رواية ظل البراق الفصل التاسع عشر 19 بقلم مريمة


 رواية ظل البراق الفصل التاسع عشر 

“هناك لحظات يُفنى فيها كل ما حولك، فتجد نفسك وحدك، كأن الدنيا رفعت يدها عنك فجأة..لحظات يضيق فيها صدرك دون سببٍ ظاهر، وتختنق كأنك تحمل ذنوب العالم فوق كتفيك، وتفهم لأول مرة أن بعض المعارك ليست مع الآخرين، بل مع نفسك… ومع ما ظللت تهرب منه طويلًا.

في تلك اللحظات يتعرّى كل شيء

تكتشف هشاشتك، وتعرف أن قوتك لم تكن في صلابتك، بل في تلك اليد التي كانت تسندك من بعيد وأنت لا تراها.

لا تُكابر، ولا تدّعي أنك قادر على عبور الظلمة وحدك؛ فالقلوب مهما صلُبت… تظل مخلوقة من طين.

إذا تعثّرت، ارفع ضعفك لربّك.

إذا ارتعدت، احتمِ بقُربه.

وكلما شعرت أن الدروب انغلقت؛ فاذكره، واسعَ إليه، فالعبد الذي يلجأ إلى الله في لحظة انكساره… يُرفَع، ولو ظنّ أنه انتهى.”.

____________________

أجملُ ما في القلب أنّه لا ينتظر إذنًا ليشعُر، ولا يطرق بابًا حين يشتاق؛ يكبر فيه الشيء من غير مقدمات، ويتشكّل الحنين على مهل، حتى يصبح أثقل من القدرة على إخفائه. وبعض الأفكار حين تستقرّ في الروح، تُربِك صاحبها أكثر مما تُريحُه، فتجعله يتأرجح بين ما يريد قوله وما يخشى الاعتراف به. وهكذا يظلُّ الإنسان عالقًا بين نفسه وبين ما يهفو إليه… كحالِ من يجلسُ الآن على كرسيٍّ في بلكونته الضيقة، كفُّه يحيط بكوبٍ من القهوة الدافئة، وعيناه معلّقتان بالسماء؛ بالنجوم المتناثرة كأسرارٍ لم تُكشف بعد، وبقمرٍ بدت إضاءته خفيفة كأنها تراقب ما يفكر فيه دون أن تتدخل.

نسيم فبراير كان يمرّ عليه بلمسةٍ تجمع بين البرودة والدفء، تمامًا كحال قلبه هذه الأيام؛ لا هو مستقر ولا هو مضطرب… شيءٌ بينهما.

خرج منه زفيرٌ عميق، أشبه باعترافٍ صامت لا يريد أن يسمعه أحد.

لكن صوتًا عجوزًا مألوفًا اخترق شروده:

-“اللي واخد عقلك يتهنّى بيه يا دكتور.”

التفت” مروان” بسرعة، فوجد جده واقفًا عند باب البلكونة، مستندًا إلى الحائط بابتسامة لها نفس الهيبة التي تحملها نجوم السماء.

نهض “مروان” فورًا باحترام مبتسمًا:

-“سيادة اللوا بنفسه في أوضتي المتواضعة؟ نورت يا باشا.”

ضحك “هاشم “وهو يقترب ويجلس على الكرسي الآخر:

-” ما أنا عارف إني منوّر… أنا بنوّر أي مكان يا بني.”

انفجر” مروان” ضاحكًا بصخب صادق وجلس من جديد.

-” معلوم يا فندم، ده شيء معروف في السلك العسكري كله، بس بجد، منور أوضتي، خصوصًا إن حضرتك مابتدخلش هنا كتير.”

“هاشم “خطف كوب القهوة التي تخص “مروان “ورفع حاجبه بمكر وقال:

-” وحظك يوم ما أدخل ألاقيك في دنيا تانية. كنت فين يا مارو؟ عقلك هرب فين؟”

حرّك” مروان” يده في شعره بتوتر لطيف لا يمكن إخفاؤه:

-“دنيا تانية إيه؟ ده أنا سرحت شوية في السما، الجو تحفة يا جدو.”

“هاشم” مال عليه بنظرة كاشفة كعادته:

– عليّا برضو؟ يا واد ده أنا لعيب كبير. ده شكل واحد سرحان في السما؟ اللمعة اللي في عينيك دي للسما؟

يا حنين! أنت شغال في الشركة المتحدة للفضاء ولا إيه يا حبيبي؟”

ضحك “مروان” وهزّ رأسه وقال بغمزه:

-” لا دكتور أسنان وبقضي ليلتي مع القهوة والسما والهواء وبالي رايق الحمد لله ، ها واخد بالك يا هاشم باشا .”

رفع” هاشم” عينيه نحو مروان بنظرة طويلة، كأنه يدرك ما يحاول مروان الهروب منه، ذلك الاعتراف الذي يختبئ في أعماقه.

-” بالك رايق آه!يا واد ده شكل واحد مولّع من جوّا وبيحاول يطفي نفسه بالقهوة،قول بقى مين البنت اللي خلتك تسيبنا من بعد التراويح وتطلع أوضتك تقفل علي نفسك وتسرح في عالم تاني كده .”

اتسعت عينا” مروان” فجأة، وحاول أن يخفي ارتباكه بابتسامة مستفَزّة:

-“بنت إيه بس يا جدو؟ هو أنا فاضي للكلام ده؟ أنا كل وقتي للشغل وبعدين أنا مابفكرش في الكلام ده دلوقتي ومش هدخل أي حد في حياتي خالص .”

هاشم ضحك ضحكة قصيرة وقال وهو يشير له بإصبعه:

-“أهي دي الكلمة اللي أكدتلي إن في واحدة،الراجل اللي مفيش في حياته حد مبيقولش مبررات، هي لأ وأنتهي الحوار .”

ابتسم” مروان” غصبًا عنه، وعضّ شفتيه في محاولة للهروب من كمين الأسئلة.

نظرإليه “هاشم” بعينين مليئتين بالفضول، ثم سأل بصوت هادئ ولكنه مباشر:

-“أنت بتحب يا مروان؟”

تردد “مروان” للحظة، وحاول النظر إلى جده دون أن يجد الكلمات المناسبة. كان في داخله صراعٌ طويل، سؤالٌ ظل يراوده منذ زمن، ولم يستطع الإجابة عليه بعد. بعد صمتٍ مليء بالتفكير، قرر أن يشارك جده ببعض مما يدور في قلبه.

قال “مروان” بعد لحظةٍ من التفكير العميق:

-“ماعرفش؟ بجد ماعرفش، بس في حاجة حلوة بتحصل جوايا… ماعرفش ده حب ولا إعجاب ولا اهتمام، ولا رغبه في اكتشاف الشخصية دي ولا ايه؟”

ابتسم جده من كلامه، وكأن كلمات مروان فاجأته وأثارت فيه شيئًا من الدهشة والحنان، ثم قال بهدوء:

-“ساعات الواحد بيحس بمشاعر مش واضحة لنفسه، بين حب، إعجاب، فضول، أو حتى رغبة في معرفة الشخص ده أكتر. المهم إنك تكون صادق مع نفسك، وتحاول تفهم إحساسك قبل ما تقرر أي حاجة.”

نظر له “مروان وقال بضجر :

-” أيوه بس إزاي مش قادر أحدد شعور واحد ، أنا عايز أمسك إحساس واحد ، واحد بس وأقول هو ده .”

إبتسم “هاشم” ثم مال بجسده للأمام وأسند مرفقيه على ركبتيه، وكأنّه يستعد لحكاية طويلة وقال بصوته العميق:

-” هو فيه حد في الدنيا بيعرف يفرّق بينهم في الأول؟ده الحب دايمًا بييجي لابس ألف وش مرّة يظهر لك في شوق، مرّة في راحة، مرّة في رغبة إنك تفهم حد ومرّة في خوف إنك تفقده،طيب يا مارو بما إنك فتحت السيرة، قولي أنتَ شايف إيه الفرق بين الإعجاب والحب؟”

“مروان” أخذ نَفَس طويل، ونظر للسماء كأنه يبحث عن إجابة في النجوم، ثم قال بهدوء مُربك:

-“الإعجاب بيبقى حاجة خفيفة كده ، روقان يعني تحس إن الشخص لطيف، شكله مريح، كلامه عاجبك بس غيره ممكن يعجبك نفس الطريقة ،لكن الحب لأ الحب بيبقى تقيل… بيشدّك جامد.تحس إنك مش قادر تهرب منه حتى لو حاولت.

