رواية جثة رجاء الفصل الثالث بقلم محمود الأمين
حركت رقبتها ناحية اليمين والشمال بحركة سريعة، وسمعت صوت عضم رقبتها وهو بيتكسر.. اترعبت ورجعت لورا.
وبعدها اتحركت وقفلت باب الحمام وطبطبت بيايدي على فوكس.
وبعدها رجعت تاني على أوضة الست رجاء، أو خليني اقول الست الملعونة دي.. كنت بلعن اليوم اللي فكرت فيه اشتري منها البيت ده.
رجعت تاني فتحت المذكرات وابتديت اقرأ لحد ما وصلت لصفحة بتقول فيها:
(زهقت من الحياة الروتينية اللي انا فيها، وبقيت عصبية على اتفه الأسباب، مش عارفة ليه؟
حتى جوزي وابني بقيت اتعصب عليهم.. ابني بدأ يخاف مني، وتحولت نظرة الأم المثالية في عينه لنظرة كلها خوف ورعب بمجرد ما بيشوفني.)
وبعدها المذكرات توقفت حوالي أسبوع، الورق كان فاضي مفيش حاجة مكتوبة.. لحد ما وصلت لورقة مكتوب فيها:
(عرفتوا، عرفتوا ان خوفي عليهم مش خوف مرضي، عرفتوا انه كان عندي حق.. اهُم راحوا مني، جوزي وابني ماتوا في حادثة، مش قادرة اتصور حياتي من غيرهم، كل حاجة حلوة في حياتي خلاص راحت.
طيب انا هعيش ليه؟.. هعيش لمين؟
انا لازم انهي حياتي دي، لازم اموت، انا مستحقةش اكون ام، انا هموت نفسي.)
...
قلبت الصفحة:
(حتى الانتحار فشلت فيه.. وأدوية الاكتئاب مش بتعمل حاجة دلوقتي.
بس انا لقيت طريقة هتخليهم يعيشوا معايا، ومحدش يقولي حرام.. الحرام اللي بجد اني اتحرم منهم. انا سمعت عن واحد بيعمل جلسات تحضير، واتفقت معاه هيجي البيت، وهيحضر روح جوزي وابني، وقالي كمان انه هيخليهم يعيشوا معايا. انا ما عنديش حل تاني، انا موافقة.
المفروض الراجل ده هيفوت عليا بالليل، وان شاء الله الطريقة دي تنجح واقدر اشوفهم تاني.)
قلبت الصفحة:
(الراجل طلع نصاب، جه واخد مني فلوس قد كده، وفي الآخر معرفش يحضر حاجة، وقال ان الفلوس دي حقه وانه عمل اللي عليه.
بس انا مش هيسر، انا لقيت على النت طريقة عشان احضر أرواحهم، هي طريقة صعبة.. بس مفيش حاجة اسمها صعبة في مقابل اني اشوفهم تاني... انا هنفذ الطريقة النهارده بالليل، وان شاء الله هتنجح.. ان شاء الله هتنجح.)
قلبت الصفحة:
(انا مش عارفة ايه اللي عملته في نفسي ده، انا عملت كل الطقوس صح والله.. بس اللي معايا دول مش جوزي وابني، مش عمر وسيف، لا.
انا حضرت حاجة مش بشر.. انا حضرت شيطان، حاسة انه موجود حواليا في كل حته، حتى وانا بكتب دلوقتي الكلام ده حاسة اني واقفة فوق دماغي.. سامحني يا رب، انت عارف اني عملت كده عشان اشوفهم، انا مقدرش اعيش من غيرهم.. سامحني يا رب، ارحمني من العذاب اللي انا فيه ده يا رب، انا خلاص مش هعرف اعيش في البيت ده تاني، انا هعرض البيت ده للبيع وهمشي من المكان ده.. انا بشوفهم في كل مكان لابسين الكفن الأبيض، وشكلهم مرعب اوي، انا مش قادرة استحمل ده كله والله ما قادرة استحمل.)
....
لحد هنا المذكرات المفروض انها خلصت، لكن وانا راجع وبفر في الورق لقيت في مكان ورقة مقطوعة، كنت بدور عليها بس مش موجودة.
