رواية ابناء يعقوب الفصل التاسع 9 بقلم ولاء رفعت علي


 رواية ابناء يعقوب الفصل التاسع 

كانت تائهة في درب مظلم وكان كضوء القمر الذي أنار لها الطريق وتسير إلى فؤاده، وكما هو قانون الحياة المتعارف عليه، قليلًا من الفرح يقابله كثيرًا من الحزن.
في مطعم مطل على نهر النيل، منظر خلاب حيث مياه النهر الجارية والأبنية الشاهقة في الجهة الأخرى، نسمات الهواء العليل تداعب خصلاتها المتناثرة على خديها، بينما هو يتأملها, فما أجملها من لوحة قد رسمها الخالق العظيم. 
قاطع تلك اللحظات قدوم النادل الذي توقف بجوار المنضدة، يمسك صينية يعلوها كأسين من العصير الطازج، وضع كل كأس أمام كل منهما على حده، وسأله:
- أي طلبات تاني يا فندم؟ 
أجاب يوسف بلباقة: 
- تسلم. 
ذهب النادل، فتحمحم  يوسف قبل أن يتحدث ويسألها: 
- إيه رأيك في المكان؟ 
ابتسمت والخجل يغزو ملامحها وخديها يتخضبان باللون الوردي فأجابت: 
- حلو المنظر جدًا، مية النيل والخضرة على ضفافه والجو حلو قوي النهاردة. 
استند بمرفقيه على حافة المنضدة وأخبرها بأعذب الكلمات: 
- وأحلى ما في المكان انتي.
نظرت إلى أسفل بخجل وتوتر، رفعت وجهها تتناول كوب الماء، ابتسم من خجلها الجلي فقال: 
- أنا والله ما بعاكس، أنا لما ببقى شايف حاجة جميلة بوصفها من قلبي. 
و كأن الهرة قضمت لسانها أو ربما توقفت الكلمات على أعتاب حلقها، فكتم ضحكاته وأردف: 
- بصراحة يا مريم ومن غير لف ودوران، من ساعة ما شوفتك وأنا حسيت بحاجة بتشدني ليكي، ممكن دا اللي بيقولوا عليه الحب من أول نظرة، لكن كنت بكدب نفسي ولاقيت الإحساس بيزيد جوايا يوم ورا التاني، أتمنى إن يكون إحساسي وصلك. 
أنصتت إلى كلماته وكان لها الأثر القوي، فقلبها خفق بقوة وسرت رجفة في خلايا جسدها، استطاعت أخيرًا تلملم شتاتها فعقبت: 
- كل كلمة قولتها بتعبر عني بالظبط. 
تهربت من نظراته ونظرت نحو مياه النهر ثم استطردت: 
- يعني كل حاجة انت حسيتها أنا كمان حسيت بيها، واحتفظت بإحساسي لنفسي عشان مش عايزة أعيش في وهم. 
تعجب من ذكرها لآخر كلمة فسألها: 
- ليه بتقولي وهم؟ 
التفتت لتنظر إليه فأجابت: 
- فيه فرق واضح ما بينا، أنت يوسف ابن الحاج يعقوب الراوي، وأنا بنت أخت عم عرفة اللي بيشتغل عند والدك ومجرد موظفة. 
مد يده ووضعها على يدها قائلًا: 
- الكلام اللي بتقوليه دا كان زمان، أيام فيلم رد قلبي، دلوقتي مفيش أي فرق و اللي عايز يوصل بيوصل لما يجتهد ويعافر. 
سحبت يدها بخجل وقالت: 
- يعني لو حبينا واتعلقنا ببعض أخرتها إيه؟ وهل الحاج يعقوب هيوافق يجوز ابنه لبنت أخت الراجل اللي بيشتغل عنده؟ 
لم يستطع كتم ضحكاته تلك المرة فأثار غضبها: 
- هو أنا قلت إيه بيضحك يا أستاذ يوسف؟ 
توقف عن الضحك فأجاب بجدية: 
- أصل الحاج يعقوب بنفسه كلم عم عرفة امبارح وقرر بإذن الله بكرة نيجي عندكم نقرأ الفاتحة. 
فتحت فاها وكأن على رأسها الطير،  فأردف: 
- أنا من الآخر بحبك جدًا وبدعي ربنا تكوني من نصيبي، تتجوزيني يا مريم؟
ـــــــــــــــــــــ
يقف مع العمال ويشير إليهم نحو الرفوف الشاغرة: 
- حط العلب دي هنا والتانية على الرفوف اللي هناك. 
أومأ إليه العامل وقال: 
- أمرك يا حاج. 
انتبه إلى هذا القادم إليه فباغت الغضب ملامحه، سأله: 
- أنت إيه اللي جابك هنا؟ 
