رواية العراف الفصل الثالث 3 بقلم حسام العجمي

 

رواية العراف الفصل الثالث بقلم حسام العجمي



قبل عام ونصف و في إحدي ليالي الشتاء القارسة بالقاهرة , وأثناء تناوله طعام العشاء بأحد المطاعم بمنطقة وسط المدينة , لمح ضابط المخابرات أمجد مصادفة شابا ذو ملامح أوروبية  يقف علي أحد النواصي بثياب رثة بعض الشيء تدل على فقر شديد انعكس على صاحبها الذي بدا شاحبا إلى أقصى حد الا انه بالرغم من حالته لمح أمجد في عينيه نظرة ذكاء تطل منهما.

كان الشاب يقف مستندا علي احد الحوائط ممسكا بلورة زجاجية و أمامه صحنا كبيرا ممتلئ بالرمال و به بعض الحصي و قد أخذ ينادي علي المارة بقدرته علي معرفة الطالع والمستقبل وقراءة الكف .
اقترب امجد منه بإبتسامة هادئة : إقرأ لي طالعي 
نظر الشاب اليه : بللورة ام رمل
أصيب أمجد بالتعجب و الاندهاش الشديد أسرهما  بداخله فالشاب رد عليه بمصرية خالصة على الرغم أن الشاب كان أوروبيا خالصا من حيث الهيئة و الملامح و لون الشعر و العينين   
امجد : الإثنان 
التفت الشاب اليه ناظرا متفحصا اياه ثم بدأ بالبللورة و اخذ يعدد له صفاتا جميلة بناءا علي تحليله الشخصي من مظهر امجد من خيث الاناقة و الجسد الرياضي و الساعة المتوسطة الثمن 

أمجد مفتعلا السعادة والرضا : انت شاب هائل لقد اصبت في كل شئ تقريبا – ثم أخرج جنيها واضعا اياه في الصحن الرملي – هل هذا مكانك 
الشاب : نعم 
أمجد : سأبلغ اصدقائي بك و سيمرون عليك 
الشاب : شكرا لك سيدي 
أمجد : ما أسمك 
الشاب : اشرف ..اشرف فؤاد الطحان

لمح امجد مقهي امام المكان الذي يقف اشرف فيه فاسرع بالدخول اليه مستئذنا صاحبه بالاتصال برقما ما ثم جلس بمكان خفي يراقب منه اشرف لكن دون ان يراه و لم يتحرك أمجد من مكانه حتي وصل رجاله الذين اتصل بهم من هاتف المطعم ليلقي عليهم اوامره بمتابعة ذلك الشاب كل يوم و ساعة .

ولعدة ايام متتالية أخذ بعض الرجال يراقبون اشرف ليلا ونهارا والبعض الآخر يقومون بعمل كل التحريات اللازمة عنه حتي عادوا لرئيسهم أمجد  بملف كامل عن الشاب يحتوي معلومات عن مسكنه الذين يزامل فيه اربعة آخرين و معاملاته بمن حوله و انه ليس له مورد رزق سوي ما يقوم به وأنهم منعوا عنه رجال الشرطة أكثر من مرة.

وجاء دور أمجد مرة أخري فذهب إليه مرة جديدة وظل ينتظره حتي أنهي يومية عمله و لملم أدواته وبدا في التحرك عبر شوارع وسط المدينة ليرتطم أمجد بكتفه الذي افتعل فرحته بتلك المصادفة و بعد ان ذكره بنفسه صمم علي ان يدعوه الي وجبة عشاء بأحد المطاعم الشعبية 

أمجد : هل هذا العمل يعود عليك بمكسب جيد
اشرف : أكسب ما يكفيني 
أمجد : هل تعيش بمفردك 
اشرف بحزن : نعم 
أمجد : يا لنظرتك الحزينة تبدو و كأنك تحمل جبالا علي ظهرك 
ابتسم اشرف : هذا حال الدنيا 
أمجد : ما رأيك ان تروي لي قصتك قد أستطيع مساعدتك في إيجاد عملا محترما يناسبك 
اشرف بلهفة : حقا ? اي نوع من العمل 
أمجد : قص علي حياتك و سأقول لك
 
و كان الفتي كالذى ينتظر الفرصة كي يتحدث عن حياته فما ان طلب منه امحد طلبه حتي بدا يقص كل شئ في حياته دون اي مقاطعة او صراخ اعتاد عليه  
اشرف : إسمي أشرف فؤاد الطحان ..