وفي الوقت ده بدأت اسمع صوت الكلب بينبح تاني، بس المرة دي الصوت كان جاي من الجنية تحت.. بصيت من الشباك لقيت الكلب واقف في مكان معين وبيحاول يحفر بيايديه.. وكان بيعمل حاجة غريبة، كان كل ما يحفر يجري بعيد عن المكان اللي بيحفر فيه، وبعدين يرجع يشمشم في المكان ده ويرجع يحفر تاني، ويرجع تاني يجري، وانا مش فاهم هو بيعمل كده ليه؟
لكني قررت اني هنزل.. هنزل واشوف ايه اللي بيحصل بالظبط.
نزلت للمكان اللي بينبح فيه الكلب وبيحاول يحفر فيه، وبمجرد ما قربت ابتديت اشم ريحة عفنة شديدة جدًا جايه من ناحية المنطقة دي.
وقتها سبت فوكس ورحت ناحية البوابة، لقيت عرفة بيقوللي:
_ والله يا استاذ ياسر انت غاوي التعب لنفسك، الكلب ده من ساعة ما جبته وهو عمال ينبح ومش عارف ماله، انا اتصدعت.
= عرفة، انا عاوز جروف بسرعة.
_ جروف ايه يا عدم المؤاخذة؟
= يعني هيكون جروف ايه؟.. جاروف حفر طبعًا.
_ ها.. هو حضرتك ناوي تعمل ايه؟
= هحفر هناك كده، عاوز اشوف حاجة.
_ تشوفي يا بيه، خليك بعيد عن الموضوع ده، انت مش حملهم.
= الله ده انت عارف بقى كل حاجة يا عرفة.
_ انا معرفش حاجة يا بيه.. ومش هعرف اتصرف في جروف دلوقتي.
= لا، انا عارف انك عارف كل حاجة، ولازم تتكلم وتحكيلني، اللي مدفون في الأرض دي اتكلم، عشان لو فضلت مصمم على الإنكار، انا مستعد ابلغ الشرطة وهي تيجي تشوف بنفسها.
_ لا يبيه شرطة ايه، استني... اللي مدفون هناك جثتين، جثة الاستاذ عمر وابنه سيف.
= انت بتقول ايه؟... جثث مين اللي مدفونة؟.. والاهم مدفونة هنا ليه؟
_ انا هحكيلك كل حاجة، بس ارجوك بلاش تبلغ الشرطة.
= احكي اللي عندك الاول، ووقتها نبقي نشوف هنعمل ايه.
-حاضر يا بيه، انا هحكيلك.
......
في يوم الست رجاء كانت متعصبة ومش طايقة نفسها، ودي مكنتش أول مرة، لا.. الفترة الأخيرة كانت على طول كده.
المهم، سيف ابنها اللي كان يا ولداه لسه سنه خمس سنين، كان بيلعب على المرجيحة تحت، وهي كانت بتنادي عليه بس هو كان مشغول في اللعب ومسمعهاش، وعشان كده نزلت تحت وكان على وشها غضب ربنا.. اخدت الولد وهي متعصبة وطلعت على فوق على طول، وسمعتها بتزعق وبتصرخ لحد ما فجأة الصوت سكت ومبقيتش سامع اي حاجة. مخبيش عليك يا بيه، انا خفت على الواد.. وفي الوقت ده وصل الاستاذ عمر البيت وطلع على فوق، ومفيش خمس دقايق وسمعتها بتصرخ بصوت عالي.. قربت من البيت وقلت هحاول اسمع اي حاجة.
وسمعت الاستاذ عمر بيقولها: "انتِ مجنونة، انتِ قتلتي ابنك!"
...
بعدت ورجعت قعدت على الباب وانا مش مصدق اللي سمعته.
