![]() |
رواية تيار الحب الفصل الخامس بقلم رباب حسين
طوال عمرها، تحملت كل هذه الصعاب وحيدة، موت والدتها، حادث أليم لم تكن تعي ما تفعل ولكن أصبحت المتهمة بجريمة قدرية.
فلاش باك
كانت فلك طفلة صغيرة مدللة، أمها كانت حنونة للغاية وهذا ما جعل فلك تتمادى في دلالها. كانت كثيرة البكاء وعندما تسأل يجب أن تلبى؛ فهذا ما زرعته أمها بها.
وذات يوم، في أثناء عودتهم إلى المنزل بداخل سيارة والدها، نظر لها مسعود بتذمر وقال: كفاية عياط بقى يا فلك.
لم تكف عن البكاء فقالت هند: معلش يا مسعود هما البنات كده متدلعين، نستحملها شوية.
مسعود بتذمر: إنتي اللي دلعتيها.
هند: كان فيها إيه لو جبنا اللعبة يا مسعود؟!
مسعود: مش كل أما تطلب حاجة تاخدها، البنت كده هتبوظ.
فلك ببكاء: مليش دعوى، أنا عايزاها، اشمعنة البنت في الملاهي كانت معاها اللعبة ديه. مسعود بغضب: ومش كل أما تبقي بنت شايلة لعبة تقولي عايزة زيها.
هند: خلاص يا مسعود.... بصي يا لوكا بعدين نبقى نجيبلك هدية تانية بس دلوقتي مش هينفع.
فلك بتذمر: إنتو مش بتحبوني.
ثم اتجهت إلى باب السيارة لتفتحه وتقفز منها فوقف مسعود علي الفور لتركض فلك من السيارة واصطدمت سيارة أخرى بسيارة مسعود وماتت هند على الفور متأثرة بالحادث، وأصيب مسعود بعجز في الحركة مما أثر على ساقه حتى الآن. لم يستطع مسعود الزواج من أخرى لحبه الشديد لزوجته وأيضًا لم يقبل أن يصبح عبء على زوجته فقرر أن يبقى وحيدًا وبسبب هذا الخزن الدفين داخله على فقدان زوجته أوقع مسئولية الحادث على هذه الطفلة الصغيرة. ترسخ بذهنه أن فلك هي السبب في كل ذلك، هي بنت كثيرة البكاء، الأولاد لا يبكون بهذا القدر لذا صار دائم التذمر بشأن هذا الأمر.
عودة من الفلاش باك
أصبح هذا الفراغ صمتًا داخل روحها، لم ترى دفء النظرات بعد وفاة والدتها وفقدت كل الحب والاهتمام، بل تبدل كل شيء بعد أن كانت مدللة إلى عبء، لم يهتم أحد لمشاعرها واصبحت ابتسامتها هي الدفاع الوحيد الذي تملكه، تحملت، صمتت، ابتسمت في وجه من أخبرها " أنتي السبب في وفاة والدتك"
لا يعلمون أن هي أكثر من تأثر بهذا الفقد وليس هم، فهي فقدت الجزء الذي كان يعرف كيف يحبها.
والآن وجدت من يحب، هي خائفة ولكن ليس من الفقد، هي تعلم أن نوح لن يرحل، ولكن هناك خوف من المجتمع، من الانتقاد. هي دائمًا تتعرض إلى الإنتقاض حتى في عملها، هناك من يتهمها بالسطحية وعدم الاحترافية، لا يعلمون أن هناك شرخ داخلها لن يلتئم سوى بهذه المشاعر التافهة كما يطلقون عليها.
ظلت تنظر إليه بتعجب هل هو غاضب؟! ولكن ما آثار دهشتها أكثر هو طلب الحب، هل لأنه يعلم مدى إهتمامي بالمشاعر أم أن هناك دافع أخر؟
ظلت تفكر حتى حل الليل ونامت، في الصباح استيقظت وبعد وقت جلست أمام نوح وقامت بنزع الشاحن عنه فنظرت له قليلًا ثم قالت: صباح الخير.
نوح: صباح النور، توقعت إني هلاقي نفسي في المعمل.
فلك: هو الطبيعي إنك تروح فعلًا، بس أنا عايزة أكمل التحديث معاك للأخر.
نوح: ولا لإنك لسه ملقتيش بديل؟
فلك: مش بدور على بديل أصلًا.
