رواية الراتل الفصل الخامس والثلاثون والاخير
كانت الأجواء لا تزال هادئة في قاعة المناسبات التي أُقيم بها زفاف "عزيز" و"نغم".
كان "إلياس" يستقبل المدعوين إلى جوار شقيقه، بابتسامةٍ هادئة تخفي اضطرابه الداخلي، بينما عقله مشغول بها.
هل ستأتي ويكون ذلك ردًا صريحًا منها على رغبتها في عودة علاقتهما، أم ستتجاهله تمامًا وتختفي كأن شيئًا لم يكن؟
عيناه كانتا تجوبان الأرجاء، يفتش في الوجوه عله يلمحها في أي لحظة، لكن دون جدوى، ليس لها أثر.
حاول أن يهدأ، يقنع نفسه أن الحفل لم يبدأ بعد، وأن هناك متسعًا من الوقت للإنتظار.
أسوأ ما يمكن أن يواجهه رجل هو الانتظار، خاصةً حين يكون الانتظار مرتبطًا بمن يحب.
التفت ينظر نحو الباب في تلهفٍ واضح بعينيه، لم ينتبه إلى ذلك الشاب الذي يهنئه مبتسمًا، فلكزه داوود في ذراعه حتى يستفيق على نفسه.
التفت إلياس نحو شقيقه يستفهم عما يريد، فأشار داوود بنظراتٍ نارية أن هناك من ينتظر مصافحته، فمد يده يصافحه مبتسمًا ورد عليه بهدوءٍ :
_ الله يبارك فيك، عقبالك
أحاط داوود كتف شقيقه، وحاول تهدئته من ذلك التوتر الواضح على محياه، فقال :
_ ركز يا إلياس، لسة الفرح مبدأش، متقلقش هتيجي
تنهد إلياس بثقلٍ يجثو فوق صدره، وقال بلا حيلة :
_ الله أعلم
صافحا بعض المدعوين قبل أن يلتفت داوود إليه مجددًا، وقال بنفاذ صبر :
_ مش أختك قالتلك أنها موافقتش على العريس يبقى لسة عايزاك
كانت ابتسامته اليائسة تصف ما يدور برأسه، تلك العنيدة يمكنها الاستغناء عنه بسهولةٍ على عكسه تمامًا.
حين أخبرته شقيقته أنها رفضت الشاب المتقدم لخطبتها، لم يدور بباله أنها رغبة في عودتها إليه، بل كل ما فكر به ربما حدث سوء تفاهم بينهما، أو أنها لم ترغب به لأي سببًا كان.
ما كاد يتحدث من جديد حتى قطعه صوت حمزة الذي تقدم منهما في عجلٍ :
_ جُم، الزفة وصلت
تحركوا معًا نحو الخارج، ووقفوا في استقبال العروسين.
ابتسمت عينا داوود حين ترجلت شقيقته من السيارة، وطلتها الملكية الخاطفة للأنظار.
اقبلت عليهم تتمسك بذراع زوجها مبتسمة، استقبلتها أحضان داوود برحابة صدر، ثم تراجع إلى الخلف ليقبل جبهتها قائلًا بحُب :
_ زي القمر، مبارك يا حبيبتي
شكرته بنبرةٍ مرتجفة تعكس حالتها المرتبكة، فالتفت إلى عزيز يصافحه بحرارةٍ يهنئه بسعادةٍ :
_ مبارك يا عزيز، ربنا يرزقكم الذرية الصالحة
ألقى إلياس عليهما التهنئة، وضم شقيقته إلى صدره بكل حب، وأشهر سبابته في وجه عزيز يقول محذرًا :
_ خد بالك منها عشان مزعلكش
تأفف عزيز بضيقٍ، وسحب زوجته عن أحضان شقيقها، وتقدم بها نحو الداخل متجاهلًا الرد عليه تمامًا.
بحث داوود بعينيه على زوجته وابنته، واسرع حين وجدتهما أمام أحد سيارات التي كان يقودها "صهيب"، حمل الصغيرة التي ضحكت بسعادةٍ لوجوده.
