![]() |
رواية حبل الوريد الفصل السابع والاربعون بقلم ياسمين عادل
_ كانت فكرة '' يسرا '' بعقد قرانها وزفافها نهارًا ، فكرة غير تقليدية .. وقلما يتم تنفيذها ..
حيث قامت بحجز ڨيلا كاملة للأفراح والمناسبات وقامت بتجهيز الحديقة الخارجية بطاولات ومقاعد مفترشة بالستان الذهبي الرقيق .. وأعلى كُل طاولة مزهرية زجاجية بها ورود بيضاء متفتحة ..
ظل الجميع في إنتظار العروس الجميلة ، ولكنها لم تأتي بعد .. تفاجئت '' كارمن '' بوجود عدد قليل من الأناس والمدعوين ، وربما لم يأتي أقارب العروس أو العريس بعد ..
حاولت '' كارمن '' الإتصال بها ولكن كان هاتفها غير متاح ..
فقوست شفتيها بإستنكار وهي تقول :
- تليفونها مقفول ، ياريتني كنت رحت معاها بس هي صممت أستناها هنا
تاج وهي تنظر حولها بتوتر : زمانها جاية .. آآه !
_ ألتفتت كارمن لترى ما الذي أصابها ، فوجدتها تضع كفها على أسفل بطنها وكأنها تتألم .. أقتربت منها كارمن لتتسائل بإرتباك :
- إنتي هتعمليها النهاردة ولا إيه ياتاج؟
تاج وهي تهز رأسها بالسلب : لأ ، الدكتور قالي لسه أسبوع .. دي مجرد نغزة بس بتجيلي كتير اليومين دول
كارمن وهي تنظر حولها بإرتباك : هو كريم فين! من ساعة ما جينا وهو مختفي
تاج وهي تتنحنح بتوتر : أحـم ، مش عارفة راح فين !
_ وجهت كارمن أبصارها نحو هاتفها مرة أخرى .. وكادت تتصل بشقيقها لتسألهُ عن مكانهُ ، ولكنها توقفت .. وشُل تفكيرها للحظات وهي تدقق حاسة شمها ..
وإذ بها تنتفض في وقفتها وهي تصرخ بـ :
- ريـــان !
تاج وقد أنقبض قلبها بتخوف : هـه ! ريـان إيه بس دلوقتي !
كارمن وهي تلتفت حولها گالمجنونة : دي ريحتهُ ، ريان هنا .. ريان موجود
تاج وهي تنفي ذلك بتشدد : لالا ، مش ممكن .. بيتهيألك
كارمن وهي تتأهب للبحث عنه ُ : إحساسي ميكدبش أبدًا عليا
تاج وهي تمسك بساعدها لتمنعها عن المرور : أستني بس ، هتروحي فين بفستانك ده !
كارمن وهي تسحب نفسها من تاج بعنف : هدور عليه .. هو هنا أنا متأكدة
_ خطواتها تشبه الركض وهي تمسك بذيول فستانها الرقيق وتبحث عنه بعينيها في كل مكان .. گ أم فقدت وليدها ، بينما أخرجت تاج هاتفها وراحت تتصل به بسرعة و.... :
- ألو ، كارمن بتدور عليك .. إنت فين بسرعة ! .. لأ مشيت من ورا ، بسرعة بقولك .. سلام
_ أغلقت هاتفها ونظرت حولها بقلق وهي تهمس :
- ربنا يعدي النهاردة على خير وتتلمـو بقى !
_ وأخيرًا ظهر كريم وأتجه نحو زوجتهُ متعجلًا .. حتى وقف أمامها وهو يقول :
- خلاص كل حاجة تمام ، والمأذون جـه
تاج وهي تفرك كفيها بتوتر : يارب
_ أبتعدت عن الڨيلا بمساحة ليست بكبيرة .. ومازالت على أمل إنها تجدهُ عقب أن فشلت في إيجادهُ بالداخل ..