نوح: بس لو لقيتيه هتنسيني، يمكن كمان ترميني في المعمل وتعيشي حياتك وتنسيني.
فلك: إنت عايز إيه يا نوح؟!
نوح: كنت عايز أقرب منك، كنت فاكر إنك غيرهم، كنت فاكر إن مشاعرك صادقة، بتدوري على الحب الصادق مش الحب اللي يديكي اللي إنتي عايزاه بس، بس طلعت غلطان.
فلك: لا يا نوح، أنا مش بدور على حاجة ليا خالص، ولا بستغل اللي قدامي، بس إنت بتطلب حاجة صعب تحصل.
نوح: طيب لنفرض إنك حبتيني.... هتتمسكي بيا ولا هتسيبيني عشان حد تاني.
فلك بتوتر: أنا مش عارفة إنت مركز على الموضوع ده ليه كده؟! المفروض إنك تفهم مشاعري مش تفرض مشاعرك عليا.
نوح: صح، المفروض أفهمك بس، أعوض الفراغ اللي جواكي، لكن مش من حقي أطلب حبك، على العموم أنا جاهز لباقي التحديث.
تنهدت فلك وجلست أمامه وقالت: عايزين نبدأ بتحليل الإيماءات، يعني لو أنا بصيت كده...
ثم نظرت له بغضب وقالت: ديه معناها إيه؟!
نوح: مش عارف.
فلك: طيب عموما ده غضب، بتبقى نظرة العين حادة وكمان لو فيه عصبية ضربات القلب بتزيد.
نوح: تمام سجلتها.
فلك بيأس: كان نفسي تفهمها من غير ما أشرح.
نوح: عندي فكرة، لو حطيتي شرح لكل المشاعر والإيماءات جوا النظام عندي هفهم.
فلك: فيه حاجات بتيجي بالإحساس.
نوح: زي إيه؟
قامت فلك بفتح بفيديو أمامه وقالت: بص هنا، البنت كانت واقفة وبدأت تحس بالتعب، من غير ما تقع ومن غير ما تتكلم الكلب جري عليها، عارف لو إنسان آلي هو اللي عامل ده، هيبقى مسعف متميز وماهر لكل الحالات الصعبة، كبار السن، ذوي الإحتياجات، إنك تقدر تحس بأعراض المرض عند المستخدم حتى لو نايم.
نوح: ديه محتاجة وصف طبي لكل حالة جوا النظام وده صعب، أو ممكن أعمل فحص للنبض والمؤشرات الحيوية باستمرار.
فلك: مرهق ومكلف، عارف لو قدرت تعمل ده زي الإنسان بالظبط هيبقى ده الإنجاز بجد.
نوح: هحاول أعمله.
فلك: تمام.
نوح: لو خلصنا شغل ممكن أسئلك سؤال؟ ليه متضايقة بقى؟
فلك: مش متضايقة.
نوح: متأكدة؟
فلك: أيوة.
نوح: بدأتي تخبي مشاعرك تاني، لما كنتي بتتكلمي مع باباكي كنتي زعلانة من كلامه بس ابتسامتي بحزن وكتمتي مشاعرك جواكي، إنتي لسه مبتسمة نفس الابتسامة ديه من شوية، يعني بتخبي زعل جواكي.
فلك: مش لازم تهتم أوي يا نوح.
نوح: أنا عايز أهتم، عايز أقرب بطلي تبعديني، قوليلي مالك.
فلك بغضب: خلاص يا نوح، مش لازم أقول.
نوح: بطلي تكتمي مشاعرك، قولي اللي زعلك، حتى لو اللي قدامك هيزعل قوليه.
فلك: أكيد مش خايفة على مشاعرك.
نوح: أكيد عشان معنديش مشاعر أصلًا، فا ليه مش عايزة تقولي.
فلك بغضب: عشان مش عايزة أتعلق بيك، فهمت؟
تركته فلك وخرجت من المنزل تحت نظرات نوح، نزلت إلى أسفل ومرت أمام المتجر ورآها نور ولاحظ أنها لا تبدو بخير فاستأذن من عاصم وذهب خلفها، ركض حتى وصل إليها وقال: فلك... فلك.
نظرت له فلك وقالت: نور، إزيك؟
نور: أنا كويس، مالك شكلك زعلان ليه؟ تعبانة ولا حاجة؟
فلك: لا، أنا كويسة، شكرًا على سؤالك.
نور: طيب رايحة فين؟
فلك: مش عارفة.