وشوية وصوت الزعاق ده اختفى هو كمان.. فضلت قاعد مكاني مش بتحرك لحد ما لقيت الست رجاء بتنده عليا وبتطلب مني اطلع لها، كنت مستغرب الطلب لكني طلعت، واللي شوفته وقتها نشف الدم في عروقي. شوفت الست رجاء كانت واقفة في الحمام وهدومها كانت غرقانة دم، وفي البانيو جثتين.. جثة جوزها وجثة ابنها.. كنت واقف متنح من المنظر اللي شايفه قدامي، لكنها طلبت مني اساعدها عشان تدفن الجثث، وقالتلي انها حاولت تدوب الجثث بمادة كده بس معرفتش.. كنت رافض اساعدها في البداية، لكنها هددتني لو مساعدتهاش هتلبسني انا الموضوع، وانا راجل على قد حالي، واضطريت اوافق عشان خفت على نفسي.. نزلت معاها الجثث على الجنية، وانا اللي حفرت الحفرة ونزلت الجثث فيها ورجعت ردمت عليهم من تاني.. وفي الأول قالتلي ان لو في حد سأل على جوزها وابنها اقول انهم عملوا حادثة واتوفوا.. كنت مستغرب ازاي هقول كده؟
وفعلاً لما الموضوع بدأ يكبر وتساؤلات الناس بدأت تكتر، رجعت قالتلي ان اي حد يسألك قول ان جوزي وابني سافروا بره، بس حتى ده كان غريب عشان معروف عن الست رجاء انها بتحب جوزها وابنها حب مرضي، فصعب انها تسيبهم يسافروا لوحدهم وهي متروحش معاهم. الغريبة انها بدأت تكدب الكدبة وتصدقها.. ساعات كتير كانت بتقولي اني اقعد بره البوابة عشان ابنها وجوزها جايين من السفر، وانا بصراحة مكنتش بناقشها خالص، انا كنت بخرج واقعد بره وخلاص. لكن كل اللي فات ده كوم، واللي جاي كوم تاني خالص.
بعد اسبوع بدأت اسمع صوت صرخات عالية جاية من البيت، بس دي مش صرخات بني ادمين خالص، انا كنت مرعوب، ده غير نور البيت اللي كان بينور وبيطفي لوحده.. وكنت بسمع الست رجاء بتصرخ وبتستنجد، ولما كنت اروحلها كنت بلاقيها عادية خالص ولا بتصرخ ولا بتستنجد، لدرجة اني شكيت في نفسي وقلت مخي ضرب.. بس حتى الناس في الشارع كانت بتسمع اللي انا بسمعه، بس كله كان خايف وقلقان.. بس لحد اليوم اللي حضرتك جيت فيه تستلم البيت ولقيتها منتحرة، بس هو ده اللي حصل.
.....
خلص كلامه وانا مش عارف اقوله اي.. انا سيبته ومشيت وهو كان مرعوب من ردة فعلي دي.
رجعت تاني على أوضة الست دي وبدأت ادور على الورقة المقطوعة، ومش عارف ليه كنت بدور عليها، حاسس اني هلاقي فيها اجابة على اسئلة كتير بتدور في عقلي.. وبعد تدوير كتير لقيتها، بس اللي قريته كان فوق استيعابي.
(انا مكنش قصدي اعمل كده، انا كنت متعصبة وفضلت انده عليه عشان كان لازم يستحمي، وهو كان بيلعب تحت من غير ما ياخد أذني، نزلت واخدته ودخلته الحمام، وكنت بكلمه بعصبية، ومن غير ما اقصد زقيته وقع وراسه اتخبطت في سن البانيو.. جريت عليه وحاولت افوقه، لكن مكنتش عارفة وللأسف كان مات، مكنتش مدركة انا عملت اي، وكنت خلاص هنتحر، جبت سكينة وكنت هموت نفسي، لكن في اللحظة دي دخل عمر، ولما شاف منظري ومنظر الدم وشاف ابننا على الأرض.. كان هيتجنن وفضل يقولي: "قتلتي ابنك يا مجنونة!" كنت بحاول اشرحله ان ده حصل غصب عني، وقلتله اني خلاص هموت نفسي.. قرب مني عشان ياخد السكينة، لكن وهو بيشدها من ايدي جات فيه هو.. مكنتش عارفة اتصرف ازاي؟
جوزي وابني ماتوا، وانا خلاص روحت في داهية، فضلت قاعدة شوية لحد ما جات في دماغي فكرة، خصوصًا ان جوزي دكتور ومعاه معمل ومخصص مكان في البيت لبعض الأحماض.. دخلت المكان ده وجبت حمض الكبريتيك، وده حمض بيدوب الجلد والعضم، لكنه عمل ريحة شياط صعبة وكان بيحرق جسمهم، فاضطريت اني الجأ لعرفة حارس البيت عشان يساعدني ادفن الجثث في الجنية، كان رافض في البداية، لكن مع التهديد وافق على طول، وفعلاً ساعدني ودفناهم.