ابتسم حمزة بدهاء وأجاب: 
- حد يستقبل جوز بنته كدا برضو يا عمي؟ 
صاح يعقوب ولوح بيده إليه: 
- أنت بتخرف بتقول إيه ياض؟! مش قولت ليك خلاص سيرة وفضيناها؟
اقترب منه وبصوت هادئ أخبره: 
- طيب يا حاج تعالى نتفاهم بالعقل عشان انت اللي محتاج ليا. 
وقد داهم الشك قلب يعقوب فقال: 
- والله لو هتجيب لبنتي وزنها دهب برضو مش موافق وأديك سمعتها بنفسك عمرها ما هتعصاني لأنها عارفة وواثقة إن ببقى عايز مصلحتها وبخاف عليها من أي أذى.
نظر إليه عن كثب مع ذكر أخر كلمة، ابتلع الأخر الإهانة قائلًا: 
- طيب يا عمي، اللي أنا جاي لك فيه ما ينفعش أقوله ليك قدام العمال. 
كان صبر يعقوب قد أوشك على النفاد، فأطلق زفرة وأشار إليه نحو المكتب على مضض قائلًا: 
- أخلص.
جلس بكل ثقة وهو في وضع المنتصر وعلى وشك أن يربح أول جولة.
- طبعاً انت لسه على موقفك مني ورافض جوازي من بنتك. 
رمقه يعقوب بامتعاض وأخبره بسخرية: 
- والله كلك مفهومية. 
اعتدل في جلسته ووضع ساق فوق الأخرى بزهو وأفاض بما سيضع رأس يعقوب الراوي في الوحل: 
- طب إيه رأيك بنتك ما ينفعش تتجوز حد غيري لأنها مراتي. 
- الله يطولك يا روح. 
رددها بعدما أطلق زفرة لعلها تنفث ولو القليل من غضبه الذي لو أطلقه على هذا الأحمق لم يتركه حياً، ثم أردف: 
- ياريت ربع الثقة اللي انت فيها دي يا أخي، وبعدين إيه مراتك دي يا ابن سعاد، اتلم أحسن لك، واللى عمال تلف وتدور عشانه، نجوم السما أقرب لك منه. 
جز حمزة على أسنانه وقرر أن يتخلى عن حديثه المبهم ليلقي عليه مباشرة الآتي: 
- هجيبهالك من الأخر يا يعقوب يا راوي، أنا نمت مع بنتك. 
هب يعقوب كالعاصفة صائحًا: 
- بتقول إيه يا كلب؟ 
نهض ووقف يجيب بكل جدية لا تحمل مزاح: 
- زى ما سمعت ولو مش مصدقني، خدها عند أي دكتورة نسا هتقولك إنها مش بنت وما تخافش أنا كدا كدا هاستر عليها وهتجوزها، يعني المفروض تشكرني. 
تجمع العمال على صياح يعقوب فصرخ بهم: 
- واقفين بتهببوا إيه؟ كله يطلع برة. 
خرج الجميع فجلس على المقعد ووضع يده على موضع قلبه، يرمق حمزة بنظرة قاتلة وأمره بصوت يكاد يكون مسموعًا: 
- اطلع.. اطلع بره يا.. 
خارت قواه وأصابته حشرجة في حنجرته ثم فقد الوعي في الحال.
ــــــــــــــ
عاد يوسف من الخارج بعد أن أوصل مريم إلى منزل خالها لتعد نفسها إلى زيارة المساء كما أخبرها. 
ولج ويردد كلمات إحدى الأغاني وقلبه يرقص طربًاً، وجد زوجة أبيه تجلس على الأريكة وتسند وجنتها على كفها، ذهب إليها وجلس بجوارها يسألها: 
- مالك يا ماما راوية، قاعدة حزينة وحاطة إيدك على خدك كدا ليه؟ 
أجابت بحزن دفين: 
- أختك من يوم ما رجعت انت وأبوك من السفر قافلة على نفسها ومش عايزة تخرج، حالها مش عاجبني من وقت ما أبوك رفض حمزة. 
سألها بتعجب: 
- هو حمزة عايز يتجوزها! 
- جه هو وأختي وانت و أخوك مش موجودين لأنه عارف إنه هيترفض، وأبوك رفضه، فحمزة شد معاه راح أبوك طرده. 
تمكث رقية داخل غرفتها في حالة من الضياع، تائهة ما بين أفكارها السوداء، كلما تتذكر ما فعله معها هذا الوغد حمزة تبكي بشدة وتصفع خديها بحسرة وقهر، حتى أصابها اليأس وقررت أن تتخلص من حياتها بدلًا من أن يفعل بها والدها أو شقيقيها ذلك. 
