رواية غوثهم الحلقة الخاصة الثالثة
“سبحانك أنتَ الصَّاحِب.
أنتَ أنيس من لا أنيس له، ولولا صُحبتك ومَعيَّتُك ضِعنا!
كاشف الهَم والبلوى، وإليك تُرفع الشكوى
جَميعنا
نَنظُر إلىٰ السَّمَاءِ كُل يَوم،
جَميعنا نَرجو شيئًا.
إن كنتَ معنا فمن علينا؟ وإن كنتَ علينا فمن معنا؟
نِعمَ المُجيب ونِعمَ السَّميع، حتى الصغائر التي يحتقرها الناس تعلمها
لولاك ما ذُقنا شربة ماء، لولاك ما كُفينا لولاك ما طُعِمنا.
نِعمَ الربُّ ربُّنا!”
كَان مِن دُعاءِ سيدنا مُحمّد ﷺ
ربّنا صَاحِبْنا وأَفضِل عَلَينا.”
_مقتبسٌ..
____________________________________
في زمانٍ من وسط الحكايا التي حملتها الأساطير المُخلدة وجدتُك أنتَ في حديثِ زماني،
وجدتُ فيك أسطورة عصري وإبهار عقلي
ومن التيهِ كنت عنواني، فلجأت إليك التحد بك ووجدتك حينها تلجأ إليَّ وتُناديني بـ أماني، فأطلقت عليك لقب طمأنينة القلب المُرتجف، ومنك أخذت قوتي وبنيت بجوار قلبك مكاني،
فالحمدلله ألف مرة ومرة على نعمة وجودك وأنك الخير الذي آتانِ، وسبحان الله الوهاب حين رزقني صُحبتك أنتَ لأكون مع رفيق العُمر الذي هو أنتَ ولأحمد ربي أنك أنتَ شريك زماني..
<“لكل شبيهٍ شبيهٌ يطمئن له ويرتكن عليه ويلجأ إليه”>
صباحٌ مُنيرٌ بشمسٍ دافئة رغم برودة الأجواء..
صباحٌ شتويٌ أتى يحمل رائحة الغيثِ ببوادر صباحية هادئة ورقيقة كما نسمةٍ لطيفة مرت على الوجه، أيام ونيسة يعشقها المرء بعد مرور ليلٍ عصيبٍ ومُتعبٍ عليه، خاصةً بعد ليلةٍ متعبة يقضيها بعملٍ شاق يحتاج لجهدٍ مُضاعف كي يُنهي ما بدأ من عملٍ، فقد كان “يـوسف” في بيتهِ ينام فوق الفراش في غرفة نومه بهدوءٍ، يضع كفيه أسفل وجنته والوسادة بين فخذيه كأنه ينام فوق سحابة صيفية..
فجأة فُتِح الباب عليه وشعر بجسده يهتز بقوةٍ، فتح عينيه على مضضٍ ليجد ابنه يتعلق في عناقه، تنهد بثقلٍ ثم ضمه لعناقه وتحدث بصوتٍ ناعسٍ:
_إيه يا “يامن” حد يصحي حد كدا؟.
_أنا ماشوفتكش إمبارح وكنت مستنيك، جيت إمتى؟.
تنهد “يـوسف” ثم مسح فوق خصلات صغيره وهو يقول:
_جيت الساعة ٢.٣٠ كنت أنتَ نايم بس دخلت بوستك واتطمنت عليك كمان، ماما صحيت ولا لسه؟.
جاوبه الصغير بلهفةٍ:
_من بدري أوي، ونزلنا جيبنا الفطار وجيبنا حاجات كتيرة من تحت أنا وهي ورجعنا بس جيت أشوفك علشان وحشتني من إمبارح يا بابا، النهاردة الجمعة أنتَ اجازة صح؟.
ابتسم “يـوسف” له وطالعه بحنوٍ ثم ضمه لعناقه والتزم بالصمت، ثم عاد سؤالٌ يرنو في عقله فعاد للخلف وسأله:
_نزلتوا وسيبتوا “داليدا” لوحدها !!.
كانت نبرته قلقة فقال الصغير نافيًا ذلك بلهفةٍ:
_لا والله ماما سابتها مع طنط “حنين” قبل ما ننزل علشان قالت أنك تعبان مش عاوزة تصحيك، ودلوقتي هي برة بتحضر الفطار علشان نلحق نروح المسجد مع عمو “أيـوب” ونفرش للصلاة.
من جديد يبتسم ويشعر أن السلام يغمره، لذا تحرك من الفراش وسحب ابنه يحمله فوق كتفه ثم ولج المرحاض وضع صغيره على طرف الحوض ثم قضى حاجته وعاد له يغسل وجهه وابنه يفعل المثل كما يفعل هو، ثم قام بغسل أسنانه ففعل الصغير مثله، ثم وقف يهندم لحيته ليجد الصغير يقول باعتراضٍ واضحٍ:
_عاوز أحلق دقني زيك أعملها إزاي دي بقى؟.
ضحك له “يـوسف” وقال بمزاحٍ معه يشاكسه:
_لما تتم السن القانوني أبقى أحلقها براحتك.
أنهى ما يفعل ثم حمل الصغير وخرج به لصالة الشقة فوجد المشهد الأكثر دفئًا في الحياة، صغيرته أمام زوجته في الحامل الخاص بها، و”عـهد” تقوم بتحضير وجبة الفطور وصوت القرآن يصدح في البيتِ فيطمئن القلوب الخائفة، اقترب “يـوسف” من صغيرته يُلثم قبضتها المضمومة ثم اعتدل يواجه زوجته التي قالت بحنوٍ:
_كنت عاوزاك تنام شوية كمان والله بس هو صمم يصحيك، مارضيتش أتدخل وقولت يتصافوا هما سوا مسيرهم لبعض في الآخر، دماغك لسه مصدعة زي إمبارح؟.
كانت تسأل وتهتم واهتمامها بائن لعين الرائي وقد اقترب يُلثم جبينها ثم قال بصدقٍ هو الآخر دون أن يُخفي مشاعره وكأنه اعتاد أن يفيض أمامها بغير جفافٍ:
_والله بقيت كويس، ربنا يباركلي فيكِ.
ابتسمت له بنظرةٍ تأسره كأنها تخبره أنه وحدها من تملك الدواء والسكينة عند مرضه والأمان له في خوفه، وهي نفسه العنوان الوحيد حين يتوه وهي بذاتها الهوية حين يكون مغتربًا، هو الغريب وهي الهوية والغريب بدون هوية لا يحيا ولا يُعرف حتى، بعد مرور دقائق ترك ابنه بصحبة أمه ثم حمل هو الصغيرة بين ذراعيه يُلثم كفها، يضعها بجوار قلبه ويراقب تفاصيلها الحية التي لم تُنسَ، يأسرها في عينيه دون فراقٍ، ويترك قلبها بجوار قلبه فيُحييه من جديد.
