رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل العاشر 10 بقلم نورهان ال عشري


رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل العاشر بقلم نورهان ال عشري 



تدور بينا عجلة الحياة ما بين سقوطٍ و ارتفاع، و أحيانًا نجد نفسنا عالقين بالمنتصف، عاجزين حتى عن التحكم بمصائرنا، لنظن بأننا لسنا سوى بيادق في لعبةٍ تتقاذفنا ما بين صدماتٍ موجعة و مواجهات مُربكة. 

ولكن أيضًا هُناك ثوابت يجب أن نضعها دائمًا بعين الاعتبار:

فالصدمة التي لا تقتُل لا تُحيي على الفور. بل تجعلنا مُجبرين على ألّا نسقط. مهما كان الألمُ ثقيلًا لا يُحتمل، وكان الخذلانُ ضاريًا، كوحشٍ كاسر لا يردعه ضعف ولا يرهبه خوف. فالإنسان حين تصفعه صدمات الحياة، لا تُعطيه الكثير من الخيارات؛ إمّا الوقوع في هاوية الخسارة، وإمّا المقاومة حتى النجاة. غير أن النجاة هنا لا تعني دائمًا الانتصار، فهناك ضرائب مدفوعة من أحلامٍ تتساقط واحدًا تلو الآخر في خِضم هذه المعركة الشرسة، معركةٍ تُجرِّد الإنسان من أبسط حقوقه:

وهو حق الانهيار حين لا تعود هناك طاقةٌ على الصمود.

وحين نُفسِح الطريق للكبرياء ليتولى دفةَ الأمر، يصبح صوته حادًّا كالسيف في أوج المعركة حيث لا تهاون، ولا مساومة، ولا التفاتةً لما يتحطّم في الداخل. فالألمُ حين يفوق الحدّ، يولد غضبًا أهوج لا يعترف بالمشاعر، ولا يقبل سوى الثأر.

ومن هنا تحديدًا يبدأ الإنسان في الانجراف نحو الخطأ، فتغدو الحاجة مُلحة إلى الموازنة بين النضال من أجل البقاء، والقتال بدافع الانتقام.

فكثيرٌ منّا لا يُدرك الحكمة الكامنة خلف كل صدمة أصابته، ولا السر خلف كل صفعة خذلان نالت منه منه، إلّا حين يبلغ حافة النهاية. حينها فقط، يرى بوضوح أنَّ كل ما مرَّ به لم يكن عبثاً، بل كان مخاضاً قاسياً لولادة إنسانٍ جديد، وسبباً قوياً لتصحيح مسار رحلته.


نورهان العشري ✍️ 


🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁


دارت النظرات المُشتعِلة بين الأربعة يُكلهها غضب عارم و خذلان مرير، ميرهان التي تركها رؤوف عامًا كامل دون كلمة وداع واحدة، و كمال الذي لم يكُن يصدق أن يراها بجانب هذا الرجل بعد كل ما حدث بالإضافة إلى وقاحته في القدوم إلى عرينه، و آسيا التي كان الغضب إلى جانب الخذلان يتربعان في عينيها وهي ترى ميرهان خلفه هل سامح من اغتالت حياتهم و هدمتها فوق رؤوسهم، ولم يُكلف نفسه عناء سماعها ولو لدقائق، ثم رؤوف الذي تماوج الاحتقار بعينيه تجاه ميرهان إضافة إلى الغضب تجاه كمال الذي تسبب في كارثة حياته و انتزاع كل ماهو غالي بها، ولكنه تجاهل رؤيته هو و شقيقته ليهتف بنبرة يشوبها التوسل:

ـ آسيا. أنا لازم اتكلم معاكِ.


وكأن الحياة اليوم أقسمت أن تضعها في أسوأ المواقف، و أصعب المواجهات، بداية من حديثها الشائك معه، و إهانته المتعمدة لها مرورًا بتلك المرأة زينة، و قربها منه الذي أوقد نيرانًا هوجاء داخلها ثم رؤيتها لهذه الفتاة التي هدمت حياتها تقف إلى جانبه كانت هذا الأمر بمثابة صفعة خذلان اخرى لها ! توالي الصدمات كان أكبر من قدرتها على الاستيعاب لذا تساقطت العبرات من مقلتيها التي كانت تطلقان الشرر منها حين التفتت إلى رؤوف هاتفه بحدة: 

ـ أنت أيه اللي جابك هنا؟! أنا مش عايزة أشوفك تاني ولا عايزة اسمعك.


تألم من حديثها ولكنه اقترب خطوتين منها وهو يحاول تهدئتها قائلًا:

ـ طيب اهدي وخلينا نقعد و نتكلم.


كان هذا الحديث يقع على مسامع كمال الذي التمع الجنون بنظراته و اكفهرت معالمه بشكل مُريب، ليتدخل راجي الذي شاهد ما يحدُث و خاصةً حين سمع كلمات آسيا التي كان جسدها ينتفض وهي تهتف:

ـ امشي. مش عايزة أشوفك هنا تاني، وعمري ما هسمعك ولا هسامحك. لا أنت ولا هي. 


قالت جملتها وهي تُشير إلى ميرهان التي كانت تكاد تنفجر من شدة الغضب و القهر وهي تراه يتوسل إلى آسيا حتى تحادثه وهي لم تظفر حتى بنظرة منه.

ـ اهدي يا آسيا و يالا نمشي. ممنوش فايدة الكلام دا.

كان هذا حديث شروق الذي اتبعه راجي الذي شاهد ملامح كمال المرعبة والجنون الباد في عينيه

ـ اركبوا العربية يالا. 


جذبت شروق آسيا من يدها وسط نظرات رؤوف المُعذبة تجاهها، لتدخلها إلى السيارة التي انطلق بها راجي ليبتسم كمال بشر وهو يتوجه إلى رؤوف الذي كان يتبادل معه نظرات الغضب ليتفاجيء حين انقض عليه كمال بلكمة عنيفة لم يتوقعها قط، أودت به طريحًا فوق الأرضية الصلبة.