مصري والدي هو المهندس فؤاد الطحان من أسرة سكندرية مصرية بسيطة سافر الي روسيا لاستكمال دراسته وهناك التقي بفتاة سوفيتية أوكرانية إسمها ( هيلجا بتروفا ) و ارتبطا بقصة حب عنيفة صادفت رفضا شديدا من والدها انتهي بان تحدته امي و تزوجت ابي و هربا الي مصر بعيدا عنه وكنت انا ثمرة ذلك الزواج

أمجد مبتسما : و يبدو أن والدك كان يحبها كثيرا حتي ورثت  أنت عنها ملامحك الأوروبية 
اشرف بحزن : لا ادري حقا 
أمجد بإهتمام : ماذا ? لا افهم
أشرف : لم يكتب الله لوالدي ان يراني قط فلقد مات فى حادث اليم قبل ولادتي بيوم واحد.
أمسك أمجد يد أشرف مواسيا : وماذا فعلت والدتك 
اشرف مبتسما إبتسامة حزينة : اسرع جدي بالحضور من اوكرانيا  ما ان علم و اتفق مع جدي لأبي اتفاق النصف النصف

أمجد : ماذا ?
اشرف : اتفق جدي مع أمي علي ان اقضي  الشتاء فى كنفها لزوم الدراسة, والصيف فى مصر مع عائلة ابي 
أمجد : إذا فأنت تعرف العادات السوفيتية و تعايشت معها – أومأ اشرف إليه – وبالطبع تجيد التحدث باللغة الروسية
اشرف : أجيدها بلهجة أهل أوكرانيا 

أمجد : وماذا عن مصر ?
اشرف : لا أخفيك سرا سيدي فلقد كنت اشتاق إليها في أشهر الشتاء كنت أشعر كأنى سمكة خارج المياه أختنق من ابتعادى عنها و اتوق اليها بشوق المحب لحبيبته التي تغيب عنه
أمجد مندهشا : غريب !! لكن كيف وأنت لا تعش بها الا اشهر قليلا
 
اشرف : جدي لوالدي رحمه الله  كان يأخذني في جولات في كل معالم مصر و عرفني تاريخها ومنه صرت عاشقا لها بخلاف انه علمني اللغة العربية 
لثوان أخذ أمجد ينظر إليه ثم اشار له بأن يكمل 
اشرف : فى سن الحادية عشرة  توفيت والدتي وحضر جدي لأمي كي يأخذني إلا ان جدي الآخر مانع في ذلك فما كان إلا انه خطفني وعاد بي أوكرانيا 

أمجد : وكيف عدت إلي هنا؟ 
أشرف : قضيت عدة سنوات أعاني فراق مصر وأهل أبي و امتنعت عن الأكل واصبت بالنحول والانطواء والحق لقد جاهد معي جدي كثيرا فما بين الأطباء الي لعب الرياضة وحين وصلت الثامنة عشر وأصبح لى جواز سفر شخصي فقررت ذات يوم ان اهرب و أعود الي مصر 
أمجد :و كيف هربت من القبضة الحديدية السوفيتية? 
اشرف : عن طريق البحر و الرشوة 
امجد : وضح 
نظر اشرف الي الارض بخجل :كان معي بعض المال لكن .....
امجد : لكن ماذا ?
اشرف : المبلغ الذي معي لم يكن يكفي حتي المطلوب مني ف...فسرقت المال المتبقي للسفر من جدي بعدما اتفقت مع احد البحارة لكن اقسم لك اني ارسلته اليه بعد عودتي الي مصر فور تجميعي له  
 
أمجد مبتسما : أكمل 
أشرف : عدت إلي الإسكندرية وذهبت إلى منزل جدي وكانت المفاجأة – اعتدل أمجد في جلسته - لقد انهار دافنا معه كل أفراد الأسرة
أمجد : كلهم 
اشرف : باستثناء ابنة عمي (وفاء ) والتي كانت تشتري احتياجات المنزل 
امجد : و هل وجدتها  ?
اشرف : كلا للاسف اخذت أبحث عنها فى كل مكان إلا أنني لم أجدها بعد أن اختفت من الحي الذي نشأت فيه واسودت الدنيا فى وجهي 
امجد : لما اشعر وكان الحزن بداخلك قد زاد مع حديثك عنها بالرغم من انها لم تمت مع اهلك 
اشرف : ان لها عندي مكانة خاصة , كنا نحب بعض جدا و كانت الوحيدة التي تراسلني أثناء وجودي فى أوكرانيا 

امجد : ثم ماذا فعلت 
اشرف : انتهى به الأمر الي التسول كما تري
أمجد : أتسمي ما تفعله تسولا 
اشرف : نعم انا لم أخلق لألعاب الحواة هذه 
أمجد : ومن الذي علمك إياها 
اشرف : تعلمتها من احد الحواة الذي كان يقطن بنفس منزلتا بأوكرانيا و كثيرا ما كنت أساعده بل وعملت معه في اجازتي الصيفية في سيرك 

