![]() |
رواية تيار الحب الفصل الثامن بقلم رباب حسين
بعض الصدمات تكون أقوى من هزيمة المعركة الدامية، تترك العقل مشلول، مقيد بين المنطق والحقيقة، وما يجعل الصدمة أقوى؛ هو نبض القلب الرافض لهذا الواقع.
لم تكن فلك تصدق ما تراه عيناها، ملامح نوح التي تعرفها جيدًا ترتسم على وجه نور، وصوتهما يتحدان في نغمةٍ واحدة تُزلزل كيانها.
وهناك سؤال يطرق عقلها: "هل خُدعت أم جُننت؟"
كل ما أمنت به من منطقٍ وعلمٍ وواقعٍ تبدد أمامها في لحظةٍ واحدة، لحظة انكشاف الحقيقة التي كانت تقترب منها دون أن تدري؛
من هو نوح؟ ومن هو نور؟ أم أن الاثنين وجهٌ واحد لحقيقةٍ لم تُخلق لتفهمها العقول؟
تساؤلات تتصارع داخلها، بين قلبٍ يرتجف وعقل يرفض الاعتراف، بينما الصمت بينهما كان أبلغ من كل الكلمات، عيناها ظلت تجوب بينهما، تنظر إلى عين نور ثم إلى نوح، وبدأت لحظة إدراك؛ نعم! كيف لم انتبه؟! هناك شعور ولد بداخلي عندما تحدثت مع نور أكثر، شعور الدفء وحالة من اللاوعي تخبرني بأننا نعرف بعضنا البعض منذ زمن، توقعت أن يكون هذا هو شعور المحبين، فأنا لم أختبره من قبل ،ولكن ما هو عجيب هو شعوري الآن، فلم يكن شعوري نحوه بأنني أعلم منه هو، بل كان هو ذلك الشخص الماكث في غرفتي منذ أيام.
نظرت لهما وهي تتلعثم وقالت: يعني... يعني إيه إنت نوح؟
اقترب نور بخطوة لتعود فلك إلى الوراء بفزع وقالت: بس، متقربش.
وقف نور وقال: متخافيش، أنا مش هأئذيكي.
فلك: ومين قالك إني خايفة تأذيني، أنا أصلًا مش مصدقاك، يعني إيه إنت نوح؟!
نور: طيب إلبسي جهاز الإتصال العصبي وإنتي هتصدقيني.
نظرت له فلك في توجس فأردف: كده كده هتتصلي بنوح مش بيا.
نظرت إلى الجهاز بيدها ووضعته بهدوء وحذر، تم الإتصال لتسمع صوت بداخل رأسها يقول: أنا نور يا فلك، حسي بنبضي، حسي بقلبي اللى حبك من أول مرة شافتك عيني، أنا جواكي زي ما تقدري تدخلي جوايا أنا كمان.
نزعت فلك الجهاز بصدمة ونظرت له وهي تفتح عينيها بفزع وقالت: ده إزاي؟! عملت كده إزاي؟
نور: إهدي بس وهفهمك كل حاجة.
صاحت فلك: مش ههدى غير لما تفهمني، إنت إزاي متحكم فيه؟!
نور: هفهمك كل حاجة، بس لازم تهدي عشان تستوعبي اللي هقوله.
فلك: إنت مش فاهم كلامي؟! بقولك مش ههدى غير لما تقولي الحقيقة دلوقتي.
نور: حاضر... حاضر.
ثم تنهد وقال: بتحكم فيه عشان قادر أندمج معاه، زي ما إنتي إندمجتي معاه بالجهاز ده، بس الفرق إن الجهاز ده جوا مخي، أنا مخي تركيبته كده.
فلك: إنت بتضحك عليا؟! إزاي يعني مخك تركيبته كده؟! مفيش مخ بني أدم أصلًا متركب كده.
نور بهدوء: عشان أنا.... مش بني أدم.
نظرت له فلك بعدم استيعاب وقالت: يعني إيه؟!
مسح نور على وجهه وقال: يعني أنا مش من هنا.
فلك: ماشي عرفنا إنك من سينا يعن...
نظر إلى عينيها طويلًا وكأنه يودع آخر خيط يربطه بهذا العالم وقاطعها بقوة قائلًا: أنا مش من الكوكب ده أصلًا.
ظلت تحدق به كثيرًا ثم أطلقت ضحكتها وهي تترنح أمامه كالسكرانة، نظر لها نور وقال بهدوء: فلك.... أنا بتكلم جد، أنا من كوكب تاني.
لاتزال فلك تضحك بقوة ثم قالت: لا لا، ده أكيد حلم، حلم غريب أوي.
أشاح نور بيده بغضب: كفاية ضحك، أنا بتكلم بجد.
وفجأة انطلق من يده شرارة كهربائية اصطدمت بأحد الأجهزة داخل معملها لتصدر صوتًا مرتفعًا ارتجفت فلك على آثره وتصاعد الدخان أمامها، نظرت فلك إلى ما حدث في صدمة وقالت: هو... ده بجد؟
نور: ممكن تهدي بقى وتسمعيني.