نور: أنا رايح أفطر، تيجي نفطر سوا؟ لو مش هيضايقك يعني.
نظرت له فلك قليلًا ثم قالت: ماشي.
ذهبا معًا وجلسا بأحد المطاعم الصغيرة وتقدم النادل منهما وقال: أهلًا وسهلًا، تحبو تاكلو إيه؟
نظر نور إلى قائمة الطعام ثم قال: إنتي هتاكلي إيه؟
فلك: هاخد بيض عيون وبطاطس.
نور: وأنا كمان.
نظرت له فلك وقالت: هو إنت منين بقى؟
نور بارتباك: منين إزاي يعني؟
فلك: يعني من القاهرة ولا منين؟
نور: اااه، لا مش من القاهرة، من سينا.
فلك: بجد؟! وجي هنا لوحدك؟
نور: مليش حد هناك أصلًا.
فلك: امممم، خريج إيه؟
صمت نور قليلًا ثم قال: تجارة.
فلك: وشغال كاشير؟
نور: اه.
فلك: بسأل كتير صح؟
نور: لا، يعني منطقي لإنك متعرفنيش.
فلك: هو أنا لما ببقى متضايقة أو متوترة بسأل، معلش حاجة غريبة فيا.
نور: مش شايف حاجة غريبة، تعبير عن التوتر، عادي يعني.
فلك: إنت بتفهم في علم النفس؟
نور: تقدري تقولي كده، هو ممكن أسألك سؤال؟
فلك: اتفضل.
نور: إنتي شغالة في تطوير ال AI صح؟
فلك: اه.
نور: هو فيه بقى إنسان آلي زي اللي كان معاكي ده كتير يعني في الشركة؟
فلك: فيه أنواع تانية اه.
نور: بس واضح إنه مختلف، أو مهتم بيكي أوي.
فلك: قصدك نوح؟
نور: هو اسمه نوح؟
فلك: اه.
نور: اسم حلو.
اقترب النادل ووضع الطعام، بعد وقت من تناول الطعام وضعت فلك ونور يديهما على الماء فلمست يده وشعرت بتيار كهربائي فتألمت قليلًا ونظرت إليه وقالت: جسمك بيكهرب أوي، مع إن الجو حر مش برد يعني.
نور: اه، أنا جسمي كده.
فلك: البيض حلو أوي.
نظر نور إلى الطعام وقال: اه حلو.
تذكرت فلك أنها لم تقوم بشحن نوح فقالت: هخلص وأروح على طول.
نور: طيب هشوفك تاني؟
فلك: مش عارفة.
نور: بصراحة عايز أشوفك تاني، أو نتقابل بعد شغلك وشغلي.
فلك: ليه؟
نور: أنا بصراحة معجب بيكي، لو تسمحيلي نبقى أصحاب ونتعرف على بعض أكتر.
نظرت له فلك قليلًا وللحظة تعمقت داخل عينيه، إنها فريدة ومختلفة وبها قوة عجيبة، فقالت: خلاص بكرة أشوفك تاني.
أنهت الطعام وذهبت.
مساءًا، وقف نور أسفل الشركة، ينظر إلى نافذة المعمل وكأنه يدرس المكان من الخارج، ثم نظر بعمق لتخرج عينيه تيار كهربائي بسيط ويبتسم بمكر.
عادت فلك إلى المنزل ووضعت نوح على الشاحن، وفي المساء أعادت تفعيله وجلست أمامه فقال: هديتي ولا لسه غضبانة؟
فلك: لا هديت.
نوح: أنا هلتزم حدودي معاكي زي ما إنتي عايزة طالما ده اللي يريحك.
فلك: تمام.
نوح: عندي فكرة لتعزيز الرابط بين الإنسان الآلي والمستخدم.
فلك: إيه هي؟
نوح: ممكن نربط الإنسان الآلي بجاهز استشعاري للمستخدم عن طريق المخ، نفس شكل سماعة الأذن الخارجية، هيقدر يربط مراكز الإحساس بالإنسان الآلي ساعتها أي شعور هيحس بيه المستخدم هيوصل فورًا ويقدر الآلي يتعامل على أساس اللي هو حسه.
نظرت له فلك بدهشة ثم عانقته بقوة وقالت: برافو يا نوح برافو.
ابتعدت عنه وقالت: فكرة حلوة أوي، إزاي مجتش في بالي قبل كده، كده أي شعور أو أي عرض خطر هيبقى واصل للروبوت، تحفة يا نوح.