الإعجاب بيمر علي قلبك وبعد وقت بيبقي عادي، إنما الحب بيُسكن ويتمكن..”

ثم ابتسم وقال:

-“ولا أنا غلطان؟”

ضحك “هاشم “ضحكة صغيرة، وهو يومئ له بيده ويقول بفخر:

-“غلط؟ ده انت جايب الخلاصة يا ابني ،بس لسه ناقصك كتير.”

رفع “مروان “حاجبه باستغراب لطيف:

-“ناقصني إيه بقي يا كبير ؟”

“هاشم” أشار على قلب مروان بإصبعه:

-“الإعجاب بيبقى بالنظرة،الحب بيبقى بالروح.

الإعجاب ممكن يجي من كلمة حلوة أو شكل حلو.

إنما الحب؟الحب ييجي من كيان الشخص نفسه،من طريقته، من تفاصيله اللي يمكن محدّش بياخد باله منها غيرك،إنك تلاقي حد بيعدّي على بالك ويقف،مايعدّيش والسلام مايبقاش عابر سلام.

يقف ثابت ويحتل ركن كده من دماغك ومن قلبك من غير ما ياخد إذن الإعجاب لذيذ وبخليك أوقات كتير متهور في قراراتك وأناني أحيانًا، بس الحب غالي وبيخليك تفكر الف مرة قبل كل قرار عشان بتفكر في مصير الشخص التاني معاك ، خايف علي زعله وعلي قلبه لأنه غالي يا مروان .”

نظر لجده بصمت، كأنه يلتقط كل كلمة ويحاول أن يرى نفسه بداخلها.

“هاشم” أكمل كلامه وهو يعقد ذراعيه فوق صدره:

-“لما تلاقي نفسك بتفكر في حد وأنتَ مشغول، وأنتَ تعبان ، مبسوط ،..حزين وبتفتكره من غير سبب أصلًا…

ساعتها يا مارو، ماتسألش نفسك ده حب ولا إعجاب

وقتها اسأل نفسك، هعمل إيه مع الإحساس ده؟”

ثم ابتسم بمكر خفيف وقال ضحكة قصيرة:

-” وبعدين يا ابني، النظرة اللي كانت في عينك من شوية دي مش نظرة واحد بيسرح في النجوم، دي نظرة واحد النجوم نفسها بقت شبه حد في باله.”

ضحك “مروان”، وضرب كفًا بكف، ثم قال:

-” أدي عيب اللي جده يبقي لواء ، كمل يباشا كمل عشان بتقول عظمة والله وبعدين نبقي نشوف حكاية النجوم .”

نظر له “هاشم ” بضيق مصطنع وقال:

-” بإختصار يالا عشان ننهي الحوار ده ،الإعجاب بيسيبك زي ما لقاك ، طور كده بكل القرف اللي فيك ، بس الحب بيغيّر يا عينيا

يخليك بقي أهدى، أحن ، هين في تعاملك عن الأول أو حتى مجنون بس أكتر صدق،الحب يخليك عايز تبقى أحسن، من غير ما حد يطلب منك.”

“مروان” ضحك بخفة:

-” طب ما هو ده اللي مخلّيني تايه،أنا مش عارف أنا اتغيّرت ليه.”

“هاشم” رفع حاجبه بنظرة فيها دعابة:

-” إممم اتغيرت؟طب احكي يا حبيب جدك اتغيرت إزاي؟”

ابتسم ابتسامه عشق بدون وعي منه وقال :

-” بقت دماغي تروح عندها كتير،وبفرح من غير سبب ، بحس إني أتجننت والله لما ألاقي نفسي مرة واحدة بضحك كده؛

واسمها يا جدو !”

-” ماله يا قلب جدك .”

-” مابيعدّيش عادي، بيخلي قلبي يرقص ويرسم أحلام معاها ، معاها هي وبس !”

استوعب ما قاله من ضحكات “هاشم ” التي تتعالي في المكان ، نظر له “مروان ” بخجل طفيف وقال بتوتر :

-” اضحك يا جدو أضحك ، بس بجد أنا خايف أكون فاهم اللي حاسس بيه غلط أو أكون ببالغ،أو أكون ماشي ورا شعور مؤقت.

“هاشم” هز راسه بحكمة:

-” الشعور المؤقت ما بيمسكش قلبك بالشكل ده،ولا بيخليك تسأل نفسك ألف مرة،ولا بيخليك تفكّر في ردّ فعل كل كلمة تقولها.

المؤقت بيجي ويروح،إنما اللي بيثبت… ده حب، حتى لو لسه ماقالش اسمه.”

ثم أضاف بخفة يكسّر عمق الكلام:

-“وبالمناسبة اللي انت فيه ده مش بس حب،ده انت داخل على ورطة محترمة يا مارو.”

“مروان “انفجر ضاحكًا وهو يمسك راسه بيده:

-“ورطة إيه بس يا جدو؟”

“هاشم” رفع كتفيه بثقة:

-” ورطة اسمها واحدة نجحت تدخل قلب حفيدي من غير ما تدق الباب ، مرواه الحب عمره ما يستأذن،ولا عمرك هتعرف تهرب من اللي ربنا كاتبهولك،بس خوفي عليك إنك تبقى شايف الحاجة ومش عايز تعترف، فتضيع منك.”

قال “مروان ” بسرعة :

-” تضيع مين يا كبير ، ده أنا روحت أتقدم ليها !.”

صمت بعد جملته، وهو ينظر إلى جده بدهشة، وكان حال هاشم مماثلًا، إذ نظر إليه لثوانٍ قبل أن ينفجر ضحكًا شديدًا.

أتي علي صوت ضحكاتهم” محمد” الذي دخل من باب الغرفة متجهًا نحوهم، وهو يبتسم قائلاً:

-“الله يديم ضحكتم، بس حابب اعرف بتضحكوا علي ايه؟”

أشار له “هاشم “أن يجلس بجواره، وهو يحاول التوقف عن الضحك:

-“اقعد اقعد شوف الكينج بتاعنا.”

هز” مروان” رأسه ببيأس، وأدرك أنه لا يوجد مفر منهم في تلك الليلة. جلس” محمد”، وهو يحدق بمروان باستغراب:

-“عمل ايه مروان؟”

ضحك “هاشم “وقال:

-“البيه مقعدني بقالي ساعة، وعمالين نفرق بين الحب والإعجاب، وأنا بزق فيه عشان أطلّع الكلام منه وأشجعه يتكلم وياخد خطوة، وهو في الآخر يقولي،ده انا روحت اتقدم ليها، ابن لاعبيه والله.”

نظر “محمد” بدهشة لابنه:

-“مروان والحب؟ واتقدم لوحده؟”

رد “هاشم”:

-“ايوه ياسيدي، ياما تحت السواهي دواهي.”

صُدم “مروان” وهو يحدق بهم وقال:

-“هتشقطوني لبعض ولا إيه يا بوب أنتَ وهو؟ سواهي إيه هو أنا كُنت راهب ورافع شعار لأ للحب؟ وبعدين عادي اتقدم من غير ما تعرفوا كده؟ طب هزقوني حتى؟”

ضحك والده وقال بثقة:

-“لأ، ما إحنا متأكدين إنك ما تقدمتش رسمي يعني؟ ممكن تكون بتجس نبض لسه، كلمت حد يعرف رأيها كده يعني.”

أجاب “مروان” بابتسامة مؤكدة:

“صح يا بوب هو ده اللي حصل.”

قال جده بهدوء:

-“طب خمسه جد بقي، مش هتحكيلنا؟”

أخد “مروان” نفس عميق وقال:

-“هي تبقي صاحبه هدي في الكليه و…”

قبل أن يُكمل، قال والده بفرحة:

-“نور المهدي؟ قول صح عشان هقوم اخدك بالحضن دلوقتي.”

نظر “مروان” إليه بتفاجؤ:

-“حضرتك عارفها؟”

ضحك والده بصخب،وقام حضنه وهو يقول :

-“يسلم قلبك اللي نقي يا ابن الهاشمي.”

جلس والده في مكانه من جديد، وما زال مروان متفاجئًا ومصدومًا. فقال جده بمرح:

-“يا ابن المحظوظة يا واد يا مروان! أبوك موافق كمان، والعه معاك .”

ابتسم “مروان “وقال:

-“افهم بقي بابا تعرف نور منين.”