وقفت تتنفس بصعوبة على أثر المجهود الذي بذلتهُ .. وطأطأت رأسها بإنكسار وهي تغمغم :
- إزاي ؟ أنا عارفة ريحتهُ كويس!
_ سالت دموعها وقد تضاعف الألم عليها مؤخرًا .. لا تقوَ على كُل هذا الحمل بمفردها ..
فقد تعلمت كيف تكون رجلًا وأنثى عقب أن غاب عنها وهجرها .. تحملت العقبات وواجهت المصائب وحدها أثناء إدارة مجموعة شركات '' النعماني '' وشركات KM أيضًا.. حتى إنها أقامت مشاريع مشتركة بين المجموعتين وحققت نجاحًا ساحقًا ..
ألتفتت وهي تجر فستانها بيأس ، كفكفت دموعها حتى لا تفسد زينتها .. وراحت تعود نحو الحديقة المُقام بها الحفل ، تفاجئت ببدء الإحتفالات ، وقد لمحت المأذون وبجوارهُ العريس يجلسان على طاولة عقد القران .. وبجوارهما كريم وتاج أيضًا ، تنهدت بثقل .. ثم خطت نحوهم غير عابئة بأي شئ ..
مهــــــــلًا ..! هناك شئ خاطـئ ..
أقتربت أكثر وهي تدقق أبصارها نحو ذلك العريس الجذاب ، ليصدق حدسها ، إنه الســـارق .. إنـه ريـان.
حدقت عيناها حتى كادت تخرجا عن مكانهما ، ومازالت تخطو وتخطو نحوهم .. وقف ريان بمكانهُ ، وأغلق زر سترتهُ السوداء وهو يبتسم لها بسعادة ..
بينما وقف '' كريم '' أيضًا وهو يردد :
- أهـي جت
_ تهدجت أنفاسها ، وكأن أحدهم أطبق على أنفاسها ..
تجمعت دموعها ، ووقفت تتأمل هيئتهُ التي تغيرت شيئًا ما .. لقد زادت وسامتهُ على الأغلب ..
لم تطل وقفتها ، حيث نزعت حذائها العالي وركضت نحوهُ ركضًا حقيقيًا ، بينما أقترب وهو يفتح ذراعيهِ ليستقبلها ..
لم تحتضنهُ ، بل أرتطمت به بقوة الدفع ليحملها ويستدير بها في مكانهُ على شكل حلقات ثم توقف فجأة .. ألتصق نهديهما بشوق ،
وعانقا بعضهما عناقًا عاطفيًا عنيفًا .. ذاب فيه الجليد وتحول شوقهم لألسنة من النيران تلفح بهم ..
لم يدرو كم من الوقت مر عليهم ، فقد توقفت عقارب الساعة عندهم .. ضمتهُ بكلتا ذراعيها وهي تضرب بقبضتيها ظهرهُ الصلب حتى تألمت أصابعها .. تشعر كأنها تحلم گكل ليلة ، لا تصدق إنها تلمسهُ الآن ..
بينما أحتواها هو إحتواءً ، مسد على شعرها بلطف .. وأخيرًا همس لها بصوتهُ العذب :
- وحشتيـــني ، أوي .. أوي
_ أفاقت على صوتهُ ، فتحت عينيها لتنفتح صنابير عينيها المغلقة .. وبدأت تبتعد عنهُ رويدًا ، حتى نظرت لوجهه وحفرت معالمهُ في قلبها ، مدت أطراف أصابعها لتتلمس وجهه ، حتي أنغرزت أصابعها في ذقنهُ .. وقالت :
- إنت بجد ؟
ريان وقد برزت أسنانهُ بإبتسامة أهلكتها : لأ بهزار
_ أجهشت ببكاء مكتوم ، فتنغض جبينهُ وهو يتدارك الأمر قائلًا :
- خلاص خلاص ، أيوة بجد والله .. بشحمي ولحمي قدامك أهو
كارمن وهي تدفع ذراعيه المطوقتان لخصرها : أبعد عني متلمسنيش ، أبعـد
ريان : لاااا ، أبعد أروح فين ! ده انا قتيلك الليلادي .. أنا هما ياقاتل يامقتول ، هتجوزك دلـــوقتي
كارمن وهي تشهق شهقات مرتفعة : مين قالك هتجوزك ، أنا مش عايزة أشوف حتى وشك .. سنتين !
