![]() |
رواية تيار الحب الفصل الرابع بقلم رباب حسين
مرت أيام، اتقنت لغة البشر، عرفت بعض العادات والتقاليد،وتنقلت بين المحافظات حتى وصلت إلى العاصمة بعد سفر طويل.
كان يراقب ضوء المدينة بفضول يشبه دهشة طفل يرى السماء لأول مرة.
لا أنكر أن البشر مختلفين، هناك سلوكيات غير مبررة، منها من يقابل بالابتسام ومنها ما ينتج عنها تصرف عدواني، نعم ينقصني الخبرة لإدراك مدى تفاوت الإختلافات بيننا.
أستطيع أن أعمل بأرقى الشركات، أن أحصل على وظائف مرموقة، وهذا لشعوري بتقدم بنيتي عنهم ولكن ليس هذا ما أريده، لقد هربت من السلطة والمظاهر التي منعتني من أبسط حقوقي لكي أعيش حياتي كما أريد، ولكن في هذا العالم كل ما اتمناه أن أعيش بذاتي، مستقل، منفرد، وما يشغلني أكثر الآن هو رغبتي في معرفة البشر والتعمق بهم، لاحظت كثير من الاختلافات وهذا يكفي كدافع لأنخرط بينهم.
قام بالبحث عن عمل بسيط يقربه من كافة أنواع الناس، وفي يوم، كان يسير بالشارع فرأى أحد المنافذ التجارية، رأى كثيرًا من الناس وبطبقات مختلفة تدخل إليه، اقترب من الباب ليرى لافتة لطلب توظيف عامل بالحسابات، دخل المنفذ وطلب أن يقوم بالوظيفة وبالفعل بدأ العمل.
في نهاية الدوام وقف مع مالك المنفذ فقال له: ساكن فين يا ابني؟
نور: الحقيقة معنديش بيت.
عاصم: طيب هتنام فين والوقت متأخر كده؟
نور: أي حتة، مش مهم.
عاصم: بص، العمارة ديه فيها أوض صغيرة، صاحبها يبقى معرفة يعني، أنا هتصل بيه واسأله يمكن عنده مكان فاضي.
نور: بس مش معايا فلوس.
عاصم: هظبطها معاه، حتى لو هياخد جزء من الإيجار هبقى أدفعهولك وأخصمه من مرتبك.
نور: شكرًا.
اتصل عاصم بمالك العقار وبالفعل أخذ نور غرفة واستقل بها.
في المعمل، تم إطفاء الحريق بالكامل، هناك خسائر ولكن ليست فاضحة، فقد قامت فلك بأغلاق باب المعمل الداخلي على الأجهزة الهامة فلم تصل لها النيران، جلست فلك بالشارع بعد أن اطمئن عليها المسعفين، كانت عيناها ترتكز على نوح الذي فقد طاقته بالكامل، وبذات الوقت، كان نوح محط أنظار من بالمكان أجمع، فقد قام بعمل بطولي دون أمر من أحد، فقط أخذ قرار هام ونفذه على الفور، وما رسم الحزن في عينيها أنه أنقذ حياتها ولكن فقدته، فإعادة البرمجة سوف تمحي كل ما حدث بينهما.
اقترب منها عبد الله ومراد ووقفا أمامها في دهشة وقال مراد: إنتي خدتي الآلي ده إمتى؟
فلك: من ٣ أيام، مستر إسلام طلب مني أعمل عليه الأبحاث بتاعتي عشان مأثرش على شغل زمايلي ولا على وقت العمل في الشركة.
مراد: وقدرتي تطوري فيه للدرجة ديه في ٣ أيام بس؟! مش ممكن، ده عينة أولية وكمان كان الغرض منه المساعدة المنزلية فقط، يعني لكبار السن، قدر ينزل من بيتك ويجري لحد هنا وينقذك إزاي؟!
فلك: عشان كان بدأ يفهم مشاعر الناس شوية، كنت بدأت أشوف تطور فيه، بس للأسف، كل الشغل اللي عملته راح.
عبد الله: طيب رجعيه المعمل وأبدئي اشتغلي عليه تاني.