قبل وجنتيها قبل أن يتأملها بذلك الفستان الوردي الذي يشبه فستان والدتها، وضع كفه على وجهها الصغير وقال بهدوءٍ :
_ اية القمر دا، روحتي مع عمتك واتبسطِ
ابتسمت رحيل، ورتبت خصلات شعر الصغيرة قائلة :
_ دي كانت عاملة هوليلة جامدة هناك
نظر داوود إلى وجه ابنته، وملامحها الملائكية وقال مازحّا :
_ اللي يشوف الهدوء والبراءة دي، ميشوفش اللي مستخبي من الشقاوة كلها
ختم جملته بقبلة هادئة على رأس الصغيرة، ثم أحاط كتف زوجته يضمها نحوه يمنحها نصيبها من المدح، منبهرًا بطلتها الهادئة والجذابة في آنٍ واحد :
_ اية الجمال دا كله يا جُلناري، لولا دهب مكنتش سيبتك تبعدي عني النهاردة لحظة
مالت على صدره امتنانًا لجملته اللطيفة، قبل أن تتقدم معه نحو القاعة المُقام بها الحفل.
على الجهة الأخرى، كان يقف إلياس يذرع المكان بعينيه، يبحث عنها بين الوجوه بلا جدوى.
زفر بضيق، وأخرج هاتفه، وقد لمعت عيناه الخضراوان ببريقٍ غاضب؛ كان يعلق أملًا كبيرًا على حضورها، وأن تكون تلك الخطوة الخيط الذي سيعقد علاقتهما من جديد.
لكنها خيبت كل آماله، ضغط على اسمها عازمًا على إنهاء ذلك الأمر، إما بكلمةٍ تفتح الباب، إما بكلمةٍ تغلقه إلى الأبد.
عندما فُتح الإتصال بينهما لم ينتظر أن يصدر حرف منها، اندفعت الكلمات من بين شفتيه بإنفعالٍ مكبوت :
_ كان ممكن تيجي فرح صاحبتك، وتبلغيني بقرارك عادي، للدرجادي متجيش فرح صاحبتك عشان بس متشوفنيش
وكان ردها عليه هادئ لكنه مفاجئ :
_ ومين قالك إني مروحتش فرح صاحبتي
عقب جملتها وجد من يربت على كتفه بلطفٍ، اقشعر بدنه لتلك اللمسة الرقيقة والتفت بلهفةٍ على الفور. تهللت أساريره حين وجدها تقف أمام في كامل زينتها، ترتدي فستان من اللون الأخضر الداكن المحبب إليها، وتركت خصلات شعرها على كتفيها، تزين ملامحها بعض مستحضرات التجميل.
اتسعت ابتسامته تدريجيًا، عندما استوعب وجودها أمامه بعدما فقد الأمل.
فأكملت حديثها تصحح له المعلومة :
_ أنا مع نغم من الصبح، مبتخلاش عن اللي بحبهم
كانت جملتها الأخيرة ذات مغزى، سرعان ما علم ماذا تقصد بها، فمد يده يمسك بكفها يقبل باطنه بإمتنانٍ لمنحهما فرصة جديدة.
ابتسمت فتوردت وجنتيها بحُمرةٍ قانية، وأشارت إلى باب القاعة خلفها وقالت متسائلة :
_ الفرح هيبدأ مش هندخل؟
دس يده في جيب سترته الكلاسيكية، وقال بهدوء :
_ في حاجة أهم الأول
أخرج من جيبه عُلبة مخملية باللون الأحمر الداكن، وفتحها فظهر حلقة ذهبية لامعة، جوارها خاتم بفص شفاف بيضوي الشكل.
عقدت ما بين حاجبيها، وقالت متعجبة :
_ دول مش بتوعي
مازحها بعدما أخذ الحلقة الذهبية قائلًا :
_ هو أنا عبيط هخليكِ تلبسي الدبلة اللي قلعتيها أكتر ما لبستيها.
ضحكت بخفةٍ واضعة يدها على فمها، ثم تحدثت تسير على مزحته :
_ انا بردو تشائمت منها
وضع الحلقة الذهبية ببنصرها الأيمن، ووضع فوقها الخاتم ليزين اصبعها، قبل كفها مرارًا وهمس بصدقٍ :
_ من النهاردة احنا مع بعض لاخر العمر إن شاء الله
***********************************
عدل صهيب من نقاب يثرب الذي ارتفع عن عينيها قليلًا، ثم أخذ يدها يتقدم بها من أحد الطاولات لتجلس وتستريح.
منذ أن علم ما الخطر الذي يواجهه حملها وهو مهتم براحتها أكثر من اللازم، لم يكن يرغب في اصطحابها إلى حفل الزفاف، لكنه وافق على مضضٍ بعد إلحاح متواصل منها.