سنتين وراجع تقولي هتجوزك ؟ ليـه !! ليه تعمل فيـا كدا ؟ أنا كنت بموت كل يوم .. أنا منمتش ليلة من غير ما تكون انت ضيف أحلامي ، حرام عليك
ريان : أنتي فاكرة إن فراقك كان سهل عليـا ! .. لو انا كنت ضيف أحلامك ، فـ انتي كنتي ضيفة في كل يومي .. نايم وصاحي وفي شغلي وفي كل مكان ..
سيبت مصر ، وكأنك كنتي مسافرة معايا ، مفيش لحظة عدت من غيرك ! إنتي كنتي كل حاجة لمدة سنتين .. سافرت وقررت مش هرجع ، أربع تذاكر سفر أحجزهم لمصر ويضيعو عليا ومرجعش .. أنا سافرت مكسور ورجعتلك مشتاق ! لسه عايزاني أبعـــد ؟
بصي في عنيا وقولي إنك مبقتيش عيزاني ، قوليلي أمشي ومترجعش تانـي
كارمن :.......
ريان بنظرات تكاد تقتلها : قولـي ياكارمن !
_ دفنت رأسها في صدرهُ .. فـ ضمها إليه بـرقة ، وقال :
- أنا آسف ، كان غصب عنـي
كريم وهو يتابعهم بفرحة جليّة : طب مش يلا بقـا !
_ رفعت كارمن رأسها نحو شقيقها وهي تحدجهُ بإستنكار .. ثم أردفت بحدة :
- وانت كنت عارف ومخطط كل ده !
كريم وهو يرفع ذراعيه في الهواء مبرءًا نفسه : واللّه أبدًا ، أنا معرفش أي حاجة غير من أسبوع فات .. لما أتفاجئت بيه رجع وطالب يقابلني ، حتى تـاج آ ......
كارمن وقد ضاقت عيناها گإستعداد للهجوم : تاج إيه !
تاج بصوت برئ : والله هو اللي كان محلفني مقولش حاجة ، كان بيكلمني يطمن عليكي كل فترة بس مش كتير
_ مسح على رأسها بحنو وهو ينقذ شقيقتهُ وزوجها بقولهُ :
- تاج كانت الوسيلة اللي بطمن عليكي بيها ، وملهاش ذنب عشأن تزعلي منها .. أنا كنت محلفها
_ وقف المأذون في مكانهُ متذمرًا ، ثم قال :
- ياجماعة ورايا فرحين تانيين ، يلا ربنا يبارك لكم
كارمن وهي تنظر حيالهُ غير مصدقة : هو إحنا هنتجوز دلوقتي فعلًا ! طب وفرح يسـرا ! تمثيل برضو ؟
ريان وهو يهز رأسه بالإيجاب : آه بصراحة ، يسرا لسه هتتجوز أخر السنة ، وحالًا هتجوزك .. خلاص مش هصبر ثانية واحدة كمان
كارمن وقد بدأت في التوتر فورًا : بـس ! أنا مكنتش أعرف ولا عاملة حسابي و.....
كريم : كل حاجة جاهزة ياكوكي حتى بطاقتك معايا ، يلا بقى
_ ظهرن الفتيات الشقيات رفيقاتها من خلف الكواليس .. متأهبين للإحتفال عقب عقد القران ، حتى يسرا العروس المزيفة .. حضرت في قمة أناقتها ..
لم تلتفت كارمن لعتاب إحداهن ، فـ الليلة هي أسعد ليالي حياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات متتالية ذاقت فيهم قسوة الليل بدونهُ ..
جلست جوارهُ حول الطاولة ، بينما أستعد كريم گوكيل لها .. وبدأ عقد القران بتكاتف أيديهما وترديد الصيغة وراء المأذون ..