أجاب والده بهدوء:

-“مش صاحبة أختك يايني؟ هسيب أختك تصاحب أي بنت كده وخلاص؟ وبعدين هدي عارفة نور من أيام التقديم للكلية، وأنا رايح أقدّم لهدي في صيدلة اتعرفوا على بعض، وشوفتها يومها هي وأختها، ومن يومها هدي معاها ومالهاش سيرة غير روحت مع نور، وقعدت من نور وبكلم نور، وبصراحة هي بنت هايلة، دايمًا بحس إنها قريبة من طبيعة بيتنا وبعتبرها زي نور بالظبط.”

أخذ” مروان “نفسًا عميقًا وقال:

-“يعني موافق اتقدم ليها؟”

رد “محمد “بحماس:

-“طبعا موافق يا ابني، ربنا يجعلها من نصيبك.”

ابتسم “مروان”، ونظر إلى جده:

-“وأنتَ يباشا؟”

ابتسم هاشم وقال:

-“أنتَ اللي هتعيش يا مروان، وفي الآخر إحنا يهمنا راحتك وبس. أنا موافق من كلامك عنها ونظرة عيونك وأنت بتحكي، وكلام أبوك وأختك عنها، توكل على الله.”

ابتسم “مروان” براحة:

-“أنا أخدت عنوانها من هدي، وعرفت إن مامتها متوفية وباباها مش موجود معاهم، يعني بعد وفاة أمها اتجوز، وهما قاعدين في بيت جدهم الله يرحمه وما يعرفوش عنه حاجة.”

صُدم “جده “وقال:

-“وأبوهم اتخلى عنهم كده يا بني بسهولة!”

هز “مروان “كتفه بعدم معرفة:

-“ماعرفش يا جدو ومش مهم بالنسبة لي، المهم عرفت من هدي إن المسؤولة عن نور وإخواتها هي أختهم الكبيرة رقية، وعندها مطعم في حارتهم، فقولت أروح أكلمها مباشرة. يوم ما رحت قابلت ابن خالتهم اسمه يوسف النجار، واتعرفنا على بعض بس ما قولتوش يومها إن أنا عايز رقية في إيه، واتفقنا نتقابل أنا وهو عشان محتاج أتكلم معاه.”

قال له” محمد”:

-“طيب يا بني، اعمل اللي انت شايفه مناسب، وأول ما تحتاجنا إحنا في ضهرك يا مروان.”

وقف “مروان”، وتوجه إلى والده ليقبل يده بأحترام ، وفعل الشيء نفسه مع جده، وقال بحب:

-“ربنا يخليكم ليا يا وحوش عيلة الهاشمي، ماتحرمش منكم يارب.”

قال جده بمرح:

-“بس قولتلي اسمها ماله؟”

امتدت ضحكاتهم في أرجاء الغرفة، فملأت الجو دفئًا وفرحًا، وكأن كل لحظة من التوتر والارتباك ذابت بين أصواتهم المرحة. كان صوت ضحكاتهم يختلط بصدى صواريخ رمضان التي يرمونها الأطفال في الشوارع، فتقلبت الأجواء بين البهجة والدهشة، وكأن المدينة كلها تحتفل معهم، بينما يتراقص الضوء المتطاير من الألعاب النارية على جدران الغرفة، مضيفًا شعورًا بالسحر والمرح على كل ما حولهم.

………….

النصيب… تلك الكلمة التي تحمل في طياتها قدرًا من الغموض، ويظل الإنسان يتلمسه بأطراف أصابعه كطفل يبحث عن دفء الشمس في صباح بارد. يأتي أحيانًا حين لا تتوقع، يطرق أبوابك صامتًا، يلتقي بقلبك قبل أن تدركه عيناك، يزرع الفرح في يومك أو يتركك وحيدًا تتساءل عن حكمته. هو لا يعلن حضوره، ولا يسأل عن أهليتك، لكنه يختار اللحظة التي يرى فيها أن قلبك مستعد للقاء أو للرحيل، فلا أحد يدرى متى ستتقاطع طرقنا مع من كتب لنا أن نلتقيه، ومتى سنمر بجوار من طالما انتظرناه، ولا نشعر إلا بمرارة الفقد أو دفء اللقاء.

………..

كانت الليلة من ليالي رمضان التي لا تهدأ؛ تلك الساعات التي يختلط فيها ضوء المحال المزدحمة برائحة المسك وحلوى القطايف، ويُخيّل للمرء أنّ الليل فيها قد اكتسب شيئًا من حيوية النهار.

وفي غرفة البنات، كانت هنا تجلس وسط أوراق متناثرة وكتاب مفتوح بجانبها، تحدّق في شاشة هاتفها بامتعاض. شعرت أنّ عينيها تكادان ترفضان متابعة سطور الـPDF، وأن رأسها لم يعد يستوعب شيئًا.

تنهّدت قائلة بقلق صريح:

ـ “أعمل إيه دلوقتي؟ عايزة أطبع المحاضرات دي وأسهر أذاكرها عندي امتحان الصبح ومش بحب أذاكر من PDF.”

رفعت” نور” رأسها من فوق الأوراق، وبدت ملامحها مرهقة لكنها مستعدة للمساعدة كالعادة، فقالت بخفة:

ـ” ابعتيهم لسنتر الواد حوسو، هيطبعهم طباعة زي الفُل.”

“هنا “نظرت لها بريبة:

ـ” هو هيبقى فاتح دلوقتي؟ الساعة بقت 12.”

قبل أن ترد نور، جاء صوت “سما” المتكئة على الاريكة في الخارج، التي كانت تشاهد التليفزيون وهي تأكل فشارًا، وقالت بثقة الخبيرة:

ـ” آه يا هنا بيفضل فاتح في رمضان لحد السحور، ابعتهملوا أنتِ بس وهو هيطبعهم .”

هزّت “هنا “رأسها باستسلام وهي تفتح الواتس آب:

ـ “خلاص هبعتهم له دلوقتي، وهنزل أجيبهم، أجبلكم حاجة وأنا راجعة؟”

“نور” لم تُفوت الفرصة، فقالت بضحك:

ـ” أي حاجة تيجي منك يا أختي، ربع لُب ولا كيسين تلاتة شيبسي أي حاجة يعني.”

ضحكت “هنا” وهي ترتدي ملابسها، وردّدت بغناء مَرح :

ـ” أي حاجة تيجي من ريحة الحبايب… تيرارارار”

نظرت لها “نور”بسخرية”والقت عليها جملة من جُملها الخبيثة:

ـ” يا باردة… يا أم خمسة في الميد!”

انفجرت” سما “ضحكًا لدرجة جعلتها تمسك بطنها واتت لهم في الغرفة، فالتفتت لها “هنا” بغيظ واضح:

” ـ هي مادة واحدة اللي جبت فيها كده! وبعدين يا حلوة أنا تخصص فاينل أصلًا، الميد ده للعيال التوتو.”

قالت “سما” التي لم تتوقف عن الضحك:

ـ “معلوم يا أبلة… مصدّقينك والله.”

“هنا” شهقت بصدمة، وأشارت لنفسها كأنها تجاهد لتصديق ما سمعت:

” ـ أبلة؟ أنا أبلة يا شحطة؟! ماكانوش خمس سنين فرق بينّي وبينِك يا بت!”

“سما “رفعت حاجبيها قاصدة استفزازها:

” ـ كمان بكبّرك! أنا غلطانة يا صغنن.”

كلمة صغنن أشعلت” هنا” غضبًا ناعمًا، وبدت على وشك الهجوم عليها، لكن “نور” وقفت بينهما وهي تضحك حتى دمعت عيناها:

“ـ خلاص بقى… أنتِ وهي!وأنتِ يا هنا انزلي هاتي حاجتك، والأستاذة سما تدخل تذاكر شوية.”

رفعت “سمها”يدها باحترام زائف:

” ـ حاضر يا أبلة نور، داخلة أهو.”

“نور” صاحت بغضب مصطنع:

” ـ يا حيوانة! أبلة في عينك! أنا غلطانة إني حوشتهاعنك.”

ضحكت “سما “وهربت إلى الخارج، بينما كانت “هنا” تنظرلها بقلق غريب، ثم قالت بصوت منخفض وهي تُعدّل حجابها:

“ـ بتهزر وتضحك! بس أقطع دراعي من هنا إن ماكان فيها حاجة غلط.”

زفرت”نور” بسخرية وقالت “:

” ـ دايمًا قلقانة وحاسة إن الناس كلها فيها حاجة غلط يا هنون. انزلي يا بنتي بقى عشان متتأخريش .”