فبالرغم من محاولته السيطرة على نفسه إلا أنه حين شاهدها تغادر لم يستطِع ردع تلك النزعة الشيطانية التي اهتاجت داخله في الثأر لكرامته من هذا الرجل الذي تجعدت ملامحه من فرط الألم الذي تحول إلى غضب مُريع حين انتفض واقفًا ليقوم بتوجيه لكمة أشد عنفًا إلى كمال الذي تفاداها ببراعة ليقوم بتوجية ضربة رأس قوية إلى رؤوف شوشت الرؤية أمامه ليأتيه صوت ميرهان الصارخ:

ـ حرام عليك يا كمال سيبه.


تشتت كمال بفعل صوتها الذي أثار حنقه أكثر ليستغل رؤوف الأمر و يلكم كمال بمعدته لينحني الأخير بوجع لم يردعه عن رد الضربة بأقوى منها لتنال من عيني رؤوف اليمنى و لكنه لم يكتفي بل كان على وشك الإجهاز عليه بضربة آخرى لولا يد خالد التي أمسكت بيدي كمال وهو ينهره بحدة:

ـ بتعمل أيه ؟ انت اتجننت! 


نزع كمال يده من يد خالد وهو يزأر بوحشية:

ـ بربي الكلب اللي جاي برجليه لحد هنا و مش هامه حد.


صاح رؤوف الذي تبدلت معالم وجهه من قسوة ضربات كمال:

ـ الكلب دا اللي شك في مراته وسابها و سافر من غير ما يسمع منها حرف. 


و كأن الكلمات كانت كالقنابل المُسيلة للغضب الذي تبلور في عيني كُلًا من خالد الذي التفت ناظرًا إليه بحدة، وكمال الذي كان على وشك سفك دماء هذا الرجل في تلك اللحظة ليبتسم بجنون و هو يعض على شفتيه و يقترب منه هاتفًا بوعيد:

ـ وشرف أمي لهدفنك حي…


عند هذه اللحظة صرخت ميرهان بفزع ليتدخل خالد مُستخدمًا قوته في تحجيم جنون كمال الذي اندفع كالثور ينوي تنفيذ تهديده ليصرخ به خالد بعنفوان:

ـ كفاية غباء بقى. 


ـ سيبني يا خالد. هخلص عليه.


هكذا صاح كمال ليقوم خالد بدفعه إلى الخلف بقوة وهو يصيح بصوت أفزعهم جميعًا:

ـ اخرس بقى بدل مانا اللي هكسر دماغك.


أنهى جملته والتفت لرؤوف هاتفًا بصوته الجهوري:

ـ وأنت امشي وإياك أشوف وشك هنا تاني. و إلا مش هتروح بيتكوا على رجليك. 


تراجع الرجلان فقد خرج الوحش من مكمنه ليطلق نظراته التي كانت تحمل من الغضب ما جعلهم يتأكدون بأنه عازم على تنفيذ تهديده ليكون كمال أول من تراجع وهو يلعن بجميع اللغات ليستقل سيارته و يندفع كالإعصار الذي لا يجرؤ شيء على اعتراضه، ومن بعد رؤوف الذي كان يلوم نفسه بقوة على القدوم إلى هذا المكان الملعون. 

بعدما غادر الجميع كانت هي هناك وحدها تقف مذعورة من ما حدث حتى أوشكت قدماها على خيانتها لتعلو شهقاتها و تزداد انتفاضة جسدها الذي كاد لان يسقط لولا خالد الذي هرول إليها بلهفة شابت نبرته حين صاح:

ـ ميرهان..


سقطت بين يديه وهي تنتفض كالطير الذبيح وخالد يحاول طمأنتها وهو يهرول بها إلى الأعلى حتى وصل إلى مكتبه، فقام بوضعها فوق الأريكة ثم جلب زجاجة مياة من الثلاجة الصغيرة في أحد جوانب الغرفة ليحاول جعلها ترتشف بضع قطرات حتى تهدأ قليلًا ولكنها تشعر بإحساس مُريع جعل انتفاضة جسدها تتضاعف وهي تهتف بشفاة مُرتجفة:

ـ أنا السبب. أنا وحشة. أنا السبب في كل اللي بيحصل دا..


وضع خالد قنينة المياة و جذبها إلى أحضانه، فلأول مرة يراها بهذه الحال الذي أثار قلقه ليحاول تهدئتها وهو يقول بنبرة حانية:

ـ اهدي. و بطلي الكلام دا مالوش لازمة.


كانت المرة الأولى التي تستشعر حنانه فلم تمنع نفسها من احتضانه بقوة وكأنها تدعوه لأن يغدقها به أكثر، فشعر خالد بذلك ليُشدد من احتضانها و يده تربت فوق خصلات شعرها بحنو، فقد كان شعورًا رائعًا لم تعرف كم افتقادها له إلا حين تذوقته. حتى أنها بدأت تهدأ تدريجياً ولكنها لم تُريد مفارقته أبدًا ليبدأ هو بالحديث قائلًا بحنو:

ـ بقيتي أحسن؟


رفعت رأسها تناظره بعتب لم يخفى عليه:

ـ ياااه يا إبيه. أنا مش فاكرة اخر مرة حضنتك فيها كانت امتى؟


عاتبها بنبرة أقوى:

ـ افتكري كدا اخر مرة عملتي حاجة فرحتني كانت امتى و أنتِ تعرفي!


شعرت بالمرارة التي تتشعب بين حروفه لتخفض رأسها بخزي تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ أنا عمري ما عملت حاجة تفرحك أنا عارفة. بس أنا معرفش ايه اللي ممكن يفرحك عشان اعمله.


 مد يده إلى ذقنها ليرفع رأسها حتى التقت نظراتهم ليقول بنبرة هادئة:

ـ اللي يفرحني أن ألاقي أختي ناجحة. بتشتغل على نفسها. بتحترم الناس و مبتقللش من حد. أشوف فيها البنت البريئة الصافية مش واحدة بتكره الخير لغيرها كل حياتها عبارة عن خطط و مؤامرات عشان تأذي الناس وبس.


نجح في جعل نيران الذنب تزحف إلى قلبها لتبدأ العبرات في التزاحم بمقلتيها وهي تهمس بإزعان:

ـ عندك حق. 


وجد أنها الفرصة المناسبة لتصحيح مسار تفكيرها لذا قال باستفهام:

ـ قوليلي يا ميرهان أنتِ عملتي ايه لنفسك؟!