جلست على المقعد، ترفع نظرتها نحو زوجها بحب لإهتمامه بها، وانحنى نحوها يسألها بقلق :
_ أنتِ كويسة؟
ابتسمت باتساعٍ وربتت على كفه، قائلة بهدوء :
_ متخافش والله أنا تمام
رفع سبابته يحذرها بجدية :
_ لو حسيتِ بتعب قوليلي
أومأت برأسها موافقة على حديثه، فالتفت هو ليري ما يريد إلياس الحديث عنه، وحينها أخبرهم إلياس قد تجددت علاقته بخطيبته وأن الزفاف قريب.
بينما على الجانب الآخر، كانت كنزي تفتح عُلبة العصير الكرتونية لصغيرها، ثم انحنت تمد العصير إلى "مالك" وقالت :
_ مالك، العصير بتاعك يا حبيبي
أخذ "مالك" العصير وبدأ يرتشف منه، بينما أشار حمزة بيده نحو ارجاء القاعة قائلًا :
_ روح ياض لف الفرح دا ورازي في عمتك نغم
أمسكت كنزي بذراعه، تمنعه من دفع الولد على المشاغبة، وقالت :
_ مش هيعملها متحاولش، ابني مؤدب
أشار حمزة على ولده الهادئ، وقال مغتاظًا :
_ الواد دا كان محتاجني اربيه، كان هيطلع احسن من كدا
ضمت كنزي الصغير نحوها، وزجرته بنظراتٍ حادة وقالت :
_ ابوس ايدك سيبه مؤدب
ابعدته عنها وأخذ عُلبة أخرى من العصير، واردفت مبتسمة بحنان :
_ خد يا حبيبي ادي العصير لدهب واقعد معاها
أخذ مالك منها العُلبة، وذهب بخطى سريعة نحو دهب، فأحاط حمزة كتف زوجته، وشاكسها قائلًا :
_ عقبال ما نجبله أخ
ابتسمت بسمة واثقة، وقالت بكل ما تحمل من يقين داخل قلبها :
_ مفيش حاجة كتير على ربنا، إن شاء الله يرزقنا ببنوتة كمان
لمعت عيناه بفخرٍ بها، والتفت يتابع الصغير الذي توجه نحو داوود.
مد مالك يده بالعصير إلى الصغيرة التي أخذته برحابة صدر مبتسمة، ثم مد يده لها حتى تذهب معه. رفعت الصغيرة رأسها إلى والدها بتلقائية، وكأنها تنتظر منه الإذن بالذهاب مع مالك، فأنحنى داوود يقبل رأسها سعيدًا بردة فعلها البريئة، وقال لمالك مازحًا :
_ خدها مش خايف عليها، وحش طالعة لأبوها
ضحكت رحيل على جملته التي تصف عصبية ابنته، وقالت بتحذيرٍ للصغار :
_ حبايبي متروحوش بعيد خليكم هنا
استقامت إلى جواره، تنظر إلى نغم التي كانت تتمايل بين ذراعي زوجها في أولى رقصتهما، وقالت مبتسمة بحب :
_ نغم طالعة زي القمر
التفت داوود نحو شقيقته، يتطلع على رقتها الملموس بحركاتها وابتسامتها الهادئة، وقال سعيدًا لسعادة شقيقته :
_ ربنا يسعدهم، شافت سنين صعبة عليها
صمت لثوانٍ يضم شفتيه في آسفٍ، ثم استطرد حديثه متجنبًا نطق أسم شقيقته الكبرى في تلك الجملة :
_ موت اختنا، وموت ابونا ورا بعض كانت صدمة بالنسبالها وخصوصًا أنها شافت جثته متفحمة للأسف
شرح لها الأمر رغم معرفتها به سابقًا، فمسدت على ذراعه بحنان بالغ، ونطقت بهدوء :
_ كله عدى الحمد لله، وخلصته من الشيطان اللي اسمه عزت، واهو اتعدم وارتاحنا منه
حاولت كبح ذلك الحقد الذي يتفاقم داخلها من ذلك الشخص، كونه أصبح بين يدي الله، لكنها لم تستطع كانت نبرتها تدل على كم الغل إتجاه من حرمها من زوجها لسنوات.