هزّت” هنا” رأسها واستسلمت:

” ـ نازلة… يلا سلام.”

غادرت البيت، وكان الشارع يعجُّ بأصوات الناس وضحكات الأطفال وفرقعات الصواريخ. مرّت بطريقها على مطعم رقية، وألقت عليها السلام من بعيد.

رفعت “رقية” رأسها من وسط الزحمة وقالت بقلق يحمله صوتها دائمًا حين يتعلق الأمر بإخوتها أو أقرب الناس:

” ـ رايحة فين يا دكتورة؟”

أجابت “هنا” من الخارج دون أن تدخل:

“ـ سنتر حوسو، باعتاله ورق أطبعُه.”

هزّت “رقية” رأسها موافقة وقد اطمأنّت إلى أن الشوارع ما زالت مليئة بالناس:

” ـ ماشي يا حبيبة أختك، روحي بس متتأخريش.”

واصلت “هنا” طريقها حتى وصلت للشارع الجانبي المؤدي إلى السنتر، وكانت منشغله بالنظر للأطفال الذين يركضون ويلعبون بالصواريخ، لأجل ذلك لم ترَ الحائط البشري الذي اصطدمت به فجأة.

صرخت بعصبية وهي ترفع رأسها:

” ـ مش تفتـح يا عم إنت…”

لكن الجملة انطفأت على شفتيها حين رأت من يكون.

شهقت بضيق حقيقي:

” ـ تاني؟! تاني يا ابني؟! انت واقعلي في البخت ولا إيه؟”

كان مازن واقفًا أمامها، لكن ليس كأول مرةٍ،لا غضب، ولا حدّة، ولا سخريته المعتادة ، إنما ابتسامة هادئة، ابتسامة جعلت قلبها يخونها لحظة، حاول أن يغض بصره، لكنّه فشل، فأدار وجهه نصف التفاتة وقال بصوته الذي يحمل شيئًا مختلفًا هذه المرة:

” ـ أنتِ اللي بتمشي سرحانة يا دكتورة،ابقي ركّزي يا اختي… أحسن المرة الجاية تخبطي في عربية ولا حاجة.”

قالت بضيق واضح:

” ـ أعوذ بالله يا أخي! بتفَوَّل عليّا ولا إيه؟ وسَّع وسَّع خليني أشوف أنا رايحة فين.”

ابتعد خطوة، لكن فضوله كان أقوى منه، فسأل بلهجة جادّة:

” ـ وأنتِ رايحة فين بالليل كده ولوحدِك؟ الشارع ده بيطلع برا الحارة.”

وقفت بحدة وقالت:

“ـ وأنت مالك؟ بيطلع، بيدخل أنت مالك؟”

ضاق صدره بأسلوبها وردّ بلهجة تحذير:

” ـ بت أنتِ ، وطي صوتك،واخلّصي قولي رايحة فين؟”

صُدِمت:

” ـ بِت؟! أنا بت؟!”

قال ساخرًا:

” ـ إيه… ولد؟والله اللي تشوفيه،اخلّصي يا هنا… رايحة فين دلوقتي؟”

تجمدت للحظة،هنا! قال اسمها بطريقة مختلفة ، هزت رأسها تطرد الفكرة التي أتت علي بالها وقالت وهي تمر بجانبه:

“ـ سنتر حوسو، ارتحت كده؟”

قال على غير وعي، كأنه يكمل جملة لم يفكر فيها:

” ـ آه ارتح—

توقف فجأة ثم هتف بعصبية:

ـ” سنتر إيه بس؟! خدي خدي، تعالي هنا .”

توقفت بشك، فوقف أمامها بصرامة أكبر:

” ـ السنتر ده مليان شباب بالليل،روحي أنتِ وأنا هجبلك الورق لحد مطعم رقية.”

قالت بعناد:

” ـ انت مش ملاحظ إنك بتتدخل في اللي مالكش فيه؟”

قاطعها بحزم لا يقبل نقاشًا:

” ـ أنتِ بنت منطقتي يا دكتورة،وأنا ماقبلش إن بنت من هنا تروح مكان مليان شباب كده ولوحدها،ف روّحي وأنا هجيب لك حاجتك وكلامي انتهى، واتفضلي بقي اِخفي من وشي السعادي.”

فتحت عينيها بصدمة:

” ـ اِخفي؟!ماشي ماشي يا ابن البراق، هخفي،عشان ما أعملش جريمة بس والله لاقول لرقية.”

وذهب من أمامه وهي تهمس بعصبية مكتومة.

أما هو… فوقف مكانه يضحك لنفسه ضحكة صغيرة، قبل أن يلتفت ويسير في اتجاه السنتر.


جلست رقية في مطعمها، تحيط بها أصوات الطاسات ودفء الزيت في المقلاة، بينما كانت ناهد تغلف الطلبات بعناية لتصل للزبائن في وقتها المحدد، وهبه تساعدهما في ترتيب الطاولات وتنظيم الطلبات، كأنها تتابع كل حركة بعين حريصة. الجو كان مزدحمًا قليلًا، لكنه مألوف، يبعث في رقية شعورًا بالراحة والقدرة على السيطرة.

دخلت “هنا “فجأة، وجلسّت بجانب ناهد التي رفعت عينيها باستغراب. قالت” ناهد”، وصوتها مختلط بين الدهشة والفضول:

-“مالك يا بت؟ بوزك شبرين ليه؟ وفين الورق اللي قولتي رايحة أجيبه؟”

ردّت “هنا” بغيظ، :

-” ما جبتش حاجة، الرخم قابلني ورجعني.”

سمعت رقية الجملة، فرفعت صوتها قليلاً لتنادي محمود الذي استمر في التحايل عليها ليعود إلى العمل، فوافقت على ذلك، لكن بشرط أن يقتصر عمله على ساعتين فقط في اليوم.

-” محمود! تعالى هنا اقف مكاني شوية لما أشوف الحكاية اللي ورايا دي.”

ابتسم محمود ، ووقف مكانها . ثم التفتت” رقية” إلى” هنا”، وجلست أمامها عينها متسعة ونبرة صوتها صارمة:

-“مين الرخم اللي رجّعك ده؟”

أجابت “هنا” بغيظ واضح:

-” ابن البراق يا ستي.”

ارتفعت حاجبا “رقية” باستغراب:

” مهاب؟”

نفت “هنا” بسرعة:

-” لا لا، أبيه مهاب مش الرخم يا روقا، أخوه هو اللي رخم.”

ضحكت” رقية” ضحكة قصيرة:

-” مازن؟ بالله ده حتة سكرة.”

ردّت “هنا” بحدة:

-” سكرة؟ ده سم ده، عصبني ربنا يعصبه.”

ضحكت ناهد وهبه على كلامها، فقالت” ناهد” بمسايرة مرحة:

-” ليه بس يا هنون، عملك إيه الواد ده وأنا أحاسبه.”

تنهدت “هنا “وأخذت قضمة من الخيار، ثم قالت بضيق:

-” قابلني علي أول الشارع اللي مودي السنتر، وقاللي رايحة فين في الوقت ده؟ قولت له عشان أخلص، فقالي قال إيه؟ السنتر مليان شباب دلوقتي، وما بقبلش بنت منطقتي تروح هناك دلوقتي، فإِخفي من قدامي وأنا هجيب الورق وأجيبه على المطعم.”

“هبه “هزت رأسها بإعجاب:

-“طب والله جدع وابن أصول، بس مالك يا هنا بقي ؟الراجل ماغلطش.”

قبل أن ترد” هنا”، دخل مازن من باب المطعم، مبتسمًا:

-” السلام عليكم.”

ردوا السلام، ورقية تبسمت له، فقال وهويمد يده بالورق :

-“حاجة الدكتورة يا رقية.”

أخذت” رقية “الورق منه بابتسامة صغيرة:

-” تسلم يا مازن، تعبناك معانا.”

نظرت “هنا”لها باستغراب وقالت بضيق طفولي:

-” تعبناك؟ بقولك قالي إِخفي من وشي يا روقا.”

نظر لها “مازن ” بمرج وقال :

-” معلش، المرة الجاية هقولك “Get out of my face.”

ضحكت “رقية” بخفة،ثم قالت بهدوء:

-“مزعل البت اللي حيلتي يا ليه ابن البراق؟”

رد “مازن” بضيق:

-” يعني يرضيكِ تروح مكان مليان شباب دلوقتي؟”

ردت “رقية” بهدوء:

-” مكان إيه؟”

قال” مازن”:

-” سنتر حوسو يا رقية.”

