رواية من نبض الوجع عشت غرامي الجزء الثالث الخاتمة الثانيه والاخير بقلم فاطيما يوسف


رواية من نبض الوجع عشت غرامي الجزء الثالث الخاتمة الثانيه بقلم فاطيما يوسف



وما إن رآها حتى اندفع خلفها محاولًا اللحاق بها قبل أن تُغلق الباب، لكن خطوتها كانت أسبق، فدخلت غرفتها وأوصدت الباب بالمفتاح، وبدأت تسحب كل ما طالته يدها لتكدّسه خلفه، وقلبها يرتجف رعبًا،

وصل بعدها بلحظة، فضـ.ـرب الباب بقبضته الغاضبة، وصوته يفيض تهديدًا، كأنّ العاصفة وجدت أخيرًا جدارًا تصطدم به،

فكان غضبه في تلك اللحظة كريحٍ سوداء تضـ.ــرب المكان بلا رحمة، وكان خوفها كغزالٍ حاصرته النيران من كل الجهات، حتى قال بفحيح :

ـ افتحي الباب يا عيلة وخلي شجاعتك بطول لسانك يا بت "سلطان" .


كانت في الداخل تقف وراء الباب ترتعب بشدة من صوته الغاضب ولكن عاندته:

ـ لاااه، مهفتحش يا محامي الحريم انتَ، ولو فكرت تكسر الباب هبلغ عنك وهقول انك عايز تستغل إني ست وضعيفة وتُضـ.ــربني ها.


كان يحاول فتح الباب وهو يستمع إلى هرائها فابتسم على كلامها مرددا بسخرية وهو يحاول استفزازها:

ـ بقى عايزة تقدمي بلاغ في جوزك أبو ولادك يا محترمة، والله أني متجوَزة عيلة ، مخلفة اتنين وكبرتي وفاضل لك حبة وتدخلي على الأربعين ولساتك لسانك طويل يابت "سلطان" .


شهقت بصدمة من سخريته واستفزازه لها وعلى الفور قامت بفتح الباب وهي تقذفه بالوسادة في وجهه وهتفت باستنكار:

ـ أربعين مين يا أبو أربعين أني لساتي في التلاتين وصغيرة وقمر ومفيش مني اتنين. 


جذبها من يده واستطاع بدهائه الحصول عليها ليردد بعيناي تتوعد لها ولجنونها شرارا:

ـ وقعتي في يدي ولا حدش سمى عليكي يابت "سلطان"، بقى انتِ تقتحمي المكتب وأني في مقابلة مع موكلة وتعملي حركاتك البايخة داي وياي وفي مكتب "ماهر البنان" كمان، دي إنتي ليلتك ممعدياش النهاردة يا "رحمة".


حاولت إفلات يديها من يده وهي تنظر له نظرات نارية من محاولة استفزازه لها وهي ترد عليه الند بالند:

ـ وبقى إنت تقول لي داخلة على الاربعين؟!

ولا انت هتفكِر حالك الدنيا فضيت حواليك وسبت لك الشغلانه تشتغل على كيفك مع حريم ورجالة وتقول اهي قاعده تربي العيال في البيت وخلاص وما داريناش بحاجه لا يا حبيبي فوق هتلاقيني طبلك كل شويه في المكتب وما هحلكش يا بتاع الموكلات انت.


جذبها من يدها وادخلها إلى غرفتهم وأوصد الباب خلفهم كي لاتسمعهم العاملة ولا ابنتهم وسحبها ناحية التخت ورماها عليه ببعض الحدة وهو ينظر إليها بعين تندلع منها ثورات مشتعلة، كل ذلك وهي تنظر إليه برعب ثم رأته وهو يفك حزام بنطاله فازددات رعباً ، فقامت من مكانها وجرت مسرعة واختبأت وراء الأريكة العالية بعض الشيئ وكأنها تحتمي بها وهي تردد بنيرة مندهشة:


ـ يا حزني علي وعلى شبابي هو انت كمان هتخلع الحزام وهتُضربني بيه هي وصلت للدرجه دي تضربني علشان حته عميله اللي راحت ولا جت يكون في علمك لو فكرت تعملها الله الوكيل لا هجرك على محكمه الاسره وهاخذ حقي منك ثالث ومثلث وهعمل ربطه اعتصاميه على فيسبوك وهقول لهم شوفوا اللي بيجيب حق المظلومين هيضرب مرته وبالحزام كمان وهيسهلها اياك تفكر تمد يدك علي يا ماهر.


كاد أن يضحك بصوت عالي على دورانها حوله في الغرفة كالقط والفأر ، ناهيك عن كلامها وطريقتها المرتعبة ونظراتها وكلماتها التي جعلته يسيطر على حاله من الانفطار في نوبة الضحك، وبعد أن خلع قميصه ذهب إلى الأريكة المختبأة ورائها وجذب الوسادة التي بيدها رماها بعيداً وفي لحظة حملها سريعاً ووضعها على الأريكة وثبت يديها اللتان تتململ بحركات سريعة مشاغبة بين يديه بين قبضتاي يديه وهو يزيدها رعباً:

ـ وهي المخدة داي اللي هتحميكي مني يا بت "سلطان"؟! جاوبيني دلوك إنتي هتعقلي ميتة وهتعرفي إنك أنثى والأنثى لازمن تُبقى رقيقة وناعمة، أني شايفك دلوك كيف ما هشوف نفسي ناشفة ومفكيش شئ من الأنوثة والرقة واصل . 


ـ هااااااا، بقى اني راجل؟! نطقتها بذهول وهي تشهق عاليا وحاولت أن تفلت يديها من قبضته وتفك حالها من حصاره وتابعت بنبرة مستائة:

ـ هي وصلت كمان تقول لي إني راجل وإني مش ست وتشككني في أنوثتي يا بن البنان؟!

طب طلقني دلوك بقى وروح للموكلة الناعمة اللي عِندها أنوثة وسيبني لحالي أربي عيالي ها .


تمسك بخصلات شعرها بإحدى يديه وبالأخرى ثبت جسدها أسفله وهو يشاغبها وأكمل استفزازها:

ـ وماله الإنسان محتاج تغيير في الجنس الناعم بردو، ويجدد شبابه كمان، ونستريح من زن العيال والمزاج المقلوب بسبب عكننتك علي وقلة عقلك دي يتعدل بردو .