استفهام وضعها أمام حقيقة مؤلمة وهي أنها لم تفعل أي شيء قد يُفيدها أو يُعزز من شأنها لتلتزم الصمت المُخزي، فتابع هو باستفهام أشد قسوة:

ـ طيب لو فجأة لقينا الفلوس دي كلها راحت و لقيتي نفسك مضطرة انك تشتغلي عشان تقدري تعيشي وقتها هتعملي أيه؟ 


بدأ عقلها يجلدها بسوط الحقيقة المُنفرة وهي أنها لا تصلُح لأي شيء وبدون عائلتها فهي لا شيء لذا تمتمت بخفوت:

ـ مش عارفة..


خالد بنبرة مُعتدلة:

ـأنتِ اكتر حد ضرتيه نفسك. فكرتي تأذي غيرك لكن مفكرتيش تنفعي نفسك. أنتِ بالشكل دا أكبر عدو لنفسك.


كان مُحقًا للحد الذي جعلها تتحدث دون تفكير أو أي محاولة للإنكار:

ـ طيب هعمل ايه؟ انا مفيش حاجة قدامي تتعمل ومفيش حاجة هعملها هتضيف حاجة لحد.


خالد بقوة:

ـ هتضيفي لنفسك.


صمت لثوان قبل أن يُتابع بعتب:

ـ أنتِ متتخيليش أنا زعلان منك وعشانك قد أي؟


لامست جملته حواف قلبها مما جعلها تهتف باندفاع:

ـ هو أنا ينفع افتح قلبي واتكلم معاك؟


ـ طبعا.


تساقطت العبرات من مُقلتيها وهي تتحدث بنبرة حزينة:

ـ أنا اللي زعلانه منك. أنت ولا مرة خدتني في حضنك ولا مرة طبطبت عليا ولا مرة اتكلمت معايا. كل كلامك زعيق و شخط لحد ما بقيت بترعب من وجودك و بقى عندي احساس انك بتكرهني.


لدغته الحروف بقسوة و تفشت علة الندم بقلبه، ولكنه كان يملك تبريرًا لم يتوانى عن طرحه حي قال:

ـ طيب ما كمال طول عمره بيطبطب عملتيله أيه؟ 


استفهامًا موجعًا أصاب عمق جُرحها ليُتابع خالد موضحًا:

ـ أنا كنت بشد عليكوا عشان مفيش غيري بيشد. مش عشان بكرهك انا بكره تصرفاتك. في فرق كبير بين اللتنين.

 

كانت العبرات تتساقط بقوة من مقلتيها ليمد خالد يده يمحوها بلُطف قبل أن يُضيف بعتب:

ـ كمان احنا اتكلمنا قبل كدا بس أنتِ اللي وعدتيني وخلفتي..


تذكرت ذلك اليوم حين علمت نتيجتها السيئة في أحد المراحل و كانت ترتعب من عقابه ولكنه فاجئها حين جلس يتحدث معها بهدوء محاولًا تغيير مسار تفكيرها، ولكن هناك من سنن أفكارها، فلازالت كلمات نبيلة المسمومة ترن بأذنيها حين قالت:

ـ سيبك من الكلام الأهبل دا. دا بيثبتك يا حبيبتي عشان يعملك مرمطونة لمراته اللي هتجبله ولي العهد .فكرك هو بيتكلم معاكي دلوقتي ليه؟ عشان سواد عيونك! لا دا عشان الهانم راضيه عنه، و مش عايز حد يضايقها فتقلب عليه.


تجلت حيرتها بوضوح في عينيها لتهتف بضياع:

ـ ماهو انت بتقول كلام. و في كلام تاني بردو بيتقال عكس اللي أنت بتقوله يعني اسمع مين؟!


خالد بثقة:

ـ تسمعيني انا طبعاً. و دا مش عشان أنا اخوكي الكبير وبس، أو عشان أنا كبير العيلة! دا عشان أنا عمري لا ظلمت ولا هظلم حد خصوصًا لو الحد دا يخصني. 


هتفت ميرهان باندفاع:

ـ يعني أنت مش هتيجي علينا عشان أشجان زي ما كنت بتيجي علينا عشان سهام! 


خالد باستنكار:

ـ امتى جيت عليكوا عشان سهام؟!


ميرهان بخفوت:

ـ كنت بتيجي على نبيلة..

خالد بسخرية:

ـ هو في حد بيعرف ييجي على نبيلة! دا أنتِ أكتر واحدة عرفاها. أنا بحاول أحجمها عشان متدمرش اللي فاضل مننا.


صمت لثوان يحاول انتقاء كلماته حتى تتفهمها ثم عاد يتابع موضحاً:

 ـ أنا لو جيت عليكوا أو هاجي عليكوا كنت نفذت وصية بابا الله يرحمه و اديتكوا ربع حقكوا زي ماهو قال. 


ميرهان بلهفة:

ـ أيوا بس انت مكتبتش ورق و مفيش إثبات بالكلام دا


خالد بتهكم:

ـ وهو مين اللي مرديش! مش نبيلة بردو؟!


ميرهان بصدمة:

ـ.أيه ؟ نبيلة اللي عملت كدا؟ ازاي؟ دي قالتلي انك مش موافق تعمل ورق بالكلام دا، وان دا كلام و خلاص عشان تهدينا.


خالد بصراحة أجفلتها:

ـ وانتوا لو مهدتوش هتعملوا أيه؟ هتقدروا تقفوا قدامي؟


ميرهان بإذعان:

ـ لا! 


زفر خالد بغضب قبل أن يقول بنبرة خشنة:

$ نصيبك ونصيبها موجودين و دا انا قولت هديهولكوا من فلوسي الخاصة عشان مكونش خالفت وصية أبوكي. و عند كلمتي ولو عايزة فلوسك خديها.


ضيق عينيه قبل أن يقول بتحذير:

ـ بس دا مش معناه اني هسيبك تتصرفي فيها زي ما أنتِ عايزة. عشان باختصار أنتِ مش عاقلة كفاية انك تعملي دا. صح ولا أنا غلطان؟!


تهدلت أكتافها وهي توميء برأسها قبل أن تقول:

ـ صح. بس انا مش محتاج فلوس.


شعر خالد بالكثير خلف جملتها الأخيرة فقال باستفهام:

ـ وأيه اللي أنتِ محتجاه؟


ميرهان بشفاة مُرتجفة:

ـ محتاجة أن انت و كمال تسامحوني.وانا والله هتغير ومش هعمل حاجة وحشة تاني تزعلكوا.