دقائق ووضع الطعام على المائدة فجلس يتناوله وسط أسرته الدافئة التي تُدفيء صقيع الأيام وتؤنس وحشة القلب، يراقب بعينيه ابنه وهو يتدلل على “عـهد” فتُطعمه بيدها، ويعود للصغيرة التي تتعلق بذراعه وهي تلوح بيدها عاليًا، بيت “مصطفى” من جديد بنسخة أحدث يحيا فيها كلا اليوسفين “يوسف” الصغير المفقود و “يوسف” الكبير الموجود، الأحوال حوله تُراضي كلا الطرفين، وكلاهما يسعد من كل قلبهِ..
وصل لسمعه صوت زوجته تحمل ابنها فوق ساقها ثم بدأت تُغني له وهو يضحك بسعادةٍ، طفلٌ ولد في قلبه السعادة الأبدية بأبٍ وأمٍ كانا له كل الدنيا بكل حوائجها، فرفعت صوتها بحماسٍ سعيد مع صغيرها:
_أول حب وأول فرح وأول هوىٰ سهرني ليالي..
مستني عينيك وأنا ملك إيديك،
لو أعز عليك أرحم حالي،
خليك جنبي أحضن قلبي،
مشتاق وبحبك قولهالي،
آه منه الرمش اللي مخبي، وأنا إيه ذنبي؟ بحبك.
ضمها الصغير بقوةٍ وقال مُكررًا كلمتها بسعادةٍ هو الآخر:
_أنا كمان بحبك أوي يا “عـهد” يا رب تفضلي علطول معايا.
ضمته بقوةٍ تمسح فوق ظهره وقد تلاقت عيناها بعيني “يـوسف” فابتسم لها بسعادةٍ قرأتها في عينيه، لمحت الرضا في نظراته وفي حركة يده حين حركها يمسح فوق كفها، مشهد رغم أنه يتكرر أسبوعيًا لكنه الأفضل بين كل الأيام، كان المشهد الأكثر جمالًا وانتصارًا في حياته، فلم تضاهِ لحظة الانتقام جمال هذه اللحظة، ولم يشعر بهذه الفرحة حين عاد له حقه، ولم يكترث بالآخرين كما يكترث هو بهذه الأسرة الصغيرة، كأنه يرى العالم فيهم فقط وما دون ذلك مجرد هراءٍ، فيهم أنطوى الكون بكل ما فيه..
قرر أن يمازح ابنه فلكزه في كتفه وهو يقول بجمودٍ زائفٍ:
_ما توسع يا بلدينا خلينا ناخد نصيبنا.
ابتعد ابنه عن زوجته فمال “يـوسف” يُلثم وجنتها ثم عاد يناظره بتحدٍ وهو يقول مُبسطًا للفعلِ والأمورِ كلها:
_خير فيه حاجة؟ ببوس مراتي.
_بوسها براحتك يا سيدي هو أنا قولتلك حاجة؟ ما أنا هاريها بوس كل يوم وأنتَ مش هنا وفي الشغل، دي بوسة واحدة أنا كل يوم ببوس براحتي.
رفعه "يـوسف" من ظهر سترته وقال بتحذيرٍ:
_أنتَ قد كلامك دا يالا؟.
ضحك الصغير وهو يجاوب بقوله:
_آه قده وريني بقى هتعمل إيه؟.
أطرحه “يوسف” أرضًا ثم بدأ يُحرك أنامله في بطن صغيره وظهره حتى بدأ يعلو صوت ضحكات ابنه وينافس صوت الحُرية، ضحكات دافئة تخالطها صرخات التوسل توسلات التوقف وتغزوها ضحكة “عـهد” التي حملت ابنتها وجلست تشاهدهما باستمتاعٍ خاصةً حين حمل “يـوسف” ابنه ودار به ثم ضمه لعناقه فجأةً وأنهال عليه بوابلٍ من القُبلات والصغير يشدد الضمة على عناق أبيه كأنه يخشى الانفصال عنه في لحظةٍ كهذه..
مشهد ختامي يليق بمعاناة الأبطال..
معاناة بدأت من سرد الغريب لغربته وانتهت بحديثه عن شبيهته، حيث وجد الشبيه وأصبح يحن لمسكنه كلما تاه في الحياة وتغرب بشوقٍ حادٍ في أطراف الأرض..
____________________________________
<“حظيت بكِ في الدنيا قمري وفيكِ وجدتُ شمسي ودربي”>
يحدث أن تتضاءل الأماني في عينينا..
فنتمنى مجرد نقطة غيثٍ ليمتليء طريقنا بالأمطارِ،
نتمنى نجمة فقط في سماءّ معتمة فنحصل على القمر بأكمله في أيامنا، تلك الأماني التي نحسبها مستحيلة، كان رب العالمين يُدبر لنا الأمر كي تصبح من نصيبنا..
بذات الصباح نفسه كان “أيـوب” يصلي صلاة الضُحى وهو يقف في ركن الصلاة في بيتهِ بداخل غرفته، وما إن أنهى الصلاة جلس يذكر ربه ويتضرع للخالق حامدًا ربه وشاكرًا له على فضله ونعمه وكرمه الذي أغدق حياته، وخاصةً بوجود أسرته وزوجته، ثم كان لأمه نصيبًا من دعوته وهو يكرر دعوته أن يُجمع بها في جنات النعيم..
خرج من الغُرفة ليجد الصوت عاليًا، زوجته تضع الفطور وتنادى على صغيريه، وابنته تجلس أمام التلفاز تشاهد فيلمًا عن الخوارق، وابنه ينام فوق الأرض بجوار العربة الخاصة به، وما إن لمحته “قـمر” هرولت له تقول بلهفةٍ:
_علشان خاطري صحي “أُويـس” نام تاني وقوم ست الحُسن دي علشان مش عاوزة تسمع كلامي وتنزل عند جدها، بسرعة قبل ما أشد شعري منهم وهشد في شعرك أنتَ بعدها.
توسعت عيناه ثم اقترب يسكتها بطريقته المعتادة حيث لثم جبينها فتوقفت عن الحديث وهي تبتسم بعينيها لتجده يقول بدفءٍ لها:
_صباح الخير الأول، كل حاجة هتحصل اصبري بس.
حركت رأسها وقد أصابها الشتات فجأةً وكأنه يملك الأمر في التعامل معها ويعلم كيف يُدير المعطيات لتناوله النتائج المرغوبة، حيث تحرك نحو الصغيرة يحملها وهو يقول بحنوٍ ومزاحٍ:
_مش عاوزة تسمعي الكلام ليه؟ مش قولنا مانزعلش ماما علشان مانزعلش كلنا؟ يلا روحي بوسيها وشوفي هي عاوزة إيه واسمعي الكلام.