تنفست بأنفاس متلاحقة وهي تحاول الإفلات من قبضته وعينيها تنطقان شرارا لتقول بسخط:

ـ طب بعد عني بقى يا وقح يا بتاع الستات وهتعترف في وشي كمان، انت جبار ومفترى وضلالي كمان .


رفع حاجبه باستمتاع لتلك اللعبة التي لم ولن تنتهي بينهم وإحقاقا للحق هو يعشقها ويعشق جنونها وغيرتها عليه، فحياته معها دوماً متجددة أحيانا هادئة وأحياناً صاخبة تجعله يشعر بالمتعة الشديدة في حياتهما معا وتابع:


ـ وماله اني راجل صريح ووقح أحسن من إني أمثل البراءة والخبث، وبعدين اني مهخافش منك عاد لو رايد أتجوَز وأجدد لازمن يكون بعلمك وإنتي كمان اللي تخطبهالي أمال ايه، أني مقتدر بدنيا وإنتي أدرى الناس باكده ، ومقتدر مادياً كمان 


واسترسل حديثه المشاكس لها بعبث:

ـ أروح اتجوَز واحدة عاقلة تفهمني، ارجع من الشغل الاقيها على سنجة عشرة ولا نجمة السيما ، وهتقابلني بالاحضان وهتبوسني من خدي وتقول لي حمد لله على السلامة يا حبيبي، مش هرجع من الشغل الاقي واحدة عاملة زي الاعصار في وشي، اني راجل بتعب في الشغل قوي وعايز أرجع بيتي أدلع وتغسلي لي رجلي بميه وملح كمان.


لم تستطيع السيطرة على نفسها وعلى طريقته وحديثه فقضمته من معصم يديه بأسنانها الحادة فجعلته تألم ولكنه تحامل على حاله ففعل هو الأخر نفس فعلتها وقضمها من وجنتها جعلها قفزت سريعاً من مكانها وهي تدب في الأرض من فعلته تلك وجرت ناحية المرآة وهي تصيح باعتراض شديد:

ـ آاااه يا مفتري يا عضـ.ــاض، جمالي راح وسنانك معلمة في خدي، مابقاش الديفا "رحمة سلطان المهدي" إن ما جرجرتك في المحكمة على معاملتك داي وعقول انك بتعذبني جامد، ها .


وقف خلفها وهو يحتضنها برعاية ثم مرر أصابع يديه العريضة على مكان الاحمرار في وجنتها مرددا بمكر:

ـ وه تصدقي شكلك جميل ، اهو إنتي اكده أخدتي علامة الجودة، وسام شرف على خدك والستات هتحسدك عليه، كمان وهيقولوا عليكي وقتها مفترية وهتخسري في وقفتك قصاد الخط .


صكت على أسنانها بغيظ فلكزته بمعصمها في بطنه وهو يحتضنها فابتعد قليلاً فانفلتت من يديه وراحت تقذفه بأي شئ يأتى بيدها وهو دخل في نوبة ضحك شديدة من جنونها، وعلى حين غرة حملها من خصرها وألقاها على التخت وسيطر على حركات جسدها المفرطة الحركة وغمز بإحدي عينيه:

ـ وحش علي النعمة يطلق عليكي "رحمة" الوحش، استهدي بالله بقى وخلينا حلوين، شايفك عيونك احمرت وعروقك بتقولك ارحمي أمي، وجسمك فرهد وأني معايزكيش مفرهدة، اتهدي بقى يابت "سلطان" وخليكي عاقلة اكده ومترفصيش النعمة في حين ان فيه ستات غيرك تتمنى بس النظرة.


ـ يا مغرور، يا وقح ، يا بجح، يا مفتري، يا جبار.


ـ وماله أهم حاجة الوقاحة والبجاحة مطلوبة وبتعمل شغل عالي وخصوصاً انك مينفعش معاكي الهدوء وأني بحمد ربنا إني هقدر أرواض شراستك داي يا رحمتي.


بنبرة ناعمة هتفت بدلال وهي تمط شفتيها للأمام بحزن مصطنع:

ـ رحمتك مين بقى و انت رايد تتجوَز علي، أني زعلانة منك خالص .


ـ أحب أنا الزعل دي قوي، علشان أجي أصالحك والصلح خير بردو ولا ايه ؟


ـ طب والموكلة اللي كانت حداك في المكتب وحدكم داي ظروفها ايه؟ وكمان مطلقة وصغيرة وحلوة.


ـ أحلى منك يا وحش؟ معتقدش؛ وبعدين لازمن يكون عندك ثقة في نفسك إني هحبك ومهشوفش ست في الدنيا غيرك واصل، ولو جميلة الجميلات إنتي في عيوني كيف الحور العين ومفيش واحدة تملى مكانك ابدا ياصغنن.


داعبت ذقنه النابتة بيديها بنعومة وهي تطلب منه:

ـ طب اني عِندي فراغ كَبير والفراغ دي هيسبب النكد ما بيني وما بينك والخناقات الكَتيرة، ايه رايك تسلم لي القواضي اللي في مكتبك اللي تخص الستات وما تقلقش مش هقصر في بيتي ولا مع الولاد كلها قواضي بسيطة، وكمان ما عايزاش اسيب الشغل مرة واحدة اكده، اني عايزه افضل حاسة إني ناجحة وليا كيان. 


ـ يقطع الكيان على النجاح على الموكلات على الكل كليلة ، أني اللي جبته لنفسي لما أخوها اللي هو صاحبي اتوسط لها عِندي إني اتابع قضيتها بنفسي، وهي ست محترمة جدا العيبة ما طلعتش منيها واصل، لكن اقول ايه ماهو علشان حظي المنيل وياكي ربنا يبعتك في الوقت دي علشان ترجعي تقولي لي نجاح وتحقيق الذات والحوارات اللي ما هنخلصش منيها عاد داي.


داعبت وجنتيه برقة وهمست بنعومة وهي تستعطفه بدهاء أنثوى:


ـ وماله يا روحي لما أعاود على خفيف ، صدقني وقتها هترجع تلاقي رحمتك ولا نجوم السيما كيف ما انت رايد، ومعنديش مانع كمان أغسل لك رجلك بماية وملح، دي انت سيدي وتاج راسي كمان يا موري.