صمت لثوان فرأى في عينيها ما جعله يقول بحزم:

ـ الكلام بالنسبالي ضياع وقت. عايز أشوف منك اللي يخليني من جوايا أسامحك. و مش محتاج اقولك تشيلي آسيا من دماغك دا شيء مفروغ منه.


تبدلت نظراتها للغضب الذي شاب نبرتها حين قالت:

ـأنا مابحبهاش و عمري ما هحبها في يوم. لكن اوعدك اني عمري ما هيكون ليا علاقة بيها لا من قريب ولا من بعيد.


كان يرى الصدق في عينيها، لذا قال بنبرة حازمة:

ـ وانا هصدقك. بس لو خالفتي وعدك معايا هتزعلي مني..


ميرهان بلهفة:

ـ لا والله مش هعمل كدا. أنا كل اللي محتجاه فرصة منك


خالد بنبرة خشنة:

ـ و أنا معاكِ شوفي عايزة أيه عشان تبتدي صح المرة دي..


ابتسمت بامتنان قبل أن تقول بنبرة مفعمة بالأمل:

ـ هفكر و هقولك. 

خالد باختصار:

ـ موافق.


كانت هناك ابتسامة مُشجعة على شفتيه جعلتها تقترب لتحتضنه بقوة ليبادلها العناق و بداخله شعور قوي بالسعادة التي لم يستطِع التعبير عنها بالكلمات، ولكن هذه السعادة لم تمحو شعور موجع بالذنب يعبأ داخله.


اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي" ♥️


★★★★★★★★★★


ـ ياسر. كنت فين قلقتني عليك..

هكذا هتفت غنى حالما رأت ياسر يدلف إلى المنزل لتتراجع خطوة إلى الخلف حالما رأت ملامحه الغاضبة وعينيه التي سكنها غضب مريع، حادّ كنصلٍ مسموم، تومض فيه شرارات قاسية تنذر بأن القادم لن يكون هينًا لذا تراجعت من أمامه تفسح له المجال للمرور دون حديث لتجده يتوجه إلى المرحاض ليضع رأسه أسفل المياة في محاولة منه للتخفيف عن هذه النيران المُشتعلة التي تكاد تفتك به، ولكن هل يفلح شيء في إخمادها: 

ـ ياسر. 


هكذا همست غنى التي التهمها القلق على مظهره الذي يوحي بأن هناك أمرًا جلل قد حدث:

ـ هدخل أنام محدش يصحيني. 


هكذا تحدث بجفاء لم تعتاده منه لذا لجأت للصمت و هي تتابعه يتجاهلها ويدلف إلى الداخل لتأخذ مقعدها على الأريكة وداخلها شخصان يتناحران ما بين الغضب و الحزن الغضب منه ومن تجاهله لها و الثاني حزين على رؤيته في هذه الحالة. 

  جانب منها يتوسلها أن لا تدعه وحده حتى ولو شاركته مصابه صمتًا و جانب آخر يأمرها بتجاهله كما فعل معها، ولكن كانت الغلبة للأول الذي جعلها تتوجه إلى المرحاض لتتوضأ ثم سارت بهدوء لتجلس على حافة السرير الذي يتوسطه لتمد كفها فوق جبهته قبل أن تبدأ في تلاوة الرُقية الشرعية بصوتٍ هاديء لا يُسمع ولكنه يبعث على الراحة.


في بداية الأمر ظل ساكنًا ولكنه بعد ذلك لم يستطِع تجاوز فعلتها و آثرها في نفسه المُحطمة، فقد كُسِر اليوم من أقرب شخص إلى قلبه، وقد كانت توابع هذا الأمر مروعة مما جعل العبرات تجري فوق خديه كالأنهار التي تتدفق بصمت، ولأن القلوب تشعر بساكنيها، فقد شعرت هي به لتبدأ في مشاركته البكاء هي الآخرى دون أن تصدر صوتًا قد يزعج هذا الإنهيار المختنق، لتجده يلتفت مُحتضنًا خصرها بقوة و هو يطلق العنان لنهنهاته التي تردد صداها في الغرفة حولهم.

مرت دقائق لا تعلم عددها إلى أن بدأت عاصفة إنهياره بالهدوء لتمتد يدها تربت فوق خصلات شعره بحنو كان في أمس الحاجة إليه لتسمعه يهمس بنبرة مُتحشرجة:

ـ غنى.


غنى بخفوت:

ـ نعم يا قلب غنى.


شدد من احتضان خصرها وهو يهتف بنبرة مُلتاعة:

ـ أنا بحبك أوي.


كان احتياجًا للحب أكثر من أعلان صريح عنه لتلبي ذلك الرجاء الصامت الذي يتخلل نبرته وتُجيبه بنبرة حانية:

ـ وأنا بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا. 


رفع رأسه يطالعها بأعيُن انطفىء بريقها و طمس الحزن وهج الحياة بهم ليهمس بنبرة تئن من فرط الألم:

ـ أنا مخنوق أوي يا غنى. حاسس أن حزن الدنيا كله في قلبي. 


لم تستطِع إلا أن تسأله بلهفة:

ـ أنت روحت لهيام؟


اعتدل جالسًا، وقد بدأ الغضب يستعرض نفسه بقوة في عينيه ليهتف بنبرة جافة:

ـ روحت. 


ـ اتخانقتوا.


هكذا استفهمت بلهفة ليُجيبها بسخرية مريرة:

ـ لا اتفقنا. 


اندهشت من إجابته ليلتفت ناظرًا إليها وهو يتابع بتهكم غاضب:

ـ اتفقنا أن محدش فينا هيعرف التاني أبدًا.


شهقت غنى بصدمة:

ـ بتقول أيه؟ 

نظر إلى الأمام وهو يهتف بقسوة:

ـ هيام ماتت بالنسبالي… 


ـ في أيه يا هيام بتعيطي ليه؟ 


هكذا استفهمت أشجان بلهفة حين سمعت صوت نحيب هيام التي تصدعت الجدران من بكائها الذي جعل نبرتها مُتهدجة حين قالت:

ـ خسرت يا أشجان. خسرت نور عيني وابني اللي ربيته و حاوطت عليه برموش عنيا. بيقولي أنتِ موتي بالنسبالي. 