قالت “شمس” بلهفةٍ تدافع عن نفسها:
_والله العظيم كنت هنزل بس هي مستعجلة خالص، أنا أقدر أزعلها يعني؟ دا “يـوسف” يعلقني على باب البيت.
ضحك “أيـوب” ولثم وجنة ابنته ثم تركها تركض من أمامه في اتجاه الخارج، وقد جلس هو على عاقبيهِ يمسح برفقٍ على وجه ابنه وهو يهمس باسمه، ظل يكرر فعله حتى فتح الصغير عينيه فرفعه “أيـوب” من على الأرض وجلس به بين ذراعيه وهو يقول بحنوٍ زائد عن الحدِ:
_مش قولنا ننام في السرير؟ صحيت ليه طيب طالما لسه ماشبعتش نوم؟ رقبتك كدا هتوجعك وجسمك كمان مش هيكون مرتاح، أحطك على السرير أحسن تنام الشوية دول؟.
تمسك الصغير به وهو يقول بلهفةٍ:
_لا خليني في حضنك أحسن.
ابتسم “أيـوب” وضمه لعناقه ثم مسح فوق خصلاته حتى أغمض “أُويـس” جفونه ونام قرير العين في أكثر الأمكنةِ أمنًا له، حيث عناق أبيه الحبيب الحنون، وأي مكانٍ غير هذا يكون آمنًا عليه؟ ابتسم “أيـوب” وهو يراقب ملامح ابنه بعينين سعيدتين، يراقب نمنمة ملامحه التي بها الكثير من ملامح “يـوسف” وخصلاته السوداء الناعمة التي تطول مقدمة جبهته مثل خصلات أمه وشقيقته، يراقب كفه وهو يقبض فوق كتفه كأنه طيرٌ وجد مرفأه وحطَّ عليه..
اقتربت “قـمر” منهما وجلست على رُكبتيها أمام زوجها وقالت بهمسٍ خفيضٍ:
_طب ما تحطه على السرير مذنب نفسك كدا ليه؟.
_خليه هو طلب ينام كدا في حضني، شوية لحد الصلاة وهاصحيه علشان ينزل يصلي معايا، بعدين أنا بقالي كام فعلًا مقصر معاهم بسبب الشغل والمعرض بتاع الشغل اليدوي دا، وحشوني أوي، خليه في حضني علشان هو اللي طلب.
_يا بخته.
هتفتها بحنقٍ التقطه “أيـوب” فضحك رغمًا عنه وقال بهمسٍ ضاحكٍ:
_عينك يا ست، بتحقدي على عيالك؟ بعدين هو حد مانعك؟ عاوزة تيجي تعالي يا ستي أنا بتلكك أصلًا.
توسعت عيناها وكذلك بسمتها فاقتربت منه تجلس أسفل ذراعه وهي تستند برأسها على صدره وتبتسم وهي تقول بهدوء طبعٍ واستقرار نفسٍ:
_بفرح أوي في اليوم اللي بصحى فيه ألاقيك في البيت لسه مانزلتش، بحس بالونس طول ما أنتَ هنا ويا ستار يا رب على الليل اللي بيطول من غيرك يا “أيـوب” العيال بيفضلوا يسألوا عنك علشان بحسهم تايهين من غيرك، ببقى عاوزة أقولهم إني كمان تايهة زيهم، ربنا يبارك في وجودك ويديمك معانا ومايوريناش غياب طلتك علينا يا “أيـوب”.
ربت فوق رأسها ثم لثم جانب وجهها وضمها لعناقه بذراعه الآخر حتى نامت وهي تضع كفها فوق ابنها وتأمن هي الأخرى وكأنها طفلة أخرى تطلب قربه كما صغيره فعل، هي ترى فيه صورة أخرى لـ “مصطفى” لذلك تأمن على نفسها الصغيرة بين ذراعيه..
في الأسفل تلك الفراشة الصغيرة جِنية البيت كما يصفها جدها كانت تدور في الحديقة وتركض خلف يمامةٍ وهي تضحك بملء صوتها، صوتها المرمري الناعم ملأ الحديقة فوقف “عبدالقادر” يراقبها بعينين مُبتسمتين متذكرًا زوجته، يرى رقة “رُقـية” بصورة أخرى في تلك الساحرة التي تركض في الحديقة وتحنو على الطير والزهرِ، تقف أمام العصفور عند الشجرة وتحاول الإمساك به فيطير ويتركها وتتمنى هي أن تكون مثله..
قابلت جدها ففردت ذراعيها تركض نحوه وحينها تلقفها بين ذراعيه يديرها ثم ضمها من جديد وهو يقول:
_يسعد صباحك يا نور الدنيا كلها.
وضعت رأسها فوق كتفه وهي تقول بنعومةٍ:
_يسعد صباحك أنتَ كمان يا جدو.
لثم كفها ثم قال لها بيأسٍ:
_ما تطلعي كدا تصحي عمك “أيـهم” وعياله، هينزل قبل الصلاة علطول زي كل مرة، يلا هو هيشوفك مش هيقدر يعارضك.
تركته وتحركت للأعلى بخطواتٍ راكضة، وفي الأغلب هي اعتادت هذا العمل في كل أسبوعٍ، حيث تنزل لجدها يستبشر بها صُبحًا وليلًا ويحب قربها منه، لا يحب أن يفرغ البيت منها، يحبها أن تبقى معه دومًا كأنها الزمان الفائت منه، بينما هي فتسعد كونها محبوبة الكلِ هنا وفي كل مكانِ..
ذهبت لشقة عمها وقد فتحت لها “نـهال” الباب وما إن رأتها توسعت ضحكتها وهي تميل وتُلثمها فضحكت “شمس” وهي تسألها بحماسٍ شقي:
_عمو صحي من النوم ولا لسه؟.
_صحي جوة وكان بيصلي، تعالي.
ولجت الشقة ركضًا فرأته يجلس على سجادة الصلاة، جلست خلفه مباشرةً وما إن أنهى الصلاة شعر بأنامل صغيرة تداعب خلف أذنه وقد ظنها لابنه الصغير وما إن التفت وهو يتوعد بقوله:
_ياض قولتلـ…إيه دا صباح العسل.
بتر الحديث ما إن رآها ثم ضمها لعناقه يُلثم وجهها بعدة قبلات وهي تضحك بمرحٍ ثم قالت بشقاوةٍ مرحة:
_جدو مطلعني أصحيك، هتيجي معايا؟.