ـ موري آه! مش أني في وجهة نظرك وقح وبجح بس إنتي أستاذة ورئيسة قسم الكيد والشطارة والمكر الأنثوى، الخط يرفع لك القبعة وهيقولك شابو يا بت "سلطان" .


ـ بجد، يعني انت موافق يا "ماهر" بجد اني اعاود اشتغل على خفيف اكده؟


ـ وايه اللي يخليني أرفض غير إني هبقى راجل أناني وأني هحبك وهحب نجاحك وهحب انك تكوني مرتاحة ومبسوطة يا قلب "ماهر" .


ـ تعرِف اني ربنا هيحبني علشان رزقني بأعظم وأجمل وأرجل وأحسن راجل في الدنيا وخصوصي إني شخصيتي صعبة جداً ، وعنيدة جداً ، لكن معاك أني هحس إني ست بجد بين ايدين راجل هيعرف يحتويني ويبسطني ويرضي غروري وكبريائي.


ـ طب أزيدك من الشعر بيت يا صغنن، اني كمان معرفتش يعني ايه حب وعشق بجد غير وياكي، معرفتش يعني ايه بيت وعيلة غير بيكي وبولادنا، مرتاح نفسيا إني اختارت لولادي أم ناجحة وقوية وجميلة زيك، أما عن علاقتنا كراجل وست فداي بقي حاجة تانية خالص، هحس معاكي بقمة المشاعر والدفا والجنون والمتعة والإثارة، هتبسطيني وهترضي احتياجاتي وجنوني واشتياقي في حضنك باللي يحسسني إني ملك زماني .


ـ طب انت وحشتني قوي قوي ، ومشتاقة لك قووي .


ـ ومين سمعك يا صغنن ، ونحن بالمثل، نريد ونريد، ونشتاق ونتشوق، ونتلهف ونتمنى، رضا وقرب "رحمة سلطان المهدي" .


ـ يااه ، والله يا "رحمة" الشوق والاشتتياق ليكي بقى يتقال باللغة العربية كمان.


ـ وليه لا؟ هي "عبلة" اللي اتقال فيها شعر من "عنتر" أجمل منك مثلاً ؟

ولا ليلى اللي "قيس" سهر الليل وهو بيغني لها علشان تكون مبسوطة أحسن منك ؟


ـ خلاص وأني هعتبرك الليلة كيف شهريار وأني شهرزاد اللي هتسمعك وهتسقيك من الحكاوي والقرب كيف ما تريد وكيف ما تشبع ، وهعيشك كيف الملوك .


كان ارتباطُهما وعدًا مكتوبًا على لوحِ الغيب، كأنّ السماء حين جمعتهما أعادت سيرة العشق الأول،تحابّا كما تحابّ العشاق في الأساطير، لا يفصل بين قلبيهما سوى الجسد، ولا يجمعهما سوى الجنون الجميل،

وتساندا كقوةٌ تحمي، وقلبٌ يُقاتل العالم لأجل نبضٍ واحد،إذا افترقا لحظةً، تشقّق الزمان حزنًا، وإذا التقيا التأم الكون كما يلتئم الجرح بالحنان،كان حبّهما أسطورةً تمشي على الأرض، لا تُروى للتسلية، بل تُحكى للعبرة،

في عيونهما تاريخُ العشاق، وفي صمتهما قصائد لم تُكتب بعد، وما كان ارتباطهما اختيارًا، بل قَدَرٌ عرف الطريق إليهما قبل أن يعرفا الطريق إلى بعضهما.


*******

بعد مرور خمسة عشر عاماً على أبطالنا ، في المشفى كان ذاك الوسيم الأربعيني يتمشى بخطواته الواثقة وعلامات الهيبة والرجولة وبعض الشعر الأبيض المختلط بلون شعره الذهبي جعله ساحر في طلته ، كان مرتديا نظارته الطبية التي تزيده وسامة على وسامته، وقفت تلك الفتاة المراهقة تنظر إليه بإعجاب شديد وقلبها يخفق من طلته، فلم تستطيع التحكم بحالها حتى اقتربت بخطواتها منه وقصدت الصد بصدره وكادت أن تقع إلى أنه أمسكها بين يديه وهي تتعمق النظر في مقلتيه وتتمسك بأحضانه دون استحياء لتنطق بإعجاب وهي تتغزل في عينيه:

ـ أول مرة أشوف عيون حلوة اكده لراجل اربعيني ولحسن الحظ أقع بين ايديه .


استمعت إلى صوت أنثوى بالخلف تردد بغلظة وهي تسحبها من بين يديه :

ـ وأخر مرة إن شاء الله يا قليلة الحيا انتِ، كيف تتمسكي بأحضان راجل غريب وكمان تتغزَلي في عيونَه، بنات قليلة الرباية وأخر زمن كمان .


رفعت تلك الفتاة شفتيها باستنكار وهتفت بنفس الحدة والغلظة دون استحياء:

ـ وانتِ مالك يا حشرية انتِ، يا غلاطة، ملكيش صالح بيا ولا باللي هعمله يابني أدمة انتِ، ومش عيب لما تغلطي في حد متعرفيهوش وتتهجمي على خصوصيتنا وأني هقف ويا حبيبي.


هنا هتف ذلك الواقف بعيناي يغشاها الخجل وهو ينظر لتلك الفتاة المتهورة :

ـ حبيبك مين يا بني أدمة إنتي هو أنا أعرفك ولا عمري شفتك ولا حتى أعرف اسمك، ولا هي بلاوي بتتحدف عليا من أنهي داهية ؟!


ابتسمت إليه تلك الفتاة لتقول بجرأة ودلال أدهش كلتاهما:

ـ اسمي "سما" يا دكتور .


رفع يديه باستغراب:

ـ انا مالي ومال اسمك؟!

أنا ولا أعرفك ولا عمري شفتك، محسساني بطريقة العشم بتاعتك في الكلام دي ان بيني وبينك حوار وأنا أصلاً أول مرة أشوفك وما أعرفكيش يا آنسة.


نظرت إليه تلك المراهقة لتقول برقة أذهلتهم:

ـ وماله نتعرف وأكيد هتعجب بيا زي ما اني اعجبت بيك، وبعدين اني مشايفاش دبلة في يدك ولا حاجة، ايه رايك نتعرف على بعض وتديني رقمك وتاخد رقمي؟ بصراحة اني شفتك فارس احلامي. 