ظهر على فلك الخوف مرة أخرى فقال نور: متخافيش مني، أنا عمري ما أذيت حد في حياتي.
فلك: إنت عايز مني إيه؟!
نور: وإنتي صغيرة، بعد ما مامتك ماتت كنتي دايمًا بتقولي: يمكن فيه ناس تانية هتحبني بس مش موجودين هنا، فعلًا يا فلك، أنا حبيتك وأنا فعلًا مكنتش هنا جنبك، كنت في عالم تاني، عديت سفر كبير عشان ألاقيكي، وفي الآخر إنتي قدامي أهوه، بس الحاجة الوحيدة اللي مكنتش متوقعها ولا عايز أشوفها هو الخوف اللي في عينك ده.
فالتفتت فلك لتضع يدها على رأسها في حيرة، كيف يحدث هذا؟ هذا لا يُصدق! هل أتحدث مع كائن فضائي الآن؟ ثم نظرت له وقالت: لا مش قادرة استوعب، مش عارفة أصدق.
نور: لو حطيتي الجهاز ده هخليكي تخترقي مخي، هخليكي تدخلي جوايا وتعرفي كل حاجة، أنا مش هأذيكي يا فلك، إديني بس فرصة أفهمك، فرصة تعرفي أنا مين.
فلك: هصدقك إزاي؟! بتقول عمرك ما أذيت حد صح؟! مش إنت اللي اتحكمت في الربوتوس اللي في الشركة وخليتهم يمسكو الموظفين بالعافية؟ إزاي بقى مش عايز تأذي حد ولا عمرك أذيت حد؟! ومتنكرش، أنا حسيت بحاجة غريبة أول ما اتصلت بنوح.
نور: مش هنكر، أنا اللي عملت كده فعلًا بس مكنش قصدي أئذيكي ولا أئذي أي حد.
فلك: أمال عملت كده ليه؟!
نور: طيب بس إهدي واقعدي نتكلم، اسمعي أنا عايز أقولك إيه.
فلك: لو إنت فعلًا دخلت جوايا كنت هتعرف إني مش بصدق الحاجات اللي برا المنطق بسهولة.
نور: وده اللي خلاني أساعدك تخترعي الجهاز ده، ده الحاجة الوحيدة اللي هتخليكي تصدقي إن أنا نوح.
فلك: إنت بتتحكم فيه من إمتى؟
نور: من أول يوم جبتيه هنا البيت، من أول مرة اتكلمتو فيها، كنت أنا مش هو، فرصتي اللي كنت بدور عليها ومقدرتش أضيعها.
فيه أسئلة كتير في دماغي، مش عارفة أقتنع باللي بتقوله أبدًا، بس سؤال واحد هو اللي هيجنني، ليه أنا؟! ليه اخترقت حياتي ودماغي أنا بالذات؟! ليه خليتني أقرب منك سواء كنت نوح أو نور؟ ليه عملت فيا كده؟!
نور: عشان حبيتك، حبيتك من أول مرة شفتك فيها.
فلك: وده إمتى؟!
نور: هقولك كل حاجة.
فلاش باك/
كان نور يسير في الشوارع يبحث عن مكان للعمل، هو يحتاج للمال فكل ما معه من طعام قد نفد، يعلم قدرته العقلية جيدًا وأيضًا يعلم مدى اختلاف أهل الأرض عنه وهذا سيعطيه أفضلية في مجال التكنولوجيا وخصوصًا تطوره القوي وأن لديه من العلم ما هو متطور عنهم، وذات يوم كان يسير بالشارع ليقف أسفل شركة فلك، يعلم أنها من أكبر شركات تصنيع الآليين في مصر وهذا ما جعله يتوقف قليلًا، قام باختراق الأجهزة ليعلم مدي تطور الشركة وهنا رأى مشروع فلك، عقد حاجبيه قليلًا متعجبًا من الأمر، "تريد أن تضيف مشاعر لآلي؟!"، عجيب! البشر يتمتعون بقدرتهم على التعبير عن المشاعر والأهم إنهم يحترمونها جيدًا على عكس شعبه، رأي صورتها بالجهاز ولاحظ ابتسامة ظهرت على وجهه على الفور، قرر أن يظل أمام الشركة حتى يراها.
بعد وقت، نزلت فلك ليرى ابتسامتها وهي تتحدث مع صديقتها ولكن توقف عندما لاحظ الحزن داخل عينيها بالرغم من هذه الابتسامة، لفتت انتباهه وظل يراقبها من بعيد حتى ذهبت صديقتها والتفتت فلك لتسير في الاتجاه العكسي، في الطريق توقفت قليلًا ثم أخرجت بعض الطعام من حقيبتها لتضعه أمام القط الذي يقف عند منفذ البيع ثم ابتسمت لعاصم مالك المنفذ وذهبت، وقف أمام المنزل وتابع صعود المصعد ليعلم رقم الطابق الذي تقيم به، شعر بعد ذلك بالطاقة الكهربائية في غرفتها ليعلم أين تسكن بالتحديد، حاول إيجاد طريقة للتقرب منها، هي أكثر البشر الذي يود أن يعلم عن مشاعرها وأيضًا تبدو في غاية الشفافية وهذه هي أفضل بشرية لدراسة البشر أكثر، وقعت عيناه على لافتة طلب عامل الحسابات، ومن هنا عمل بالمنفذ، أقام بالغرفة التي بجانبها وظل يراقب تحركاتها لعدة أسابيع، حتى أحضرت نوح إلى المنزل ومنذ أن شعر بوجوده تحكم به على الفور ليتقرب أكثر منها.
