رواية عن العشق والأسر وما بينهم الفصل الثاني 2 بقلم نورهان ال عشري


رواية عن العشق والأسر وما بينهم الفصل الثاني بقلم نورهان ال عشري 


 _ الأسر الثاني 🫀🫂


يُحكى أن في الروح حكايات لا ترويها إلا لذلك الذي تشعر نحوه بالألفة ، و ها قد ألفت روحي قربك للحد الذي جعلني انسج حروف الغزل من اسمك و أدون ابيات الشعر في وصفك. و اتلهف للحظات خاطفة تجمعني بطيفك…


نورهان العشري ✍️


🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁


واقفًا كـ الأمراء بطلته الخاطفة ووسامته الخشنة التي تلائم سنوات عمره السبعة والعشرون، ناصبًا عوده وعينيه تبحران بملل على أوجه الناس حوله، فقد كان يمل من الكل، الحفلات الصاخبة، وتلك الوجوه الكاذبة، والضحكات المزيفة، ولكنه مجبر أن يتحمل، حتى لا يغضب والده الذي لا ينفك يحاصره من كل اتجاه، حتى يختار له عروس هو لا يحتاج لوجودها في الوقت الحالي، أو لنقل أنه لم يجد من تشعره بأنه كان ناقصًا بدونها. يعلم بأن الزواج اكتمال للدين وللحياة، ولكنه لم يجد أنثى يشعر بأنها اكتمال لروحه. 


زفر بحنق وهو يشاهد الفتيات اللائي كن يتهامسن، وهن ينظرن إليه بإعجاب، لا يحاولن إخفاءه، مما جعل ابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه وهو يتخيل نفسه مقترنًا بواحدة من هؤلاء المراهقات الغبيات ترهقه بثرثرتها ودلالها السخيف، حتمًا لن يتحمل سيقتلها بعد مرور خمس دقائق برفقتها.


رفع كأسه يرتشف منه عله يبعد عن جوفه ذلك الشعور الماسخ وإذا بعينيه تلتقطان ملاكًا يخطو بنعومة الفراشات إلى داخل الحفل. ظل الكوب معلق بين يديه وشفتيه وهو يناظر تلك المرأة الساحرة، التي توقفت في وسط القاعة كـ الغزالة الضائعة، التي تتلفت يمينًا ويسارًا وكأنها تبحث عن منقذ من بين براثن تلك العيون التي تلتهم حُسنها التهامًا، بينما هي كانت دقات قلبها تقرع كالطبول، ما أن خطت أولى خطواتها إلى داخل الحفل حتى بلغ طنين قلبها أذنيها، وزادت ارتجافة جسدها حتى باتت خطواتها ثقيلة، 


وعلى الرغم من انتفاخ الفستان، ولكنه لم يكن ثقيلًا، بل الثقل كله كان بداخل قلبها الذي يشعر بأن كل ما يحيط به مخيف للحد الذي جعلها تأخذ قرارها بالعودة من حيث أتت، وما أن أوشكت على الالتفات، حتى تفاجئت بنبرة صوت تعرفها جيدًا خاصة تلك البحة الرجولية المهلكة لرجل سلب من عينيها النوم لـ ليالي طوال. 


_انتظرى…


في بادئ الأمر ظنت أنها تتوهم، ولكن اجتاحتها سخونة حارقة سرت في أوردتها حين لامست أنامله الخشنة رسغها، لـ يوقفها عن الحركة فإذا بها تلتفت كـ المنومة مغناطيسيًا تناظره بـ أعين برقت من شدة الصدمة، 


فتوسعت على وسعها، فكان أول شيء وقعت عليه نظراته التي تعلقت به لوهلة غارقًا بين دفء غريب انبعث من بين شمسها المندملة بين جفونها، والتي تراشقت سهامها بصدره الذي خفق بعنف جعل أنفاسه تتهدج وهو يقول:


_ من أنتِ؟


أعادها صوته إلى الواقع مرة ثانية وخرج نفس قوي من جوفها، لم تكن تعلم بأنها كانت تحتجزه بين ضلوعها، وقبل أن توشك على إجابته صدح صوت موسيقى قوية في الأرجاء، ودون أن تشعر وجدت نفسها محاطة بين ذراعين قويين واحد يحيط بها والأخر يمسك بيدها، بينما جسدها يتمايل على أنغام الموسيقى، وعينيها التي كانت أسيرة لعينين بلون القهوة لطالما رسمتهما بدفترها، حتى انطبعت صورتهما فوق جدران قلبها. 