هنا هتفت "فريدة" بحدة وغضب:

ـ تتعرفي على مين يا بني أدمة انتِ؟!

إنت جاية لنا من أنهي داهية؟

اللي هتتحدتي وياه دي جوزي ومخلف بنت في الثانوية، وولد في الابتدائية، يعني سيبك من أحلام المراهقات اللي هتعيشي فيها والفيديوهات اللي على السوشيال ميديا اللي اكلت عقولكم داي، واتحشمي وإنت هتتحدتي و يا راجل غريب عنك، أما صوح بنات بعقول فارغة، اتفضلي يا هانم.


نظرت إليهم تلك المرة بخجل وهربت من أمامهم فعقول أكثر الفتايات في تلك الأيام فارغة، أما هو نظر إليها كي يستشف ويفهم رد فعلها على ما حدث فوجد نظرات عينيها كادت أن تندلع منها النيـ.ـران ويكسوها لمعة الدمع وردد وهو يدافع عن حاله:

ـ والله العظيم أنا مليش ذنب في كلامها ولا في اللي حصل يا فريدة.


لم تسمح له أن يكمل وتحركت من أمامه مسرعة وهي تشعر بنيران الغيرة تتآكل بصدرها، ولم تنطق ببنت شفة، وجرت ناحية المصعد، فحاول اللحاق بها وقبل أن تغلق الباب كان يقف معها في المصعد وهو ما زال يبرر:

ـ اوعي تقولي إنك مش واثقة فيا، وانك ما هتصدقي كلام البنت الهبلة دي؟!

أنا والله العظيم ماشي بالصدفة في المستشفى رايح أمر على العيانين ببص لقيتها صدت فيا وكانت هتقع فمسكتها علشان ما تقعش على الأرض، لكن أنا ما ليش علاقة بالكلام اللي هي قالته خالص، ولا ليا علاقة بعقلها المتهور ولا مراهقتها دي، صدقيني يا "فريدة".

كانت تشعر بالاختناق الشديد فحاول أن يمد يده كي يحتضن يديها ويقبلهما كي يسترضيها ولكن سحبت يديها من يده وهي مازالت تنظر له بملامة شديدة فتابع هو :

ـ الله مالك يا "فريدة" بتشدي ايدك من ايدي ليه؟ ما تكبريش الموضوع إنتِ طول عمرك عقلك كبير مش هتحاسبيني على أفعال بني أدمة زي دي وتخلينا نزعل من بعض، و نتخاصم وانتِ عارفة أنا ما اقدرش على زعلك أبدا يا "فيري" .


كادت أن تنطق إلا أن الكهرباء انقطعت عن المصعد فاتسعت عينيها رعباً لتتنطق وهي تتشبس به :

ـ ايه دي الكهربا قطعت كيف؟ اتصرف بسرعة يا "فارس" إنت عارف بتخنق من الأماكن الضيقة.


حاول تهدئتها بشتى الطرق وهو يرجع بعقله إلى سنوات وسنوات وحدث مثل ذلك الموقف الذي تعرف عليها من خلاله لينطق:

ـ يااااه ، تاني يا "فريدة" سبحان الله ، حاولي تنظمي أنفاسك، معلش النور مبقاش يقطع كتير .


كانت تحاول فكاك حجابها وزاغ بصرها وداهمها الدوار سريعاً وهي تردد بصوت يكاد يخرج من حلقها بصعوبة:

ـ مقدراش يا "فارس" حاسة باختناق مهتحملش الأماكن الضيقة روحي هتروح مني .


كان هو الآخر يشعر بالتوتر لأجلها وهو يحاول النداء بصوت عالي على من في الخارج وهو يحاول أن يفك حجابها المحكم على رقبتها قليلاً ويدلك جبينها بحنو وكأنها طفل صغير:

ـ خدي نفس عميق متخافيش أنا جنبك يا حبيبي ، خلاص هما هيشغلوا المولدات اها .


ولم يمكث العاملون كثيراً حتى اشتغل المصعد وما إن توقف حتى حملها لشعورها بالدوار الشديد، ثم دخل إلى مكتبها وأغلق الباب خلفه ووضعها على التخت وفك حجابها وأزرار قميصها الطبي حتى انتظمت أنفاسها المتلاحقة وسألها:

ـ ايه يا "فيري" خدي نفس طويل واهدي يا حبيبي ،احنا ما قعدناش كتير في الأسانسير وكمان انتِ كنتِ أعصابك مشدودة وفقدتي تنفسك في الجري علشان كده حسيتي انك مش قادرة تاخدي نفَسك، اهدي بقى أنا مش فاهم انتِ كل حاجة تاخديها على أعصابك كده ليه يا "فريدة".


رفعت خصلاتها الشاردة على عينيه وعاتبته برقة :

ـ يعني عايزني اشوف واحدة ماسكة في حضنك وبتتغزل فيك وأمسك أعصابي كيف يعني؟ تعالى نبدل الأدوار ويحصُل اللي حُصل وواحد يلحقني قبل ما اقع ويمسك فيا ويتغزل في ملامحي...


لم يجعلها تكمل ووضع يده على شفاهها ليقول:

ـ لا متكمليش، انا عرفتك نقية، بريئة ، محتشمة، كان هاين عليك أول مرة لما حصل نفس الموقف اللي حصل دلوقتي وكنتي معايا في مكان واحد مقفول علينا وكان مغمى عليكي وانتي بتحاولي تستري نفسك ولما فوقتي كان هاين عليك تقتـ.ــليني علشان ما احترمتش خصوصيتك وقتها لما كنت تعبان، أنا لو عشت عمري كله يا "فريدة" يستحيل أقابل ست جميلة ورقيقة وناعمة وجدعة وبميت راجل زيك، وده إن دل فيدل على إن أمي الله يرحمها داعيالي إنه رزقني بيكي، ولازم تكوني متأكدة إن عمري ما هفكر ابص لست غيرك ولا أي ست في الدنيا مهما الشعر ده شاب وابيض وعشت سنين قد عمري يستحيل واحدة، مهما كانت شكلها ولا مكانتها ولا كلامها يقدروا يزعزعوا حبي ناحيتك.