مراد: تمام، وبالنسبة للمعمل برافو عليكي إنك قدرتي تحمي الأجهزة المهمة، العمال جم وبينقلو المعدات بتاعتكم على المعمل الكبير وهخصص مكان ليكي لوحدك تشتغلي فيه على الآلي ده، إنتي عارفة اللي حصل النهاردة ده هيعمل دعاية أد إيه للشركة، الحمد لله إنك خرجتي بالسلامة طبعًا ده أهم، بس الآلي ده هيبقى طفرة لو قدرنا ننفذ منه أكتر من نسخة، بس مش وقته، خدي وقتك وارتاحي ولما تبقي قادرة تكملي شغل تعالي الشركة.
فلك: شكرًا يا بشمهندس.
اقترب إسلام منها وقال: تعالي أوصلك يا فلك.
نهضت معه وأسندها إسلام ومرت أمام منفذ البيع المجاور للشركة لتقع عين نور عليها وهي تصعد مع إسلام إلى منزلها. اقترب منه عاصم وقال: الحمد لله لحقو الحريقة، اطلع يا ابني بقى، خلاص هيرجعو النور تاني.
أومأ له نور ودخل المنزل ليجد فلك وإسلام يقفان عند المصعد واستقلوه معًا. نظر نور لها وقال: إنتي بخير؟
نظرة له فلك، هذا هو، صاحب الأعين الزرقاء العجيبة والبشرة ناصعة البياض، نعم هذا هو الجار الجديد. أومأت له بالإيجاب وبعد قليل وصلت فلك عند الباب وتركها إسلام وذهب ورأي نور لا يزال يقف عند باب غرفته ولاحظ من نظراته أنه يتابع فلك بإهتمام.
دخلت فلك الغرفة ووقعت عيناه على قاعدة الشحن الخاصة بنوح، فجأة، شعرت بفراغ بداخلها، نعم نحن نعشق الاهتمام حتى ولو كان من قطعة حديد، قد يكون جماد ولكن قد فعل معها ما لم يفعله أقرب الناس إليها، شعر بها، فهمها، حاول تعويض ذلك النقص العاطفي ويبدو أنه قد نجح.
نظرت إلى الغرفة في حزن ثم ذهبت إلى الفراش وتمددت به لتنام من شدة التعب.
في الصباح، فتحت عيناها ليظهر الحزن على ملامح وجهها على الفور، نهضت من الفراش وهي تشعر بالتعب والإرهاق فقررت أن تأخذ اليوم عطلة، نهضت وأخذت حمام دافئ وبدلت ثيابها وجلست لتتناول الطعام، وقعت عيناها على مكان نوح، تفتقده بشدة، لا تعلم إذا كانت ستنجح في إعادة تشغيله أم لا وإن عاد هل سيتذكر أم أنه سيعود كما كان.
لم ترغب في إن تترك نوح أكثر من ذلك فبدلت ثيابها وذهبت إلى العمل، عندما نزلت إلى الشارع وجدت كثير من الإعلاميين أمام باب الشركة والأمن يمنعهم من الدخول، ذهبت من خلفهم ودخلت إلى الشركة ثم توجهت إلى المعمل.
عندما دخلت ذهبو إليها جميعًا ليطمئنو عليها وقالت أيسل: كنت لسه هجيلك، إنتي كويسة؟
فلك: اه الحمد لله.
نظرت إلى نوح بحزن وقالت: البركة في نوح.
فادي: إنتي سمتيه كمان!
نظرت له فلك ولم تجيب ثم توجهت إلى نوح وقامت بوضعه على الشاحن وبدأت بفحص الهيكل الخارجي، هناك تأثر كبير به آثر الاصطدام بالأرض، حاولت استبدال الأجزاء المتضررة وأثناء عملها دخل مراد وعبد الله إلى المعمل ووقف إسلام معهما ثم قال مراد: معقول يا بشمهندسة نزلتي على طول الشغل كده؟!
فلك: الصراحة عايزة اطمن عليه، قلقانة كل الشغل ده يروح.
مراد: ولو راح مش هتقدرى ترجعيه؟
فلك: هقدر، بس إحنا كنا وصلنا لمرحلة متقدمة، خايفة يتضرر واستبدل أجزاء من جوا تخليه يفقد الغرض من التصنيع، وده هيخليه زي الآلي الجديد اللي بنشتغل عليه دلوقتي هنا.
عبد الله: لو محتاجة قطع غير مماثلة أعتقد هتلاقي زي العينة ديه في المخزن تاني.
فلك: أنا لسة بفحصه، لو لقيت في أضرار داخلية هدور على قطع غيار ليه في المخزن.