امجد : وماذا عن التنجيم 
ابتسم اشرف : كنت اتابع منجمة السيرك التي علمتني كيف افعل مثلها – صمت لثوان – اتعلم سيدي ان من خلال عملي هذا  استطعت ان ادبر جزءا من المبلغ الذي سافرت به الي مصر
وفجأة صمت اشرف و رفع رأسه الي السماء ولمح أمجد بريق دموعه  التي كان يداريها فصمت احتراما لمشاعره وحزنه
وبعد نصف دقيقة , التفت اشرف إليه
 
اشرف : والآن هل مثلي يمكن أن يكون له فرصة عمل في شركتك 
إبتسم أمجد : ان اردت ذلك لكن ستمر بالكثير من التدريبات و سيكون عليك تعلم الكثير 
أشرف : في مقابل ?
أمجد : هل المقابل بالنسبة لك هو المال 
اشرف : هل يوجد غيره 
أمجد : نعم ..الرفعة , المكانة , خدمة الوطن 

اخذ اشرف ينظر مليا الي أمجد محاولا فك طلاسم ما سمعه وحين أعيته الحيل
أشرف  : ما الذى يمكن أن تقدمه لى شخصيا 
أمجد : الهدؤ , راحة البال , الاحترام , المال و السكن 
أشرف : عذرا  علي الرغم اني لم افهم ماتهدف اليه و اشعر بأن هناك امرا ما خلاف ما تحكي عنه الا انني موافق علي العمل معك 
هب أمجد واقفا :حسنا هيا بنا و ستعلم غدا قل لى أين تسكن ؟
أشرف : بنسيون فى شارع فؤاد
أمجد : ألك فيه متعلقات 
أشرف : كلا حقيبتى هذه  و ملابسيى التى على هما كل ما أملك لكن لهما فى ذمتى أجرة يومين 
أمجد : حسنا هيا بنا

ونوجه أمجد الى البنسيون و صعد هو تاركا أشرف بسيارته مسددا ما على أشرف ثم اصطحبه فى سيارته الى شقة بميدان العباسية 
أمجد : هنا ستجد كل شئ تريده – ثم ناوله عشرون جنيها – انظر ماذا تريد فعله و أفعله لكن اعلم ان بيننا موعدا باكرا فحاول الا ترهق نفسك

نزل أمجد تاركا أشرف تحت المراقبة التى أبلغته أن تناول وجبة عشاءا بأحد المطاعم و اشتري لنفسه قميصا ,  بنطالا و حذاءا جدد ثم عاد للشقة مباشرة  
في اليوم التالي , أرسل أمجد إحدي سيارات الجهاز لتحضر أشرف الي أحد مكاتب المخابرات الخارجية البعيدة عن مبني الجهاز الرئيسي المعروف و المتواحد بحدائق القبة و بعد ان رحب به ناوله امجد ورقة مليئة بالأسئلة 

اشرف مبتسما : إختبار ?!! 
امجد : شيئا من هذا القبيل فقبل أن نتحدث عن العمل عليك ان تجيب علي هذه الأسئلة  
اشرف وهو يتصفح الاسئلة : قدرات 
أمجد مبتسما : أحسنت  هي فعلا لقياس قدراتك و الآن أمامك سبع دقائق 
 
اشرف : انهم خمسا واربعون سؤالا 
أمجد : باق ست دقائق و اربعا خمسون ثانية 
وبعد إنتهاء الوقت , دخل احد الرجال ليتسلم ورقة اشرف ثم اسرع بالخروج 
أشرف : ما هذا  ? لما كل هذا ? 
أمجد : إذا قلت لك انه سيتم تجنيدك بالجيش المصري 
لثوان قليلة , ظل اشرف ينظر الي أمجد محاولا استيعاب الأمر ثم فجأة إعتدل في جلسته وارتسمت علي وجهه الجدية
اشرف : شرف لي طبعا أتمناه 

أمجد : أتحب مصر بهذا القدر علي الرغم ان نصفك روسي و روسيا ليست بالبلد القليل فهي ايضا ذات حضارة و الآن تعد احدي قوتين تحكمان العالم و لا تعاني مثلما نعاني 
أشرف : مصر اعظم بكثير بل هي العظمة ذاتها بين البلدان و اعشقها حقا  ..
.
وقبل ان يسأله أمجد من جديد , دخل الرجل مرة أخري حاملا مظروفا مغلقا وقام بتسليمه الي أمجد الذي سارع في فتحه ليجد كلمة واحدة ...رائع ثم تناول ورقة اخري مرفقة بالمظروف 
امجد : اريدك ان تجيب علي تلك الاسئلة الجديدة 
اشرف : لما كل هذا ?
امجد : لكل وظيفة سمات خاصة وهذ الاسئلة ستحدد لنا قدراتك و نوع الوظيفة التي تناسبك 
نظر اشرف اليه لثوان ثم مد يده متناولا ورقة الأسئلة الحديدة و امسك بالقلم ثم رفع عينه ناظرا الي أمجد 

