رواية مالك المصري الفصل التاسع عشر
…..اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين……
مَر أكثر من شهر ..
اليوم هو يوم اللقاء المنتظر،لقائه ب إسراء بمعشوقة قلبه و روحه العنيدة ،يوم أنتظره مالك أكثر من ستة أعوام لا يعلم كيف و متى مرت تلك الأعوام وهو يتقلب على جمر الإنتظار الحارق، وحان وقت إسترجاع غاليته لمكانها داخل قلبه بين ذراعيه و حنايا صدره وأضلاعه..
“أشوفكم على خير يا رجاله”..
قالها مالك وهو يعانق أخر فرد من أفراد فريقه السرى ، أبتعد عنهم عدة خطوات قليلة ،ليقفوا جميعهم إنتباه و يلقون عليه التحية العسكرية مردفين في نفس واحد:
” إن شاء الله هترجع لنا بالسلامة منصور يا فندم”..
أقترب منه حسن و نظر له نظرة مطوله بأعين تلمع بالعبرات يجاهد ليمنعها من الهبوط ، فأبتسم له مالك و هو يقول:
“مش هوصيك على مكة يا حسن لو… “..
أوقفه حسن عن متابعة حديثه صائحاً بصوت أختنق بالبكاء: “مافيش لو دى يا حضرة الظابط..أنت بإذن الله هترجع بإسراء و فاطمة معاك يا مالك..و فرحتنا هتكمل على خير معندكش أوبشن تانى “..
هندم مالك ياقة بدلته الفاخرة بثقة و ثبات مردفًا بتنهيدة و فرحة غزت قسمات وجهه:”المرادى مش هعتبرها مهمة رسمية.. هعتبر إنى رايح أجيب العروسة من الكوافير و هحصل لكم على الفرح”..
صمت قليلاً و سار تجاه صندوق كبير مخصص لأجهزة الريبوتات الإلكترونية تم صُنعه له خصيصًا ،خطى لداخله بظهره و واقف بجانب نسخته الإلكترونية ليضغط حسن على لوحة التحكم الخاص بالصندوق بعدما وضع نسخة منها برفقة مالك داخل جيب بدلته السرى، فتم تغليف مالك بطريقة محكمة و بدأ الجهاز الخاص بالأكسجين الإستعداد للعمل قبل إغلاق الصندوق ،نظر مالك لحسن و فريق عمله نظرة أخيرة مردفًا بإبتسامة: “إن شاء الله نتقابل في مصر”..
فور إنتهاء جملته تم غلق الصندوق الصندوق على الفور و نقلة إلى سيارة متجهه إلى طائرة خاصة بالشحن،
أنتشر جميع أفراد الفريق نحو أجهزتهم و معهم حسن الذى قال و هو يُتابع بنفسه خط سير الصندوق المتواجد به مالك:
“يالا يا رجاله كله ياخد موقعه و جهزوا أسلاحتكم وشغلوا سمعاتكم وأستعدوا للى داخلين عليه”..
ليأتيه صوت مالك عبر سماعة أذنه السرية يقول بأمر: “أول ما أدخل المقر و أوصل للدكتورة إسراء و أتأكد بنفسي أنها هى.. هديك الإشارة تهكر كل الأجهزة و الكاميرات و البوابات اللى في المكان يا حسن “..
أردف حسن بثقة :”بعون الله هنهكر لك المكان بلى شاغلين فيه يا مالك”..
سيطر مالك على إرتجاف بدنه أخذًا نفس عميق جعله يتحكم بهدوء قلبه و أعصابه بعدما أتقن تدريبه جيدًا محدثًا نفسه بلهفة:”جاى لك يا إسراء”..توحست نظرة عيناه الجريئه و تابع بإصرار وعزيمة لا تقبل الجدال:
“و مش هرجع من غيرك “..
…….سبحان الله وبحمده……..
داخل مكان إسراء المحصن، بغرفتها الخاصة تجلس أمام المرآه تطلع لهيئتها بأعين ذائغة منذهلة، بدأً من حجابها الأبيض الذى زادها جمالاً فوق جمالها ،وضعت لمسات لا تُذكر من مساحيق التجميل ظهرت ملامحها الفاتنة بهيئة خلابة ،نزولاً لفستان زفافها الأبيض الأكثر من رائع جعلها تُشبه ملكات الجمال بل تفوقهم جمالاً و وقاراً..
“معقولة أنا عروسة و أنهارده فرحى على مالك؟!”..
نطقت بها إسراء بعدم تصديق موجهه حديثها ل فاطمة التى تُثبت لها طرحة الفستان فوق حجابها ،
حانت منها ألتفاته صغيرة و تابعت بتعجب:
“أنا إزاى بس سمعت كلامك و عملت الجنان اللى قولتى لى عليه ده يا فاطمة!!”..
أبتسمت لها فاطمة إبتسامة مطمئنة وهى تقول بهدوء: “أنتى سمعتى كلامى و عملتى بيه عشان واثقة أنه صح يا إسراء”..