ضحكت” رقية” ساخره:

-” الواد حوسو؟”

أكد” مازن”:

-” آه يا ستي، وعاده بيبقى لامم صحابه وقاعدين.”

تدخلت” ناهد” بنبرة سخرية:

-” حوسو؟ وصحابه؟”

ابتسم “مازن” باستغراب:

-” أيوه يا جدعان، مالكوا علّقتوا على الاسم ليه؟ هو حوسو والعيال صحابه.”

قالت” رقية” بابتسامة، مائلة برأسها:

-” ده عسل كده هو وصحابه.”

-“مين ده اللي عسل إن شاء الله؟”

سمعوا صوت مهاب يدخل المطعم من خلفهم، فتغير الجو قليلًا، وكأن المكان أصبح أكثر رسمية في لحظة، نظرت له رقية بتوتر .

قال “مازن” مبتسمًا:

-“أهو جيه الكبير ويحكم بينا بقى، عشان انتوا جننتوني.”

“رقية “حاولت التهرب:

-” لأ، أنا عندي شغل ومش فاضية لشغل العيال ده و…”

أشار لها” مهاب” بجدية:

-” اقعدي، هنشوف حوار العسل والبصل ده.”

جلست “رقية”، مكتومة ضحكتها، بينما سحب مهاب كرسيًا وجلس أمامهم:

-” مالكم بقي متجمعين كده وبتتخانقوا ليه؟”

قالت “هنا” بتسرع لطيف :

-” أنا هحكيلك يا أبيه وأنتَ تشوف بقي .”

نظر لها “مهاب” بابتسامه وقال :

-” احكي يا دكتورة .”

بدأت “هنا” تحكي له ما حدث، مهاب استمع بصمت، ثم قال بهدوء:

-” مازن معاه حق يا هنا، حتى لو الشباب ده سنهم صغيره، مايعدوش ستاشر سنه بس برضوا ناخد احتياطنا.”

ردت “رقية” بتحدٍ داخلي:

-” احتياط إيه؟ دول متربيين معانا في الحارة، وبعدين يابشمهندس مافتكرش إنكم كنتوا هتسيبوا ناس مش مأمنين ليهم يعيشوا معكم هنا ولا إيه؟”

ابتسم” مهاب” بضيق:

-” صح يا أنسة رقية؛ أي شاب في حارة البراق إحنا مأمنين ليه، ومستحيل يتطاول على بنت حتته، بس برضو ده ما يمنعش إننا نخاف على بناتنا، ومازن عمل كده بدافع الغيرة على بنت منطقته ومن رجولته.”

صمتت “رقية”، فكلامه كان منطقيًا. ثم التفت مهاب إلى هنا:

-” وماتزعليش من عصبية مازن يا هنا، هو بس لما عاندتي معاه اتعصب.”

“هنا” نهضت بهدوء:

-” لأ يا أبيه، خلاص حصل خير. عمومًا شكرًا للأستاذ مازن، عن إذنكم عشان عندي مذاكرة كتير.”

“رقية” ابتسمت لها:

-“روحي يا حبيبي مع السلامة.”

وقفت “هنا ” فجأة تتذكر:

-“ده أنا نسيت، مازن ماخدش حساب الورق.”

نظر لها”مازن ” بضيق وهمس بشئ لم يسمعه أحد

“مهاب” قال بصرامة:

-” امشي يا هنا من وشي، امشي.”

خرجت” هنا” غاضبة، تقول في نفسها:

-” إيه العيلة اللي ما تعرفش غير “امشي من وشي” و”اخفي من وشي”؟ وانا مالي، اروح أجيب حاجات حلوة من المحل وأتسلى بيهم وانا بذاكر.”

وفي الداخل نظرت “رقية” لمازن وقالت بشكر :

-“شكرًا يا مازن، ومعلش لو هنا قالت كلمة تدايقك.”

جلس” مازن” بجانب ناهد مبتسمًا وقال بأسلوبه المرح:

-” لا يا رقية، ولا يهمك يا ستي. هاتولي خمس ست سندوتشات، وانا هبقى صافي من نحيتكم أوي.”

ضحكت” رقية “غصب عنها، بينما نظر مهاب له بحدة والتفت لمازن وقال بهدوء مخيف :

-” قوم روح.”

نظر له “مازن ” بخوف من نظرته وقال :

-“نعم !”

قال “مهاب ” بضيق :

-” قوم روح! عشان يعني تخلص الشغل اللي سلمتهولك الصبح .”

أومأ” مازن” وهو يذهب من أمامهم بسبب نظرات أخيه :

-” حاضر يا كبير، أنا أصلًا ما بتسحرش دلوقتي، سلام يا جماعة.”

وذهب من المكان ، فتعالت ضحكات” ناهد” وقالت لمهاب:

-“يا مفتري، كنت تسيب حتة السكر ده ياكل.”

نظر لها بسخرية:

-” حتة سكر اه؟ اسكتِ يا ناهد والنبي.”

“رقية” بضجر:

-” هنشوف شغلنا ولا هنقضيها كلام؟”

ابتسم “مهاب” وقال بغمز لناهد:

-هنقضيها كلام، قومي يا ناهد شوفي الشغل انتِ ومدام هبه، عشان عايز الاستاذة في كلمتين.”

“رقية “نظرت لناهد بتحذير لكي لاتستمع له ولكن ناهد قالت بابتسامه

-” حاضر يا حبيبي، كلمتين عشرة براحتك يا غالي.”

وبالفعل بدأت العمل هي وهبه، بينما جلست رقية تواجه مهاب، الذي أخذ نفسًا عميقًا:

-” هنفضل كده كتير يا بنت المهدي، من يومها وأنتِ مش طايقاني وما بتتكلميش معايا.”

ردت بغضب:

-“وانا كنت بتكلم معاك أولاني يا ابن البراق؟”

قال لها بهدوء :

-” لا يا رقية، ما بتتكلميش، بس على الأقل ما كنتيش بتبصيلي بغضب كده، والله كنت خايف عليكِ وكنت هقولك.”

قاطعته:

-” تقول امتى؟ قلبي كان بيتقطع على أخويا وانت وصاحبك عارفين هو فين وبيعمل ايه وتسيبني كده زي الأطرش في الزفة.”

أغمض عينيه بألم من نبرتها المختنقة وقال بتسرع :

-” والله مالحقت أعمل حاجة، أنا يادوب عرفت وروحنا جبناه ووصلنا الشقة لقيناكِ ورانا .”

نظرت له بتساؤل وقالت :

-” ولو ماكنتش جيت وسمعت ، كنت هتقولي ،؟”

قال بهدوء :

-” يومها لأ، وماتبصيش كده، أنا لو عليا ما كنتش هعرفك غير لما يبقى كويس، بس عشان عارف إنه ماكانش ينفع، كنت هقولك تاني يوم بهدوء ، عمري ما كنت عايزك تعرفي بالطريقة دي .”

قالت بقهر:

-“مش هيفرق الاسلوب يا هندسه، النتيجة واحدة.”

تنهد بصوت منخفض وحزين:

-” خلاص، بتعدي يا رقية، يبقى بلاش نفكر في اللي حصل ونركز دلوقتي، سيف خلاص بيتعافي وانتِ شوفتي بنفسك،يبقي كفاية بقي ، والله تعبت.”

أزاحت بصرها نحو الأرض بسبب نبرته الحزينة التي جعلت قلبها يخفق بسرعة، فحاولت أن تقول بنبرة هادئة تُخفي بها مشاعرها المتأثرة التي تكاد تظهر:

-” خلاص يا باشمهندس، انت برضو تُشكر وقفت جنب أخويا، وانا ولا زعلانة ولا حاجة، يعني أنتَ بتعمل كده مع أي حد في حارة البراق وواحنا اسفين علي تعبك و..”

قاطعها وهو يتقدم نحوها بغضب:

” تصدقي وتُؤمني بالله.”

قالت بخوف:

-” لا اله الا الله.”

وقف ومالَ نحوها بعض الشئ وقال هامسًا:

-” أنا غلطان أني بتكلم معاكِ بالالغاز، كله بعد كده هيبقى على المكشوف يا بنت المهدي، شايفة دقني دي؟”

سألته برهبة وهي تبتلع ريقها بتوتر:

-” مالها؟”

رد بجدية ووعد صادق خرج من قلبٍ عاشق :

-“ما تبقاش على راجل لو ما اتكتبتيش على اسمي قبل ماتعدي السنة دي يا بنت المهدي، ومن غير سلام.”