فتحت درج المكتب وأخرجت القاطع الحاد، رفعت يدها وظلت تنظر إلى رسغها تارة و إلى القاطع تارة أخرى، أغمضت عينيها ورفعت القاطع إلى أعلى، وقبل أن تفعلها طُرق باب غرفتها فانتفضت وألقت ما بيدها، قلبها يخفق بقوة حتى سمعت صوت شقيقها: 
- افتحي يا رقية أنا يوسف. 
ظلت تلتقط أنفاسها ثم ألقت القاطع داخل الدرج وأغلقته وذهبت لتفتح الباب بوجه شاحب لاحظه جيداً شقيقها.
- مال القمر قافل على نفسه الأوضة وتقلان علينا ليه؟ 
ذهبت لتجلس على طرف الفراش فكانت منهكة القوى، أجابت بصوت خافت: 
- تعبانة شوية. 
تذكر حديث والدتها فسألها: 
- تعبانة ولا زعلانة عشان بابا رفض حمزة؟ 
وعلى ذكر اسم هذا الذئب الوضيع اتسعت عينيها وقالت باستنكار: 
- لا، مش ده السبب بقولك تعبانة يا يوسف، إيه الغريب في إن الواحد يكون تعبان؟ 
نبرتها التي أصبحت قوية جعلته يتعجب من ردها المبالغ، فقال لها: 
- طيب قومي غيري هدومك وتعالي أوديكي للدكتور. 
نهضت وبغضب قالت: 
- يوسف ممكن تسيبني فى حالي، أنا هرتاح كدا، اعتبروني مش عايشة معاكم. 
وعندما رأى رفضها للحديث أو إبداء السبب الحقيقي وغضبها غير المفهوم - قرر أن يتركها لبعض الوقت ثم سيطمئن عليها لاحقًا، فقال لها: 
- براحتك، أنا كنت جاى أطمن عليكي مش أكتر. 
ولت إليه ظهرها حتى لا يرى الدموع التي تجمعت في عينيها، وقبل أن يغادر الغرفة صدح رنين هاتفه باتصال من عرفة فأجاب: 
- ألو يا عم عرفة. 
أخبره الأخر: 
- إلحق يا يوسف الحاج تعب ووقع من طوله فجأة وخدناه على المستشفي. 
ـــــــــــــ
تنتظر عائلة يعقوب أمام الغرفة التي يتم إسعافه داخلها، ينظر الطبيب إلى شاشة الجهاز الطبي ويتابع مستوى  الضغط والأكسجين في الدم وضربات القلب، دوى صفير يعلن وقوف القلب عن العمل فصاح الطبيب إلى الممرضة: 
- الجهاز بسرعة. 
أعطته جهاز الصدمات الكهربائية، أخذ الطبيب يضع الجهاز على صدر يعقوب فينتفض جسده بلا استجابة، كأنه لا يريد الاستيقاظ أبدًا، فما أخبره به هذا الشيطان حمزة جعل قلبه لم يتحمل تلك الصدمة التي هبطت على رأسه كالصاعقة التي تودي بحياة من تهبط عليه. 
ما زال الصفير مستمرًا، وفي الخارج ينتظر كل من يوسف وراوية وعرفة ومريم، ويقف أمامهم جاسر وحمزة الذي تصنع البراءة كالحمل الوديع. 
كانت راوية تردد: 
- يا رب قومه بالسلامة مالناش غيره، يا رب اشفيه وعافيه من أي تعب. 
خرج الطبيب وملامح الأسف والحزن على وجهه، ركض جميعهم نحوه يسألونه: 
- خير يا دكتور؟ 
أخبرهم قائلًا: 
- واضح إن الحاج يعقوب مريض قلب وماكنش متابع أو بياخد علاج، والتعب النفسي زى الصدمة خلت عضلة القلب وقفت تمامًا عن العمل، فيؤسفني أقولكم: البقاء لله. 
دخل يوسف في نوبة بكاء وكذلك راوية التي تبكي بصراخ فاحتضنها جاسر وأبعدها من أمام الغرفة، بينما رقية أخذت تردد: 
- لا يا بابا، ما تموتش وانت زعلان مني، أنا السبب، أنا السبب. 
احتضنتها مريم وأخذت تربت عليها، فاقترب حمزة منها وقال محذرًا إياها بصوت خافت للغاية حتى لا تسمعه مريم: 
- لسه شوفتي حاجة؟ ابقي خلي كلمة لا تنفعك، وبرضو هتجوزك. 
رفعت وجهها ونظرت إليه بصدمة غير مصدقة ما أخبرها به للتو، هل أخبر والدها على فعلته الشنعاء بها؟ لذا لم يتحمل واستسلم إلى الموت، يعني ذلك إنه توفى غاضبًا عليها، لم يتقبل عقلها التفكير في هذا الأمر، شعرت بالخدر يسري في كل خلايا جسدها فسرعان استسلمت و فقدت الوعي في الحال. 