عدل وضعها فوق ذراعه وقال برضوخٍ لها:
_أنا معاكِ ماعنديش مانع أورح النار، أنتِ بس تؤمري عاوزة إيه وأنا لو نفسك في إيه أجيبه لحد عندك، أنا علشانك أعمل أي حاجة وكل حاجة، أؤمري يا حلويات نفسك في إيه.
لمحت “سيف” ابنه يقترب منهما فعانقت عمها الذي اعتدل بها والتفت ليرى ابنه أمامه، وقد تخصر “سيف” وهو يسأله بحنقٍ:
_دا بجد؟ لا والله؟.
أتى “إيـاد” في هذه اللحظة ولمح المشهد فقال بسخريةٍ:
_أهلًا أهلًا أميرة بيت العطار، أميرة القصر اللي كلنا شغالين عندها، خير على الصبح يا ست، جاية ليه عندنا؟.
التفتت تعاتب “أيـهم” ببراءةٍ أسرته:
_ينفع يكلموني كدا وأنا في حضنك؟ دي طريقة؟.
كتم ضحكته وهو يرد عليها نافيًا ذلك بقوله:
_يا خبر !! دي طريقة يعني؟ إزاي يكلموكِ كدا وأنتِ في حضني؟ مالهمش حق خالص، لو منك أحضني جامد وأسيبني منهم.
ضحكت وهي تضم “أيـهم” الذي ضحك هو الآخر ثم غمز لابنيه، ووقتها قام “إيـاد” برفع “سيف” وضمه لعناقه وهو يقول بلامبالاةٍ وعدم اكتراثٍ:
_تعالى ياض في حضني أنا هشيلك وهوديك لحد جدك كمان، خليها هي هنا، ولا أقولك؟ تعالى أوديك لحضن “أيـوب” أحسن هو بيموت فيك وبيحب حضنك أوي.
شهقت هي بلهفةٍ ثم أنزلقت من عناق عمها وهرولت للخارج ولاحقتها ضحكاتهم جميعًا بينما “أيـهم” حمل “سـيف” يراضيه بقوله الحنون:
_مش قولنا إن أنتَ الكبير ولما هي بتيجي بحضنها وأنتَ طول اليوم معايا ومع ماما وأخوك؟ طلعها من دماغك ياض مش هجوزهالك برضه، بغير عليها منك.
ضحك “سـيف” وقال بعنادٍ:
_مش عاوز أتجوزها أصلًا، أنا عاوز حد ياخدها من عندنا.
ضحك والده وهو يتحرك به نحو الأسفل بينما “إيـاد” فكاد أن يعود لغرفته لكن يد “نـهال” منعته حين قالت بحنوٍ:
_كفاية مذاكرة النهاردة كدا، صلي وتعالى ريح شوية وأبقى أنزل ساعة كرة براحتك، اجازة النهاردة يا عم، ابسط بس متاخدش على كدا، هي مرة بس علشان متضغطش نفسك، علشان تفرحني يوم النتيجة وتفتكر إني كنت رحيمة بك.
ابتسم لها ثم سحب كفها يُلثمه وقال بصدقٍ:
_مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه والله، يا رب أقدر أفرحك وأبسطك وأرد كل حاجة حلوة عملتيها معايا، وعمومًا حتى لو عملت مفيش حاجة هتوفيكِ حقك عليا، حاضر يا ماما.
ابتسمت له وربتت فوق كتفه ثم عادت للمطبخ بينما هو فعاد لغرفته يُلملم حاجته وهو يبتسم بسعادةٍ، لقد ساعدته في كل شيءٍ، لم تتركه لنفسه ولا لعقله، حتى حيال أخيه لم تفرق بينهما، لم تختلف معاملتها معه، لم تميز ابنها عنه..
لقد كانت له خير الأم حتى عن الأمِ نفسها، فهي لم تتركه يعاني وحده، لم توليه الدُبر وترحل عنه، لم تتركه لأجل مصالحها الذاتية، أمه التي تخاطبه فقط كلما احتاجت إليه أو تعسرت في خدمةٍ يقضيها لها، حتى أنه خلع مكانها من قلبه وظل يعاملها فقط لأجل حق ربه عليه ولأجل صلة الرحم، لكن القلب بأكمله أصبح ملكًا لـ “نِـهال” التي أصلحت عالمًا أفسدته غيرها فيه، فأصبح أكبر همومه أن يُسعد “نِهال” ويرد لها سعادتها أضعافًا..
في الأعلى ركضت “شمس” داخل الشقة وقد تركت الباب مفتوحًا عندما نزلت وما إن ولجت لمحت أبيها يحتضن ذويها فركضت تندس بينهم فضحك لها ثم وضعها بجوار زوجته وقال بهمسٍ خفيضٍ:
_كدا السما لمت الشمس والقمر بنجومها.
ضحكت وهي تفهم المقصد الذي كرره عليها آلاف المرات وشرحه للكثير والكثير من الوقت، ثم وضعت رأسها عند صدره تحتمي فيه وفي أمها وهي تدخل أسفل ذراعها وكأن الدنيا بأكملها أصبحت طوع يمينها وملك يديها بلحظةٍ مثل هذه يسعى المرء لتكوينها في الحياة، فمعنى أن يرزق المرء ببيتٍ هكذا كأنه نال النعيم المُعجل في الدنيا..
____________________________________
<“رفيقي وكلي وصديقي وبعضي، ماضيَّ وحاضري”>
قد لا يُكتب لك ما تمنيت، لكنك قد ترزق بما تحتاج..
والحاجة في بعض الأحيان تكاد تكون في رفيقٍ صالحٍ لن تغيره الأيام عليك، أن يسبقك هذا الصديق في الطريق كي ينير لك دربك المُظلم هذا، أن يكون هو سبب النجاح والتخطي والوقوف صامدًا حين تكاد تكون على مشارف السقوط..
في شقة “عُـدي” كان يرتدي حلته السودا ويُهندم ثيابه أمام المرآةِ ثم قام بنثر عطره الذي طال أنف زوجته فسألته بصوتٍ ضاحكٍ تمازحه:
_على الصبح كدا؟ طب خليها لبليل.
التفت لها يغمز بعبثٍ وقال بمرحٍ يجاريها:
_عيوني بس ماترجعيش في كلامك.
اقتربت تقف بجواره ببطنها المنتفخ في حملها الثاني وقالت وهي تلكزه في كتفه حتى توقفه عن وقاحته:
_قصدي حط حاجة هادية، دي شديدة أوي وبتشد ولا البيه عاوز يتشد بقى؟ قولي علشان ألحق أتصرف بس وأظبطك.
ضمها حين وضع كفه خلف ظهرها فشهقت هي بدهشةٍ بينما قال هو بصوتٍ ناعمٍ يراوغها به:
_لو تحبي قعديني جنبك هنا وأنا والله ما هتحرك في حتى، بعدين حد يبقى معاه جوز العيون الدباحين دول ويبص برة؟ دا يبقى راجل ناقص وأعمى، ومحسوبك شواف أوي خدي بالك.
