوتر صادق:

-“هما… عارفين؟”

هزت رأسها بثقة أم ممسكة بزمام الأمور:

“لأ طبعًا، علشان أول ما تقف قدامهم، ما تحسش ثانية واحدة إنك مكسوف.هتنزل بثقة، وتبلّفهم بكلمتين من بتوعك اللي بتضحك بيهم عليّا.وهم زي العبط هيصدقوك وهيقولولك خليك سنة ولا اتنين يا سيف براحتك.”

ضحك قليلًا، وهي تضربه بخفة:

-“يلا قبل ما خالتك تفضحنا.”

نزل معها.

وما إن فتح الباب حتى ركضت نحوه هنا و نور في وقت واحد، واحتضنتاه بقوة.

قالت “هنا “بدموع عتاب طفولي:

-“كده يا سيف؟ ما تكلمنيش الفترة دي كلها؟

يا أخي ده احنا واكلين أندومي في نصاص الليالي مع بعض لمّا قولنا بس!”

انفجر الجميع من ضحكتها، وسيف يقول محاولًا يخرج من العتاب:

-“فضحتينا يخربيت عقلك، الكبيرة واقفة وراكِ!”

نظرت” نور” له بقلق وحنان:

-“أنتَ كويس يا حبيبي؟حاساك خاسس ودبلان.”

صمت ، فتدخلت “سمية “بسرعة:

-“ماعدّاش عليكِ ثانوية ولّا إيه يا دكتورة؟المذاكرة يا حبيبتي بتعمل أكتر من كده.ولا أنتِ دخلتي صيدلة بالغش؟!”

ضجّ المكتم بالضحك، و”نور” تقول بسرعة دفاعًا عن نفسها:

-“لا والله! كله بمجهودي! ليه بتقلبي عليّا دلوقتي ؟!”

تدخل” إبراهيم” ضاحكًا:

-“بطلوا نكش في بعض ويلا بقى عايزين نفطر.”

وهتفت” سمية”:

-“أيوه يلا يلا اقعدوا عشان ناكل ونلحق التراويح.”

جلس الجميع إلى المائدة، والسعادة تحيط بهم كأنهم عائلة واحدة متماسكة رغم كل ما يمرّون به…

وفُتح ذلك الفطور بضحكات…

وانتهى بطمأنينة لم يشعر بها سيف منذ زمن طويل.

تعليقات