أشجان بصدمة:

ـ بتقولي أيه يا هيام؟ ياسر قالك كدا ! طب ليه؟


هيام بانفعال:

ـ كله من بنت خالتك. هي السبب! هي اللي دخلت بيننا و كرهته في أخته اللي ربته. خلته مبقاش شايف غيرها. لكن لا…


هبت من مجلسها وهي تهتف بشراسة:

ـ مبقاش هيام لو سبتهولها. ياسر و يزيد دول زرعة عمري. زيهم زي حمادة و أكتر، ومش هسيب حد ياخدهم مني. عرفي بنت خالتك الكلمتين دول.


تراجعت أشجان إلى الخلف وهي تهتف بصدمة:

ـ أيه يا هيام اللي بتقوليه دا؟ غنى دخلها أيه في اللي بينك و بين أخواتك..


هيام بحدة:

ـ هي أوس البلاوي اللي في الدنيا. بس مبقاش هيام لو موقفتهاش عند حدها..


قالت جملتها و غادرت تاركة أشجان في ذهول مما رأته و سمعته منها 


ـ استهدى بالله يا ياسر. و استغفر ربنا. مينفعش اللي انت بتقوله دا.


هكذا تحدثت غنى في محاولة منها لتخفيف حدة الأمر قليلًا، فقد صدمها بحديثه و خاصةّ حين صاح باندفاع:

ـ اللي بقوله دا هو اللي هيحصل، و من هنا ورايح الموضوع دا ميتفتحش تاني سامعة!


أغضبتها لهجته في الحديث لذا اكتفت بالقول بنبرة واجمة:

ـ اللي تشوفه يا ريس.


شعر بأنه تمادى معها، ولكنه غاضب حد الألم الذي يتشعب بكل خلية داخله. وحين رآها على وشك المغادرة قم بجذب يدها ليُعيدها إلى مكانها مرة آخرى ولكنها أقتربت أكثر من المُعتاد لتجد نفسها على مقربة منه مكنتها من رؤية ذلك الخيط الزيتوني الذي يتسلل بخُبث في عسليتيه ليجعل لونهم أروع ما يكون، فبدأ قرع الطبول يدق بصدرها، و كذلك هو، فقد كان يُعاني الأمرين طوال الفترة الماضية يرغب بقوة في قربها، ويخشى أن يقترب فتفزع و ترتعب، يريد بدأ حياته معها، ولكن شرطه الوحيد أن تكون راضية راغبة. يؤلمه الشوق و يهلكه العشق و كأنه أقام مأدبة على شرف عذابه و بالرغم من ذلك مازال يتمسك بحبال الصبر عل الجبر آتيًا في طريقه إليه.

ترك فاصلًا من الصمت يمر وهو يستنشق عبير أنفاسها بهدوء قطعه حين همس بنبرة خافتة:

ـ لو قولتلك اني حاسس و كأن روحي بتتسحب مني و قربك هو اللي هيحييها هتقولي لا.


جملته أيقظت وحوش الخوف من مكامنها، ولكن هناك جبهة آخرى تحارب بضراوة لأجل رجل امتلك كل ذرة من كيانها لذا همست بنبرة يشوبها العذاب:

ـ عمري ما هقول لا حتى لو كان قربك دا محطتي الأخيرة في الدنيا. أنا موافقة.


يرى بعينيه ما لا تستطِع التصريح به. يرى خوفًا و عذابًا و استنكار وكأن عقلها يبدأ في استعراض ذكريات سيئة لازالت تطاردها كالأشباح، ولكنه لم يعُد يحتمل ثقل ما يمر به لذا اقترب يطوي كل تلك العوائق بينهم ليُقربها منه بقوة لا تضاهيها سوى عشقه لها، وقد كانت هي على الجانب الآخر تغمض عينيها لا تُبدي أي ردة فعل سوى ارتجافة بين يديه دون اعتراض أو استجابة، ولكنه لم يستطِع احتمال هذا الأمر، لذا تراجع عنها غاضبًا أكثر من ذي قبل ولكنه لم يـفصح عن غضبه إنما حاول اغتصاب ابتسامة فوق شفتيه قبل أن يقول بنبرة قاطعة:

ـ احنا لازم نروح لدكتورة..


تراجعت للخلف تناظره بصدمة تحولت إلى استنكار لم يخلو من الخوف حين قالت:

ـ دكتورة ليه؟ أنا معنديش حاجة بتوجعني.


قالت جملتها الأخيرة بشفاة مُرتجفة ليقترب ويحتوي وجهها بين يديه وهو يقول بحنو:

ـ دكتورة نفسيه يا حبيبتي. حتى لو معندكيش حاجة زي ما بتقولي أو مش بتشتكي من حاجة بس هي هتساعدك.


هدأت و لانت ملامحها قليلًا حين علمت مقصده ليستغل ذلك ويُتابع بنبرة عاشقة:

ـ عايز أبدأ حياتي معاكِ يا غنى. نفسي أشوف ولادي منك. أنا تعبت من كل اللي بيحصلنا دا. نفسي لما يكون في حاجة مضيقاني اترمي من حضنك من غير ما افكر ولا اعمل ألف حساب لرد فعلك.


غنى بخفوت:

ـ حقك عليا..


ياسر بلهفة:

ـ أنتِ مغلتطيش في حقي عشان تقولي كدا. أنا عايز حياتنا تكون طبيعية مش أكتر.

ابتسمت بهدوء قبل أن تقول برضا:

ـ وأنا موافقة. هعمل كل اللي يرضيك ويخليك مرتاح.


ابتسم يداعب أنفها بخاصته وهو يقول بنبرة عابثة:

ـ أحلى غُريبة في الدنيا..


لم تمر إلا ثوان حتى سمعوا طرق قوي على باب البيت لينتفض جسد غنى من حدته و يهب ياسر من مكانه متوجهًا إلى الباب ليفتحه فإذا به يجد هيام أمامه بملامح مُغبرة و نظرات غاضبة و نبرة تُشبهها حين قالت:

ـ مكنتش متخيل طبعًا انك تشوف وشي بعد ما موتني على حياة عيني. 


تراجع ياسر إلى الخلف ليسمح لها بالدخول وهو يحاول قمع غضبه الجحيمي الذي أن أطلق له العنان سيحرق الجميع وهي أولهم ولكنها لا تساعده إطلاقًا بل تغزي نيرانه بوقود غبائها حين قالت بحدة:

ـ بس أنا بقى جاي أقول كلمتين فيهم الناهية يا ياسر، وقدام السنيورة مراتك عشان تحطهم حلقة في ودنها العمر كله.