ضحكت وهي تحاول أن تبتعد عن محيط قربه فكادت أن تتعرقل لكنه لحق بها وأسند جسدها على صدرهِ بينما هي قالت بعدما تنهدت بعمقٍ:
_شكلك مبسوط علشان “نـادر” راجع، خلاص وصل؟.
همهم موافقًا ثم أضاف براحةٍ احتلت صوته:
_وصل الحمدلله هاروح أجيبه من موقف السوبر جيت علشان مش معاه عربية، خلي بالك من نفسك ومن “إيـلاف” لحد ما أرجع، وخلي بالك من بطنك دي أحسن تتكعبلي على وشك بقصرك دا، أنتِ و “ضُـحى” بقيتوا كور نطاطة.
ضربته في كتفه فضحك وهو يبتعد عنها ثم خرج من الغرفة وهي تلحق به ليجد ابنته تجمع العرائس وتلعب بها برفقة “غـرام” ابنة “نـادر” صديقه، وقف يبتسم بعينيه ثم اقترب من ابنته يُلثم وجنتها وكرر الفعل مع ابنة أخيه التي قالت بعسليتين متوهجتين:
_هاتروح تجيب بابا خلاص؟.
_آه عاوزة حاجة تاني؟ لو مضايقك أرجعه.
حين قال ذلك قاطعته هي بلهفةٍ:
_لأ هاته بسرعة وحشني أوي، وخلي بالك منه.
ضحك لها “نـادر” ثم تحرك من المكان بعد أن ودعهن، وما إن نزل للطابق الأسفل مر على شقة “نـادر” وطرق الباب ففتحته “حنين” له وهي تقول بلهفة شوقٍ:
_خلاص هاتروح تجيبه؟.
أومأ موافقًا ثم تنهد وقال بهدوءٍ:
_هامشي دلوقتي ويادوب ساعة ونص بالكتير هتكون هنا من تاني، هاتي “مُسلم” علشان آخدهوله معايا ولا مش هتطمني عليه معايا؟.
حركت رأسها نفيًا ودخلت تُحضر صغيرها صاحب العام ونصف ثم مدت يدها به لعمه الذي حمله وهو يذكر ربه وقال بهدوءٍ:
_يلا استعدي بقى علشان راجع أهو، سيادة القبطان راجع يا حارة.
ضحكت “حنين” وقالت بلهفةٍ:
_ربنا يرجعه بألف سلامة، شكرًا يا “عُـدي” تعبتك معايا.
حرك رأسه يرفع عنها الكُلفة ثم تحرك بالصغير ونزل لسيارته، كان يراقب الصغير الموضوع على المقعد المجاور له، كان الصغير يشبه ملامح “نـادر” بسكونها، نفس العينين الواسعتين بلونٍ بني فاتح، ونفسها درجة الشعر الأقرب للذهبي اللامع، ونفس الفم بذاته، هو نسخة مصغرة عن أبيه لكن بحظٍ أوفر..
وصل “عُـدي” مقر الحافلات وحمل الصغير على يده ينتظر ظهور صديقه وقد ظهر “نـادر” بحلة القبطان وما إن لمح أخيه هرول له بخطواتٍ واسعة، ركض يحتضنه بعد غياب شهرين وما يزيد بأيامٍ قليلة، كان عناقًا حارًا بينهما وهو يقول بشوقٍ:
_وحشتني أوي يا “عُـدي” أخيرًا شوفتك.
ربت أخوه فوق ظهره ثم عاد للخلف وقال بضحكةٍ واسعة:
_شوف مين جه معايا؟ كدا تهمله يا جدع؟.
تلهف “نـادر” وهو يحمل ابنه ويضمه لعناقه، شدد ضمته للصغير الذي طالعه بغرابةٍ ثم عاد وضحك له وكأنه تعرف عليه وعلى هويته، ظل يُلثمه “نـادر” ثم سأل يطمئن على زوجته وابنته فقال له أخوه بصدقٍ:
_بخير والله مش ناقصهم غير إنهم يشوفوك.
ولج السيارة بجوار صديقه وحمل ابنه وهو يقول بلوعةٍ:
_وحشوني أوي، بجد ساعات بفكر أسيب الشغل دا واستقر في الشركة بس، وساعات بحس إن دا هو مكاني فعلًا، بس أهم حاجة ماكونش باجي عليهم ولا بظلم ولادي ومراتي، المهم يكونوا هما مرتاحين زي ما هدور على راحتي يا “عُـدي” ولا أنتَ شايف إيه؟.
_أنا شايف إن الحياة كلها تضحيات يا “نـادر” وبالذات لو زوج وأب بيكون واجب عليه يضحي علشان بيته وعياله بحاجات كتيرة، والوضع حوالينا عاوز شغل وفلوس وفلوس كتيرة علشان تأمن مستقبل ولادك، وكفاية إنك لما بتيجي مش حارمهم من حاجة، المهم بس غيابك ميأثرش على دورك في حياتهم.
ابتسم له “نـادر” وانتبه للصغير الذي بين يديه ثم لثم كفه وفي تلك اللحظة صدح صوت هاتف “عُـدي” فسحبه يجاوب على المتصل وبعد أحاديث غير مسموعة مد يده بالهاتف لأخيه الذي عقد حاجبيه ووضع الهاتف عند أذنه ليجد “ضُـحى” تتوعد له بقولها:
_قبل ما أسلم والله لو ما جيبت اللي طلبته منك لأخليك تمشي تكلم نفسك في كل حتة، ولا جيبتلي اللي طلبته منك؟.
ضرب وجهه بكفه ثم قال بنفاذ صبرٍ:
_جيبت الزفت والله، أقولك؟ جيبت المجموعة كلها، ميكاب وبرفيوم سكين كير، وكل اللي تتخيليه، مراتي ماجبتش ليها اللي جيبتهولك ياكش يطمر في أهلك وتحلي عني بقى.
_على قلبك يا حبيب أختك وبعينك قاعدالك.
ردت عليه بذلك فضحك مرغمًا ثم رد عليها تحيتها وترحيبها به، وما إن اطمئن عليها أغلق الهاتف ثم أعطاه لأخيه، وبعد مرور ساعة أخر كان وصل للبيتِ، طرق باب الشقة وترك أخيه يحمل الحقائب بدلًا عنه، وبمجرد أن فتحت له “حنين” الباب ولمحته ارتمت عليه تتعلق بعنقه، رفعها هو عن الأرض ثم تنهد بحرارةٍ وقال يمازحها:
_أهو أنا بعشق الغربة علشان برجع على الحضن دا.
