رواية ارض الدوم الفصل الحادي عشر 11 بقلم رحمة نبيل


 رواية ارض الدوم الفصل الحادي عشر 

 [ ليتها كانت شفقة ] 

تجمد كل شيء وتوقف الزمان وهي تبصر ما يحدث أمامها، لا تشعر بشيء سوى بضباب أجساد يعبرون من أمامها، وأصوات شبه مكتومة تتردد في أذنها، حاولت التنفس بشكل طبيعي، هي لم تكن لتهتم بمن يحكم هذه القرية، لكن أن يكون ذلك الرجل هو عمها والذي تعلم أنه يفوق قذارة عز الدين دون أن يشعر به أحدهم، هذا ما قتلها .

حركت عيونها بين الجميع تنتظر اعتراضًا من أي رجل تابع لوالدها، اعتراض من أي أحد، رجل لربما قدم له والدها خيرًا يومًا، أي شخص تركها والدها لأجل مساعدته قديمًا، لكن يبدو أن عمها قد احكم قيده على الجميع .

ومن النظرة المصدومة على وجه عز الدين كذلك يبدو أن ذلك لم يكن الاتفاق بينهما، هي تعلم أن عز كان يأمل في القيادة لنفسه، لكنها لم تهتم وهي تحاول أن تعلم مصيرهم، وقبل التساؤل حول ما سيحدث اتسعت عيونها وهي تركض بفزع صوب والدها تصرخ باسمه:

_ بـــــابـــا .

وفي ثواني استقر جسد والدها الذي انهار بين ذراعيها ساكنًا وكأنه غادر الحياة، ليشحب وجهها وهي تطلق صرخة مرتفعة مرتعبة تضمه له برعب :

_ بارو ...بارو ...بابا .

ارتجفت بخوف وهي تنظر حولها للجميع بعجز تنتظر أن يحرك أحدهم ساكنًا، لتُصدم بالجحود يملئ الوجوه، لتطلق صرخة مرتبعة :

_ أنتم بتعملوا ايه ؟؟ حد يكلم الحكيم بسرعة، البارو بـ..

ومعتز فقط ابتسم بسمة صغيرة يصحح حديثها ليس وكأنها تتحدث الآن عن شقيقه الذي سكن بين يديها بشكل مريب شاحبًا  :

_ مبقاش يا رايانا، ابوكِ مبقاش البارو، وياريت لما الحكيم يجي ويطمنك عليه، تبدأوا تجهزوا نفسكم عشان تفضوا بيت البارو لينا .

رفعت رايانا عيونها لعمها بصدمة كبيرة، تراقب الجحودالذي ملئ نظراته.

 اشتعلت نظراتها بقوة وتنفسها ازداد ونيران ملئت جوفها حتى بدا أنها على وشك نفث النيران في وجوه الجميع، اقتربت شيما منها وهي تردد بنبرة مرتجفة باكية :

_ الحكيم في الطريق يا رايانا ساعديني ننقله للاوضة بسرعة .

ورايانا فقط صمتت ومازالت نظراتها تطلق سهامًا على عمها، تساعد والدها، وغصة تستحكم حلقها، رغم أن والدها لم يكن داعمًا لها يومًا، لكنه لم يكن في النهاية يومًا قاسيًا، لم يرفع يدًا لضربها، ولم يمنع أي يد أخرى لفعل ذلك، لكنه ورغم كل شيء كان والدها، الذي وقف يومًا أمام الجميع كي لا يقتلونها بجهلهم في طفولتها ظنًا أنها نذير شؤم، كانت المرة الأولى والأخيرة التي يدافع عنها، لكنها كانت تكفيها .

ساعدته ليتحرك صوب أول غرفة قابلتهم، تساعده ليتسطح على الفراش وقد كان والدها صامتًا بشكل مريب ومرعب، لا يحرك ساكنًا ينظر صوب سقف الغرفة بلا كلمة .

وهي فقط رفعت عيونها صوب شيما تتنفس بخوف وشيما تبكي مرتعبة مما سيحدث لهم، سقط البارو واجتمعت السكاكين حوله.

ورايانا شعرت أنها وُضعت فجأة أمام المدفع، تنظر صوب شيما تبصر بها رعبًا على أنفسهم، ووالدها بلا حول ولا قوة، وجدتها، وعمها ذلك الخسيس لن يرحم ضعفهم .

ابتلعت ريقها وهي تنظر صوب شيما بهدوء تحاول إخفاء ضعفها وخوفها وارتجافة صوتها وهي تخرج كلماتها بنبرة خافتة تحاول أن تحافظ عليها هادئة:

_ شيما خليكِ مع البارو لغاية ما ارجع .

_ رايحة فين يا رايانا، سمعتي اللي قاله عمك و....