اشرف: من انتم 
اراح امجد ظهره : جهة أمنية 
هم اشرف ان يضيف شيئا الا ان اشارة من كف امجد اعادت السوال جوفه فاطاعه وصمت 
أمجد  : ساحيبك علي كل أسئلتك لكن انهي ما بيدك اولا لا تقلق 

بعد ساعتين 
أمجد : أشرف بعد كل ما مررت به اليوم أنت مؤهل لعملين سيكون عليك ان تختار بينهما 
اشرف فرحا : حقا 
اومأ أمجد إليه برأسه : اولهما ان تدخل الكلية الحربية وتصبح ضابطا بعد عاما من الآن و أضمن لك راتبا و منزلا 
اشرف سعيدا : رائع  والثانية 
أمجد: ان تكون مندوبا بالمخابرات العامة المصرية
 
صدم اسم الجهاز اشرف اذ كان الجهاز يمر بأسوأ فترات حياته بعد هزيمة يونيو 
أمجد مكملا : و هذه الوظيفة تمر بتدريبات خاصة فالمطلوب منها صعب و قد يصل الى درجة كبيرة من الخطورة الا و هو احضار معلومات خاصة و سرية وعلي قدر من  كبير من الأهمية وصاحب هذه الوظيفة لن يكون لديه سوي خيارين لا ثالث لهما إما الفوز او الهزيمة و الهزيمة هنا معناها الوقوع في يد العدو وبالتالي إما السجن او الإعدام

صمت اشرف تماما لخمس دقائق ثم التفت الي أمجد
أشرف : ما هي الوظيفة الأكثر خدمة لمصر التي استطيع القيام بها و تفيدها في تلك المرحلة 
أمجد :حاليا سيكون المندوب فبدونه لن نستطيع الحصول علي المعلومات التي ستساعد جيشنا علي العبور
 
بعد نصف دقيقة ,
اشرف : وأنت اين تعمل ?جيش ام مخابرات ام ماذا?
امجد بابتسامة فخر : المخابرات 
هز اشرف رأسه : تمام , كنت اشعر أن كل ما حدث معي لم يكن من قبيل الصدفة لكن لماذا انا?
أمجد : مؤهلاتك الشكلية و اللغوية و المهارية
أشرف مبتسما : عمل الحواة – إبتسم أمجد إليه موافقا – حسنا سيدي لي سؤال 
امجد : تفضل

اشرف : هل حهاز المخابرات كما يقال عنه 
ابتسم امجد اليه : كل مكان به السئ و الصالح قد يكون في فترة ما كان من بيننا شئ سئ لكن عليك ان تعلم ان حتي ذلك السئ كان يعمل لرفعة الوطن قد يكون اسلوبه هو الذي ادانه وهنا فالعيب لايمكن ان يكون بالحهاز ...العيب سيكون في الافراد
 
اشرف : هلا و ضحت 
امجد : ساشرح لك ...مصر بها نشالين , قتلة , تجار مخدرات ...مهن كلها قذرة خارجة عن القانون اليس كذلك ?
اشرف : نعم 
امجد : هل معني ذلك ان مصر اصبحت خارجة عن القانون ايضا ?
بعد ثوان من التفكير 
اشرف  فهمت سيد امجد ...و انا معك 
أمجد رافعا إصبعه طلبا للتأكيد  : اشرف
 
أشرف : لنبدأ سيدي انا علي أتم الاستعداد
أمجد : إذا استعد فمن الغد سنبدا مرحلة إعدادك?
و انتقل اشرف من  شقة العباسية الى فيلا تقع بمنطقة هادئة و لاشهر عديدة بدا تدريباته من حيث التتبع و تعلم مبادئ اللغة العبرية و الدين اليهودي لينتقل الي دراسة علم النفس البشرية و كيفية قراءتها و تحليلها  ثم اضيف اليه تدريبات تصوير 

وذات يوم 
اشرف : لماذا تعلمت اللغة العبرية هل مهمتي ستكون مع اليهود ?
امجد : احسنت 
اشرف : لكن اعدادهم قلت بمصر 
امحد : ومن قال ان مهمتك بمصر 
اشرف : فأين آذا ? 
امجد لا يرد بل يبتسم ابتسامة هادئة 
هز اشرف راسه و تابع : لا يمكن ان يكون ما افكر فيه صحيحا 
هز امجد راسه موافقا 
اشرف : إسر*ائيل 

تعليقات