ابتسمت براحة لذاك العاشق الذي تشع عيناه ولهاً وغراماً بها وحاوطت رقبته بكلتا يديها وهي تتحدث برقة:

ـ أول ما عرفتك وعرفت اللي انت عملته فيا وقتها كنت رايدة اخنـ.ـقك بيدي ، وقتها جننتني وحسرتني وبعدها حيرتني ومكنتش عارفة أرسى على بر معاك، بس منكرش إنك أسرتني بحبك وحنانك وطيبة قلبك، وبالرغم من المعاناة اللي عيشناها سوا إلا اني عمري ما شفتك غير قلب عشقته وروح سكنت روحي، اني من كل قلبي بعترف إنك بطل غرامي يا "فارس" .


احتضن وجنتيها الحمراويتين من شدة خجلها وأسند جبهته بجبهتها مرددا بعشق وهو يتنفس أنفاسها:

ـ طب أقول ايه بقى بعد الكلام الحلو ده كله من مالكة قلبي وروحي، طب احنا دلوقتي في المستشفي ونظرة عيونك وكلامك دوبوني وانا وانا أصلا مشتاق لك قوي يا "فيري" وبصراحة نفسي في حضنك قوي، اعمل ايه بقى دلوقتي.


نزلت من على التخت وهي تبعد يديه بعيداً عنها بعدما قبلت باطنهما بنعومة أذابته وهي تنهاه:

ـ طب فوق بقى يا حبيبي احنا في المستشفي ومعايزينش نتمسك بفعل فاضح اهنه وانت مبتعرفش تمسك حالك واصل ولا بتقدر تسيطر على مشاعرك، علشان اكده خلي الهيام والغرام دي لما نروح بيتنا والبنات كمان ينامو وبعدها نشوف حوار الغرام والشوق دي .


ـ هو بعد بوسة الايد والنعومة والرقة دي كلها اصبر إزاي يا بابا، أنا خلاص دخلت حالة الشوق اللي مبينطفيش الا بقربك ونعومتك يا "فيري".


ـ لاااااه، بعد يدك وفوق يا روحي أني هخرج قبل ما تتهور حكم أني عارفاك وفهماك زين، فوتك بعافية ونتقابل في بيتنا ولينا أوضة تلمنا عاد، وآه ممنوع منعاً باتاً تقرب من أي بنت ولا تخلي أي بنت تقرب منك، حتى لو لقيتها واقعة قدامك مليكش صالح يا أربعيني يا ابو شعر أبيض والبنات اللي مهتستحيش عاد تتغزَل فيك .


ـ أوامرك يا باشا بس علشان أنفذ ليا شرط واحد وصدقيني هبقى سمعا وطاعة .


ـ شرط! شرط إيه دي يا دكتور إن شاء الله ؟


ـ بوسة من هنا ومن هنا ونختم بهنا، تصبيرة يعني على لما نروح واوعدك هبقى في المستشفى صم، بكم، عمي.


ـ هاااااا، بوسة من فين يا "فارس"؟!

إنت مهتخافش من الكلام دي يحصُل اهنه عاد في المستشفي، انت جرئ قووي وأني مش كدك .


ـ خلاص بقى إنتي المسؤولة عن مشاعري المبعترة دي وإنتي اللي هتشيلي ذنب الشوق واللهفة دي كلها اللي حبيبك فيها يا ست "فيري" .


ـ والله ما يحصُل أبدا ، اعقل يا متهور يا مجنون ، وخلى بالك اني عيوني ردار هيرصدك مكان ما تكون، فيا شئ لله هيحس بيك وباللي هتعمله فخليك حذر اني غيرتي نار .


أرسل إليها ذاك العاشق الملهوف قبلة في الهواء باشتياق، فاستقبلتها بكل الحب وبادلته إياها وتركته والبسمة تعلو شفاها على بطل في الغرام أحياها، ومن شهد عشقه سقاها، ومن الهوى ونظرات العيون أسرها وكبَّلها واحتواها، فكان حقا اسما على مسمى فارسا شجاعاً وفي العشق معطاءا وفي رجولته رواها .


                   *******


كان البحر في المالديف ذلك المساء أشبه بمرآةٍ واسعةٍ تعكس السماء أكثر مما تعكس نفسها، لونُه متدرّجٌ بين الفيروزي والأزرق العميق، كأنّه يحتفظ بسرٍّ قديمٍ لا يُفصح عنه إلا للعاشقين الصادقين، وقف "آدم" عند شرفة الفيلا الخشبية، والنسيمُ يمرّ على صدره محمّلًا برائحة الملح والذكريات، بينما كانت "مكّة" خلفه، تتقدّم بخطواتٍ هادئة، جميلة الحضور قبل الملامح، أنثى لا تحتاج إلى أن تُرى كي تُفتن،

مرّ سبعة عشر عامًا على زواجهما، ولم يبهت فيه الشوق، بل صار أعمق، أثقل، أنضج، شوق يعرف معنى الخوف، ويعرف قيمة الطمأنينة،


قالت "مكّة" بصوتٍ دافئٍ يحمل دلالًا صريحًا لا تخطئه أذن رجلٍ عاشرها عمرًا كاملًا:

ـ إيه يا "آدم" إنت واقف من ساعة ما وصلنا، لا بصّيت للبحر ولا ليا، كأنك جاي تزور ذكرى مش إنسانة، وأني واقفة مستنية منك نفس النظرة اللي كنت بتبصهالي يوم ما جينا هنا أول مرة، وأني لسه عروسة ،وقلبك كان وقتها رغم ظروف جوازنا كان هيدق من الفرحة ، حاسة إنك واقف في المكان بتبص على ذكرياتنا اول ما جينا اهنه والمكان متغيرش فيه الهوا، ياترى بقى هتفتكر ايه ؟


استدار ببطء، وعيناه توقّفتا عندها طويلًا، على تلك الروح التي يعرفها أكثر مما يعرف نفسه، وقال بنبرةٍ منخفضةٍ لكنها محمّلة بعاطفةٍ لا تخطئ:

ـ أنا واقف لأن المكان ده شاهد عليّ، شاهد إني لما جيت هنا أول مرة كنت فاكر إن الحب لحظة، وإن الشوق نار وتهدى، بس كل سنة بتيجي وتعدّي بتثبت لي إنك مش ذكرى، وإنك مش مرحلة، وإن نار عشقك اللي في قلبي ناحيتك مش بتهدى، دي بتستقر، بفتكر كل لحظه مرت علينا هنا كنت بحاول فيها اقرب منك وانت بتحاولي بكل الطرق تبعديني عنك وانا كنت بتشبس بيكي اكتر وبعشقك اكتر وبتمناكي اكتر واكتر، بفتكر لحظات الخوف وقتها لما كنت ممكن تضيعي مني او ما تتقبليش وجودي في حياتك وبحس وقتها بنار بتشب في ضلوعي لاني عشقت روحك قبل ما اعشق قربك يا "مكة"


اقتربت منه أكثر، حتى صار بينهما مسافة نفسٍ واحد، ومالت برأسها قليلًا، كأنها تحاول أن ترى ملامحه من خلف هدوئه:

ـ حبيبي ربنا كتب لنا ان احنا نُبقى لبعض وان نصيبنا يُبقى واحد ومش عايزين نضيع اليومين اللي احنا جايين نقضيهم اهنه بَعيد عن الأولاد في الحاجات اللي تخوف وتقلق وتتعب أعصابنا داي ، عايزين نعيش لحظات حلوة، وخلى بالك ان اني رايدة انزل البحر من ساعة ما جينا وانت مانعني، إيه اللي مانعك تخليني أنزل البحر؟ ده مكان خاص، والفيلا مخصوصة، ومفيش حد شايفنا، وأني محتاجة اللحظة دي يا "آدم" هموت وأنزل البحر .


شدّ نفسًا طويلًا، ومرّر يده على جبينها بحركةٍ عفوية مليئة بالامتلاك الحنون، ثم قال بصوتٍ حازمٍ لكنه لا يخلو من رجاء:

ـ مانعني إني راجل، ومانعني إني بحبك أكتر ما بحب راحتي، ومانعني إني مش بثق في الظروف حتى لو المكان مقفول، البحر مفتوح، والسماء مفتوحة، والعين مهما بعدت ممكن تلمح، وأنا قلبي ما يستحملش فكرة إن حد يشوفك حتى لو من بعيد، حتى لو من غير قصد.


ابتسمت "مكّة" ، ابتسامة من يعرف طريق قلب الرجل الذي أمامه، ووضعت يدها على صدره، حيث تعرف أن كل المعارك تبدأ:

ـ إنت طول عمرك اكده، غيرتك عليّ مخلياك تحبس اللحظة جوه قلبك بدل ما تعيشها، و بعدين المكان متطرف جدا وانت ذات نفسك زمان اول ما جينا هنا كنت بتخليني انزل البحر عادي بطل بقى غيرتك العميا داي اني هخاف ربنا زيك بالظبط وانت عارف، بس اني واثقة ومتوكدة اني ما حدش هيشوفنا وكمان ما فيش حراس في المكان، فيها ايه لما ننزل وننبسط اني وانت ونقضي وقتنا بجد نفسي انزل معاك البحر، شوف انت من ساعه ما جينا اهنه نزلت كم مرة، اشمعنا انت بقي؟


نظر إليها طويلًا، كأنّه يوازن بين خوفه ورغبتها، بين الرجولة كما يفهمها، والحنان كما تشتهيه، ثم قال بصوتٍ أهدأ، أقل صلابة:

ـ يا بنتي والله ما فيش راجل شيخ يرضى ان مراته تنزل البحر ابدا فما تحاوليش، لاني عارف كويس ابعاد الموضوع شغلنا في الاعلام والكاميرات المترشقة في كل مكان خلاني ابص حواليا يمين وشمال واخاف عليكي اكتر ما اخاف على نفسي انتِ مش متخيلة انا بغير عليكي قد ايه، وانا بصراحة غيرتي وحشة، وخايف برده حد يلقط لك صورة من بعيد كده ولا كده مهما كانت الظروف ومهما كان المكان بعيد ومتأمن الا اني ما بقتش آمن من كتر ما انا شفت في الدنيا وانتِ عارفه كده كويس.


استمعت إلى كلامه وظلت تحايله الى ان وافقها ولكنها قبل ان تبدل ملابسها اقتربت أكثر، وأخرجت من خلفها علبة صغيرة، مغطّاة بقماش أبيض، وقدّمتها له بحركةٍ خجولة تشبه بداياتها معه:

ـ قبل ما ننزل البحر، أني جايبة لك حاجة، حاجة شيلتها معايا من مصر، وكنت مستنيا اللحظة اللي أديهالك فيها اهنه بالذات، في المكان اللي شهد على أول وعد بيناتنا، بس يا رب الحاجة دي تعجبك وذوقي كمان يعجبك يا دومي.


فتح العلبة ببطء، فوجد ساعةً أنيقة محفورًا خلفها تاريخ زواجهما، وتحت التاريخ جملة صغيرة 'لسه حبيبك الأول'،

ارتجفت يده، ورفع عينيه إليها وهو ينظر إليها بامتنان وغرام :

ـ وازاي حبيبة قلب دومي تجيب له هديه قمر زي دي وما تعجبنيش انت تعجب الباشا يا باشا فما بالك ما جايبك بقى تسلم ايدك بجد ذوقك حلو قوي وعجبتني قوي قوي يا روح قلبي. 


اقترب منها فجأة، وضمّها إلى صدره ضمّةً طويلة، عاشقة، أبلغ من أي كلام، ثم همس قرب أذنها وهو يسحب يدها :

ـ طب يلا ننزل البحر اللي نفسك تنزليه علشان أدلعك دلع وأعيشك أجمل لحظات واشكرك شكر خاص جدا على الهدية الجميلة دي، علشان ما ترجعيش تقولي اني نكدت عليك بغيرتي والحوارات بتاعت الستات دي، وكمان عايز اديكي طاقة إيجابية علشان لما نرجع تكوني انبسطتي قوي.