رغم اللي انا عملته، اللي انا متحملتش بعدهم عني، وعشان كده حضرت روحهم، والحمد لله رجعوا تاني يعيشوا معايا، رجعوا تاني.)
....
ادركت بعد ما خلصت الورقة ان الست رجاء مريضة نفسية من الدرجة الأولى.. وقبل ما اقفل الدرج لمحت ورقة تاني وفتحتها:
(انا مبقتش قادرة اكدب على نفسي ولا اعيش مع شياطين في بيت واحد، انا
ساعات كتير بشوف عمر وسيف معايا في البيت.. واوقات بلاقيهم مش موجودين، كنت بفضل اصرخ وانادي عليهم في البيت، بس محدش كان بيرد عليا، وكنت بلاقي عرفة جاي يجري على صوت صريخي، بس لما كان بيوصل عندي كنت بتظاهر قدامه اني بخير وانه كان بيتهيأله.
لحد ما لقيت الورقة اللي كنت قطعتها من الأجنده يوم ما قتلت جوزي وابني، قريت الحقيقة اللي انا كتبتها بخط ايدي، وكنت مصممة انكرها، لقيت اعترافي على نفسي بجريمة القتل وعملية الدفن اللي ساعدني فيها عرفة.
انهرت وفضلت اعيط وروحت وقفت ناحية الشباك، وكنت ببص على منظر الحفرة وبفتكر نفسي وانا واقفة مع عرفة وهو بيدفن الجثث.. وقررت اني هكتب الجواب ده بعد ما اخدت القرار خلاص، وهو اني
عرضت البيت للبيع وجالي فيه مشتري، بس انا مش هقدر اعيش من غيرهم، انا اخدت القرار اللي لا رجعة فيه"أنا قررت أنهي حياتي للأبد، أنا مستحلش أعيش. واللي هيلاقي الورق ده وهيقرأ مذكراتي، بطلب منه إنه يبلغ الشرطة، عشان (عمر) و(سيف) يدفنوا في مقابر العيلة، ويدعيلي ربنا يسامحني.
.....
دلوقتي بس فهمت، الست (رجاء) عاشت حالة نفسية صعبة تسمي (الفصام) في الطب النفسي. كانت عايشة ما بين الإدراك وعدمه.. في وقت تصدق إن جوزها وابنها عايشين، وفي وقت تاني تصدق إنهم ماتوا. وعشان كده لجأت للسحر، و(العياذ بالله)، والبيت اتسكن.. الإنسان مننا ساعات كتير بيحاول يصلح الغلط اللي عمله، فبيغلط غلط أكبر. وبدل ما الموضوع بيتحل، بيزيد صعوبة، وللأسف وقتها الوضع بيكون كارثي بمعنى الكلمة.
بلغت الشرطة على اللي عرفته، واللي بدورها جت وطلعت الجثث، وقبضت على (عرفة) اللي اتستر على الجريمة، والبيت اتقفل تماماً. أما أنا، فرجعت بيتي القديم، واستعوضت ربنا في الفلوس اللي دفعتها، واخترت سلامي النفسي عن العيشة مع (الجن). وعرفت إني لما سكنت في البيت ده، مكنتش صدفة ولا حاجة.. ربنا مقدر كل اللي حصل ده عشان أجي البيت وأشوف اللي شوفته، وأقدر أعرف الحقيقة. والحمدلله، كنت سبب في اتنين خرجوا من دفنة مهينة، وادفنوا في مكان كويس.
في ناس بتقولي: (اعرض البيت للبيع واستفاد).. لكن أنا رفضت. ده مش هخلي حد يعيش المعاناة اللي عشتها.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