قاطعتها رايانا وهي تخفي ارتجافتها، الآن وقد سقط والدها لم يعد لهم من حامي بعد الله سواها :

_ خليكِ بس معاه لغاية ما ارجعلك .

ومن ثم تحركت بسرعة صوب الخارج تفتح الباب الخاص بالغرفة تستند عليه وهي تتنفس قبل الخروج للبهو مرة ثانية، تبتلع غصة البكاء، تؤجل انهيارها لوقت لاحق .

وبعد نفس عميق أبعدت به رغبتها في البكاء، تحركت صوب البهو وهي ترفع رأسها تبتسم بسمة صغيرة، تبصر عمها يدور بعيونه بين طرقات المنزل وكأنه يقرر في أي ركن يعلق خيبته بعدما يحصل على المنزل، وجواره زوجته التي لا تدري كيف لم تتطلق منه حتى الآن بعد فضيحة ساڤا لها، وعز الدين الذي يبدو أنه مايزال مصدومًا من عدم كونه البارو بعد والدها .

ابتسمت وهي تفتح ذراعيها تتحدث بصوت ثابت والله وحده يعلم كيف أخرجته من بين امواج البكاء الوشيكة :

_ نورتونا يا جماعة في بيتنا المتواضع، لكن صاحب البيت مش في صحة تسمح ليه يستقبلكم، شرفتونا .

ختمت حديثها وهي تشير صوب باب المنزل بدعوة صريحة لا تقبل الجدال للرحيل، ليرفع عمها والجميع حاجبهم ولم يتقدم أحدهم للحديث، سوى سكينة التي قالت بجدية واستنكار :

_ مسمعتيش اللي قاله البارو، البيت ده هـ

قاطعتها رايانا بكلمة واحدة مرتفعة رنت في أرجاء المنزل وقد قررت أن تستعمل كل خرافة اطلقوها عليها ضدهم، وصوتها يصدح في المكان بنبرة مرعبة :

_ شــــــرفتــــــونـــــا .

انتفضت الأجساد، لتكمل دون اهتمام وبنبرة قوية :

_ وبعد كده أي حد فيكم يفكر ينور بيتنا مرة تانية، يبقى يستأذن مش تكية هي، اتفضلوا .

نظر معتز لابنه وزوجته وقد شعر أن رايانا تقلل منه وهو لتوه استلم قيادة القرية، لذا تقدم خطوة يوضح موقفه والصورة والوضع الحالي :

_ أعتقد مسمعتيش كويس اللي قولته يا رايانا، دلوقتي أنا البارو بتاعك وكلمتي تمشي عليكِ و....

توقف عن الحديث في اللحظة التي تحطمت بها مزهرية أسفل قدمه مباشرة بشكل مخيف، وصوت رايانا رجّ جدران المنزل بأكمله وهي تصرخ بالجميع تحمل مزهرية ثانية في رسالة واضحة لعدم ترددها في استخدامها عليهم :

_ بـــــــــــرة، كلكـــــــم بـــــــرة بيتـــــــــــي .

وبالفعل بدأت الأجساد تتحرك للخارج بخوف من جنون رايانا التي لم تكن تفكر بأفعالها بالمرة وكانت على استعداد تام لتقطيعهم بأناملها حتى .

أما عن عائلة عمها فظلت مكانها برفض للتحرك، عز الدين يراقبها من أعلى لأسفل وغصة الرفض ما تزال تستحكم حلقه :

_ أنتِ مفكرة نفسك مين عشان كلامك يمشي على البارو و....

صمت في اللحظة التي التفتت له رايانا ترمقه بنظرة مشتعلة مخيفة، تبتسم بسمة غريبة تهتف بصوت مريب مرعب :

_ تفتكر ممكن أصبر عليك قد ايه قبل ما اقتلك يا عز الدين ؟!

اتسعت عيون عز الدين واشتد رعب والدته وهي تقترب منه تجذب ذراعه بعيدًا عن رايانا، التي ابتسمت وهي تهتف للمرة الأخيرة :

_ برة بيتي ...حالًا، والبيت ده اللي هيخطيه منكم تاني بدون أذني، أنا هطلع عليه جناني .

ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة حتى سمعوا صوت ضربة قوية ارضًا لتتحرك الرؤوس صوب الصوت يبصرون الجدة التي نهضت بصعوبة وحدها بعد محاولات عديدة فاشلة، تنظر لولدها بغضب مشتعل جعله يبعد عيونه عنها، لتهتف بصوت قوي رغم اهتزازه بسبب العمر :

_ ايه يا معتز خلاص، كبرت وهترمي أمك وبت اخوك ومرات اخوك في الشارع عشان الرقاصة اللي اتجوزتها لينا ؟؟

انتفض جسد سكينة برفض وهي تنظر لوالدة زوجها بكره شديد وقد كان كره العجوز لها شوكة في حلقها منذ تزوجها معتز .