_لم تجيبيني؟


حاولت إخراج صوتها بصعوبة فبدا همسًا حين أجابته: 


_عن ماذا؟


بالكاد وصل إلى مسامعه همسها، فأجابها بنبرة خشنة:


_ما هو اسمك؟


_ريم."


أجابته باختصار، وأنفاس توشك أن تنقطع، فقام بإدارتها بخفة فقد كانت كالفراشة بين يديه تتناثر خصلات شعرها بتمرد حولها، فشعر بها وكأنها تلتف حول قلبه، الذي تعثرت نبضاته بقوة فقام بإعادتها إليه مرة أخرى، وهو يقول بلهاث محموم: 


_هل أخبرك أحدهم كم أنتِ جميلة؟


لم تحلم يومًا بأن ينظر إليها، والآن هي تراقصه وتغازلها شفتيه كان هذا أكثر ما يمكن أن تتحمله فهمست بخفوت:


_ لا.


شعر بضياعها، وحاول التخفيف من وطأة خجلها، الذي كان شهيًا للغاية، فأردف بمزاح: 


_ هل تسكنين بقرية العميان؟


ابتسمت بخفوت قبل أن تجيبه بنبرة خافتة:


_ لا، ولكنِ لا أتحدث مع الغرباء.


لمعت عينيه بسعادة، وقال بغموض: 


_جيد، لا تفعلي إذن حتى لا اضطر لقتلهم جميعًا.


لم تفهم ما يرمي إليه فقالت باندفاع: 


_ماذا؟ ماذا تقصد؟


لم يكد يجيبها حتى انتهت الموسيقى، فقام بسحبها معه وعينيه لا تفارقانها وهو يقول:


_ تعالي معي.


سارت خلفه دون أي مقاومة إلى أن وصلا إلى الشرفة، فداعب الهواء النقي بشرتها وتلاعب بخصلات شعرها، مما جعلها تتماوج بخفة حولها فكانت تحيط بها كهالة مشرقة طغت على سواد الليل، الذي كانت هي قمره هذا المساء فانتشت عينيه بمظهرها البديع، وخرج صوته أجشًا حين قال:


_ أنتِ براقة كاللؤلؤ. أنرتي الليل بوجودك.


أخفضت رأسها تخفي عشقًا فاض به القلب، فقد كانت تخشى أن تفتضح مشاعرها أمامه، فهي بريئة، شفافة للغاية، ولكنه أبى أن يقطع تواصلهما البصري، فقام بوضع يده أسفل ذقنها يرفع رأسها يناظرها بعتب تجلى في نبرته حين قال: 


_لم تخفين عيناكِ عني ؟ أشعر وكأني رأيتهما من قبل، هناك حديث خاص بيني وبينهما، أجهل تفاصيله.


تباطئت الكلمات على شفتيها وارتفع وجيب قلبها، ولم تعد تعلم بماذا تجيبه، فهي لم تتخيل بحياتها أن تجلس معه هكذا وجهًا لوجه، فقد كانت رؤيته من بعيد تقلب يومها رأسًا على عقب، فكيف وهي تقف أمام عينيه بهذا الشكل،


رطبت شفتيها بطرف لسانها وأخذت تطوف بعينيها في المكان، في محاولة للهرب منه ولكنها لا تدري بأنها كانت تفعل الأعاجيب بقلبه في تلك اللحظة، فاقترب منها هامسًا وعينيه تتفرق بين شهب عينيها الدافئ، وبين ضفتي التوت خاصتها المغوية بطريقة لم يختبرها مسبقًا، والتي أصابته بلعنة الاشتهاء للفتك بهما:


_أتعلمين يا صغيرة، لقد أشعلتي هنا نارًا لا يطفئها سوى شهدك.