عادت للخلف وهي تقول بسعادةٍ بالغة:
_وأنا بكرهها علشان بتوحشني أوي.
ضحك وضحكت له ثم عادت من جديد لعناقه كأنها تخبره أن الحياة قد تعطيه ما يحتاج في الوقت المناسب وليس ما يريد في الوقت المرغوب، يبدو أنها كانت مكافأة يستحق أن ينالها بعد أن هذب نفسه وأعاد ترتيب الحياة من جديد، لتكون هي نصيبه
وصغيريه هما رمزية العودة والحق في الحياة..
____________________________________
<“وأنا أحدث الطير عنكِ تمنى أن يكون مثلك في عيني”>
لو كنت تعلم كيف أحدث عنك الغرباء كنت تمنيت أن تصبح غريبًا لتحب نفسك من أحاديثي، لكنك وبكل أسفٍ مجرد جزءٍ من القلب لا يُنصت لما يُقال ولم يُبالِ بما أتحدث عنه، حتى لو كان حديثي هو عنك أنتَ، ياليتك ترى نفسك بعيني لتعلم كم أنتَ مميز في بصري وكيف تسكن في بصيرتي..
في منطقة نزلة السمان..
وبعد العودة من صلاة الجمعة كان “إيـهاب” يقف برفقة “إسماعيل” الصغير الذي استقر بين ذراعيه وراقب بعينيه صغيرته “دهـب” التي كانت تركض وسط الخيول بجرأةٍ لم يعهدها في غيرها من أبناء عمرها، تقف وسطهم بغير خوفٍ وكأنها منهم، الخيول تعرفها وكأنها ابنة المُتنبي، وربما تكون من نسل عنترة ابن شداد، يبتسم “إيهاب” وهو يرى الخيول تأكل السكر من يدها وهي تمر عليهم جميعًا..
أتت “سمارة” تضحك عليها وهي تقول:
_الله ينور يا كابتن “دهـب” ممكن تيجي تفطري بقى؟.
التفتت لأمها تقول بتعنت:
_لما أخليهم كلهم ياكلوا يا ماما، لازم ياكلوا زي ما اتعودوا علشان مايتعصبوش، قربت أخلص خلاص أهو.
ضحك “إيـهاب” فوجد زوجته تقول بسخريةٍ:
_أنتَ بتضحكلها؟ خليها براحتها لحد ما تقع من طولها.
_يا عمنا مالك معصب نفسك ليه؟ خليها يا ستي أنا هأكلها بنفسي وأخليها تخلص فطارها كله كمان، أطلعي أنتِ بس حضري الغدا وأنا هخلص وأجيبهالك، خدي بس الباشا غيريله، شكله خد راحته عليا بزيادة.
حملت ابنها منه ثم لثمته وتحركت بعد حذرت ابنتها، بينما “دهـب” مسحت على رأس أكثرهم عنادًا وقالت لوالدها عن سر تعاملها معه:
_شوفت خليته يسكت إزاي؟ علشان مرة واحدة حس إنه لوحده لما صاحبه غاب عنه، كان متضايق علشان لوحده، بس لما صاحبته أنا بقى بيحبني أوي ويسكت معايا، شكله حلو وهو هادي وساكت كدا.
اقترب منها “إيـهاب” ثم جلس على عاقبيه وقال:
_مش الخيول بس، أي حد في الدنيا لما صاحبه يغيب عنه بيتوه، بيحس بالغربة ناحية الدنيا كلها كأن مفيش أمان تاني خلاص، علشان كدا لازم الأول أعرف اللي قدامي متغير ليه وبعدها أحكم وأتصرف، كويس إنك عملتي كدا، شكلك هتلقطي بسرعة يا بنت “إيـهاب”.
ضحكت بمرحٍ ثم رفعت رأسها وقالت بشموخٍ واعتزازٍ:
_تربيتك يا عمهم.
ضمها “إيهاب” لعناقه ثم رفعها ووضعها على ظهر أحد الخيول كي يُدربها على التحرك به، كانت تتمرن منذ صغرها حتى أصبحت رفيقة الخيول هنا، ترعاهم وتصادقهم حتى بدأت تأخذ من صفاتهم، وهو لأجل ذلك يطمئن على ابنته ويعلم أنها لم تعد في حاجةٍ لقلقهِ وخوفه..
في الأعلى كان “إسماعيل” بجوار “مُـدثر” صغيره وهو يرتدي ثيابه كي ينزل للعب مع الخيول وعمه، عاونه “إسماعيل” ثم قال بسخريةٍ:
_طب وليه لازمتها وأنتَ هتنزل تبهدل نفسك وتتملي تراب وتطلع؟ ما تنزل وخلاص كدا وتطلع تاخد دش يروقك، غاوي تفرهد أهلي ليه مش فاهم، مش بصعب عليك أنا؟.
_علشان بحبك يا “سُـمعة” والله.
نفسها جملة أمه يكررها على والده فضم “إسماعيل” سترته في قبضته وهو يقول بسخريةٍ:
_اطلعي من الواد يا “ضُـحى”.
ولجت هي في هذه اللحظة وقالت بضجرٍ:
_هو أنتَ لازم تنكشني؟ ما تسيبك مني بقى.
كرر جملتها بتحذيرٍ منه كأنه يشير لمقصدٍ خفي:
_أسيبني منك؟ طب والراجع يا “ضُـحى”.
فهمت مقصده فهرولت له وهي تقول بلهفةٍ:
_يبقى عبيط يا قلب “ضُـحى” والله.
ضحك رغمًا عنه بينما ابنه هرول من أمامه كي ينزل لعمه ويلعب مع الخيول، وقد وقفت هي بجوار “إسماعيل” ثم همست له بطريقةٍ أثارت ريبته:
_حبيبي.
_إيه !! حبيبك؟.
سألها مستنكرًا مكررًا الصفة، فحركت رأسها موافقةً ثم همست بنفس النبرة:
_هتوديني عند ماما النهاردة؟.
_آه قولي كدا، لأ أنسي خالص.
رد بذلك مُبديًا اعتراضه فرفعت ذراعيها تحاوط عنقه وهي تقول:
_أنسى ليه؟ إحنا قاعدين مش ورانا حاجة، وأنتَ اجازة وأنا حامل على آخر ومحتاجة أتمشى كتير علشان ربنا يكرم وأولد وأجيب البت اللي زهقتني في عيشتي دي، وبعدين يعني أنا ليا مين غيرك أطلب منه؟ علشان خاطري، لو بتحبني بجد وافق، نفسي أروح هناك والله ماما وحشاني، شوف يرضيك إيه.
رفع حاجبه بشرٍ يفكر في كيفية استغلال الفرصة فتنهد وقال:
_يرضيني إني عاوز أنام ومش جايلي نوم اتصرفي، مش أنتِ صحتيني بليل وطيرتي النوم من عيني؟ رجعيلي النوم تاني إزاي ماعرفش.