ضمها داوود نحو صدره يقبل رأسها، وهمس حامدًا :
_ الحمد لله
انتهت الرقصة، وبدأت تتبدل الأجواء من هادئة كلاسيكيه إلى صاخبة، حينها أسرع نحوهما حمزة مع كنزي، وصاح بصوتٍ مرتفع حتى يسمعه وسط الأغاني العالية :
_ تعالى نطلع نتصور معاهم
أومأ إليه داوود موافقًا، وتحرك يأخذ طفلته مع الصغير "مالك"، وصعدوا جميعًا يلتقطون صورة فوتوغرافية لهم.
ذكرى لهم في ذلك اليوم المميز ...
ذكرى ستظل تحمل في قلوبهم السعادة، وتستدعي ابتسامتهم كلما مروا عليها.
***********************************
زين الإطار الخشبي، الذي يحتضن تلك الصورة الفوتوغرافية، الحائط الأبيض في منزل عزيز.
مر الوقت على تلك اللحظة، ولكنها بقيت الذكرى التي لا تزول؛ فالسعادة التي خُطت فيها كانت مضاعفة.
سعادة اجتماعهم، وخروجهم من ذلك الظلام، وإنتهاء المأزق الثقيل الذي كاد يبتلع حياتهم على خير.
ابتسمت "نغم" ابتسامة واسعة، وهي تتحسس الإطار، الذي مر عليه سبعة أشهر كاملة، ثم مسدت على بطنها المسطحة، كأنها تضم جنينها بحماية.
جمدتها حالة من الصدمة، حين علمت بحملها، ولم تستوعب الأمر إلا بعد مرور يومين، كانت تبتسم تارة وترتجف تارة، حتى استوعبت أنها ستصبح أم عما قريب.
تحركت مبتسمة نحو المرحاض، تطرق بابه تستعجل زوجها كي يخرج، وسألت :
_ حبيبي، خلصت؟
لم تنتظر إجابته، اقتحمت المرحاض على الفور، التفت نحوها يضع يده على عنقه يخفي تلك الحروق، وقال بهدوءٍ حتى تخرج :
_ خليكِ برا شوية، هغير اللزقة وجاي
اقتربت منه ولاتزال ابتسامتها تنير وجهها، ازاحت يده عن عنقه، وارتفعت على أطراف أصابعها تقبل موضع الحرق بكل لطف.
دائمًا ما يخجل منها حين ترى تلك الندوب، ودائمًا ما تقضي هي على خجله بإهداء تلك الندوب قبلة لطيفة.
ازدادت ابتسامتها حين رأت تلك النظرة الممتنة منه، وقالت بهدوء :
_ اتأخرنا على فكرة، هنجوعهم وهما مستنينا، وبعدين عمتو عاملة سبوع يثرب عندها عشان نتجمع كلنا من الصبح
وقبل أن يجيب كانت تأخذ اللاصقة الطبية، وتضعها على عنقه تخفي تلك الندوب، ثم التفتت متوجهة نحو الخارج حين سمعت صوت رنين هاتفها.
_ الو، أيوة يا عمتو، خلاص احنا جايين اهو والله
قالتها نغم بارتباكٍ من نبرة عمتها المنفعلة، وأسرعت في إغلاق الهاتف، ثم هرولت نحو غرفة النوم تاخذ حقيبتها قائلة :
_ يلا يا عزيز، عمتي شايطة مننا بجد
أغلق ازرار قميصه، وشمر عن مرفقيه قائلًا :
_ خلصت اهو يا حبيبتي، أهدي
كاد أن يمسك فرشاة الشعر، إلا أنها أخذت ذراعه تجذبه معها نحو الخارج، حاول مقاومتها وهو يقول :
_ يا بنتي اصبري هسرح بس
ابتعدت وأخذت الفرشاة، ثم عادت تأخذ ذراعه وتخرج قائلة :
_ سرح في العربية
خرجا سويًا، واستقلا السيارة متوجهين نحو منزل عائلة آل القاضي.
وبعد نصف ساعة، كان يصف عزيز السيارة أمام المنزل المُزين بالأضواء بشكل مبهج، وترجلت نغم من السيارة سريعًا، وتوجهت فورًا نحو الطابق الثاني.