صرخ ياسر مُحذرًا:

ـ ملكيش دعوة بيها و كلميني أنا.


هيام بتهكم:

ـ مليش دعوة بيها! دي هي سبب الليلة دي كلها. 


التفتت تناظر غنى التي كانت تقف بهدوء في آخر الغرفة:

ـ لو كنتِ فاكرة أنتِ أو أمك انكوا هتحرقوا قلب هيام تبقوا غلطانين! الراجل الطول بعرض اللي واقف قدامك دا ربايتي، زرعتي. ابني اللي حاوطت عليه برموش عنيا، واللي ليا ألف حق فيه. دا ابن قلبي اللي عمري ما هسمح لمخلوق في الدنيا بحالها يبني طوبة بيني وبينه. مش تفكري انك هتاخديه مني.


كان الغضب يمضغ تقاطيعه بطريقة لم يعهدها من قبل ولم يستطِع السيطرة عليه حين احتل نبرته وهو يصرخ قائلًا:

ـ أنتِ أيه؟ عقلك دا فين؟ ارحميني. أنا كرهت نفسي بسببك. ياريتك رمتينا في الشارع بدل ما سممتي حياتنا. لسه بردو بتجيبي اللوم عليها. ارحمينا.


تفاجئت المرأتين من صراخه المُفزع و ملامحه المنفردة و خاصةً حين أضاف و الزبد يسيل من شدقيه:

ـ أنتِ دمرتيني. اكتر حد آذاني في الدنيا. كل اللي عملتيه ميدكيش الحق تلعبي بحياتي و تحرميني من الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها. أنتِ مفيش حاجة وحشة معملتيهاش. الراجل اللي بتقولي انك ربتيه دا أنتِ بنفسك اللي هيفتيه لما مديتي إيدك عليه. لما صغرتيه وخليتي واحد كان بيتمنى اني ارمي عليه السلام يطردني من شغلي. عايزة تعملي فينا أيه اكتر من كدا.


كانت الإهانة أمام غريمتها أقسى و أشد لذا صرخت مُستنكرة تحاول فرض سيطرتها المطلقة:

ـ اعمل اكتر من كدا، و متخرجش عن طوعي.


ياسر بصوت جهوري اهتزت له الأبدان:

ـ ليه؟ تبقي مين عشان اتحمل منك كل دا؟! أمي! حاسبه نفسك أم! لو أمي كانت عايشة كانت سابتك تعملي كدا! كفاية بقى مش هسمحلك تستنزفيني أكتر من كدا. فوقي بقى أفعالك اللي خسرتك. مترميش ذنوبك على حد…


استقرت كلماته في أعماقها و ظلت تتردد في رأسها لدقائق وهي تنظر إليه بصمت و لا تتخيل أنه يحادثها بهذا الشكل أمام زوجته التي لابد و أنها شامتة بها هكذا خُيل لها لذا هتفت بقهر:

ـ ذنوبي! بقيت عاصية في نظرك! أنا عارفة أن أنا مش أمك، مانا لو أمك كنت غفرتلي غلط مكنش مقصود. غلط جه بسبب حرقة قلبي عشانك، وعشان متحملتش عليك الهوى. لكن أنا مش امك. بالنسبالك. لكن بالنسبالي طول عمرك ابني. لكن ماشي يا ريس. أنا محقوقالك. و أسفة ليك و للسنيورة تحب ابوس على راسها! ولا رجليها! ماهي الدنيا كدا اللي ترفعه يذلك. بس أنا مسمحاك. مسمحاك عشان قلبي مش زي قلبك وميقدرش يقسى عليك. لكن ربنا مش هيسامح صدقني. عمره ما هيسامحك يا ياسر على عمايلك فيا.


غادرت تاركة خلفها زوج من العينين تناظرها بألم كبير، فقد نجحت كلماتها بإشعال فتيل الذنب بداخله، و أيضًا إصرارها على ارتداء ثوب الضحية بهذه الصورة جعله يشك في أمره! 

هل حقًا يظلمها! هل الأمر ليس كبيرًا إلى هذه الدرجة؟! كيف وهو يتألم بهذه الطريقة! 

أخذت الاستفهامات تطن بعقله كالذُباب، وهو يجلس واضعًا رأسه بين يديه، فلأول مرة بحياته يجد نفسه تائهًا إلى هذا الحد، غارقًا في الحيرة والألم. يرى الحق بوضوح ولكن كلماتها تشوش الرؤية أمامه مُستغله معدنه الطيب و خوفه من الخطأ لتضغط و بقوة على هذه النقطة لتزُج به في صراعٍ مُميت لا فائز به ولا منتصر.

ـ ياسر..


لم يرفع رأسه لتقترب هي و تجلس أمامه على الأرض ناظره إليه وهي تقول باستفهام:

ـ في أيه جواك يا ياسر؟! اتكلم قول خليك ترتاح..


ياسر باستنكار:

ـ ارتاح!! أنتِ مش سامعة الكلام! 


هب واقفًا وهو يدور حول نفسه يهزي كالمحموم:

ـ دي بتدافع عن نفسها كأن هي الضحية! دا لو أن اللي روحت اتبليت عليها و لبستها مصيبة زي دي مكنتش هتقف تقولي كدا! 


زرع يديه في خصلات شعره يجذبها بعُنف وهو يصيح بانفعال:

ـ يعني هي اللي صح؟ يعني أنا مكبر الموضوع! أنا مبقتش فاهم حاجة. أنا اللي ربنا مش هيسامحني! أنا خلاص قربت اتجنن.


قال جملته الأخيرة وهو يصرخ بجنون جعله يضرب يديه في الطاولة الزجاجية لتتحطم و يخترق أشلائها يديه لتنبثق الدماء منها كالشلال مما جعل غنى تصرخ بفزع:

ـ ياسر….


لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم ♥️


★★★★★★★★★★★


ـ جايلي بكل وقاحة و بيقولي لازم نتكلم! تخيلي بعد ما خرب حياتي. جاي عايز يتكلم معايا!