حتى أنهى المأذون عقد القران بقولهِ :
'' بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير '' ، ألف مبروك
_ أنتزعت تاج منديل كتب الكتاب المنقوش عليه أسميهما وخطفتهُ سريعًا .. بينما ألتف أصدقائهم وصديقاتهم للتهنئة ، كانت أنظارهُ مسلطة عليها وهو يستقبل التهنئة والتبريكات من الجميع ، وهي كذلك .. لقد أشتاقت عينيها لرؤيتهُ كثيرًا، وأخيرًا سحب نفسهُ من بينهم ، وأنتقل نحوها متلهفًا وهو يردد :
- مش يلا نروح بيتنا بقـى ، عايز أقعد معاكي وأحكيلك عن حجات كتير أوي .. حياه كاملة عيشتها كانت نقصاكي ، عملت بيـزنس كبير أوي بـرا
كارمن ومازالت الصدمة مسيطرة عليها : بيتنـا!
ريان وهو يباغتها بقُبلة على رأسها : آه ، أنا بجهز في البيت ده بقالي ٦ شهور .. بصراحة تاج أشرفت على كل حاجة وانا كنت بديها التعليمات ، حتى لما سألتني عن الألوان والفرش والحيطة .. كانت زي الوسيط ، تاخد الأمر وتنفذ ، لحد ما بقى في أحلى وأكبر شقة لأحلى كارمن في الدنيا
كارمن : .........
_ تفهم إضطراب مشاعرها ، وإرتباكها الملحوظ ..
فما كان منه إلا إنهُ أحتضن وجهها بين كفيهِ .. وهمس :
- فاكر كل الألوان اللي كنا مختارينها سوا ، حتى الفرش جه على زؤي أنا .. ثقي فيا
كارمن وقد غزى وجهها الإبتسامة : واثقة
_ وزع ريان نظرهُ على تفاصيل وجهها حتى وصل لشفتيها ، فأبتسم وهو يقول :
- طب عايز أقولك حاجة
كارمن بتشوق لحديثهُ : قول
_ عبر عن قولهُ بقُبلة حـارّة .. تذوق فيها طعم شفتيها الذي لم ينساه يومًـا رغم غيابهُ ، فقد حياها بداخلهُ .. وجعلها گالزهرة التي يرويها يوميًا ..
خضعت مشاعرها الجافة له ، ليروي ظمأها بحُبه ..
لو عليهِ لما تركها ، ولكنهُ أضطر أن يبتعد سنتيمترات قليلة ، وهمس بصوت متلهف :
- مش هنروح بقى !
- آآآآآه ، ألحقــوني
_ كانت صرخات '' تاج '' مدوية وهي تمسك ببطنها ، فقد داهمتها آلام المخاض .. ويبدو إنها على وشك الولادة ، ألتف حولها زوجها والفتيات بينما أسرع ريان ومن خلفه كارمن ليتفدوها ..
- آآه ، مش قادرة ياكريم ألحقني بولد
كريم وهو يضع هاتفهُ على أذنهُ : بكلم الدكتور أهو ياحببتي ، حالًا أهو
ريان وقد شعر بالغيظ : لأ بقى ، والله الجوازة دي حد باصصلي فيها .. كـدا ميصحش أبدًا وربنا أبدًا
- آآآآآآآآآآآآآآآآآه .
................................................................
_ لقد مـر دهرًا كاملًا على هذه اللحظة الحالية ..
تقريبًا ربـع قـرن ، خمسة وعشرون عامًا كاملين ..
في هذا المنزل العصري .. المفترش بأحدث المفروشات والأثاث .
وقف الشابين أمام الطاولة المستطيلة ، يصفّون عليها قوالب الحلوى .. في نفس التوقيت الذي رن فيه جرس الباب ، فتوجه أحدهم ناحية الباب ليفتحه .. ثم قال بترحيب :
- أهلًا وسهلًا ياخالي أتفضل
كريم وهو يمد يدهُ له بالحقائب البلاستيكية : الحمد لله يامروان ، أمسك مني يابني
مروان وهو يلتقط منه الأكياس : دول عشرة كيلو رز؟
كريم وهو يلج للداخل : آه ، في حاجة تاني ناقصة؟
مروان وهو يضع الأكياس جانبًا : لأ خلاص .. هو بابا وماما مش بلغوك هيوصلو أمتى !