يتبع...
أبي يا من غرّست حُبّ الله في فؤادي، ورسّخت عقيدة التوحيد في أعماقي، يا من كنت لي أُمًا في الحنان، و معلمًا في الأخلاق، وأخًا في النصح والإرشاد، نصائحك نورٌ أسير عليه في حياتي، وابتسامتك ثلجٌ يُطفئ خوفي وألمي، بحر قلبي الواسع أنت، وموج عقلي الدافئ أنت، وبياض قلبك بدرٌ في سماء نفسي، ومهما وصفتك فلن أستطع أن أكمل، ليس تهاوناً، ولكن شيء أعمق من ذلك.

في سُرداق العزاء يقف كل من عرفة وحمزة وجاسر لاستقبال من أتوا للتعزية، وكذلك يوسف الذي يكبت دموعه عنوة، يشعر بآلاف من نصال السيوف تهوى على قلبه بلا شفقة، فقد كان والده بالنسبة له هو الأخ والصديق، رفيقه الذي لا يفارقه، فماذا عساه أن يفعل بدونه؟ فهو لأول مرة يشعر بمعني كلمة يتيم. 

ربت عرفة على كتف يوسف وقال إليه: 

- شد حيلك يا ابني انت وأخوك البركة من بعده. 

نظر إليه يوسف بعينين شديدتي الحمرة من فرط البكاء على والده منذ الأمس وقد أضناه الحزن قائلًا: 

- أبويا مات يا عم عرفة، ماتت كل حاجة حلوة في حياتي، مات سندي وضهري. 

أخذ يربت عليه وأخبره بمواساة: 

- البركة فيك وفي إخواتك يا ابني، ما تقولش كدا، هو راح عند اللي أحسن مني ومنك.

ردد يوسف ودموعه تتساقط على وجنتيه: 

- ونعم بالله، ربنا يرحمه ويغفر له ويصبرني على فراقه. 

لكزه شقيقه بعنف في عضده، يوبخه من بين أسنانه: 

- ما تنشف ياض وبلاش حركات الستات اللي أنت فيها دي، عايز الناس يقولوا يعقوب مخلف عيال فرافير؟ 

رمقه عرفة بامتعاض وبعتاب قال له: 

- اعذره يا جاسر، مهما كان دا أبوه، ومن حقه يعيط، مش عيب تخرج مشاعرك. 

نظر جاسر نحوه بازدراء وتفوه بسخرية: 

- لا وانت الصادق، هو بيعيط لأنه مش هيلاقي الصدر الحنين اللي كان بيدلعه، وكأنه ابنه الحيلة. 

ردد عرفة بحزن لأنه يعلم قسوة وجفاء قلب جاسر: 

- لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يهديكم على بعض يا ابني. 

صاح جاسر بغضب: 

- ربنا يهديني إيه يا راجل يا خرفان؟ أنت شايفني مجنون قدامك؟ 

تدخل حمزة وأمسك جاسر قائلًا: 

- خلاص يا جاسر، الناس عمالة تبص عليكم وما ينفعش اللي بتعملوه دا. 

عقب عرفة على إهانة جاسر له: 

- الله يسامحك يا ابني. 

- وأنا مش ابنك، من هنا ورايح لازم تعرف حدودك معايا، اسمي جاسر بيه. 

ألقي تلك الكلمات بحدة فهمس حمزة إليه: 

- اهدى بقى مش وقته، لما يخلص العزا ابقى هزقه براحتك.

ــــــــــــــــــ

وفي الأعلى في منزل يعقوب حيث تجلس النساء، تجلس راوية بحزن وتقوم السيدات بمواساتها، شقيقتها تجلس في صمت وهويدا تربت على كتفها: 

- ربنا يلهمك الصبر من بعده يا أم جاسر. 

كلا من مريم وأمنية يمسكان صينية تعلوها فناجين القهوة يقدمونها إلى السيدات، بينما رقية كانت تتمدد على مضجعها في غرفتها تحت تأثير المهدئ حيث أصيبت بصدمة نفسية.