وخرج، تاركًا رقية مذهولة من كلامه وأسلوبه،وقفت مكانها، كتفها يرتفع وينخفض مع كل شهيق وزفير، كأن الهواء نفسه أصبح ثقيلاً من حولها. تتابعت عينيها وراء مهاب وهو يبتعد… خطوةً وراء خطوة… حتى توقف عند باب المطعم.،استدار نصف دورة وكأنه سيعود ليقول كلمة أخرى… لكنه لم يفعل. شدّ الباب ومشى، مخلّفًا وراءه عبير رجولته، وغضبه، وقلقه، وقرارًا أكبر من كلٍ منهما.

رفعت رقية عينيها نحو السقف، محاولةً كبح دمعة عنيدة لم تكن راغبة في الانصياع. تنفست وتنفست مرة أخرى ثم قالت بصوت خافت، محطم، لا يسمعه أحد سوى نفسها:

-“آآآه ، طب اعمل ايه ياربي ؟ أقوله رافضة ليه واريح نفسي؟ بس هو مش هيرتاح !”

تنتهدت بألم ،وسحبت مريلتها، ومسحت خديها بسرعة قبل أن يلحظ أحد، ثم عادت إلى شغلها…

ليس لأنها بخير، ولا لأنها تملك طاقة، بل لأن الحياة لابد أن تستمر… حتى وإن توقف القلب.


خرج مهاب من مطعم رقية، يمشي في الشارع بخطوات متسارعة، كأن الأرض تتقلص تحته من غضبه المكبوت. لم يشعر بالهواء حوله إلا حين وجد نفسه أمام” يوسف”، الذي وضع يده على كتف مهاب محاولةً تهدئته:

-” حيلك حيلك يا صاحبي بالراحة يا عم.”

نظر مهاب إليه بصمت، وعيناه تعكسان ضيقًا واحتقانًا داخليًا، فتقدم” يوسف “بخوف وقلق:

-” مالك يا مهاب؟ شكلك كأنك طالع من ساحة حرب أنتَ كنت فين؟”

أجاب “مهاب” بغضب مكبوت، كأنه يطلق الشرر من بين أسنانه:

-” كنت عند بنت خالتك.”

ضحك” يوسف” بمرح، مزيج من الدعابة والفضول:

-” مش بقول ساحة حرب؟ عملتلك إيه؟”

نفخ “مهاب” بأنفاس ثقيلة، ضاغطًا على شفتيه:

-” رفعتلي ضغطي.”

ضحك “يوسف” برجولة، معبرًا عن إعجابه واعترافه بالقوة التي تمثلها رقية:

-” أستاذة هي في رفع الضغط، هي بتعرف تعمل حاجة غيره؟”

تراجع “مهاب” عن ضيقه للحظة، كأن ذكرها أزال عنه جزءًا من غضبه ، التي كانت هي السبب بِه:

-” بتعمل كثير.”

ابتسم “يوسف” بسخرية، وغمز بعينه:

-” أممم، وبتعمل إيه تاني يا عاشق زمانك؟”

أجاب “مهاب” بنبرة خاصة، لا تخرج إلا عند ذكرها، نبرة محبوسة بين الغضب والإعجاب والغرام:

-” ملففاني حوالين نفسي و مطيرة النوم من عيني من غير أي مجهود منها يا يوسف و من غير ما أطول منها كلمة واحدة… تخيل لو طولت!”

ضحك “يوسف “بملء صدره، كما يضحك الرجل على شدة تعلق أخيه بشيء جميل لكنه مؤرق:

-” هتتجنن يا حبيب أخوك… لو طولت هتتجنن والله.”

قال “مهاب “بضجر، محاولًا كبح نفسه:

-” وانا راضي يا عم والله راضي يا خلق، استغفر الله المهم سيبك مني… أنتَ رايح فين كده؟”

أجاب” يوسف” بهدوء:

-” رايح الصيدلية أجيب الدواء لسيف، أنتَ مش راجع البيت معايا ولا إيه؟”

نظر” مهاب” إلى ساعته، ثم أجاب بالنفي:

-” لأ، أنا هبات في بيتنا النهاردة، عمك عامر عايزني أخلص شوية حسابات في الورشة ولسه ما خلصتش منهم حاجة فهروح أشتغل عليهم، وانتوا لو احتجتوا حاجة اتصل بيا على طول.”

ابتسم” يوسف “وقال بمودة:

-” طيب يا حبيب أخوك، يلا روح بالسلامة، وأنا هكلمك عشان عايزك في مشوار كده بكرة.”

نظر” مهاب” له بتساؤل، عيناه مليئتان بالفضول والدهشة:

-” مشوار إيه يا جو؟ هتتجوز ولا إيه؟”

ضحك” يوسف “بصوت عالٍ، ضحكًا مليئًا بالمكر والدعابة:

-” لا يا عم لا يلدغ المؤمن مرتين، مشوار حلو كده بس خليه لبكرة.”

قال” مهاب” مبتسمًا :

-” ماشي نخليه لبكرة عشان خاطرك، سلام يا صاحبي.”

رد” يوسف” بابتسامة ودّية:

-” سلام يا ابن البراق.”

فانفصل كل منهما في طريقه، يختفي كلٌ في زوايا الشارع، تاركين خلفهم صمتًا متشابكًا بالدهشة، والمشاعر، والتوقع لما قد يأتي غدًا.

……….

في صباح هادئ، على غير عادته، كان نور الشمس يتسلل بخجل من خلال ستائر غرفة نادين، يرسم خيوطًا ذهبية على الأرضية الخشبية والحوائط البيضاء. وقفت نادين أمام مرآتها، رتّبت حجابها بعناية، كل طية وكل ثنية بحركة متأنية، ثم رشّت رشة من عطرها المفضل عليه، فانتشر في الجو عبق خفيف يلازمها كظِل.

التفتت بعد ذلك لترتب أوراقها في حقيبتها، تتأكد من كل شيء وبينما كانت تضع آخر ورقة في الحقيبة، سُمعت صوت خطوات خفيفة عند الباب، تلاه صوت فتحه بهدوء.

دخلت انتصار الغرفة، عينها تحدق في نادين بعينين تملؤهما الريبة والتحكم، وكأنها تحاول قراءة كل تفصيلة من حركات ابنتها وتقييمها بدقة. توقف لحظة، تتفحص المكان والابنة، كأنها تقيس كل زاوية من الغرفة وكل خطوة من خطوات نادين، قبل أن تبدأ الحديث.

نظرت نادين إليها بابتسامة هادئة، ودمجت بين الأدب والهدوء الذي تعودت عليه مع والدتها، وقالت:

-” صباح الخير يا ماما ، صاحية بدري يعني ؟”

نظرت إليها انتصار بهدوء، ثم قالت:

-” أنتِ رايحة الشغل برضوا ؟”

نظرت لها “نادين ” باستغراب وقالت :

-” آه عادي ، هو أنا كُنت قولت لحضرتك قبل كده أني هسيب شغلي ؟”

قالت “انتصار ” بضيق :

-” لأ بس بصراحة أنا مش عاجبني شغلك واللي أنتِ بتعمليه.”

ابتسمت “نادين ” وقالت بنبرة تحمل شئ من السخرية :

-” وأنتِ من أمتي بيعجبك حاجة بعملها يا ماما ؟”

نظرت لها “انتصار ” بغضب وقالت انتبهي لأسلوبك معايا يا نادين ، وآه مش عاجبني حاجة خالص ، أنا من الأول رافضة شغلك كموظفة في الشركة دي ، إزاي يعني بنت البراق تشتغل تحت إيد حد بالسهولة دي ، وخليكِ فاكرة إن أي حاجة ببقي رافضاها في البداية بتقلب عليكِ بنكد في الأخر ،زي جوازتك من يوسف كده.”

نفخت “نادين ” بضجر وقالت بضيق :

-” ماما لو سمحتِ ماتفتحيش الموضوع ده تاني ، ثم إن حضرتك كنتِ عايزاني ابقي مديرة الشركة مثلًا؟! أنا شغالة في شركة كبيرة ومعروفة وفي خلال وقت صغير قدرت أترقي في شغلي وأحقق إنجاز حلو ، عايزة إيه مني تاني ؟”

حدّقت أمها فيها بضيقٍ يفضح امتعاضها من طريقة تفكير ابنتها، ثم اقتربت منها خطوةً بعد أخرى، وقالت:

-” بس موظفة يا نادين برضوا ، ليه ماتقوليش لابوكِ يعملك مشروع خاص بيكِ ، وأهو تبقي المديرة والمالكة .”