هكذا تحدثت آسيا إلى سوزان التي أخذت تربت فوق ظهرها بلُطف في محاولة منها لتهدئتها قليلًا:

ـ ما أنتِ اللي من وقت اللي حصل وأنتِ مش راضية تسمعي منه. قولتلك خلصي الموضوع دا معاه، واقفليه عشان يبطل يحاول معاكِ. مبتسمعيش الكلام.


آسيا بحدة:

ـ مش طيقاه، ولا عمري هسمعه. خلاص دا انتهى من حياتي..


سوزان بتقريع:

ـ يبقى تبطلي تلومي على كمال أنه عمل معاكِ كدا، و مرديش يسمعك! 


كان مجرد ذكر اسمه مريعًا بالنسبة إليها، و بدأت كلماته المؤلمة تتردد صداها في عقلها لتنتزع نفسها من بين ذراعي سوزان وهي تهتف بشراسة:

ـ و دا كمان انتهى من حياتي. مش هجري وراه ولا حتى هحاول أبررله. حتى لو جالي لحد عندي و أترجاني احكيله مش هعمل دا. خلاص بقى كفاية وجع قلب، و قلة كرامة. محدش يستحق اني أحبه غير نفسي، والمرة دي كل حاجة هعملها عشان خاطرها. لا عشان انتقم من حد ولا عشان اوصل لحد.

مدت سوزان يدها لتحتوي كفها قبل أن تقول بهدوء:

ـ حلو. كل دا حلو. ممكن بقى نبدأ ننفذه من دلوقتي. تنسي كل اللي حصل، و تقومي تاخدي دواكي، و تقعدي تخلصي شغلك و تنسيهم اللتنين. بدل اختارتي تعيشي لنفسك يبقى متضيعيش وقت.


آسيا بتصميم:

ـ هيحصل. متقلقيش. 


★★★★★★★★★


ـ مبروك يا حبيبي. خلاص حددت المعاد مع راندا مامت شاهي، و هنروح نخطبها بكرة أن شاء الله. 


هكذا تحدثت نبيلة بمرح و سعادة تتناقض مع تجهم عمر، و غضبه الذي كان يتبلور بوضوح في نظراته ليتهكم عز الدين قائلًا:

ـ طب مش قبل ما تعملي كدا تتأكدي أن ابنك مقتنع و فرحان! 


نبيلة بلهفة:

ـ مش هيكون مقتنع و فرحان ازاي وهو اللي طلب مني دا!


عز الدين ساخرًا:

ـ دا شكل واحد مقتنع و فرحان أن خطوبته بكرة!

كانت ملاكح عمر لوحة حية عن الغضب والرفض الذي تعاظم ليتحول الى سخط تجلى في نبرته حين قال:

ـ هروح أقول خالد عشان ييجي معانا بكرة. 


عز الدين بحدة:

ـ و خالد ييجي معانا بكرة بصفته أيه؟ ولا أنا مش مالي عينك! 


لم يلتفت للرد عليه لتقترب نبيله من عز وهي تحتضن كفوفه بين يديها قائلة بنبرة ناعمة:

ـ دا كلام بردو يا حبيبي! دا انت فوق راسنا. هو بس عمر بيحب خالد شوية، وخالد مش غريب دا خاله، وبعدين خالد يشرف أي حد دا كدا ولا أيه


جذب يده من يدها وهو يصيح بغضب:

ـ طبعًا يشرف مش خالد بيه الوتيدي رئيس مجلس إدارة شركات الوتيدي اللي فنيت عمري فيها و في الآخر جه هو خد كل حاجة على الجاهز. 


نبيلة بلهفة:

ـ وحياتك عندي لكل حاجة ترجعلنا من تاني. بس الصبر.


عز بحدة:

ـ أنا مش لازمني حاجة من حد. خلاص ههتم بشغلي من هنا ورايح مانا بردو وتيدي ولا نسيتي! 


ـ لا طبعًا ليه بتقول كدا؟!


هكذا تحدثت نبيلة بإرتباك ليجيبها عز بجفاء:

ـ ورثك اللي لسه سيباه عند خالد. عشان يزيد، و لما احتاجتخ مفكرتيش تقوليلي هاخده عشانك. أيه معندكيش ثقة فيا. مش مأمناني على فلوسك صح ولا أنا غلطان؟!


تدرك جيدًا كيف تسيطر على لحظات غضبه، وكيف تمتصه ليتحول بعدها إلى عاشق لا يبغي سوى رضاها لذا أتقنت ارتداء قناع الضعف و ذرف العبرات الزهيدة لتهتف بشفاة مُرتجفة:

ـ كدا بردو يا عز! تظن فيا كدا؟! بقى أنا اللي سايبة فلوسي تحت تصرف خالد عشان يفضل ليك حق في كل حاجة تيجي انت تقول اني مش مأمناك؟!


كان حزنها أمرًا لا يستطيع تحمله، و خاصةً حين اخذ جسدها يرتجف وهي تُضيف بوهن:

ـ هو أنا ليه مش مكتوبلي افرح ؟! ليه مكتوب عليا أن اللي يأذيني هما اكتر ناس بحبهم؟! 


امتدت يديه لتمحو عبراتها وهو يقول بحنو:

ـ خلاص يا نبيلة متقوليش كدا؟ انا مقصدش أأذيكي بكلامي، وعارف انك سايبة نصيبك عشان يكون لينا حق في كل حاجة. بس أنا مش محتاج دا، و مش لازمني حاجة منهم.


نبيلة بنبرة ناعمة:

ـ بس دا حقنا يا روحي. حق تعبك السنين اللي فاتت. و حق ولادنا..


زفر بتعب لتقوم برفع يده إلى شفتيها تقبلها وهي تقول بنبرة خافته تأثر بها كثيرًا:

ـ حقك على راسي، و متزعلش من عمر كله الا زعلك عندنا.احنا ملناش غيرك.


نجحت في تبديد شحنات غضبه واستبدال شرر نظراته إلى عشقًا تساقط من بين حروفه حين قال:

ـ دا أنا اللي ماليش غيرك يا نبيلة. أنتِ نعمة من ربنا عليا. ربنا ما يحرمني منك أبدًا.


عانقته نبيلة والخبث يلون نظراتها و نبرتها حين قالت:

ـ ولا يحرمني منك أبدًا يا قلبي..


جذب نفسه من بين أحضانها لينظر إلى ساعته قائلًا:

ـ طيب أنا همشي دلوقتي عشان عندي معاد شغل مهم.