صعد جاسر إلى المنزل فرأى مريم تسير نحو المطبخ فألقى نظرة حتى لا يراه أحد من الحاضرين، ثم لحق بها ولم ينتبه إلى أمنية التي رأته يتسحب خلف ابنة عمتها، تذكرت عندما ذهبت صباح الأمس لمقابلته في الموعد والمكان التي ذكرته له في الرسالة لكنه لم يقرأها لذلك لم يأتِ. 

- الأسود عليكي هياكل منك حتة. 

شهقت بفزع واستدارت لتجده يقف خلفها مباشرة، تتشبث بالصينية لتجعلها حائل بينهما أو ربما درعًا يحميها قائلة بحدة: 

- أنت مش المفروض واقف تحت مع الرجالة، طالع تتسحب زى الحرامية وبتعمل إيه في وسط النسوان؟ 

ابتسم قائلًا: 

- بتغيري عليَّ يا مريوم؟ 

رمقته بامتعاض وقالت بسخرية حادة: 

- أغير عليك ليه؟ أوعى تكون فاكر الحركات اللي بتعملها دي تدخل دماغي، أنا أصلًا مش شايفاك راجل. 

جذب شعرها في قبضته بقوة وألتصق بها فأخبرها بنبرة كالفحيح:

- أنا راجل غصب عنك وعن أهلك يا بت. 

كادت تبكي برغم قوتها أمامه، توسلت إليه: 

- سيب شعري يا جاسر. 

ظل ينظر إليها بحدة وبنظرة أخرى حتى أطلق زفرة لفحت وجهها ثم ترك شعرها وقال لها بوعيد: 

- ماشي، هتروحي مني فين؟ كلها أيام وهتقعي تحت إيدي. 

كانت أمنية ترى وتسمع كل ما حدث بصدمة، الرجل الذي أحبته رفض عرض الزواج منها الذي فرضه عليه والده، ورأت أن مريم هي السبب الجلي لرفضه. 

ــــــــــــــــــــ

بعد مرور أيام العزاء الثلاثة، حان ميعاد إعلام الوراثة، اتصل المحامي المسئول عن الشئون القانونية الخاصة بمتاجر يعقوب وأولاده، طلب من أفراد العائلة أن يجتمعوا جميعًا، فكان هذا الاجتماع داخل منزل يعقوب.

أمسك المحامي بمجموعة من الأوراق وبدأ الحديث قائلًا:

- الحاج يعقوب الله يرحمه كان بيملك بيت من أربع أدوار وخمس محلات لبيع المفروشات، الحاجة راوية نصيبها التمن في كل الممتلكات، إما بالنسبة لأبناء الحاج، فجاء في القرآن الكريم في سورة النساء الآية رقم١١ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ و... 

قاطعه جاسر بعدما انتفخت أوداجه قائلاً: 

- ما خلاص يا حضرة الأڤوكاتو، كل اللي بتقوله دا أصلًا ولا ليه أي لازمة، لأن الحاج الله يرحمه كان عملي توكيل عام قبل ما يموت بشهر، وكل ممتلكاته بعتها لنفسي.

نهض يوسف غير مصدق وعقب على هذه المهزلة: 

- ازاي؟! بابا عمره ما كان بيعمل توكيل لأي حد فينا. 

نظر المحامي إلى جاسر بجدية وقام بسؤاله: 

- عذرًا في السؤال يا جاسر بيه، فين إثبات حضرتك؟ 

أخذ من فوق المنضدة ملفًا ورقيًا ومد يده به إليه قائلًا: 

- كنت عامل حسابي.

أخذ المحامي الملف وألقى نظرة على محتوى التوكيل، ضبط وضع نظارته ثم قال:

- التوكيل سليم مية فى المية، وعليه إمضة وبصمة الحاج، وده بنسميه فى القانون توكيل للبيع للنفس أو للغير، يعني ممكن بالتوكيل ده يبيع لنفسه كل الممتلكات وتبقى باسمه ودا اللي واضح في الأوراق المرفقة للتوكيل، وممكن برضو يبيعها لأي حد. 

عقل يوسف لم يكن قادراً على استيعاب ما يحدث، كيف لوالده أن يفعل هذا وهو أكثر ما يعلم نوايا جاسر الخبيثة؟ 

- مستحيل بابا يعمل كدا، والتوكيل دا بالتأكيد مزور. 

صاح بها يوسف غاضبًا، فأجاب شقيقه بصوت جهوري: 

- قصدك إن أنا نصاب ومزور؟ عيب يا يوسف دا أنا أخوك الكبير. 