نادين بسخرية :

-” وأخسر المشروع وأخسر بابا فلوسه ! ، ماما يا حبيبتي أنا عارفة قدراتي كويس ، آه أنا شاطرة في الشغل بس في شغل المحاسبة اللي هو دراستي أصلًا والموديريتر اللي أنا برضوا بقالي اربع سنين بشتغل فيها اونلاين ، بس أنا دلوقتي حابه اشتغل في مجال دراستي أكتر ، أنا مش بتاعة مشاريع وأبقي المسؤول الأول والأخير عن الشغل ، مش حمل ده أنا .”

قالت لها “انتصار ” باستغراب :

-“ماكنش ده كلامك من كام شهر يعني ، كنتِ كُل اللي يهمك كيانك وشغلك وأنك تخرجي من الحارة .”

تنهدت “نادين” وقالت وهي تنظر لأمها ببرود

-” ولسه يهمني كل ده ، بس من غير ضغط يا ماما.”

نظرت لها “انتصار “وقالت بغضب :

-” قصدك إني كنت بضغط عليكِ ؟”

-” أنا ماقولتش كده ،بس بعد إذنك يا ماما مش كل ماتشوفي وشي تقوليلي الكلمتين دول وتفكريني بجوازي وطلاقي اللي أنتِ كنتِ أكتر حد مشجعني عليه!”

قاطعتها “انتصار “بعصبيه :

-” وأنا شجعتك ليه؟ مش عشان عايزالك مستوي أحسن من اللي كنتِ معاه ؟ قوم أنتِ تروحي لمكانة أقل وبعدين يا نادين هانم أي قرار اخدتيه فأنتِ المسؤولة عنه ماتجيش دلوقتي تقولي ماما اللي شجعتني ؟”

-“صوتكم عالي ليه ياماما”

قاطعهم صوت مهاب ودخوله الغرفة ، فتنهدت نادين بضيق ونظرت لأمها التي ولأول مرة تلاحظ أنها كانت تحت سيطرتها بالكامل ، وأن والدتها تهتم بالمكانة والسلطات أكثر من أهتمامها بمشاعر ابنتها ، تنهدت ونظرت لمهاب الذي ينظر لهم بتساؤل فقالت بهدوء :

-” ولا حاجة يا مهاب ، ممكن توصلني في طريقك للشغل عشان ماتأخرش؟”

نظر مهاب لأمه وهو متأكد أنها فعلت شئ سئ كعادتها ، وقال لنادين بهدوء :

-” يلا يا حبيبي ، يلا قدامي عشان منتأخرش .”

واقترب من أمه وطبع قبله علي رأسها وقال :

-” صباحك رايق يا ست الكل ، بعد اذنك بقي عشان عندنا شغل “

وأمسك بيد أخته وسار معها في هدوء، تحت نظرات انتصار التي كانت تشعر بأن أبناءها ينفلتون من دائرة سيطرتها شيئًا فشيئًا.

….

خرجت نادين مع مهاب من باب البيت، وكانت تسير بجواره بخطواتٍ سريعة وكأنها تريد إنهاء النزول قبل أن تُفتَح أمامهما أي سيرة جديدة.

مال” مهاب” برأسه نحوها قليلًا، وابتسامة خفيفة معلّقة على شفتيه وهو يقول بنبرة مرحة:

-” السوسة عملت إيه؟ خلّت انتصار هانم تتعصب كده؟”

ضحكت” نادين “ضحكة قصيرة، ثم قالت وهي تعدّل الطرحة فوق كتفها:

-” والله ما عملت حاجة يا بني هي بتتعصب على طول.”

هزّ مهاب رأسه وهو يفتح باب السيارة لها، نبرة خفيفة من المزاح تختبئ تحت كلماته:

-” قلبي مش مرتاحلك، بس اركبي، اركبي عشان متأخر على المعرض.”

جلست “نادين “وهي تضحك، ثم أغلق هو الباب واتجه لمقعده، شغّل السيارة، وانطلق من شوارع الحارة التي بدأت تستيقظ على أصوات الباعة ووقع الخطوات.

واصل القيادة حتى وصل أمام ورشة يوسف. كان يوسف يجلس خارج الورشة على كرسي خشبي، يميل للأمام قليلًا كعادته في الصباح.

أوقف” مهاب “السيارة، أنزل الزجاج، وقال بصوته الهادئ المعتاد:

-” صباحو يا معلم يوسف.”

التفت “يوسف “بسرعة، وكان على وشك أن يرد بحماسه المعروف، لكن عينيه وقعت على نادين الجالسة بجوار مهاب.

لم يشعر بشيء لا رجفة قلب، ولا غصة ولا حتى ضيق خفيف.

ولدهشته، اكتشف السؤال الذي كان يتجاهله منذ فترة:

هل خرجت بالفعل من قلبه؟ هل انتهت؟

والإجابة جاءت واضحة داخله: نعم. انتهت والدليل علي ذلك أنه لم يشعر بشيء؛ لا وجعَ الحنين ولا لسعةَ الكراهية… سيطرةُ ذلك العادي الصامت على قلبه كانت الدليل الأصدق على أنّ ما كان يومًا حبًّا، قد انطفأ

نهض واقترب من نافذة السيارة وهو يقول بابتسامته المعهودة:

-” صباح الفل يا هندسة. حاول على عشرة كده تفضّي نفسك… هجيلك ونروح مشوارنا، ماشي؟”

ابتسم” مهاب” وهو يجلس مستقيمًا خلف المقود:

– أفضّالك من دلوقتي يا عم عيوني ليك. يلا مش هعطّلك، سلام مؤقت.”

حرّك السيارة مبتعدًا، دون أن ينتبه لنظرة نادين التي تبعته طيلة ثوانٍ، أول ما لمحَت يوسف صاحب تلك العيون اللامعة دق قلبها.

دقّتين واضحين، كأنهما يفضحانها أمام نفسها.

شيء غريب؛غريب على قلبها، وغريب على ما فعلته به…

لكنها شعرت فجأة أنها اشتاقت له ؛ أكثر مما كانت تتوقع.

قطع مهاب شرودها بصوته الهادئ، وكأنه قرأ ما يدور في رأسها:

-“ما تسرحيش كتير، عشان اللي راح مش هيرجع تاني ، وخصوصًا لو راح بطريقة توجع.”

لم ترد. اكتفت بأن تهز رأسها وتنظر من النافذة حتى توقفت السيارة أمام الشركة، نزلت دون أن تقول شيئًا، وأغلق مهاب الأبواب وهو يراقبها تعبر البوابة.

ثم شغّل السيارة من جديد، وتمتم بصوت خافت يحمل مرارة لم يعرف هو نفسه كيف خرجت:

– الندم صعب صعب قوي، بس ما بيعملش حاجة.

وانطلق بعيدًا.


دخلت” نادين” إلى المكتب المشترك بخطوات هادئة، وارتسمت على وجهها ابتسامة بسيطة وهي تقول بصوت دافئ:

-“صباح الخير يا بنات.”

بادرتها” منار “بحماسة معتادة:

-“صباح الفل يا نادين.”

أمّا غادة، فرفعت عينيها عن شاشة الحاسوب وردّت ببرود شديد، حتى إنّ نادين توقفت لحظة تحدّق فيها باستغراب من جمودها الدائم، لكنها تجاهلت الأمر كعادتها.

التفتت إلى “منار” وقالت بجدية لطيفة:

-“خلصتِ الشغل اللي معاكِ؟ إحنا لازم نسلّم الملف النهاردة لمدير الحسابات.”

هزّت” منار” رأسها بحزم، ثم مدت يدها بملف مرتب وقالت:

-“أيوه، خلّصته الحمد لله. خُديه وراجعيه مع الملفات اللي عندِك، عشان تبقي جاهزة للتسليم.”

أخذت” نادين “الملف منها وقالت بنبرة نصف مازحة ونصف قلِقة:

-“يارب يعجب الأستاذ محمد سالم… الراجل ده لو الملف مش عاجبه بيطلع عصبيته عليّ. مش عارفة بيكرهني ليه.”