نزلت إلى الماء بسعادة كالأطفال، وهو خلفها، يراقب البحر كما يراقب قلبه، وفي تلك اللحظة، أدرك كلاهما أن الحب الحقيقي لا يشيخ بل يهدأ، ليصير أعمق

كانت لهفتهما وهما في حضرة البحر تشبه دعاءً صامتًا طال انتظاره فاستُجيب،

عشقٌ لا يضجّ ولا يستعرض نفسه، بل يسكن الروح كما يسكن اليقين قلب المؤمن،

سعادتهما لم تكن ضحكةً عابرة، بل طمأنينةً ثقيلة النعمة، تعرف معنى البقاء،

وفي تقاطع النظرات، أدركا أن العمر حين يُقاس بالحب لا يُرهق، بل يزدهر،

وهكذا ظلّ قلباهما متشابكين، كلما ابتعد العالم اقتربا أكثر.


                  ********

ـ شيل يدك داي عني يا "سَليم" وللمرة المليون هقولك مليكش صالح بيا ولا بلبسي ولا ليك حكم علي واصل، أني أبوي لساته عايش على وش الدنيا هو اللي يحكم علي وعلى لبسي وهو اللي يسألني رايحة فين وجاية منين. 


ثم جذبت ذراعها من يديه وصاحت به بغضب شديد:

ـ حذاري يدك داي تلمسني تاني الله الوكيل اشكيك لابوي وعقول له انك هتضايقني في الرايحة والجاية وهتقف لي كيف اللقمة في الزور. 


جز الآخر على أسنانه بغضب من عنادها وتجبرها ليجذبها أمام المرآة وهو يجبرها على النظر إلى حالها:

ـ اطلعي على حالك في المرايه وشوفي لبسك قد ايه ضيق انا ما فاهمش امي ليه هتسيبك تختاري لبسك الملفت للنظر ده وما فاهمش طب عسكري ايه اللي دخلتيه بتاع الرجالة دي . 


أكلت شفتيها بغضب شديد ودفعته بقبضة يديها في صدره وهي تنهاه ان يبتعد عنها وأن لا يتحكم بها وان لا يتدخل في شؤونها فليس له اي سلطه عليها بصوت مملوء بالجبروت:

ـ شوف بقى يا "سـَليم" علشان الكلام دي يتقفل، أني مش صغيرة، ومش محتاجة حد يفضل واقف على دماغي، ولا يحاسبني على نفسي، ولا يحسسني إني عاملة جريمة علشان لابسة لبس شايفاه محترم ومناسبني ومش خارج عن حدود ربنا ولا الحدود اللي بوي عاطيها لي اني بحترم نفسي وبحترم لبسي خليك متشدد على نفسك ومليكش صالح بيا ولا باموري نهائي طول ما ابوي عايش.


ضغط على فكيه بقوة، واقترب منها وهو يشير بيده بعصبية، وقد اختلطت غيرته بغضبه:


ـ لا يا اختي، ما تقوليش مش صغيرة، لأن اللي بتعمليه ده تصرفات واحدة مش شايفة حالها من برّه، ومش حاسة إن في عيون بتبص، وكلام بيتقال، وأني مش هفضل ساكت وأستنى لحد ما الغلط يكبر، واني هغير على اهل بيتي وانت اختي الوحيده ومن حقي اقول لك ان لبسك ده ما عجبنيش يا "سكن" وسيبك من القوة اللي انتِ هتتحدتي بيها وياي وتسمعي كلامي اني اخوك وادرى بمصلحتك وأدرى بعيون الشباب اللي هيبصوا على شكلك الملفت دي .


ارتفع صدرها مع نفسٍ طويل، ثم تقدمت خطوة نحوه، غير آبهة بقربه أو نبرته:


ـ إنت مشايفش غير اللي في دماغك، ومسامعش غير صوتك، وأني مش مطالبة أمشي على مزاجك، ولا ألبس على ذوقك، ولا أعيش بالطريقة اللي تريحك إنت، لأن ببساطة شديدة دي حياتي أني، ومش هلبس الا اللي يعجبني يا "سَـليم" وما ليكش صالح بهيئتي ولا شكلي اني همشي محترمه والناس كلها هتحلف بتربيتي وادبي واحترامي.


مدّ يده مرة أخرى ليشدّها نحو المرآة، فأفلتت ذراعها بعنـ.ــف، وارتدّت إلى الخلف وكأنها تلقّت صفعة معنوية:


ـ إوعى تمد يدك تاني، إوعى تفكر إن من حقك تمسكني أو تجرّني، لأن اللي بتعمله دي مش خوف علي ولا رجولة، دي تحكم وقلة ذوق، وأني مهسمحش بدي يحصُل مرة كمان.


ساد الصمت لحظة قصيرة، ثم قال بنبرة أكثر قسوة، وقد استبد به العناد:


ـ وأني برضه مش هسكت، ومش هعدّي الموضوع، لا لبسك عاجبني، ولا دخولك الكلية دي عاجبني، ولا السكة اللي إنتِ ماشية فيها دي مريحاني، حتى لو الكل شايفها عادي.


ضحكت بمرارة، وهزّت رأسها ببطء:


ـ ما هي دي المشكلة، إن الكل شايفها عادي غيرك، أمي شايفاها عادي، وأبوي شايفها عادي، وأني شايفاها عادي، إنت الوحيد اللي مصمم تشوفني غلط، وكأني لازم أطلع مش مظبوطة علشان كلامك يطلع صُح.


ثم أدارت ظهرها فجأة، وقد وصلت إلى حدّ الزهق الحقيقي:


ـ أني مش هكمّل النقاش دي، علشان ملوش آخر، وكل مرة بنلف في نفس الدايرة، وولا إنت بتقتنع ولا أني بتنازل.


توجهت بخطوات سريعة إلى غرفة والدتها، وقلبها يضرب بقوة، بينما تبعها بنظرات غاضبة قبل أن يلحق بها،

رفعت "سكون" رأسها ما إن رأت ابنتها، ولاحظت توتر ملامحها وارتجاف يديها، فوضعت المشط جانبًا ونهضت بهدوء:


ـ يا أمي، "سَليم" بقى يتحكَم فيّ بطريقة تخنق، لا عاجبه لبسي، ولا دراستي، ولا خروجي، ولا دخولي، وكل مرة يطلعني غلطانة حتى وأني متوكدة إني ما عملتش حاجة عيب ولا حرام.