كانت رقية تتابع في صمت، فهي كالجماد الساكن، وعندما شعرت راوية أن الجدال سيحتدم بين الشقيقين صرخت قائلة: 

- أبوكم لسه معداش على وفاته غير تلات أيام وأنتم بتتخانقوا على الورث؟! 

سألها باستنكار لما يحدث: 

- يعني عاجبك يا ماما راوية اللي ابنك بيعمله؟ 

عقب جاسر بسخرية وهو ينظر إلى يوسف بتشفي وانتصار: 

- ماما راوية! أمك اللي أبوك اتجوزها على أمي ماتت وهى بتولدك، واللي خلاك عايش في وسطنا وبيربطنا بيك خلاص مات، واللي كنت منتظره في إعلام الوراثة خلاص بح، كل حاجة بقت باسمي، وحق أمي وأختي محفوظ عندي، يعني من الآخر مالكش حاجة هنا غير حبة الهدوم بتوعك تاخدهم وتتكل على الله. 

الظلم والقهر من أشد الأفعال سوءًا وأكثرها إيلاماً للبشر، فلا يوجد فعل أسوأ من سلب إنساناً حقاً من حقوقه، ولا بد من الوقوف في وجه كل من ينتهج الظلم والقهر على الآخرين، فماذا يفعل الأخ إذا كان هذا الظالم أخيه؟ 

ازدرد يوسف غصة كمُر العلقم، أومأ إليهم وهو يهم بالرحيل من هذا البيت الذي أصبح كالكهف الموحش منذ أن رحل والده إلى بارئه، فقال إلى شقيقه: 

- أنا عمري ما أذيتك وكنت على طول بدور ليك على سبب واحد تكرهني عشانه، لو عشان أنا ابن الست اللي أتجوزها أبويا على مامتك ده مش سبب مقنع أبداً، الموضوع أكبر من كدا ودلوقتي فهمته، أنت ما بتحبنيش عشان أنا عقدة حياتك على طول، شايفني أحسن منك في كل حاجة لأنك إنسان حقود وأناني ونرجسي. 

- شوفوا الباشا بيشتم أخوه اللي أكبر منه بتسع سنين وفى بيته كمان!

كان صياح جاسر والذي أجاب عليه شقيقه بسأم من هذا الجاهل: 

- أنا مش بشتمك يا أخويا يا كبير، دي صفاتك وعيوبك، عموماً أنا همشي وهسيبك تعيش وتتهنى في حق غيرك، والدنيا دوارة النهاردة ليك وبكرة عليك، وافتكر كويس يوم ما الدنيا كلها تبقى ضدك أنا هابقى أول إيد تتمد ليك مش عشانك، عشان أبونا الله يرحمه، سلام عليكم. 

غادر على الفور، فنهضت راوية التي انفجرت في البكاء وقامت بالنداء: 

- استنى يا يوسف، استنى يا بني بس نتفاهم. 

أوقفها ابنها وقبض على رسغها يمنعها بنظرة لأول مرة يحدقها بها، وكأن الشيطان بذاته يقف أمامها مما دب الرعب في أوصالها.

- ابنك هو أنا وبس، دا لو عايزاه يفضل عايش. 

اخترقت كلماته روحها وأصابتها بالرعب تجاهه، إلى هذا الحد أنجبت شيطاناً رجيمًا! 

جذبت يدها من قبضته وحدقت نحوه وكأنها ترى مسخاً قائلة: 

- كنت بكدب نفسي من زمان ودلوقتي اتأكدت إنك خلفة شيطان، وإن ربنا كان بيعاقبني بابن زيك، يا خسارة يا ابن يعقوب. 

وقبل أن تذهب من أمامه بصقت على الأرض وعادت إلى غرفتها، نهضت ابنتها وكانت تنظر إلى شقيقها بازدراء فسألها بسخرية: 

- مش عايزة انتي كمان تقولي حاجة؟ 

أجابت بحزن واستياء: 

- أنا مشفقة عليك وصعبان عليَّ، ربنا سلط عليك اللي ألعن من الشيطان، سلط عليك نفسك اللي هتخسرك كل حاجة.

عادت هي أيضًا إلى غرفتها، وأصبح هو بمفرده مع المحامي التي زينت ثغره ابتسامة ثعلب ماكر قائلًا: 

- معلش دا تأثير الصدمة بس عليهم، بكرة لما ياخدوا حقهم هينسوا نفسهم. 

مشهد سابق... 