عودة من الفلاش باك/
فلك: يعني إنت عايز تقنعني إنك جيت من كوكب تاني عشان تدور على المشاعر؟! وأعجبت بيا عشان مهتمة بنفس الموضوع؟ اه، ولما شفتني بأكل قطة قلت خلاص هي ديه اللي هدخل حياتها أشقلبها، أخليها تتكلم مع إنسان آلي وأنا جواه، عشان تفضل متلغبطة ومش عارفة إزاي روبوت قدر يفهمها ويحبها.
ثم قالت بغضب: أنا كنت حاسة إن فيه حاجة غلط من أول يوم، بس أنا غبية، إزاي روبوت يطلب مني إني أسيبه يحبني، لا وبيغير عليا من بني أدم، وشوف بقى الأكبر! ده مطلعش بني أدم أصلًا.
التفتت إليه لتقترب منه في غضب وقالت: إنت إزاي مش بني أدم؟ ما أنت شبهنا أهوه، إنت بتكدب عليا، إنت بني أدم وعامل حاجة تخليك تتحكم في الأجهزة، عامل إيه في نفسك قولي؟!
ثم مدت يدها لتجذب قميصه بعنف فانفصلت الأزرار وانشق القميص ليظهر صدره العاري لتجده طبيعي جدًا، نظرت داخل عينيه لينظر لها بعشق لم تراه من قبل، لمعت عيناه بكهرباء خفيفة لتفتح عينيها في تعجب فقال: آسف، لما مشاعري ونبضات قلبي بتزيد بفقد سيطرتي على الكهربا شوية.
جذبها من كلتا يديها وقال: أنا جيت أدور على الحب عشان عندنا مش عارفين معناه.
انطفئت الكهرباء من حولها فجأة، مد نور يده ليفتح الستار لتنظر فلك إلى الخارج عبر نافذتها التي تطل على المباني المرتفعة أمامها، أُغلقت كل الأضواء بالخارج وقال نور: أنا كائن كهربائي، تكويني زيكم، بس الفرق إني أقدر اتحكم في كل حاجة بتستخدم الكهربا.
اشتعلت أضواء مصابيح الشارع فقال نور: أقدر أقفل الكهربا في الحتة اللي تعجبني وافتحها في الحتة اللي تعجبني، أقدر اتحكم في الكوكب كله وأنا واقف قدامك دلوقتي، اقتحم شبكات، أكبر شبكات عالمكم وأهمها، استولى على كل حاجة وبمنتهى السهولة، بس كل ده مهمنيش، كل ده مشغلش تفكيري ولا هز فيا حاجة، إنتي بس اللي تهميني.
انطفئت أضواء الشارع واشتعلت أضواء المنازل أمامها لتكون شكل قلب كبير وأردف: أقدر ارسم خطوط، خطوط تعبر عن اللي جوايا، ارسم بالتيار شعور الحب اللي حسيته في كل مرة كلمتك عن طريق نوح، أول ما دخلت جواكي وشفت حبك ليه مع إنه حديد مش هيفيدك، كان جوايا سؤال واحد بس، يا ترى هتختار الحب اللي كانت بتحلم تزرعه جوا روبوت، ولا هتتجوز واحد بس لمجرد إنه هيديها علاقة حب وزواج كاملة وتصبح أم كمان؟، هل هتضحي بكل حاجة عشان حبها لنوح، ولا هتبقى أنانية وتفكر بعقلها بس؟ وصلت للإجابة لما عرفت المشاعر اللي جواكي لنوح، لما وقفتي قدام الكل عشان تدافعي عنه.
أعاد إضاءة المكان بالكامل لتنظر له فلك بدهشة داخل عينيه المثبتة داخل عينيها ثم قال: أنا ليور إيثر، ملك قارة زوناد، من كوكب لاروس، لقيتك، وحبيتك، وعايزك تبقي الملكة بتاعتي، ملكة شعبي، شعب زوناد، تقبلي تكوني ملكتي؟
نظرت له بقوة، تلاشى غضبها، وعلا نبض قلبها، توقفت عن التنفس للحظة، نعم، لقد أصابها سهم حب منطلق من مجرة أخرى، ليعبر عوالم مختلفة وصولًا إلى قلبها دون تحذير، ليتوقف عقلها عن حديث المنطق، ليصمت أمام هذا النبض الذي يعلو ويعلو كلما تعمقت داخل عينيه، معلنًا إنهزامه أمام هذا الاعتراف الصريح بالحب الحقيقي الذي لطالما بحثت عنه.