قابلت في طريقها، شقيقها داوود الذي كان يقف أمام الباب يحمل طفلته على ذراعه، رفع كفه يوقفها عن الركض وقال قلقًا :
_ براحة يا حبيبتي في اية؟
وقفت أمامه تقبل الصغيرة، ثم قبلت وجنتي شقيقها، وقالت بأنفاس لاهثة :
_ عمتك متعصبة مني
زجرها بنظراتٍ غاضبة، يشير بحديثه عن حملها قائلًا :
_ وهتتعصب اكتر لما تشوفك بتجري كدا
وصل عزيز إليهم، وألقى التحية على داوود، ثم دخلوا إلى الشقة وكانت في أستقبالهم السيدة لقاء،
تنظر بحنقٍ إلى نغم التي هرولت نحوها تحتضنها حتى تتخطى غضبها منها، وبالفعل هذا الحضن امتص غضب عمتها في لحظات، وضمتها إليها تطمئن على حالها.
_ فين يثرب؟
سألت نغم تبحث بعينيها عنها، فأشارت السيدة لقاء نحو الغرفة في نهاية الرواق وقالت :
_ جوا في أوضتك مع ابنها
توجهت نغم نحو غرفتها القديمة، فتحت الباب بهدوءٍ بعدما طرقته بخفةٍ، ابتسمت حين وجدت يثرب تجلس على الفراش وبين ذراعيها الصغير.
تقدمت نحوها تقبل وجنتيها، وسألت عن أحوالها قائلة :
_ عاملة اية يا يثرب
حملت الصغير برفقٍ عن ذراعيها، وقبلت وجنته الناعمة قبلة رقيقة، وهمست متأثرة :
_ سنودة حبيبي
ثم رفعت رأسها نحو يثرب، وقالت بحب :
_ زي القمر
_ طالع لعمته
كان هذا صوت رحيل التي دلفت إلى غرفة للتو، ثم أقتربت من نغم تحتضنها، وبعد الكثير من التحية والسؤال عن الأحوال، سألت نغم :
_ اومال فين مايان وإلياس، وكمان كنزي وحمزة؟
_ إلياس ومايان كانوا رايحين يشوفوا فستان الفرح، وكنزي وحمزة فوق ونازلين
اجابتها رحيل عن سؤالها، فتقدمت نغم من يثرب تضع الصغير "سند" على ذراعيها، وقالت معبرة عن رأيها :
_ والله أنا كان من رأيي أنهم كانوا عملوا الفرح مع كتب الكتاب، لية يقعدوا كتابين كتاب ٣ شهور
ضمت يثرب الصغير، وقالت مبررة :
_ ما اخوكي اللي استعجل على كتب الكتاب يا نغم
تعالت ضحكات نغم، واخبرتهما مازحة :
_ بيكتشف مراهقته معاها، كان كاريزما قبل ما يعرف مايان والله
وقبل أن تكمل سخريتها، سمعت صوت طرقات على باب الغرفة، وصوت صهيب يصدح من الخارج :
_ انا صهيب، ادخل؟
سمحت له زوجته على الفور بالدخول قائلة :
_ ادخل يا صهيب
دلف إلى الغرفة، وعلى يده صينية معدنية يرتص عليه بعض الطعام، فحث نغم على مساعدته حين قال :
_ نغم، خدي "سند" حطيه في سريره
أومأت برأسها، وتحركت تأخذ الصغير، فوضع صهيب الصينية على وحدة الإدراج، والتفت نحوهما قائلًا :
_ عمتي بتستعجلكم عشان الغدا
خرجتا من الغرفة، وتاركتا صهيب مع زوجته.
جلس جوارها يمرر كفها بحنو على وجنتها الحمراء، ثم سأل عن حالها قائلًا :
_ عاملة اية دلوقتي، احسن
ابتسمت بلطفٍ وقالت :
_ الحمد لله يا حبيبي، ماما وبابا جُم؟
سألت في نهاية جملتها عن والديها، فاجابها ببساطة مبتسمًا :
_ في الطريق اهو وجايين
ما أن أكمل جملته حتى طُرق الباب، دلفت والدتها إلى الداخل دون إنتظار.
ابتهجت ملامح يثرب، وفتحت ذراعيها مستقبلة أحضان والدتها، فابتعد صهيب تاركًا لهما المساحة المناسبة، بينما تقدم من والدها يستقبله بترحابٍ شديد.
***********************************
دلفت مايان من الباب تظهر السعادة جلية على ملامحها، وخلفها إلياس يظهر عليه الغضب الشديد، وهذا كان واضحًا من وجنتيها الحمراوتين، وعروقه التي تستنفر عن عنقه.