في أول يوم بعد وفاة الحاج يعقوب، جلس جاسر أمام مكتب المحامي ووضع أمامه حقيبة داخلها مبلغ مالي: 

- دول اتنين مليون جنيه، عشان تخلي التوكيل موثق، ولو رفع يوسف قضية عليَّ والتوكيل اتقدم للنيابة يلاقوه سليم مية في المية. 

أومأ إليه المحامي مبتسمًا ثم نظر إلى التوكيل فسأله: 

- دى فعلًا بصمة الحاج وإمضته؟

حدق إليه جاسر بدهاء وأخبره عن خدعته: 

- لما عرفت إن أبويا تعب وراح المستشفي لاقيت إن دا أنسب وقت أبصمه على التوكيل، ولما الدكتور قال لنا إنه مات ولو حبينا نبص عليه بصة قبل ما يتغسل ويتكفن، استغليت الفرصة ومسكت صباع البصمة ومن الحبر على ورقة التوكيل على طول والإمضة سهلة، وأهو كله بالحب والفلوس بتمشي كل حاجة. 

خلع المحامي نظارته ووضعها أمامه فوق الأوراق ليخبره: 

- اعتبره اتعمل وبتاريخ قديم من شهر كمان، وعشان تضمن إن أخوك ما ياخدش ولا مليم هيبقى توكيل ببيع للنفس، بس بشرط. 

هز جاسر رأسه بسعادة وأجاب: 

-عينيا ليك يا متر، أؤمر. 

كالضبع الذي يأكل ما تبقى من السبع، أجاب بدهاء: 

- هاخد محل من فروع السلسلة واتنين ميلون جنيه غير دول. 

وأشار إليه بعينيه نحو حقيبة النقود، وبدون أن يتردد أجاب: 

- موافق، بس يوسف ابن رقية ما يطولش ولا مليم. 

ــــــــــــــــــ

يا أبتاه ماذا أفعل بعد رحيلك من الحياة، يا أبتاه أنت ظهري ومن ألجأ إليه من أذى الناس ووحشية الحياة؟ 

يجثو على ركبتيه أمام قبر والده وجواره قبر والدته، دموعه تتساقط كالغيث الذي هطل على صحراء قاحلة يرويها بأحزانه: 

- ليه سيبتني يا يعقوب، ليه خلتني مكروه من أقرب الناس ليا؟ فاكر لما كنت بتحكي ليا قصة سيدنا يوسف، أنا دلوقتي عرفت ليه كنت على طول بتحكيها، وليه على طول بتحذرني من غدر اللي مني، وإن مآمنش ولا أثق في حد، لأننا في زمن مفيهوش أمان. 

صمت محاولًا أن يكف عن البكاء لكن لا فائدة، شعر بيد حنونة تربت على كتفه فألتفت إلى صاحبها الذي قال إليه: 

- ادعيله يا ابني، هو في دار الحق واحنا في دار الباطل. 

عاد بالنظر إلى القبر وعقب قائلاً: 

- الدنيا دي وحشة قوي يا عم عرفة. 

ربت مرة أخرى على كتفه بمواساة فقال: 

- وحد الله هو خلقنا في الدنيا دي عشان نعبده ونسعى ونجتهد للفوز بنعيم الآخرة، جنة ولا فيها ظلم ولا جبروت ولا حقد. 

حدق إليه بحزن مرير وأخبره: 

- أنا عايز أروح لأبويا وأمي. 

تنهد عرفة وحاول أن يتماسك أمامه لمؤازرته: 

- يا ابني ما تقولش كدا، ربنا يبارك في عمرك وشبابك، دا انت لسه ابن الـ 22 سنة، وانت فاكر الموت سهل، دا عالم تاني، لازم نكون عاملين حسابنا قبل ما نتنقل له، لحظة الحساب اللي معظمنا غافل عنها وبيجروا ورا الفلوس وهمهم كله ياكلوا إيه ويلبسوا ازاي، هوب تلاقي عمرك كله راح على دنيا فانية مش هناخد منها غير العمل الصالح. 

سأله بقهر وقلب مفطور: 

- طيب والمظلوم في الدنيا هيقدر يعمل اللي عليه ازاي في وسط الظلم والقسوة من أقرب الناس؟

أدرك عرفة ما قد تداول على الألسنة وهو أن كل ممتلكات يعقوب الراوي أصبحت ملكًا لابنه جاسر، فأجاب: 

- ما تزعلش دا يا بخت اللي بات مظلوم، ربك بالمرصاد لكل ظالم، يسيبه يعيث فساد هنا وهناك وكل ما يزيد ظلمه يزيد عقابه، لو ماكنش في الدنيا يبقى يا ويله في الآخرة، هيشرف جنب إبليس على نفس الشواية اللي هيولعوا فيها، والولية حماتي معاهم. 