أشارت لها على شاشة اللابتوب التى تظهر أمامهم كل ما يحدث من إستعدادت و تجهيزات لأفخم حفل زفاف في قصر فارس الدمنهوري مكملة :
“انهارده فرحك على مالك في مصر..هيتجوزك أنتى مش نسختك الإلكترونية و بموافقة والدك فارس باشا اللى هو ولى أمرك وأنتى كمان موافقة على جوازك ده يبقي لازم تتجهزى و تعيشي يومك وتفرحى بيه كمان حتى لو مع نسخة جوزك الإلكترونية لحد ما ربنا يأذن و يجمع شملكم على خير”..
صمتت لوهلة ومن ثم تابعت بملامح تبدلت لأخرى يظهر عليها الاشمئزاز:
“تفتكرى اللى إسمه الأخطبوط ده هينفذ كلامه فعلاً و يعمل لك نسخة إلكترونية من مالك زى ما طلبتى منه؟”..
نظرت إسراء للفراغ أمامها بشرود تام تتذكر تلك الليلة التى طلبت منها فاطمة أن تكشف عليها ..
..فلاش باااااك…
صدمة أعتلت ملامح إسراء حين طلبت منها فاطمة أن تكشف عليها لتطمئنها إن كانت ما زالت عذراء أم لا، شهقت بخفوت و قد أمتلئت عينيها بالعبرات و هى تقول :
“أيه اللى بتقوليه ده يا فاطمة ..إزاى تفكرى كده.. أنتى أكيد لسه بنت طبعًا يا حبيبي ..أنا هكشف بس على أيدك اللى يوسف ردها لك دى ..لكن مستحيل أكشف عليكى الكشف اللى أنتى طلباه ده أبدًا”..
أمسكت فاطمة كف يدها بيدها السليمة ونظرت لها تستجديها مردفة ببكاء:
” اسمعى كلامى يا إسراء أنتى متعرفيش أنا اتعذبت إزاى الفترة اللى فاتت في السجن”..
أطبقت عينيها بقوة فهبطت منها دموعها بغزاره على وجنتيها مكملة بنبرة مكسورة يملؤها الآسي:
“بقولك كان بيغمى عليا من شدة الضر.ب و بفوق ألقينى في مكان غير اللى كنت فيه و هدومى كلها متغيرة يا إسراء..أنتى فاهمة يعنى أيه هدومى كلها ، كنت ببقي زى اللى متخدرة مكنتش ببقي حاسة بأى حاجه معرفش مين اللى نقلنى من مكانى و لا مين اللى غير لى هدومى!! “..
“أنا ….”..أردف بها يوسف الذى دلف للتو عبر باب أخر للغرفة فجأة غير الذى غادر منه دون أن يطرق عليه جعلهما يشقهان بفزع، فصرخت فاطمة بغيظ قائلة:
“أنت بتطلع لنا منين يا بنى آدم أنت”..
دارت بعينيها على جدران الغرفة من حولها مكملة بغضب:.
“و أييييه الأوضة الزفت دى اللى كل جدرانها عبارة عن أبواب!!!”..
نفخت إسراء بضيق و رمقت يوسف بنظرة محذرة و هى تقول:” قولتلك قبل كده مليون مرة بطل تدخل علينا دخلتك المهببة دى بدل ما أبوظ لك السيستم اللى أنت فرحان بيه ده كله يا يوسف”..
“جربى تعملى كده و أنتى عارفه كويس أوى أنا أقدر أعمل أيه لأهلك في مصر”..قالها يوسف و هو يسير نحوهما و يُشير بإبهامه على شاشة كبيرة لُفتح على الفور و تظهر بها نسخة إسراء الإلكترونية و هى برفقة مالك بين عائلتها في مصر”..رفعت فاطمة حاجبيها بدهشة و نظرت ل إسراء مرددة بخوف:”أنتى مين بالظبط؟!”..
لتغمض إسراء عنينها بقوة كمحاولة منها لتكبح عبراتها و هى تقول بأسف:”أنا إسراء ..متخافيش يا فاطمة اللى أنتى شيفاها فى الشاشة تبقي نسختى الإلكترونية اللى رجعت مصر و أتخطبت لمالك”..
وقف يوسف يتنقل بينهما بإبتسامة مخيفة مدمدمًا :
“اممم بالنسبة لسؤالك الأولاني عن مين اللى كان بينقلك و بيغير لك هدومك يا فاطمة..أنا اللى كنت بنقلك وأنا بس اللى كنت بغير لك ” ..
نطق بجملته الأخيرة و هو يغمز لها بوقاحة، جعلت عينيها هى و أعين إسراء تتسعان على أخرهم من شدة صدمتهما،
ليزيد هو صدمتهما أكثر حين نظر ل إسراء مكملاً بأمر :
“مافيش داعى للكشف اللى طلبته منك يا دكتورة ” ..
نظر لفاطمة و تابع بإبتسامة لعوب:
“أنتى متكشفتيش على حد غيرى يا فاطمة “..