رفع كفيه معلنًا براءة يديه من فكرته بينما هي رفعت طرف فمها وطالعته بغرابةٍ لكنها فهمت كيف تتعامل معه، وحدها من تملك فك شفراته، لذا جعلته يتسطح الفراش ثم قربته لعناقها وهي تُربت فوق خصلاته، بدأ يغفو وهي تبتسم أثناء مراقبتها له، فهي تعلم وعلى يقينٍ أنه لازال يحتاج للسلام منها، تعلم أنه يتودد لها لأنه لازال يشعر بالقسوة من العالم الخارجي، يشعر أن كل ما لديه مجرد حُلمٍ وقد يفيق منه، لكنها تأمن أن قلبه يؤمن بها، عيناه تصدق حقيقة وجودها، روحه تستقر مع هدوء روحها، فتعطيه الحياة التي يريدها..
في الأعلى فوق البناية كان “تَـيام” مع ابنه يراعي بيت الطيور، “تـميم” يضع لهم الطعام والمياه، ووالده يُنظف مكانهم و”مُـحي” يحمل ابنته وابنة شقيقه ويجلس مهدهدًا لكلتيهما، وقد ركض نحوه “تـميم” وقال بنبرةٍ ضاحكة:
_هات أختي أشيلها.
انتبه له “مُـحي” وقال بسخريةٍ:
_تشيلها؟ قصدك تطيرها، يلا ياض من قدامي.
_هاتها يا “مُـحي” بقى، طب قولك هات “جنات” بنتك.
رد عليه “مُـحي” بحنقٍ:
_هو أي مصلحة وخلاص؟ روح أغسل إيدك بس وتعالى.
رفض الصغير أن يُنصت لعمه فصعدت “جـنة” وما إن لمحها الصغير هرول لها وهو يشكو عمه بقوله:
_تعالى شوفي حل فيه مش راضي يديني واحدة منهم.
انتبهت له “جـنة” وقالت بنبرةٍ ضاحكة:
_هو طول عمره يحب البنات ويدلعهم، تعالي معايا بس أمسحلك هدومك المبهدلة دي وهاخليك تلعب معاهم كلهم.
تحركت بالصغير بينما “مُـحي” فقال لشقيقه:
_ابنك دا نفسي أربيهولك، بس أنا ساكتله علشان نسخة مني وأنا صغير وأكيد لو حد كان فكر يعمل فيا كدا كنت ربيته أنا، الواد دا طالع لمين؟ مين ساهم في تربيته علشان نعدمه.
_أنتَ.
نطقها “تَـيام” قاطعة وحاسمة حتى تجاهله “مُـحي” ثم انتبه لزوجته التي سكبت المياه فوق راحتها ومسحت وجه الصغير وهو يضحك لها، كانت لطيفة أكثر من المعتاد وهي تلعب مع الصغير حين نثر عليها حبات الماء، بينما “تَـيام” فانسحب من فوق بيت الطيور حين وجد شقيقه غارقًا في بحره الخاص، ابتسم بقلة حيلة والتفت يخرج من المكان ليجد “آيـات” في طريقها للداخل، ووقتها قال بمشاكسةٍ:
_دا مابقاش سطح محترم، دا بقى جنينة العُشاق.
ضحكت له “آيات” وقالت بسخريةٍ تهكمية:
_اللي عاوز يقعد فيه محترم هيقعد محترم، ها !!.
اقترب منها على غفلةٍ يختلس قبلة من وجنتها فارتدت للخلف بينما هو همس بمراوغةٍ:
_هو أنتِ برضه حد يحبك ويعرف يبقى محترم؟.
دفعته في كتفه وهي تضحك على حديثه بينما هو قبل أن يتواقح وجد والده يقترب منهما فولج ركضًا للداخل ليجد ابنه يجلس بجوار الصغيرتين بينما “مُـحي” فوقف بجوار زوجته يطير معها يمامة في السماء وهي تضحك بسعادةٍ ثم التفتت له تطالعه بعينينها المُبتسمتين وقد اقترب “مُـحي” يُلثم وجنتها كأنه مجذوبٌ لها دون وعي منه أو إرادة توقفه..
وفي هذه اللحظة ولج “نَـعيم” ورأى هذا المشهد الرومانسي ثم رفع رأسه نحو السماء يراقب الطير الذي يحلق بعيدًا وكأن بيته أصبح رمزًا للسلامِ بعدما كان هو مقصد الشر بذاتهِ..
في البناية الأخرى المجاورة كان “مُـنذر” يُنفذ حكمًا عليه، حيث ابنته الملقبة بوصف الحياة تجلس بجواره وهو يلون معها في دفاتر الألوان الخاصة بها، لا يعلم كيف صدر حكمها وصار عليه، فها هو يجلس بقربها ويلون وفق اختيارها ووفق ما تريد هي، يراقبها ويتعجب كيف هي وحدها من تجعله يفعل كل شيءٍ ترغبه؟ يبدو أنها أخذت الكثير من أمها حتى عجز هو صد الاثنتين…
كانت “فُـلة” تصنع الطعام لهما والهاتف موضوع بجوارها، وفجأة أتت أغنية مفضلة لديها جعلتها تنتبه له فوجدت ابنتها تقول بحماسٍ:
_مش دي الأغنية اللي بتحبي تغنيها لبابا؟.
انتبه لهما “مُـنذر” وابتسم بعينيه لزوجته التي لم تخجل من هذا الشيء وإنما اقتربت تجلس بجوارهما وهي تقول بثقةٍ في محلها:
_آه هي دي، لو ماغنيتش علشانه هغني علشان مين؟.
ضحك “مُـنذر” لها بسعادةٍ ظاهرة في عينيه وقد ركضت ابنته تقفز وترقص على كلمات الأغنية وهي تدور بخصلاتها التي طافت حول وجهها، ثم ركضت تخطف يد أبيها وأمها وهي تدور بهما وترقص معهما، وقف “مُـنذر” على استحياءٍ يراقب زوجته وهي تمسك كفي ابنتها وتدور بها وكلتاهما ترفع صوتها في الغناء، صوت المرح اختلط بصوت الفرح في مشهد تراقص الحياة فيها قلبه الميت، طالع زوجته التي تضحك وتقفز مع ابنتها وتذكر مشهدها مع ابنة شقيقها حين كانت في بداية غزوها له، اقترب دون أن يعي مشدوهًا ثم مد كفه وحرك خصلاتها بعيدًا عن عينيها…
انتبهت هي له فازدادت نبضات قلبها خاصةً حين رفع كفه الدافيء ومسك كفها دون أن تفهم هي ما يريده، ثم مال يحمل ابنته وحملها فوق كتفيه وقال بثباتٍ يواري خلفه لهفة الطفل الذي بدأ يعود للحياة:
_ينفع ألعب معاكم؟.