ظهر طيف ابتسامة على وجه يوسف فلكزه عرفة وأردف: 

- أيوة كدا اضحك وارمي تكالك على المولي عز وجل، هو حسبك ووكيلك. 

ردد يوسف: 

- وكلت أمري لله. 

- شوفت بقى أتلهيت ونسيت أنا كنت جاي لك عشان إيه". 

أخرج من جيبه ظرفًا أبيض وقال: 

- الظرف دا الحاج الله يرحمه سابه أمانة عندي أديهولك من بعده، ودا الوقت المناسب، فيه فيزا ادخار باسمك شايلك فيها فلوس، ومفتاح شقة كان أتجوز فيها والدتك وكتبها باسمها ولما توفت خلاها زي ما هي وكان بيبعت حد ينضفها كل شهر. 

أخذ الظرف وتأمل محتوياته فابتسم قائلاً: 

- وكأنه كان عارف إيه اللي ممكن يحصل.

وضع عرفة يده على كتف يوسف وأخبره: 

- انت قدامك لسه العمر وتحقق كل أحلامك، وبالتأكيد باباك هيحس بيك وهيفرح جدًا. 

هز رأسه وقال: 

- بإذن الله. 

ـــــــــــــــ

يجلس خلف مكتب والده وينفث من فمه وأنفه دخان النرجيلة، يضع ساق فوق الأخرى أعلى المكتب بعنجهية، دخل ابن خالته مبتسمًا بسعادة وصاح مهللًا:

- ألف مبروك عليك يا ابن خالتي، هو دا الكلام، عشان تعرف لما العبد لله بينصحك بحاجة ببقى عايز مصلحتك في الآخر. 

نفث دخانًا كثيفًا ثم قال بزهو: 

- عارف ياض يا حمزة فيه فرق ما بين النصيحة والتخطيط، أنا اللي خططت ونفذت، ومش قادر أعبر لك أنا مبسوط قد إيه لما شوفت قهرة يوسف ابن رقية وكل حاجة ضاعت منه وكمان وأنا بطرده من البيت، كدا مش ناقص غير حاجة واحدة بس دي لو تمت يبقى كدا أنا برنس.

سأله حمزة بفضول يريد معرفة ما يدور في رأس هذا الأحمق حتى لا يفسد مخططه: 

- وإيه الحاجة دي يا صاحبي؟ 

أنزل قدميه على الأرض واعتدل جالسًا يمسك بياقة قميصه يضبطها قائلًا بثقة: 

- أتجوز مريم. 

صاح الأخر بتعجب يسأله: 

- مريم قريبة عم عرفة؟

هز رأسه بالإيجاب وأجاب: 

- آه هي.

فعقب قائلًا: 

- بس اللي عرفته منك إن أبوك كان عايزها ليوسف، وبالتأكيد هي عينيها منه.

ضرب سطح المكتب بيده وصاح محذرًا إياه: 

- مريم دي تخصني أنا وبس، ولو مش موافقة أنا هخلي خالها يوافق بالعافية. 

ابتسم حمزة بدهاء وبفحيح أفعى سامة أخبره: 

- طيب واللي يقولك على خطة تخليها هي اللي تجيلك لحد عندك، وتبوس إيدك كمان عشان ترحم خالها ومقابل كدا تتجوزها. 

- قول وليك الحلاوة.

حدق إليه بنظرة قناص صائد للفرص فقال: 

- حلاوتي هي جوازي من أختك. 

وقبل أن يبدي جاسر رفضه أردف حمزة: 

- أختك محتاجة واحد يحافظ عليها وما يكونش طمعان فيها وتكون انت عارفه وواثق فيه، وانت حافظني وعارفني من واحنا لسه عيال. 

ضحك جاسر وعقب قائلًا: 

- ما هي المصيبة إن أنا عارفك، بس عندك حق أهو انت أولى من الغريب اللي ماعرفش ممكن يعمل فيها إيه، وأهو يبقي فرحي أنا ومريم وفرحك انت وأختي في نفس الوقت.

- الله عليك يا صاحبي، دا كدا انت برنس وعمهم كلهم. 

رد جاسر بمزاح: 

- وانت دماغك ولا إبليس بذات نفسه يا جدع، يلا قولي على الخطة الجهنمية اللي هتجيب مريم لحد عندي. 

أجاب حمزة وداخل عينيه ألسنة لهب من الجحيم: 

- بص يا برنس.... 

أخذ يملي عليه ما يفعله، فكان تحالفهما معاً أقل ما يوصف به أنه تحالف الأبالسة. 

تعليقات