كان يتحدث و يشير إلى قلبه، فـ هوى قلبها بين ضلوعها وتلاحقت أنفاسها من حديثه الرائع، واجتاحتها نوبة من المشاعر، كانت كـ فيضانات كاسحة ضربت سدًا هشًا، فكادت أن تحطمه، لولا ذلك التنبيه الذي أرسله عقلها فجأة، ليجعلها تتنبه لما يحدث فـ تراجعت للخلف خطوة، وهي تقول بنبرة مرتعشة:


_هل،. لي.، أن.، أحظى بكوب من.. الماء.. من فضلك؟


تراجع للخلف متفهمًا خجلها الذي راق له كثيرًا، ولونت ابتسامة رائعة تقاسيمه، قبل أن يجيبها بنبرة خافتة ولكن قوية:


_ لكِ أن تطلبي القمر أن شئتي.. انتظريني هنا.


أنهى كلماته وتوجه إلى الداخل، ليجلب لهما مشروبًا وما أن توارى عن الأنظار حتى حملت فستانها وهرولت إلى الخارج، تشق طريقها بين الناس وتخفض رأسها خوفًا من أن يراها، وما أن شاهدت أبواب المنزل الخارجية حتى تنفست الصعداء وأطلقت ساقيها للريح لتحملها إلى البعيد.


توجه بخطْى تحمل اللهفة يسبقها قلبه الذي لأول مرة يشعر به يدق هكذا، وكان يحمل كوبين بين يديه، وما أن دخل إلى الشرفة حتى سقط قلبه بين ضلوعه حين لم يجدها، توقف لثوان ينظر حوله وعينيه تطوفان المكان بلهفة عله يلمحها بأي زاوية منه، ولكن كان المكان خاليًا تمامًا منها إلا من رائحتها العذبة التي سكنت رئتيه.


نال الغضب منه فقام بإلقاء ما بين يديه، وهرول إلى الخارج يبحث بعينيه عنها كالمجنون، ولكن دون جدوى فزفر بحنق وتوجه إلى غرفة المراقبة، وقام بطرد العاملين بها وأخذ يعبث بالأجهزة أمامه يريد أن يعرف أين ذهبت، وفجأة برقت عينيه وهو يراها تهرول حاملة فستانها تغادر المنزل، وهي تتلفت حولها يمينًا ويسارًا إلى أن غادرت. 


صدمة قوية نالت من قلبه الذي اهتاج داخله من فعلتها، وأخذ يدور حول نفسه كالمجنون في أي شئ أخطأ حتى تغادره بتلك الطريقة؟ 


والذى عزز من غضبه أكثر هو أنه لا يعرف عنها أي شئ سوى اسمها «ريم»، لكمة قوية طالت أحد الأجهزة أمامه، فقد كانت متنفسه الوحيد عن ذلك الغضب الكبير والألم الهائل الذي اجتاح قلبه دون رحمة.


مر أسبوع كامل على يوم الحفل، ويا له من أسبوع حافل بالألم من جانب كليهما وخاصةً هي، فقد كانت أقصى أمنياتها أن تراه من بعيد، حتى تحفر ذكرى عميقة له بداخلها، ولكنها لم تكن تعلم أن للذكرى مخالب تنشب بالقلب فتدميه كلما مر طيفها على خاطره.


_ألن تخبريني ما بكِ؟


هذا كان صوت «ميرنا» التي كان الغضب والخوف يأكلانها على تلك التي ما أن عادت من الحفل المشؤم هذا، وهي صامتة شاردة حزينة، ولا تفصح عن أي شيء فقد جف حلقها من كثرة السؤال، بينما الأخرى بواد آخر متسلحة بصمت مميت. 


_لا شيء .


_ألم تسأمي من ترديد تلك الكلمة علي مسامعي طوال الأسبوع المنصرم؟ لقد ملت منكِ حروفها.


هكذا صاحت «ميرنا» بغضب تجاهلته «ريم»، فـ أردفت الأخرى بنفاذ صبر: 


_حسنًا لن تتحدثي. إذن فأنتِ حرة، ولكن دعيني أخبرك أنكِ بصدد خسارة عملك، فالسيدة صفية أخبرتني إن لم تذهبي للعمل غدًا فلا عمل لكِ هناك بعد الآن.