كريم : لأ ، ريان مرضيش يقولي عشان منروحش المطار
_ نظر مروان نحو الإطار الذي يحمل صورة والديهِ '' ريان ، كارمن '' .. ثم قال بشغف بيّن :
- أصلهم وحشوني أوي ، أول مرة يطولو في العمرة كدا .. وكل سنة بابا كان بيعمل كراتين رمضان بنفسهُ ، السنة دي
سابلنا إحنا المهمة دي
كريم وهو يربت على كتفهُ : قدها ياحبيبي ، وبعدين زمانهم في السكة متقلقش
_ لاحظ كريم أن '' مازن '' يُحدث نفسه گالمجنون أمام المائدة .. فتنغض جبينهُ وهو يقول :
- تعالى نشوف أخوك الأهبل ده بيعمل إيه
_ أقتربا منهُ ، بينما كان هو ينظر للمائدة بإنبهار عقب أن وضع الصواريخ النارية الصغيرة في قوالب الحلوة وردد :
- وربنا أنا كتير على العيلة دي ، ياسلام عليك ياواد ياميزو
كريم وهو ينظر حيالهُ متعجبًا : إنت بتكلم نفسك يامازن !
مازن وهو يشير إليه ليتقدم منه : تعالى ياخالي شوف إبن أختك لما بيبدع
مروان ساخرًا من شقيقهُ : أهو كده شايف نفسه علينا على طول
مازن ممازحًا : بكرة تعرف قيمتي لما أتجوز وأمشي من هنا ، شوف مين هيغسلك شراباتك المعفنة
مروان : ربنا ما يحوجني ليك ويخلي لينا الغسالة
_ أنفجر كريم ضاحكًا على مزاحهم .. بينما خرجت تاج من المطبخ وأقتربت نحو المائدة لتضع قالب الكعك عليها وهي تردد :
- أنت جيت ياكريم
كريم وقد تقوست شفتيه متهكمًا : لأ لسه مجيتش
تاج وهي تحدجهُ بنظرات ضيقة : طب أتصل بـ شيري شوفها قربت ولا لسه ، الساعة بقت ٨ ونص ولسه مجتش
مازن وهو يخرج هاتفهُ من جيب بنطالهُ : أنا هكلم الكائنة الغريبة دي وأشوفها فين
_ شعر الجميع بوقع أقدام على الدرج ، فتحرك الجميع بسرعة لإطفاء الأضواء .. ونظر مروان من العين السحرية بالباب ليجد والديه قد وصلا للتو ..
فأختبأ هو الآخر ، ليفتح ريان باب شُقتهُ بهدوء .. تفاجئ في البداية بالأضواء المغلقة ، ولكنه أكتشف فعلتهم عندما ضغط على زر الإضاءة ليتفاجئ بالزينات المعلقة في كل مكان .. فـ أبتسم وهو يفسح المجال لزوجتهُ كي تدخل ، ومن خلفهم حارس العقار حاملًا عنهم حقائب السفر ..
وضع الحارس الحقائب وأغلق ريان الباب من خلفهُ .. بينما صاحت كارمن بتلهف وهي تنادي على أولادها :
- حبايبي أنتوا فين
_ لم يستطيعا الصمود أكثر من ذلك ، فظهر كلاهما وهما يركضان إليها يحتضناها بقوة ، وحضر كريم وتاج أيضًا من الداخل .. في حين أنهالت هي عليهم بالقُبل وهي تردد :
- وحشتوني أوي أوي
ريان وهو يعقد ساعديهِ أمام صدرهُ : شايف ياكريم ، نسيوني أوام .. طبعًا هو مين اللي مدلعهم مش أمهم !