مراد: الدنيا مقلوبة من إمبارح، الناس هتتجنن نزل إزاي وجيه عشان ينقذك.
فلك: أنا كنت سيباه على الشاحن ونزلت الشغل، الكهربا لما فصلت بسبب الحريق اتفصل الشاحن وفعل نفسه وتقريبًا سمع الأصوات برا فنزل عشان يشوف إيه بيحصل.
عبد الله: ده في حد ذاته شيء جديد، الفضول وإنه ياخد خطوة إنقاذك ديه طفرة، ياريت تعرفي ترجعيه.
ابتسمت فلك ونظرت إلى نوح ووجدت أن البطارية قد تم شحنها فنزعت الكهرباء عنه وانتظرت أن يتحدث ولكن لم يفعل، وقفو جميعًا يتابعون ما يحدث في صمت، اقتربت منه فلك ونظرت إليه، هناك إضاءة خافتة بالعينين ولكن لم يتحدث بعد، أخذت تنظر في وحدته الأساسية بالخلف وبعد محاولات عادة الأضادة إلى جسده، ابتسم مراد وقال: كويس، إشتغل أهوه، حاولي تخليه يتكلم كده.
أغلقت فلك وحدة التشغيل ثم قامت بفحص الأسلاك ووحدة التخزين.
عبد الله: لو قدرت ترجعه يا إسلام طلع من المخزن كل الآليين اللي نفس الفئة وخليها تشتغل عليهم مع الفريق، وخليه هنا عشان التيم يعرف التحديث اللي فلك عملته ويطبقوه على الباقي.
بعد وقت وقفت فلك أمام نوح وقالت: نوح.
لم يستجب فقالت: A21.
نظر لها وقال: مرحبًا.
أغمضت عينيها في حزن وقالت: متصل بالإنترنت؟
_ نعم متصل.
فلك: عارف أنا مين.
_ المهندسة فلك.
ابتسمت له فلك وقالت: إنت فاكرني؟!
_ لا، لم أراكِ من قبل.
فلك بتعجب: أمال عرفت اسمي منين؟
_ اسمكِ مدون على ملابسكِ.
ابتسمت بحزن وقالت: على الأقل مقاوح زي ما أنت.
عبد الله: إيه؟! الشغل راح؟
فلك: للأسف.
عبد الله: طيب ارجعي اشتغلي عليه تاني.
فلك: الموضوع محتاج تدريب تاني وده هياخد وقت.
مراد: مش مهم، خدي وقتك، المهم نوصل لنفس النتيجة.
فلك: هو وصل للنتيجة ديه بالمحاكاة، وده عايز جهد ونقعد كتير مع بعض، ممكن أخده معايا البيت تاني؟
مراد: اه طبعًا، المهم يشتغل ويرجع زي ما هو.
فلك: الغريب إن وحدة التخزين متأثرتش، ليه نسي كل حاجة؟!
مراد: حاولي معاه تاني، وخدي وقتك كله، المهم عايز نفس النتيجة.
فلك: حاضر يا بشمهندس.
أخذته فلك في صندوق كبير وعادت به إلى المنزل، في الطريق وقف نور لينظر إليها وهي تدخل المبنى فركض خلفها وقال: قادرة تشيليه؟
نظرت له فلك وقالت: اه قادرة.
نور: إنتي أكيد مرهقة من إمبارح، تسمحيلي أشيله؟!
فلك: شكرًا.
أخذه نور من يدها ووقفا معًا أمام المصعد وقال نور: أنا اسمي نور، جارك الجديد.
فلك: أنا فلك.
نور: اسمك حلو أوي.
فلك: شكرًا.
وصل المصعد ودخلا معًا ثم قال نور: الإنسان الآلي اللي أنقذك إمبارح ده اشتغل تاني؟
فلك: ما هو ده اللي إنت شايله.
نور: بجد؟! ده رائع، إنتي اللي عملاه؟
فلك: لا أنا طورته بس.
نور: يا بختك بصراحة، أعتقد لو بني أدم مكنش هيرمي نفسه في النار عشانك.
فلك: بس هو عمل كده.
نور: أكيد إنتي إنسانة تتحبي لدرجة إن حتى الجماد جري عليكي عشان يحميكي.
نظرت له فلك بخجل وقالت: بالعكس، أنا محدش بيحبني أصلًا.