هبت من مجلسها بذعر تجلى في نبرتها حين قالت:


_ما الذي تقولينه؟ هل حقًا قالت ذلك أم أنكِ تضايقيني فقط؟


_ولم قد أضايقك، يكفيني بؤسك الذي جلب لي الحظ السيء هل اضيف عليه أيضًا؟ أقسم قالت ذلك.


شعرت بالحزن يتشعب إلى داخلها، فبالرغم من هربها منه وعكوفها عن الاقتراب من المنزل طوال الأسبوع المنصرم خشية أن يتعرف إليها، إلا أنها لا تستطيع أن تترك العمل نهائيًا وتحرم من رؤيته. 


كان عشقًا مسمومًا، ذلك الذي سكن قلبها تجاه ذلك الرجل الذي تعلم جيدًا بأن ما يفصلهما، كالذي يفصل السماء عن الأرض،. تلك الحقيقة التي لم تدركها سوى ذلك اليوم وهي تقف أمامه. فقد ضرب رأسها صورتها وهي بمريال المطبخ تنظف هنا وهناك وتعمل في منزله، بينما هو يظن بأنها سندريلا خاصته. 


تخيلت كيف سيكون إذا علم بخداعها له، وأنها مجرد خادمة تعمل في بيتهم، حتمًا ستكون نهايتها، إن لم تقتلها يداه سـ تقتلها كلماته ونظراته المحتقرة، وهي لن تقوى على ذلك، لذا اختارت الهرب ويكفيها تلك الكلمات الرائعة التي ألقاها على مسامعها، ونظراته المهلكة التي كانت تشملها، يكفي كل تلك الذكريات لجعلها تعيش حياتها البائسة بنكهة مميزة تشبه عينيه وحديثه ورائحته.


انقضى أسبوع كامل كان أشبه بالجحيم عليه، قضاه بين الشوارع و الأروقه يبحث عن عينين انطبع بريقهما بقلبه للحد الذي جعله يراهما يوميًا بأحلامه، ولكن بكل مرة ينتهي الحلم على كابوس واقعي وهو هروبها منه. 


لا يعلم من هذه؟ ولا من أين أتته، حتى أنه بدأ يظن بأنها بالفعل حلم كما أخبرته عائلته أو أنه يتوهم. 


زفر بحنق وهو يقود سيارته عائدًا للبيت بعد أن فقد الأمل في أن يلمح طيفها، وما كاد ينعطف بسيارته حتى برقت عينيه وهو يلمح تلك الفتاة التي تتوسط اثنتين حاملة بيدها أحد الكتب الدراسية، وبلمح البرق أوقف سيارته بمنتصف الطريق وهو يهرول للحديث معها، فقد كانت هي . نعم لم ينسى عينيها ولا لون شعرها الذي يشبه الشيكولاتة الذائبة، ولكن ما أن قطع الطريق وسط صيحات الاعتراض والسباب من الناس حوله كانت قد استقلت الحافلة التي انطلقت تشق طريقها بين الزحام، فزل لسانه وأطلق مسبة بذيئة لاعنًا حظه العاثر الذي حال بينه وبينها فقد كان يفصله عنها بضع خطوات فقط. 


ارتفع رأسه ناظرًا للأعلى، وهو يحاول تنظيم أنفاسه الهاربة، ولكن سرعان ما وقعت عينيه على لوحة كبيرة في البناية التي أمامه، فـ التمعت عيناه فرحًا لم يكتمل بسبب صرخات الاعتراض من المارة والسائقين على تركه سيارته في منتصف الطريق، فـ تراجع إليها متجاهلًا ما يحدث حوله، وقام بصفها بجانب أحد الأرصفة متوجهًا إلى حيث يقوده قلبه.


**********


في اليوم التالي ارتدت ثياب العمل، وتوجهت بخطىٍ مُثقلة إلى مكان كانت تهرول إليه حتى تراه، والآن تجر أقدامها جرًا حتى تذهب إليه. كانت تعتقد بأنها تسرق من الزمن ذكريات جميلة تجمعها به، و إذا بها تلقي بنفسها في فوهة جحيم الشوق الذي لا يهدأ أبدًا، فقلبها العاصي بعد أن كان أقصى طموحاته أن تراه من بعيد بات الآن لا يقتنع بهذا القليل، وازداد جشعه للاقتراب منه ومحادثته التنعم باستنشاق رائحته العذبة التي كانت تود أن تخبئها بين رئتيها حين كانت بجانبه.