كريم منضمًا معهُ : معلش ياريان ، إحنا كدا گأباء حقنا مهضوم على طول
_ أنضم الشابين لوالدهما يُشبعون شوقهم لهُ .. ليجدون جرس الباب يشتعل بصوتهُ ، فأقترب كريم ليفتحهُ ، فإذ بإبنتهُ تدخل متعجلة وهي تقول :
- أوعو تقولو إنكو طفيتو الشمع من غيري !
ريان وقد أنعقد حاجبيه بتعجب : شمـع !
مازن وهو يحدق فيها لتصمت : مااحنا لو نمسك لسانا هنكون ناس جميلة وكيوت جدًا
شيري وهي تتنحنح بحرج : حاضر ، sorry
مروان وهو يسحب كفي والدهُ ووالدتهُ نحو حجرة الطعام :تعالو معايا في مفاجأة عظيمة مستنياكو
_ أنتقل الجميع نحو حجرة الطعام ، لينبهر ريان بصنع ولديهِ .. فقد قرر الشابين تنظيم حفل بمناسبة مرور ربع قرن على زواج والديهم ..
أبتهج وجه '' كارمن '' وهي تنظر للمائدة ، ولم تجد من العبارات ما ترد به على فعلة فلذات كبدها ..
ألتفو حول المائدة ، بينما وقف ريان مطوقًا كتف زوجتهُ بحُب وردد :
- عقبال سنين كتير وانتي موجودة
_ أخرج كريم عُلبة مخملية من جيبهُ وأعطاها لريان وهو يردد :
- الأمانة اللي طلبتها
_ ألتقطها ريان بإبتسامة صافية ، ثم فتحها ليظهر قرطين رقيقين .. فأغلقها مرة أخرى ووضعها في جيبهُ ثم نظر نحو '' شيري '' وهو يقول :
- تعالي ياشيري
_ أقتربت منهُ شيري لتجده يُقبل رأسها ثم قال :
- كل سنة وانتي طيبة ياروشة
_ ثم همس لها :
- اللاب توب الجديد بتاعك تحت الكنبة في الُ living room ( حجرة معيشة ) ، هدية عيد ميلادك
_ تعلقت شيري برقبتهُ وقبلتهُ وهي تقول بفرحة :
- خالو حبيبي ، بحــبك جدًا
_ ركضت شيري للخارج ولحق بها '' مازن'' وهو يقول :
- لا ده انا أروح أتفرج وأحقد عليها بقـى
_ أبتسم الجميع ، في حين قالت تاج :
- تعبت نفسك ليه ياريان ، مش كفاية هدية الشهر اللي فات
ريان : فداها أي حاجة انتي عارفة بحبها قد إيه ، كفاية إن عيد ميلادها يوم عيد جوازنا
_ ثم نظر ناحية '' كارمن '' بنظرة غريبة وكأنهُ حديث العهد في الحُب وقال :
- يعني أحلى ذكرى
....................................................................
_ أغلق ريان آخر كرتونة رمضانية وغلفها بالشريط اللاصق .. ثم رفع جسدهُ من إنحناءتهُ وقال :
-كدا معاك ١٠٠ كرتونة يامروان ، عارف الأماكن اللي هتتوزع فيها ومعاك العنواين ولا أكتبهالك تاني ؟
مروان : لأ عارف وخالي أداني العناوين خلاص
نظر ريان لساعة الحائط ليقول : دلوقتي هتلاقي العربيات والسواقين جاهزين ، جزء هيروح المخزن ويتوزع بكرة وجزء النهاردة
_ ربت ريان على كتف ولدهُ بتشجيع ، ثم قال :
- أول سنة هتطلع لوحدك توزع ، عقبال كل سنة يابني
مروان وهو ينظر إليه بثقة : رمضان كريم يابابا ، وربنا ميقطعش عادتك أبدًا
_ كاد ينصرف ، ولكنه ألتفت مرة أخرى وهو يقول :
- العمرة الجاية إحنا معاكو على فكرة
ريان بترحيب : بس كدا ! عنيا .. ويمكن تكون عروستك معانا كمان
_ أنشرح صدرهُ وهو يرمقهُ غير مصدقًا ، فأبتسم ريان وهو يردد :
- شوف عايز تتقدم وتخطب أمتى عشان أقول لمامتك تجهز نفسها
مروان وهو يحتضن والدهُ : حبيبي يابابا ، هكلمها أتفق معاها على معاد نقابل فيه أهلها وأكلمك على طول
ريان وهو يضرب على ظهرهُ : وعايزك تطمن ، مش هيلاقو زيك أبدًا يابشمهندس
مروان وقد أتسع صدرهُ بسعادة : ربنا يخليك لينا يارب
......................................................................