حديثه جعل فاطمة تيبست محلها، تتنقل بينه وبين إسراء بأعين ذائغة، ساد الصمت لدقائق قبل أن تقطعه إسراء و تصيح بحدة مردفة:
“أيه اللى بتقوله ده يا يوسف!! قصدك أيه بكلامك ده بالظبط؟”..
وضع يوسف يده بجيب معطفه الجلدى جلب منه علبة سجائره و القداحة الخاصة به،أخذ منها سيجار وضعه بفمه و قام بإشعاله أخذًا منه نفس عميق زفره على مهلٍ ،
كل هذا لم يأخذ من الوقت غير ثوانٍ معدودة مرت على فاطمة كما لو كانت عمرًا بأكمله ،حبست أنفاسها حين قال هو بصوته الصارم:
“كل التعذيب اللى بتقولك عليه يا دكتورة كان بأمر منى عشان أخليها تعترف مين اللى وراها، و كان حاجة بسيطة خالص مرضتش أتك عليها أكتر لأنها مكنتيش هتستحمل ، و عشان هى بنت بلدى زيك يا إسراء محدش كان بيشلها ولا بيغير لها هدومها غيرى “..
صمت لبرهةًو تابع بغروره المعهود:
“مش يوسف الأخطبوط اللى يقرب من واحدة و هى مش في وعيها”..ختم حديثه بالضغط على جهاز صغير بيده يتحكم في الشاشات المتواجدة حولهم ليظهر لها بعض لقطات له وهو يقوم بحمل فاطمة و نقلها من مكان لمكان أخر داخل المبنى الحكومى و بدأ في معالجة كدماتها و قام بإخفائها عن عدسة الكاميرا و بدأ في تغير ثيابها بحرص شديد حتى لا يظهر جسدها أثناء التصوير ..
“يعنى أنت السبب في سجنى و كل اللى جرالى و اللى شوفته طول الفترة اللى فاتت؟ “..نطقت بها فاطمة و هى تطلع له بملامح يكسوها الدهشة و الخجل معًا، تنقلت بعينيها بين الشاشة التى تظهر نسخة إسراء الإليكترونية و الشاشة التى تظهره معاها داخل المبنى الحكومى و تابعت :
” لدرجة دى أنت واصل أوى كده ؟!”..
نظرت ل إسراء و تحدثت بنبرة يظهر بها الاستهزاء قاصدة تستفز بها ذلك الواقف بشموخ ينظر لها بكبرياء و غرور:
“طيب مدام هو يا إسراء واصل أوى كده و قدر يخرجنى من السجن و يعمل منك نسخة يسافرها مصر بدالك و بيقول أننا بنات بلده “..
نظرت له و تابعت بنظرة محتقرة: “ما تكمل جميلك و ترجعنا بلادنا “..
“أهو ده المستحيل “..قالها يوسف و هو يجلس على مقعد مقابل لها واضعًا قدم فوق الأخرى: “اطلبوا أى حاجة تانية في الدنيا إلا أن دكتورتنا ترجع مصر و أنتي كمان هتفضلي هنا معاها بعد ما عرفتى سرها و لو أصريتى ترجعى”..صمت للحظة و تابع بإبتسامة مصطنعة: “هترجعى جثة”..
“عايز تفهمنا أننا هنفضل هنا طول حياتنا؟”..نطقت بها إسراء بغصة مريرة، ليحرك هو رأسه لها بالأيجاب مردفًا: “بالظبط يا دكتورة”..
عقدت إسراء ذراعيها أمام صدرها و هي تقول: “و أنت فكرك مالك اللى المفروض هيتجوزنى كمان شهر ونص مش هيعرف حقيقة النسخة اللى أنت بعتهاله؟”..
“لا أطمنى مش هيعرف أبدًا..إحنا مصممين نسخة صرفنا عليهم ملايين الدولارات عشان تكون حقيقية أكتر منك أنتى شخصيًا، واللحظة اللى مالك بتاعك هيعرف فيها هياخد لقب الشهيد مالك المصرى و هيتعمل له جنازة عسكرية محترمة و كام مدرسة على كام كوبرى و شارع بأسم البطل الشهيد”..
إنهارت حصون إسراء و جمود ملامحها و بكت هى تقول “يعنى مش هشوف مالك ولا حتى مرة واحدة..مش هصارحه بحقيقة مشاعرى ناحيته ؟”..
صاحت فاطمة بحماس قائلة:”طيب ما يعمل نسخة إلكترونية من مالك ويجبهالك زى نسختك يا إسراء “..
ظهرت الفرحة الغامرة على ملامح إسراء ونظرت له بلهفة ليقول يوسف بعجرفة تملؤها الغرور: ” لو ده هيخلى دكتورتنا مبسوطة نعملها نسخة..و لو عايزين مالك نفسه ونبعت نسخته الإلكترونية مصر ..يوسف الأخطبوط يعملها”..
نهاية الفلاش باك…