استقبلتهما السيدة لقاء بابتسامةٍ هادئة، وسألت مشيرة إلى هذا الغلاف القماشي الثقيل :
_ جبتي الفستان اللي نفسك فيه يا مايان؟
أومأت إليها ووضعت الفستان على الأريكة، تلقي بثقله عن ذراعيها، رغم أن إلياس منعها من حمله، لكنها أبت أن تتركه.
جلست تستريح على الأريكة جوار الفستان، وأجابت بهدوء :
_ جبته يا عمته وشكله تحفة، هوريهولك جوا
دلفا حينها حمزة وكنزي، فأسرعت كنزي نحو مايان تسأل عن فستان زفافها، بينما أقتربت السيدة لقاء من إلياس، وربتت على كتفه تسأل عما يبدو عليه من ضيق :
_ مالك يا ولاه، وشك مقلوب لية
ابتسمت مايان بخبثٍ محاولة إلا تلفت إنتباهه، فمالت نحوها كنزي تهمس متعجبة :
_ اية اللؤم اللي في عينيكِ دا، أنتِ عملتي في جوزك اية؟
ضمت مايان شفتيها بقوةٍ، تكبح ضحكتها من الخروج حتى لا تثير حفيظة زوجها، بينما هو كان يشتعل غضبًا، يشرح لعمته ما يزعجه مشيرًا نحو زوجته بإنزعاجٍ :
_ جابت فستان مفتوح يا عمتي، وفضلت تعيط في وسط المحل زي العيال
ثم رفع سبابته يحذرها بلهجةٍ شديدة :
_ والله العظيم يا مايان لو الفستان دا متظبطش زي ما قولتلك ما هتلبسيه
مال حمزة نحوه يهمس ساخرًا :
_ وخليتها تجيبه من غير ما تظبطه لية يا عسل
دفعه إلياس بكل ما يعتريه من غضبٍ وقال :
_ بس يالا، مش ناقصك
نظر إليه حمزة بغيظٍ وابتعد عنه قائلًا :
_ قومي يا كنزي نشوف المطبخ بيقول اية
ذهبت كنزي معه نحو المطبخ، بينما حاولت السيدة لقاء تهدئة الوضع بينهما، فربتت على صدر إلياس وقالت :
_ طب يا حبيبي أهدى مش أنتم متفقين أنها هتظبطه
رمقتها بتحذيرٍ وقالت :
_ مش كدا يا مايان
حمحمت مايان ووقفت عن الأريكة تقترب من إلياس، وقالت بهدوء :
_ والله هظبطه يا عمته، هو واخد الموضوع بعصبية
تأففت السيدة لقاء، ولوحت بيدها بضيقٍ، وتركتهما وتوجهت إتجاه المطبخ قائلة :
_ ربنا يهديكم وتتلموا في بيتكم بقى، قرفت منكم
_ شكرًا يا لوكا
قالها إلياس بضيقٍ من جملة السيدة لقاء الودودة، اقتربت مايان منه، تضرب ذراعه بكتفها وقالت :
_ خلاص بقى متعملش مشكلة على الفاضي، قولتلك هظبطه والله
نظر إليها لوهلةٍ، ثم تنهد بقلة حيلة وأحاط كتفها بذراعه، يجذبها نحوه ببعض العنف وقال بغضبٍ :
_ مفيش حاجة اسمها مشكلة على الفاضي، أنا عندي حق في اللي عملته
وضعت كفها على كفه المحيط لكتفها، وقالت :
_ بس الفستان تحفة
ضرب رأسها برأسه من شدة غيظه، وقال من بين أسنانه :
_ كان فيه أحلى منه على فكرة، بس أنتِ اللي بتعاندي معايا وخلاص
ابتعدت عنه برفقٍ، وأمسكت بكفيه وحاولت شرح ما كانت تعنيه بتمسكها بذلك الفستان :
_ والله مش عناد خالص، أنا عجبني الفستان وتخليت نفسي بيه وحبيته
أومأ برأسه متفهمًا، ومال نحوها يقبل وجنتها، وقال بهدوء :
_ تمام، أنا هسكت لحد ما تظبطي الفستان، بعد كدا متحلميش تلبسيه، اتفقنا
رفعت سبابتها توعده كما تفعل دائمًا، وقالت :
_ والله اتفقنا خلاص
ما كاد أن يتحدث إلا أن قاطعه صوت رنين هاتف مايان، توجهت نحو الأريكة تأخذ حقيبتها، وأخرجت الهاتف ترى من المتصل.