دخل "سَليم" الغرفة، فالتفتت إليه الأم بنظرة هادئة لكنها فاحصة، ثم اقتربت من ابنتها، وبدأت تنظر إلى ملابسها نظرة تقييم صادقة، خالية من الانحياز:


ـ أهو بصي، إنتِ شايفة بنفسك، أني لابسة لبس محترم، لا قصير، ولا مفتوح، ولا ضيق زيادة عن اللزوم، ومفاهماش هو شايف إيه يخليه يعملي اكده كل لما يشوفني ؟


استدار "سَليم" نحو أمه، وقد حاول كبح غضبه دون جدوى:


ـ يا أمي، اللبس دي ضيق، ومشدود، وملفت، وأني مش مطمّن، ومش قادر أسيبها تنزل كل يوم اكده وكأني مش شايف ولا فاهم.


رفعت "سكون" رأسها نحوه، وتحدثت بنبرة هادئة لكنها حاسمة:


ـ اسمع يا "سَليم" ، الاعتراض مش غلط، والخوف مش عيب، لكن الطريقة هي اللي غلط، العصبية دي، والتحكم ده، عمرهم ما يخلّوا بنت تسمع كلامك، بالعكس، هيقفلوا ودانها وقلبها من تلاك ياولدي، خليك في طبعك ويا اختك هين لين.


تدخلت البنت، وقد بدا في صوتها إرهاق واضح:


ـ أني لو شايفة نفسي لابسة ضيق، والله ما أخرج من باب البيت، بس طول ما أني مقتنعة إن لبسي كويس، مش من حقك تفرض رأيك عليّ، ولا تعاملني كأني مش فاهمة.


تنفّس "سَليم" بحدة، وقال بإصرار:


ـ وأني رأيي مش هيتغير، حتى لو الكل شايف غير اكده، أني شايف إن اللي بتعمليه غلط، ومش هرتاح غير لما أقول دي.


نظرت إليه بثبات، وقالت "سكون" بوضوح لا يقبل المراوغة:


ـ يُبقى تغير طريقتك، كلمِها بهدوء، صاحبها، قرّب منها، خلي كلامك طالع من حنية مش من عصبية، ساعتها هتسمع لك، زي ما هتسمع لأخوك التاني من غير ما تحس إنك كاسر عينيها ولا هتتحكم فيها.


ثم أضافت، بنبرة حملت آخر خيط من الصبر:


ـ إنما لو فضلت تتحكم فيّ بالطريقة دي، هنشكيك وهتقول لأبوك، وهو اللي هيحط الحدود، علشان أني مناقصاش قهر جوة بيتي ولا فرقة بناتكم.


ساد الصمت، وتبادلت الأم وابنها نظرة طويلة، بينما وقفت الفتاة ثابتة في مكانها، وقد حسمت أمرها، غير نادمة على كلمة قالتها، ولا على موقف اتخذته، بينما تركهم هو وخرج بحدة وعصبية اعتاد عليها في نهاية كل نقاش لايسمن ولا يغني من جوع . 


                 ******

دخلت الجامعة ورأسها مرفوعٌ إلى أعلى، تسكنها نسبةٌ عالية من الكبرياء، تعتزّ بذاتها اعتزازًا يعرفه جميع أصدقائها،

نظرت عن يمينها، واختارت المكان الذي اعتادت الجلوس فيه كلّما وصلت، كانت تلهث شوقًا لتدركه قبل أن يسبِقها إليه أحد،كانت تمشي بكبريائها كمن يرتدي تاجًا لا يُرى، لكنّه يُشعر به كلّ من يمرّ بقربها.

وعيناها، وإن بدتا ثابتتين، كانتا كمرآتين تخفيان ارتجاف القلب خلف صفاءٍ مصطنع،

تعلّقت عيناها بذلك الواقف جوار أبيه، يعاونه في صمتٍ نبيل قبل حضور محاضراته،

جاءت صديقتها وجلست إلى جوارها، تتبع نظرتها إلى الموضع ذاته، ثم قالت لها بمللٍ ظاهر:


ـ يادي النيلة يا بنتي حرام عليكي من بقالك تلت سنين وانتِ عيونك متعلقة بالولد ده وهو مش شايفك اصلا ولا بيبص عليكي، حرام عليكي يا "سكن" انتِ اصلا يا بنتي كل الشباب اللي حوالينا في الكلية بيخافوا يبصوا لك فما بالك الواد الغلبان ده هيبص لك ازاي أصلا وانتي راعبة الكل بقوة شخصيتك وكمان انا شايفاه إنه مش لايق عليكي انتي في حتة وفي مكانة وهو في حته تانية خالص يعني بمعنى اصح مش مناسبين لبعض لا اجتماعيا ولا حتى في التعليم.


نظرت إليها بغضب شديد من كلامها التي تسمعه لها مرارا وتكراراً وهي تحذرها :

ـ قلت لك ميت مرة يا "ماهي" اني حرة، وبعدين انتِ ليه هتحاولي تقللي منيه هو علشان قبل المحاضرات هيقف يساعد باباه في الكانتين بدون ما يتكسف ولا يخجل إنسان مكافح يعني ،ورغم كل اللي انت بتتكلَمي عنيهم دول الا إن قلبي ما دقش غير ليه، وبصراحة هو عمره ما بص عليا لكن لما بروح أطلب طلبات من باباه بحس ان هو جوه عيونه كلام كَتير وأني احساسي عمره ما يخيب ابدا، عايز يقول لي بس مقادرش بسبب التفكير اللي انتم بتفكروا بيه، اني هتوجع من كتر ما هفكِر فيه وهو ما شايفنيش ولا قلبي قادر يشوف في الدنيا حد غيرَه، ولا شايف ان هو ناقص اصلا، اني تعبت، اني عمري ما فكرت احب ولا اتعلق بشاب وكنت كيف السيف من ساعة ما جيت الجامعة داي واني حياتي كلها متلخبطة، من ساعة ما شفته واني قلبي ارتجف جواي ومن وقتها رجفته كل يوم هتزيد عن اليوم اللي قبلَه وعمري ما اروح اتحدت وياه ولا اجر كلام ولا احسسه بأي حاجة، ما اقبلهاش على نفسي ولا ديني يسمح لي باكده ولا تربيتي وتربية بنت العمدة والدكتورة "سكون" تخليني اخونهم واعمل اكده ما قداميش غير اني اتحمل تعب العشق ليه لحد ما ربنا يفرج على قلبي . 


لمتابعه روايات سكيرهوم زورو موقعنا علي التلجرام من هنا

stories
stories
تعليقات