_ كان ريان جالسًا في الشرفة ، سابحًا في ملكوت آخر .. عندما ولجت كارمن وهي تحمل المشروبات الرمضانية وحلوى الكنافة ، لتضعها على المنضدة الصغيرة ثم جلست بجواره وهي تقول :
- خلاص هتروح تجيب مراد وبناتهُ بكرة من المطار ؟
ريان وهو يخفض بصرهُ بحزن : إن شاء الله .. مش مصدق إني هشوفه وهشوف البنات لأول مرة بكرة ، مكنتش أتمنى أشوفهم في الظروف دي
كارمن وهي تتنهد بضيق : ربنا يرحمها زينة ، لولا إنها وصتهُ قبل ما تتوفى تدفن هنا في مصر مكنش نزل
ريان : ربنا يرحمها ويغفرلها ، ماتت في أيام العتق من النار
_ نهض ريان ليدلف داخل حجرتهُ ، وتبعتهُ هي وتتسائل بتردد :
- ريان ، لو انا في يوم مـ .....
ريان وهو يلتفت فجأة ليصيح فيها : بـس ، بس انتي هتقولي إيه ! ربنا يخليكي ليا ومشوفش يوم زي ده أبدًا أبدًا
_ جذبها لتكون بين أحضانهُ ، وشدد ذراعيه عليها وهو يقول :
- ده انا أموت فيها
كارمن وهي تضرب على صدرهُ معاتبة إياه : بعد الشر
_ أبعد ذراعهُ عنها ، ليسحبها معهُ أمام المرآه ، ثم جعلها تنظر ناحيتها .. ليخرج هو عُلبة الأقراط ، وبدأ في تلبيسها إياها وعلى مبسمة إبتسامة سعيدة .. بينما تنظر هي له في حُب .. لقد هرما وهرم حبهما معًا ، تزينت رؤوسهما بالشيب .. ومازال الحب يكسو حياتهم ، أنتهى من مهمتهُ ثم نظر إليها وهو يقول :
- كُل عيد جواز وانتي منورة حياتي
_ أتسعت إبتسامتها بسعادة جليّة .. ثم أنحنت لتفتح أحد الأدراج ، أخرجت حقيبة كرتونية صغيرة .. تحوي رابطة عُنق راقية ، أخرجتها وقامت بتطويق رقبتهُ بها .. ثم رددت :
- وانت حياتي كلها يارفيق الدرب
ريان وهو يمسح على شعرها بنظرات عاشقة : عجزتي بس لسه ملامحك هي هي ياعجوزتي ، اللي يشوفك ميقولش إنك أم لشابين .. واحد عنده ٢٣ سنة والتاني ٢٠ سنة ، إنتي مصدقة !
كارمن : أنا مصدقة إنك معايا ، لولاك مكنتش حياتي هتكمل
_ تمددا على الفراش ملتصقين ببعضهما .. تستمع لضربات قلبهُ القريبة من أذنيها ..
هائمة في ذكريات كُثر جمعتهم سويًا ، سنوات جعلتهم يشيخون على وسادة واحدة ، فـ أصبحا لبعضهما البعض معنى الحيــــــــــــــاه ..
وحتى إن أجتمع ليفرقهم دم حبــل الوريـد ، فلـن ينبض الوريد إلا بإجتماع الأوردة .
.......................................
......................................................................
(( تمت بحـــــمد اللّــــه )) ..