ابتسمت باتساع وضغطت على زر الإجابة، وما أن استمعت إلى صوت شقيقها حتى قالت :
_ ايوة يا عمر، احنا وصلنا اهو
صمتت تستمع إلى شقيقها، ثم سألت بجدية :
_ هتيجي سبوع "سند" ولا لا؟
أومأت برأسها موافقة على حديثه، واردفت قبل أن تغلق المكالمة :
_ ماشي مستنياك
أغلقت الهاتف ووضعته مجددًا بحقيبتها، ثم التفتت نحو إلياس تخبره أن عمر سيتأخر قليلًا حتى يأتي، حينها خرجت السيدة لقاء من المطبخ وبيدها صحن كبير، وأشارت إليهما قائلة :
_ يلا يا ولاد الغدا
***********************************
جذب داوود ذراع زوجته، يتوجه نحو الشرفة في الخفاء، مستغلًا إنشغال الجميع فيما بعد تناول الغداء.
أغلق باب الشرفة خلفهما، والتفت إليها مبتسمًا، كانت نظراته لها تلمع بوهجٍ من الحب، أخذ كفها يقبل باطنه، وغمز بعينه اليسرى قائلًا :
_ اية يا رحيلي، مش قولتي عايزني في موضوع
رفعت كتفيها بدلالٍ مبتسمة، وأجابته بصوتٍ هادئ :
_ ما أنت اللي انشغلت في مكالمات الشغل
قرص وجنتيها مازحًا قبل أن يبرر قائلًا :
_ دي مكالمة واحدة، ورجعتلك لقيتك مشيتي
ختم مزحته بقبلة على وجنتها اليمنى، وتبدلت نبرته المازحة إلى أخرى تحتوي على الكثير من اللطف :
_ مقدرش انشغل عنك يا حبيبي
ابتسمت بتوسع، ورفع كفيها تحيط بوجهه بحب، فسألها بنبرةٍ يلتهمها الفضول :
_قوليلي اية هو الموضوع المهم
لمعت عينا رحيل ببريقٍ سعيد، وما كادت أن تنطق بحرفٍ حتى قاطعها صوت ابنتهما "دهب" التي نادت بحماسٍ :
_ بابا
أغمض داوود عيناه، وهمس ساخرًا من ابنته التي وجدت الوقت المناسب تمامًا :
_ دلوقتي عايزة بابا مش عايزة تمشي ورا مالك زي ضله
ضحكت رحيل، ودفعته نحو باب الشرفة ليرى ما تريد طفلتهما، فتح داوود باب الشرفة وقبل أن يسألها عما تريد، كانت تندفع الصغيرة بكل حماسٍ :
_ تيتا بتقولك تعالى عشان فرح النونو
استند داوود على إطار الباب، وعقد ذراعيه قائلًا بتهكمٍ :
_ عملوا فرح للنونو، عقبال إلياس
لم تفهم الصغيرة ماذا يقصد، وظهرت الحيرة جلية على ملامحها البريئة، فدنى يقبل رأسها ونظر إليها مبتسمًا، وقال بهدوء :
_ حاضر يا حبيبتي جايين اهو، روحي لتيتا
ركضت "دهب" نحو السيدة لقاء، بينما عاد داوود إلى الداخل مغلقًا الباب خلفه، وقف أمام زوجته يستند بذراعه على الحائط جوار رأسها، وهمس :
_ قولي يا حبيبي
صمتت تضم شفتيها لدقيقة، وعينيها تراقب ملامحه التي تشع إهتمام، ابتلعت ريقها بتوترٍ وهمست :
_ فاكر توأم دهب اللي مكنولش نصيب معانا
امتعض وجهه عندما تجلت تلك الذكرى أمامه، وتذكر كم عانت تلك الفترة، وكم كان يدثر معاناته وغضبه عنها كي لا يزداد سوءًا.
أسرعت هي تربت على كتفه بحنو، تزيح عنه ضيقه، وهمست بسعادةٍ مخلوطة بدموعها التي تكاد تخنقها :
_ ربنا عوضنا عنه، أنا حامل في توأم
لم يستوعب ما قالته للتو، ظل يحدق بها مذهولًا، فضحكت على ردة فعله، واقتربت منه خطوة تقول :
_ والله حامل في توأم
رمش بإهدابه عدة مرات، ثم انفرجت شفتيه في ابتسامةٍ بسيطة، سرعان ما تعالت ضحكاته حتى القهقهة، وضع يده على عنقه ورفع رأسه إلى الأعلى ناظرًا إلى السماء هامسًا :
_ اللهم لك الحمد
ثم التفت بحماسٍ يقفز ما بين عينيه، واخطفها بغتة بين ذراعيه يضمها نحوه بحب، حتى ارتفعت عن الأرض.