ضحكت” منار “وهي تلوّح بيدها نفيًا:

-“كُره مرّة واحدة؟ لا يا شيخة، هو بس عصبي كده على طول. إنتِ ركّزي في شغلك وماتشغليش بالك.”

أومأت نادين برأسها، وجلست تراجع الأوراق بتركيز شديد، حتى انقطع تركيزها برنين الهاتف على مكتبها. التقطت السماعة وردّت بنبرة رسمية:

-“أيوه يا فندم… ، لأ جاهز ..حاضر، جاية حالًا.”

أغلقت الخط ونظرة استغراب ترتسم على وجهها. التفتت إليها منار وسألتها بفضول:

-“مين يا بنتي؟ ورايحة فين؟”

وقفت” نادين” تجمع الملفات بسرعة وهي تقول بلمحة توتر:

-“ده معتز، سكرتير رئيس مجلس إدارة الشركة.”

فتحت “منار” فمها دهشة وقالت بصوت مرتفع قليلًا:

-“إيه؟ احلفي! طب وعايز إيه؟”

سحبت “نادين” نفسًا عميقًا، وظهر التوتر الخفيف في حركة أصابعها وهي تضم الملفات إلى صدرها:

-“ماعرفش… قالّي آخد ملف الحسابات بتاع الصفقة الجديدة واروح له على المكتب فورًا. هشوف عايز إيه.”

ضحكت “منار” بخفّة، رغم القلق الذي بدأ يتسلل إليها:

-“روحي، ربنا يكون في عونِك يا بنتي.”

صعدت” نادين” المصعد حتى وصلت إلى الطابق الأخير من مبنى الشركة، حيث يقع مكتب رئيس مجلس الإدارة. كان الطابق هادئًا على غير العادة، والإضاءة فيه أكثر نعومة من باقي الأدوار؛ مما زاد في قلبها توترًا لا تعرف مصدره. تقدّمت بخطوات حذرة نحو مكتب السكرتير، وطرقت الباب بخفة قبل أن تلقي نظرة سريعة إلى الداخل.

كان معتز جالسًا خلف مكتبه، شابًا هادئ الملامح في عقده الثاني، يحمل مظهر الموظف الذي لا يتأثر بأي شيء مهما كانت الظروف. رفعت نادين ابتسامة خفيفة وقالت بصوت رسمي:

-“صباح الخير يا أستاذ معتز… الملف معايا.”

رفع نظره إليها وأجاب بنفس هدوئه المعتاد:

-“صباح النور يا أستاذة نادين. المدير هو اللي طلبك، تقدري تدخلي له دلوقتي، هو منتظرك.”

رفعت حاجبيها بصدمة خفيفة وقالت بسرعة:

-“المدير؟ و… وعايزني أنا؟ طب ما تعرفش ليه؟”

عاد معتز إلى عمله دون أن يرفع رأسه، وقال ببساطة:

-“لما تدخلي هتعرفي. اتفضّلي.”

ابتلعت ريقها، والتفتت ناحية باب المكتب الكبير. شعرت باضطراب خفيف في صدرها، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن ترفع يدها وتطرق طرقة خفيفة.

جاءها صوته الرجولي الحازم من الداخل:

-“اتفضّلي.”

فتحت الباب ودخلت بخطوات محسوبة، قائلة باحترام:

-“صباح الخير يا فندم، بلغوني إن حضرتك عايزني.”

رفع عينيه عنها، قال بهدوء رزين:

-“صباح الخير يا أستاذة نادين. أيوه، أنا طلبتك. اتفضّلي اقعدي… بس قبل ما تقعدي، رجّعي الباب اللي قفّلتِه.”

تجمّدت لثانية، وحدقت في الباب ثم فيه، وقالت بتوتر خفيف:

-“آه… حاضر يا فندم.”

التفتت لتفتح الباب قليلًا، تركته نصف مفتوح كما فهمت، ثم عادت وجلست أمامه بهدوء قدر استطاعتها.

أشار لها برأسه وقال:

-“اتفضّلي.”

مدت الملف على المكتب:

-“ده ملف الميزانية يا فندم.”

أخذه منها، وفتح الأوراق وبدأ يقلب الصفحات بدقة شديدة. في أثناء مراجعته، ظلّت نادين جالسة في صمت، تراقب حركة عينيه فوق الأرقام، ضربات القلم على الأوراق، كل شيء فيه يوحي بأنه لا يجامِل أحدًا.

بعد دقائق، أغلق الملف ببطء ثم رفع رأسه إليها وقال بإعجاب واضح:

-“بصراحة شغل نضيف جدًا، ومنظّم، وميزانية معمولة بدقّة زي ما كنت طالب بالضبط، وأكتر كمان.”

شعرت بسعادة صادقة، وانفرجت شفتيها عن ابتسامة خفيفة وهي تقول:

-“شكرًا يا فندم، ده شغل الفريق كله الحقيقة.”

هزّ رأسه بإشارة نفي:

-“لا، ما تبخسيش مجهودك. انتي بقالِك فترة مش كبيرة في الشركة، لكن واضح إنك عارفة بتعملي إيه واثبتي إن تستاهلي تبقي معانا. ودي حاجة تحسبلك وعشان كده أنا حبيت أقابلك النهاردة وأقولك إنك خلاص اتثبتي معانا في الشركة ومكانك محفوظ.”

ازدادت ابتسامتها اتساعًا، وقالت بحماس مُهذّب:

-“ده شرف كبير بالنسبة لي يا فندم، وشكرًا على كلام حضرتك.”

أغلق الملف ووضع قلمه فوقه، ثم قال بنبرة عملية:

-“تمام، تقدري ترجعي مكتبك، ولما نحتاج أي تحديث في الميزانية هنبعتلك.”

وقفت “نادين” فورًا، وقالت باحترام:

-“تمام يا فندم، شكرًا لحضرتك.”

خرجت من المكتب بخطوات أسرع قليلًا، ويديها لا تزال ترتجف بخفة من رهبة اللقاء. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى تنفست بعمق، وكأنها تستعيد اتزانها من جديد، ثم اتجهت نحو مكتبها وهي تشعر بأن يومها بدأ يأخذ شكلًا مختلفًا تمامًا.

داخل المكتب، كان ذلك الرجل جالسًا خلف مكتبه، يمسك ببعض الأوراق، يراجعها بعناية وهدوء. فجأة، طرقات تصاعدت علي الباب برفق، فدخل رجل في الخمسين من عمره، يحمل صينية القهوة. وضعها على المكتب بابتسامة خفيفة، فقال صاحب العيون اللامعة :

-“شكرًا يا عم حامد، بس مش أنا قلتلك قبل كده إنك بس تشرف عليهم وتخلي حد من الشباب اللي شغالين هو اللي يجيب القهوة؟”

ابتسم الرجل بهدوء، ونظر إليه بعينين ممتلئتين بالاحترام والامتنان:

-“الله يخليك يا طاهر بيه، بس أنا أحب أجيبلك القهوة بنفسي.”

ابتسم “طاهر” ابتسامة صافية، مرحة، وقال بمرح خفيف:

-“بيه كمان؟ لأ يا عم حامد، إحنا محتاجين إعادة تدوير. الله يخليلك، بلاش بيه وأستاذ والكلام ده… انت هنا قد أبونا، وإحنا زي عيالك، ولا ماننفعش؟”

هز الرجل رأسه باحترام وامتنان، وقال سريعًا:

-“ده حضرتك تشرف أي حد والله.”

أومأ “طاهر” برأسه وقال:

-“تسلم يا راجل يا طيب.”

ابتسم الرجل، ثم أخذ يلوذ بالخروج قائلاً:

-“الله يحفظك يا بني،عن إذنك أنا أخرج.”

خرج الرجل، وهو يدعو في نفسه لصاحب القلب الطيب، الذي لم يشعر الناس يومًا أنه مديرهم أو أغنى منهم. إنه طاهر المحمدي، ذو الشعر البني والعيون السوداء، والقلب الذهبي، في الثانية والثلاثين من عمره، الحفيد الأكبر لعائلة المحمدي، ورئيس مجلس إدارة شركة “ديزاين هاوس” بعد أن تسلم الإدارة بعد تعب والدته منذ عام.

ظل طاهر جالسًا، يمسك أوراقه، نظراته هادئة، وعيناه تحملان الرصانة والحنكة، قلبه الكبير ممتلئ بالمسؤولية، وعقله دائمًا منشغل بخطوات الشركة المقبلة، دون أن تفلت منه لمحة من حنانه تجاه من حوله.

تعليقات