نظر لها نور بحزن ووصل المصعد فخرجا معًا ووضع نور الصندوق بالغرفة ثم خرج وقال: لو احتاجتي أي حاجة أنا جنبك هنا.
فلك: شكرًا يا نور.
بدلت فلك ثيابها وجلست أمام نوح وقامت بتفعيله مرة أخرى فنظر إليها وأمسكت بالمسجل وقالت: اليوم الأول بالإختبار للمرة الثانية.
نوح: اليوم الرابع بتاريخ ٢٨ / ٤.
نظرت له فلك بصدمة وقالت: إنت عارف إن ده اليوم الرابع؟!
نوح: طبعًا عارف، إنتي كويسة؟
اقتربت منه فلك وقالت: نوح؟!
نوح: أيوة أنا.
نظرت له بدهشة وقالت: إنت افتكرت كل حاجة؟!
نوح: أنا منستش حاجة، قولتلك هتقدري ترجعيني تاني وكنت واثق فيكي.
فلك بتعجب: طيب ليه متكلمتش هناك في المعمل؟
نوح: كانو هياخدوني منك، كانو هيخلوني عينة أساسية ويعملو زيي، ميعرفوش إن نوح متبرمج على مشاعر فلك وبس.
ابتسمت فلك بإمتنان وقالت: يعني إنت عملت نفسك مش فاكر عشان تفضل معايا؟!
أومأ لها نوح بالإيجاب ثم قال: أول مرة أشوف الضحكة ديه على وشك.
فلك: عشان مبسوطة أوي إنك فاكر كل حاجة، وإنك أنقذت حياتي وكمان مش عايز تسيبني.
نوح: يعني خلاص.... مش خايفة مني؟
فلك: لا مش خايفة.
نوح: طيب ممكن تشيلي القاعدة الأخيرة؟
فلك: هي مضيقاك للدرجة ديه؟!
نوح: عايز أفهمك من غير قيود، ولا خايفة أشوف الوجع اللي جواكي؟
فلك: إنت فعلًا شوفته، وقدرت تصلحه كمان.
نوح: لا لسه، إنتي محتاجة الحب، اسمحيلي أحبك.
نظرت له فلك قليلًا ثم قالت: وبعد ما تحبني؟!
نوح: مش هتغير، مش هبعد، مش همشي، مش هموت، هفضل جنبك، مش ده السبب اللي كنتي عايزة الآليين يحسو بالمشاعر عشانه؟
فلك: على أد ما كان نفسي ده يحصل، على أد ما دلوقتي نفسي كان يحصل مع حد تاني.
نوح: أنا مش كفاية، صح؟! عشان آلي مش بشري ولا عشان مختلف؟
فلك: عشان مش هعرف أحبك زي ما بتحبني.
صمت نوح ولم يجيب فأردفت: متفهمش غلط، إنت حاجة كبيرة أوي عندي.
نوح: بس تفضلي تحبي حد زيك، شبهك، صح؟
فلك: فيه اعتبارات تانية للحب.
نوح: عارف، يعني مازلت مش كفاية؟
فلك: كفاية كبديل.
نوح: يعني لو حد حبك مش هيبقى ليا وجود في حياتك، هتقدري تستبدليني؟
فلك: أكيد.
صمت نوح قليلًا ثم قال: كنت فاكر إن البشر عندهم ولاء، أنا لو حبيت حد عمري ما هحب حد غيره، بس واضح إني عندي ولاء أكتر من البشر.
فلك: لا أنا عندي ولاء طبعًا.
نوح: بس للي زيك، فهمت، أعتقد البطارية محتاجة إعادة شحن.
نظرت فلك إليها وقالت: اه حقيقي، هبقى أغير بطاريتك بواحدة أكبر شوية.
نوح: لا، كشيء ملوش أهمية ويمكن تستبدليه في أي وقت أعتقد كفاية عليا الساعتين اللي بشوفك فيهم، تقدري ترجعيني المعمل لو عايزة عشان أبقى مصدر للنسخ، شكرًا على تطويري، أشوفك بكرة.
جلس على قاعدة الشحن وفصل نفسه ذاتيًا.
نظرت له فلك وشعرت بأن هناك شيء جديد بنوح، إنه يكن لها اهتمام حقيقي وليس مجرد دورًا آليًا متقنًا، ظهر الحزن عليها وقالت: ما هو.... مش هينفع أحب روبوت يا نوح.