ـ اتفضل يا حبيبي، وانا هظبط الدنيا عشان مشوار بكرة..


غادر و تركها ليتوجه إلى سيارته ولكنه تفاجيء حين شاهد زينة التي اقتربت تناظره بسعادة وهي تقول بنبرة ودودة:

ـ أخيرًا يا عز! 


عز بصدمة:

ـ زينة! أنتِ رجعتي امتى ؟!


ـ مبقاليش كتير. بس من سوء حظي اني مشوفتكش من وقت ما وصلت.


هكذا تحدثت بمرح قابله بالمُزاح حين قال:

ـ قصدك من سوأ حظي انا. المهم طمنيني عليكِ!


زينة بمرح:

ـ لا اطمنك دي فيها قاعدة، و معتقدش أن بلبلة هتسمحلنا بدا. 


ابتسم على مزاحها، فقد كانت معروفة بصراحتها و خفة ظلها لذا ابتسم قائلاً:

ـ طيب أنا عندي معاد شغل. هخلصه و نتقابل بره نتكلم..


زينة بنبرة ودودة:

ـ و أنا موافقة..


اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال" ♥️


★★★★★★★★


ـ هتفضلي كل ما تركبي الطيارة تتوتري كدا؟!


هكذا تحدث راجي يشاكسها فقد أضناه خصامها ولم يعد يُطيقه لتُجيبه بتوتر:

ـ أنا مابحبش اسافر بالطيارة و أنت عارف دا، وكل مرة بتصمم نسافر بيها معرفش ايه وجهة نظرك؟!


ابتسم وعينيه تطوف فوق ملامحها بحُب تجلى في نبرته حين قال:

ـ عشان عايز أساعدك تتخلي عن كل مخاوفك. مش عايز حاجة أبدًا تخوفك أو توترك.


تفشى الخجل في وجنتيها و التفتت ناظرة إلى الجهة الآخرى، فقد كانت تخشى التطرق لهذه الأمور معه، فهي ترى مشاعره بوضوح ولا تحاول استفزازها أو الاصطدام بها ولكنه قرر الإفصاح عنها حين مد يده يلامس كفها لتُعيد انظارها إليه لتصدمها تلك النظرات والتي توحي بالتصميم، فقد كان يعلم بأنها تهرب وقد عزم على وضع حدًا فاصلًا لهذا الأمر ليقوم بجذب علبة قطيفة حمراء و وضعها فوق راحة كفها وهو يفتحها ليلتمع بريق الألماس الذي كان يُزين هذا الخاتم الرائع لتشهق بصدمة تعاظمت حين قال:

ـ ملقتش في المجوهرات حاجة أغلى من الألماس عشان أقدمهالك، بس هقدم معاه حاجة أغلى من كنوز الدنيا. هقدملك قلبي. تتجوزيني يا شروق ؟!


اللهم إنك تعلم وهم لا يعلمون، اللهم أرح قلبي وهون علي وإسقني صبراً، وأعوذ بك من غصة القلب وضيق النفس، اللهم امسح على قلبي برحمة منك ولا تجعل لي حزنا يقلقني ♥️


★★★★★★★★


ـ حبيبي بيعمل ايه؟


هكذا استفهم خالد وهو يحادث أشجان على الهاتف لتُجيبه بخفوت:

ـ بعمل كيكة شيكولاته.


غازلها قائلاً:

ـ والله مافي شيكولاتة عايزة تتاكل غيرك!


ابتسمت بخجل خيم على نبرتها حين قالت:

ـ بعملها عشان عارفة انك بتحبها.


خالد بنبرة عاشقة:

ـ بحبها عشان من إيديكِ. 


أشجان بنبرة خجلة:

ـ وأنا بحب اوي أأكلهالك بإيدي على فكرة..


زفر خالد بتعب:

ـ الله يخربيت الشغل اللي مانعني اجي اخدك في حضني دا..


نظرت إلى الساعة المُعلقة على أحد الجدران لتجد أن الوقت قد تأخر عن ميعاد عودته فهتفت باعتراض:

ـ المفروض الشغل يكون خلص بقاله اكتر من ساعتين. إيه اللي أخرك كدا؟!


خالد بنبرة خشنة:

ـ المدير مالوش مواعيد يا حبيبي. 


ـ طب مرات المدير معترضة و زعلانه 


هكذا تحدثت باعتراض ليبتسم قبل أن يقول مغازلًا:

ـ لا مانا ناوي أصالحها. و مجهزلها بروجرام في الجون.


أشجان بلهفة:

ـ بجد بروجرام أيه؟!


خالد بخشونة:

ـبعد ما اخلص شغل هعدي أخدك نروح للدكتورة، و بعدها نطلع على الاوتيل، و مش عايز اعتراض أنتِ وحشتيني جدًا و بقالنا كتير مش عارفين نتلم على بعض، وكدا مش فير بالنسبالي.


لم يمر الحديث على عقلها الذي كان متنبها لجملة واحدة وهي زيارتهم للطبيبة، وهنا هوى قلبها بين ضلوعها ذُعرًا مما جعل نبرتها ترتجف حين قالت:

ـ دكتورة ايه يا خالد؟ 


أجابها بتلقائية:

ـ هنروح نطمن عليكِ و نشوف ايه اللي مانع الحمل لحد دلوقتي! 


ثم أضاف بنبرة عاشقة:

ـ مش هقدر اتحمل اكتر من كدا. نفسي في نسخة تانية منك. عايز مليون نسخة مش نسخة واحدة. 


تبددت نجومها البراقة خلف سحب حالكة تهدد بهطول المطر في أي وقت، و توغر صدرها ألمًا، فهاهو ما تخشاه قد حدث لذا تاهت الكلمات من فوق شفتيها و ما كاد أن يكمل حديثه حتى انفتح باب غرفة مكتبه و أطل كمال بمظهره المُريع ليقول خالد بجفاء:

ـ طب اقفلي و هكلمك كمان شوية..


اغلق الهاتف ليتحدث كمال بنبرة حادة كالسيف:

ـ الفويس اللي سجله الحيوان دا لآسيا لسه معاك؟!


لم يتفاجيء كثيرًا من أستفهامه لذا قال باختصار:

ـ معايا.


كمال بنبرة قاطعة:

ـ عايزه…

الفصل الحادي عشر من هنا



stories
stories
تعليقات