أحاطت عنقه بذراعيها، وضحكاتها الصاخبة تصدح في أذنه كلحنٍ موسيقي بديع، فخرج منه تنهيدة عميقة تبعتها صوته الهادئ وهو يقول :
_ مبارك يا جُلناري
أنزلها على الأرض برفقٍ وأحاط وجهها بين كفيه، ودنى يطبع قبلة رقيقة على وجنتها، قبل أن تقول مبتسمة :
_ الله يبارك فيك يا حبيبي
أخذ كفها، وجذبها معه يخرج من الشرفة إلى تجمع العائلة بالخارج.
كانت الأجواء تملؤها الكثير من ضجيج الأطفال، وضحكات الكبار، إلا أن قاطع كل هذا صياح داوود الذي وقف بالمنتصف، فساد الصمت والجميع منتبهون إليه :
_ يا عيلة القاضي، خلاص هبقى أبو العيال، رحيل حامل في توأم
عاد الضجيج بعدما أنتهى داوود من حديثه، وهلت عليهما المباركات من كل الحضور.
استقرت الأجواء المزعجة، وخرجت يثرب وعلى ذراعيها الصغير، ترتدي جلباب أبيض مع نقاب يشبهه، ارتفعت زغاريد النساء وتهليل الأطفال التي تدور حولها بشكلٍ لطيف، جعلت الابتسامة ترتسم على ثغرها بإشراقٍ.
كان داوود يقف حاملًا ابنته التي تصفق متفاعلة مع الأجواء، عندما شعر بإهتزاز هاتفه بجيب بنطاله. أخرج الهاتف من جيبه، وحين لم يتعرف على هوية المتصل، انزل الصغيرة على الأرض وابتعد عن الضجة حتى يجيب :
_ الو، مين معايا
وكانت المفاجأة حين أجاب الطرف الآخر فائلًا :
_ أنا صادق يا داوود
صمت داوود لثوانٍ، وقد توجس من ذلك الإتصال الغير متوقع، ورغم ترحيبه به منذ البداية لكن لم يخفي نبرته القلقة :
_ أهلًا يا صادق باشا، خير يا باشا في حاجة ولا اية؟
وكانت المفاجأة التالية، جملة مازحة خرجت من الضابط صادق :
_ مش عايز ترجع يا راتل
اعترض داوود حين قال :
_ توبة يا باشا، انا عايز اربي عيالي
كان يرغب إلا يفعل ما يفرقه عن عائلته مرة أخرى، وبعد خبر حمل رحيل لن يفرط في أي لحظة قد تجلب له السعادة بينهم.
فكانت إجابة الضابط بسيطة، يوضح له وجهة نظره :
_ بس أنا عايزك معايا يا راتل، بس عين ليا وسطهم، يعني مفيش حاجة عليك، صاغ سليم
حين طال صمت داوود، قال صادق بهدوءٍ يخرجه من هذا الصمت :
_ هسيبك تفكر، وهستنى ردك، أنتَ وكل افراد الراتل
انتهت المكالمة، وأقترب داوود من إلياس، ثم أشار إلى حمزة أن يأتي بعزيز، تجمعوا جوار بعضهم البعض، يسرد لهم داوود عما حدث منذ قليل.
نظر إليهم واحدًا تلو الآخر، وانهى حديثه قائلًا :
_ وبيقولي فكروا، وردوا عليا
لم يكن يعلم أن حديثه الخافت الذي يحاول ان يجعله همسًا، يسمعوا الفتيات بوضوح خلفهم، لكن كانوا غافلين عنهم بعاصفة التفكير التي تجتاح عقولهم.
وكانت الصدمة حين وجدوا الفتيات أمامهم، كل واحدة منهم أمام زوجها، تنظر إلى بعتابٍ يكفي لأن يمحى تلك الفكرة من فكرهم تمامًا.
بينما أقتربت رحيل من داوود، تربت على كتفه ببعض الحدة، وهتفت بنبرةٍ ذات مغزى :
_ خلاص، مفيش راتل تاني يا أبو العيال.
تمت بحمد الله