تعالت الضحكات وهو يدور بابنته وزوجته تصفق لهما بسعادةٍ يقسم أنها فقط لأجله وحده، يعلم أنها تفهم حالته وتعطيه كامل الفرصة كي يفهم نفسه وما يريد، لذا حين ابتعدت عن المحيط مد يده يعيدها بقربه من جديد ثم همس لها برفقٍ:
_خليكِ، مفيش حياة تنفع من غيرك.
ابتسمت “فُـلة” له وبانت الفرحة في عينيها ثم همست له:
_الحياة دي بتتعاش علشان أنتَ تستاهل تعيشها.
نظرا لبعضهما بحبٍ ثم انتبه لابنته التي لهثت بأنفاسٍ مفقودة ووهبته الحياة بأكملها حين قالت:
_أنا بحبك أوي أوي أوي، ماما قالتلي لما أعوز أفرحك أقولك كدا، يا رب تكون فرحان يا بابا زي ما أنا فرحانة دلوقتي.
اقشعر بدنه من حديثها ودون أن يعي شعر كأن هناك بعض العبرات تغزو مُقلتيه فضمها لعناقه بقوةٍ ثم ضم زوجته وقال مؤكدًا حديث الصغيرة وصدق الكلامِ:
_فرحان علشان أنتوا معايا.
وضم الحياة بعقد الفُل فيها لعناقه وهو يستمع لنبضات قلب ابنته وهي تنبض بجوار قلبه وكأنها السبب في عيشه وحياته بعد أن كان حقًا مات وها هو يعود للحياة وفي عناقه يضم الحياة..
وفي مكانٍ آخرٍ كان “سراج” يقف وهو يشرف على تدريب “جودي” في تدريبات سباق الخيول، يشرف على حركاتها وتحركاتها، فأتت له “ضـي” ابنته وهي تقول بحماسٍ لأجل اختها:
_على فكرة ماما قالتلي هتكسب.
انتبه لها “سِراج” وقال بسخريةٍ:
_ماما الشيخة خديجة المغربية؟ استني بس.
كانت “جـودي” تتحرك بالخيل فوق الحواجز التي وضعها هو لتدريبها فرفع صوته يُنبهها بكيفية التحرك فأتت “نـور” وهي تقول بتأكيدٍ على حديثها:
_”مُـنذر” قالها تحاول تصفي دماغها وتبطل تتشتت، تفتكر هي من التوتر فعلًا بقت مُشتتة ومش عارفة تتحرك زي الأول؟ حاول تشوف حل مع إني واثقة فيها أوي وواثقة في إرادتها.
التفت “سـراج” يقول بمزاحٍ:
_طب وأنا مش واثقة فيا خالص؟.
ضحكت وهي تتحاشى النظر في عينيه فمال يهمس لها بقوله:
_جاوبي علشان ألحق الموقف قبل ما الدنيا تبوظ مننا.
حركت “نـور” عينيها له وهي تقول بضحكةٍ مكتومة:
_مصيبتي السودا إني واثقة فيك، وثقة مالهاش حدود.
_حلو هاتي بوسة بقى علشان أتأكد.
رد عليها بذلك وقبل أن تبدي رد فعلها فصلت ابنته بينهما تقول:
_والله سمعتك وهقول لجدو عليك، هخليه يعاقبك وياخدها بعيد عنك خالص في مكان مش هتعرف توصله.
قاطعها بلامبالاةٍ:
_فين بعني؟.
_في أوضتها فوق.
جاوبته بدون تفكيرٍ ووعي فقال هو بوقاحةٍ:
_أحب على قلبي وعز الطلب.
ضربته “نـور” في صدره بظهر كفها فمال يحتمي في ابنته ثم حملها ووضعها فوق الخيل أمام “جـودي” التي أمسكت الصغيرة بكفٍ وحركت الخيل بأخرى ثم عاد ملتفتًا لزوجته يسألها بغمزةٍ مشاكسة:
_ها كنا بنقول إيه بقى؟.
ضحكت بملء صوتها ضحكة يائسة منه ومن أفعاله بينما هو عاد لمراقبة فتاتيه مبتسمًا وهو يرى الخير الذي وضعه في قلب الكبرى يتمد ويصل للأخرى وهي تأخذ الحنان من أختها وكأنها قطعة أخرى منها تحتاج كلًا منهما لوجود الأخرى كي يكتمل ظهورها ووجودها..
وفي مكانٍ آخرٍ بقلبٍ حر يصرخ مناديًا بالحريةِ كان “بـاسم” يجلس في غرفته بعيدًا عن الكلِ، ينام بعد عودته من العمل لكن نومته لم تكتمل حين اقتربت منه “نـورهان” تطمئن عليه ففتح عينيه لها ليجدها تقول بأسفٍ:
_معلش صحيتك بس أنتَ راجع تعبان أوي وأنا قلقانة عليك.
ابتسم واعتدل يجلس أمامها وهو يقول بهدوءٍ:
_براحتك أعملي اللي تعوزيه، أنا سيبتك مع مامتك شوية علشان متضايقش، المهم أنتِ متضايقة؟ ولا مبسوطة أنها بتيجي تشوفك وتشوف “حـمزة” على الأقل.
_مش عارفة، بس عادي مش بحس بحاجة، غير لما بشوفك أنتَ، ببقى عاوزة أجري عليك وأمسك فيك كأني خايفة من غيرك، يمكن علشان عودت نفسي إنك كل حاجة ليا فخلاص مش مستوعبة إني ينفع أكون مع حد غيرك، أنتَ بقيت خطر عليا أوي، لازم أتعالج منك يا “بـاسم”.
ابتسم وهو يمسك وجهها بكفه ثم همس مؤكدًا:
_اتعودتي كل إدمان تتعالجي منه، بس إدمان عن إدمان يفرق، إدمان حبك ليا دا حياة كاملة، مافيهوش ضرر، ما أنا بقيت مش عاوز غير إنك تكوني معايا وقصاد عيني بعدما حاولت أهرب منك وأبعدك عن سكتي، بس السكة اللي أنتِ مش فيها مش عاوزها، وأنا ما صدقت أكسب قلبك وحُبك، خليكِ معايا.
ها هو يعلن ويُبادر ويطلب ثم يضم ويحنو بغير طلبٍ منها، يضمها لعناقه ويتمسك بها كما يتمسك المغترب بهويته لموطنه، يرابط عند ميادين عينيها كأنه ثائر يثأر لموطنه، ينعم بدفء قربها كما ينعم الأسير المُحرر بشمس أول يومٍ في التحرير..
تمت بحمد الله