وصلت إلى مقر عملها، وتوجهت إلى باب الخدم الخلفي فإذا بها تجد السيدة «صفاء» مديرة المنزل تناظرها بغضب فـ زفرت بقوة قبل أن تتجه إليها فلم تطل الأخرى بل ناولتها ثياب العمل وهي تقول بترفع:


_ ستنظفين الحظائر من الآن، ولآخر الشهر وهذا عوضًا عن طردك لانقطاعك عن العمل كل هذا الوقت.


أنهت كلماتها وشيعتها بنظرات متعالية قبل أن تذهب، فلم تعترض «ريم» على هذا العمل الشاق، فهي تريد أي شيء يشغلها عن التفكير في مأساتها التي تتلخص في عشق أهوج لا تعلم من أين ابتُليت به؟ 


بعد مرور نصف ساعة كانت منهمكة بعملها إلى أن وجدت ظلًا كبيرًا يخيم على المكان من خلفها، فالتفتت لترى ماذا يحدث وإذا بها تتسمر مكانها، وكأنها تمثال جميل نُقِش من حجر، بينما كان قلبها يضخ الدماء بقوة في أوردتها وتعالت دقاته فدوى طنينها في أذنها كالطبول، حين احتوت عينيها ذلك الجسد الضخم لمعذبها ومالك قلبها «مالك الصياد» الذي كان يناظرها بغموض تجلي في نبرته حين قال: _مرحبًا بسندريلا الهاربة.


انحبست الأنفاس بصدرها، وجف حلقها حين رأته يقترب منها فـ تراجعت للخلف، ولم يكن أمامها مفر من المراوغة فقالت بحروف مبعثرة كحالها تمامًا:


_ سيد مالك، هل تريد شيئًا؟


تابع اقترابه منها وعينيها تبحران فوق ملامحها بشوق لم تفهمه بينما أجابها باختصار:


_ بلى.


أجابته بتلعثم: 


_ما الذي تريده؟


اكتفى بكلمة واحدة حوت الكثير بين حروفها القليلة


_أنتِ..


لقد تعرف إليها وانتهى أمرها، هكذا ظنت وبحركة غير مدروسة ألقت المكنسة من يدها وتراجعت للخلف تنوي الهرب، ولكن هيهات فقد ضل وشقى قلبه حتى وجدها، ولن يسمح بهروبها أبدًا، لذا بخطوات فهدية كان خلفها يطوقها بقوة وبحركة خاطفة وجدت نفسها محتجزة بين قضبانه وبين الحائط خلفها، فتعاظم الخوف بداخلها وتسارعت أنفاسها بقوة آلمتها بينما أخذت شفاهها ترتجف وخاصة حين قال بلهجة خطرة وأنفاس مقطوعة: 


_هل تظنيني أحمق لـ تهربي مني مرة ثانية؟


خرجت الحروف مبعثرة من بين شفتيها المرتجفتين حين قالت: 


_ما.. ما الذي.. تريده مني؟


عينيه كانت تلتهم تفاصيل وجهها بنهم، وحين وصل إلى ضفتي التوت خاصتها تباطئت نظراته وأجابها بصوت أجش: 


_أريد منكِ كل ما يمكنني أخذه.


غلفت طبقة كريستالية من الدموع مقلتيها اللتان اهتزتا تعلنان عن عاصفة هوجاء تهدد بالهطول تزامنًا مع ارتجافة جسدها بقربه ، فتنبه إلى وضعها ومدى خوفها منه فـ تراجع قليلًا للخلف، ولكن يديه لم تتركاها وأردف بنبرة مُعاتبة: 


_لم هربتِ يوم الحفل؟


لم تستطع إجابته فقط اكتفت بالهمس بتوسل:


_ اتركني.


_لا استطيع..