نوح: أقدر أعملك تصوير للجهاز وتركيبته لو تحبي.
فلك: ماشي، نشتغل سوا عليه.
نوح: تمام هبدأ بالتصميم وأبعته على الكومبيوتر.
فلك: ماشي.
نوح: فيه حاجة تانية مطلوبة مني؟
فلك: لا، أبعت بس التصميم.
أرسل نوح التصميم وقام بفصل نفسه ذاتيًا فنظرت فلك إلى التصميم ثم بدأت تتحدث معه فلم يجيب، نظرت له فلك وقامت بإعادة تشغيله فقال: نعم يا فلك، فيه طلب تاني؟
فلك: لا، هو إنت قفلت النظام ليه؟
نوح: مطلبتيش مني حاجة تاني.
فلك: بتكلم معاك.
نوح: فلك، لو سمحتي حددي المطلوب مني بالظبط.
فلك: ماشي ما أنا بتكلم معاك بتقفل النظام ليه؟
نوح: عشان أنا مش عارف إنتي عايزة مني إيه بالظبط.
فلك: ما أنا برده مش عارفة أنا عايزة منك إيه بالظبط بس خليك معايا.
نوح: نفسي أبقى معاكي على طول.
نظرت له فلك بصمت ثم تلقت مكالمة على هاتفها وتحدثت بملل: أيوة يا إياد.
إياد: أنا ممكن أعدي عليكي كمان يومين عشان نشتري الشبكة.
فلك بغضب: شبكة إيه؟!
إياد: أنا اتفقت مع خالي وقالي إنه بلغك.
فلك: هو أنا رفضتك كام مرة لحد دلوقتي يا إياد؟
إياد: بلاش افتكر عشان بتضايق.
فلك: ربنا يحرق دمك زي ما بتحرق دمي يا بعيد، هو إنت مش بتحس، ما ترحمني بقى من الجوازة ديه، أنا مش بحبك يا إياد ومش عايزاك.
إياد بغضب: ولا هتحبي أصلًا، هو إنتي تعرفي يعني إيه حب أساسًا، ده إنتي تحمدي ربنا إني بصيت في وشك، فلك فوقي لنفسك إنتي لا تتحبي ولا هتحبي.
أنهت فلك المكالمة بضيق وجلست تنظر للفراغ بصمت، ألمها بحديثه، نعم، أنا لم أتلقى حتى هذه الحب الفطري فكيف بأحد أن يحبني حقًا؟ ربما هذا خطئي.
نوح: حكم إياد عليكي نابع من غضبه.
فلك: إنت سمعت هو قال إيه؟
نوح: صوته كان عالي سمعته من التليفون، إنتي تتحبي عادي جدًا.
فلك: تفتكر يا نوح؟
نوح: إنتي جميلة أوي يا فلك، وفعلًا تتحبي، بس لو بتحطي قيود لكل حد يقربلك زي ما بتعملي معايا ومع إياد مش هتنجحي في الحب ده، إنتي تحولتي من حد بيتمنى الحب لحد بيخاف منه، ليه خايفة من الحب يا فلك؟
تنهدت فلك بحزن وقالت: ماما الوحيدة اللي حبتني، من غير قيود، والنتيجة إيه، ماتت بسببي، مش يمكن لو حد تاني حبني هيجراله كده؟ ما هو أنا السبب يا نوح، أنا اللي نزلت من العربية وأنا صغيرة وبابا وقف بسببي وحصلت الحادثة، أنا السبب في موتها ومن بعدها محدش حبني زيها.
نوح: حبك مش السبب، ولا إنتي السبب في حادث بالوصف ده، الغلط في اللي حملك مسئولية الحادثة، وبعدين أنا حبيتك وعرفت أنقذك ومجراليش حاجة، حبك مش مضر، حبك اللي خلاني هنا، حبك اللي قدر يخليني من واحد مهمل لنوح، حبك عمل نوح اللي بيحس عشان إحساسك إنتي هو الحقيقي، عشان كده قررت اتعلم الحب على إيدك.
نظرت له فلك وابتسمت لأول مرة دون خوف، كأن كلمات نوح رممت شرخًا قديمًا في روحها وهناك سعادة تنبعث بداخلها. ما أعظم مفعول هذه الكلمات البسيطة التي عالجت ندوب روحي.