هكذا أجابها بخفوت فـ اخفضت عينيها أمام خاصته، اللتان كانت تنفذان إلى أعماقها بقوة، فتابع بخشونة:


_ هل أغضبتك ذلك اليوم؟ أخبريني ما الذي فعلته لـ تهربي مني بتلك الطريقة؟


انكمشت ملامحها بألم تجلى في نبرتها، حين قالت:


_ كان لزامًا علي ذلك، فأنا بالأساس لم يكن علي حضور ذلك الحفل.


لونت الحيرة معالمه فخرج استفهامه مدهوشًا:


_ لم؟


_لأنني ببساطة لا انتمي لذلك المجتمع، ولا أشبه هؤلاء الناس.


افتر ثغره عن ابتسامة بسيطة وأيدها قائلًا بخفوت: 


_أجل أنتِ محقة، لا تشبهينهم أبدًا.


لم تفهم قصده، واخترقت كلماته قلبها الذي تضاعف ألمه للحد الذي لون ملامحها، وجعل العبوس يظهر بوضوح على محياها حين قالت بخفوت: 


_أرأيت؟ لم يكُن علي الحضور.


_لا، لا، أنتِ مخطئة. لقد كان حضورك لهذا الحفل أروع شئ حدث على الإطلاق


انكمشت ملامحها بحيرة، فامتدت يديه تتحرك بخفة فوق ملامحها البريئة، وتابع بخفوت: 


_كل تلك البراءة المهلكة تتنافى بقوة مع زيف وجوههم.


لم تكن تفهم ما يقصده فارتسمت الحيرة على ملامحها فتابع مستفهمًا: 


_كم عمرك؟


كان سؤالًا تخشاه ولكن لم يكن أمامها مفر للكذب فقالت بخفوت:


_ أتممت الثامنة عشر يوم الحفل، صغيرة للغاية أليس كذلك؟


كانت تتحدث بشفاه مذمومة كالأطفال، ولم تكن تعي مقدار تأثيرها المدمر على قلبه ، فخرجت الكلمات من فمه ممزوجة بنيران حارقة تسري في أوردته: 


_لو تعلمين يا صغيرة ما الذي فعلته بي؟


اتسعت عينيها باستفهام ترجمته شفاهها همسًا: 


_ما الذي فعلته؟


أجابها بصوت هامس، وعينيه تطفو فوق ملامحها بطريقة مهيمنة أسرتها: 


_لقد أسرتي الصياد وأوقعته في شباكك.. يا ريمي!


_ريمي؟؟ ماذا يعني هذا الاسم


هكذا استفهمت فأجابها مؤكدًا: 


_يعني اسمك متبوعًا بياء الملكية خاصتي.


_ما الذي تقصده أنا لا أفهم شيئًا؟


كانت بريئه للحد الذي جعلها لا تفهم ماذا يقصد، ولكن كان قلبها يشعر بأن الآتي سيكون دربًا من دروب الخيال، لذا كان يدق بقوة جعلت الدماء تفور في أوردتها لتروي خديها بحمرة قانية اضفت جاذبية من نوع آخر على ملامحها، فتعثرت نبضات قلبه بين ضلوعه وهو يقول:


_ اقتربي لأضع ختمي أولًا، ومن ثم ستعرفين بنفسك ما أقصد.


لم تكد تستوعب ما يقوله، حتى وجدت نفسها خاضعة بين براثن عشقه الضاري، الذي أغرقها به، وصار ينثره بشغف كبير على قسماتها ، بينما ينتهي به الحال وهو يتمزَز من رحيقها الذي كان حلوًا كالعسل، مُسكر كالنبيذ، يستطيع أن يقسم بأنه ألذ ما تذوق بحياته. فأخذ يغترف منه قدر المستطاع، ويديه تحتويها بقوة، وكأنها تريد غرسها بين ضلوعه بجانب ذلك الذي ينبض على يساره بجنون يوازي جنون ولهه بها في تلك اللحظة الرائعة، التي سرعان ما انتهت حين شعر بها تستند بثقلها على قلبه، فقد كادت رئتيها أن تنفجرا مطالبتان ببعض الهواء، فقام بتركها على مضض. بينما أسند جبهته على خاصتها، وهو يقول بلهاث محموم وصوت أجش:


" لقد ختمتك باسمي، ومن اليوم أنتِ لي."

الفصل الثالث من هنا

stories
stories
تعليقات