أما عن معتز فتحدث بصوت يحاول به تبرير ما يفعل :

_ يا أما ما عاش اللي يبهدلك، أنتِ هتعيشي معايا ورايانا ومرت اخوي وأخوي نفسه بشوف ليهم بيت في البلد يكون كويس، بس البيت ده هو مركز القرية وبيكون البارو و....

قاطعته والدته وهي تضرب الأرض بعكازها بغضب :

_ البيت ده بيتي أنا يا معتز، مش بيت البارو، بيتي اللي أبوك كتبه ليا عشان خايف عليا من عميالكم، وأنا كتبته لرايانا، يعني أنتم في ملك رايانا، وهي مش حابة تستقبلكم، يبقى تسحب مراتك الغازية وابنك الخمورجي وتمشي منه .

ختمت حديثها وهي تنظر لهم بقوة وقد كانت في هذه اللحظة حائط صد لهم، ورايانا تنظر لها بصدمة كبيرة، هذه كانت معلومة تجهلها، جدتها كتبت المنزل باسمها هي ؟!

ارتجف صدرها من الفكرة .

أما عن معتز فهز رأسه بصدمة شديدة من الخبر، يهتف قبل الرحيل :

_ أكيد يا أما، حقك طبعًا، بس اعرفي إنك كده بتخالفي شرع ربنا في ....

_ لما تبقى تعرف ربنا يا معتز، ابقى تعالى بجح في وشي وكلمني عن شرعه، يلا غور من وشي .

وكانت هذه الأخيرة وهو يسحب عائلته ويتحرك من المكان، تاركًا البهو فارغ إلا من رايانا التي نظرت في أثره وجدتها التي تحركت لتقترب منها تربت عليها بحنان، ورايانا فقط تنظر حولها بشرود تفكر في القادم، سقط والدها وتركهم للمدفع، وعمها بنظراته الأخيرة لم يكن ينتوي لهم خيرًا البتة .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت كلمات كارا ما تزال ترن في الفراغ حولهم، والجميع يحدق بها بصدمة وتشنج مما نطقت به، ماذا تقصد بخطفها من زفافها .

ابتلعت نورهان ريقها وهي تهمس لعيسى :

_ هو اخوك عشم البنت في حاجة عشان كده عايزة تهرب معاه ؟!

_ معرفش بس ده يحيى، يعني شوفي ايه الغلط وهو هيعمله .

أما عن يحيى فقد نظرة لكارا برفض لما نطقت به :

_ نعم يا ختي ؟؟ عايزاني اخطفك ؟؟ أنا مش فاهم هو مين مفهمك إني سوابق وممكن اعمل كده ؟!

هزت كارا كتفها وهي تردد بجدية كبيرة :

_ أصل مين ممكن في القرية يعمل كده غيركم ؟!

_ واحنا نعمل كده ليه اصلًا ؟؟ بت أنتِ متخلفة صح ؟؟

زفرت كارا بصوت مرتفع وهي تتجاهله، تنظر خلفه صوب الرجل الذي خمنت أنه ربما يكون العقل المدبر لهم، وقد كان هو من تولى الحديث مع البارو في يومهم الأول، لذا خمنت أنه ربما يساعد :

_ لو ساعدتني هقولك على اللي ممكن يساعدكم في أنكم ترجعوا حقكم .

رفع مسلم حاجبه بسخرية لاذعة :

_ وايه اللي يخلينا نثق فيكِ اساسا، ثم مش دي قريتك، أنتِ مدركة أنك بتساعدينا نخرجكم من بيوتكم ؟؟

ابتسمت كارا بعدم اهتمام لكل ما سيحدث : 

_ متشلش همي، ثم دي مش قريتي اساسا ولا بطيق اللي فيها، أنا والدتي من الاقصر اساسا، بس والدي من هنا، وأنا بمجرد ما تخلصوا عليهم هرجع لبلد امي .

همس احمد بسخرية وهو يضم يديه لصدره يراقب الفتاة بحاجب مرفوع :

- ماشاء الله حتى أهل القرية نفسهم محدش طايق المكان، تحس أنهم مجبورين يقعدوا فيها .

ومسلم صمت ثواني قبل أن يتحدث بجدية وهو يوجه لها الحديث :

_ وأنتِ ليه مترفضيش الجواز ببساطة، ليه اساسا مجبورة على الجواز ؟!

تنهدت كارا وهي تمسح وجهها بضيق :

_ العريس أكبر مني بكتير، ومقدرش ارفض عشان بابا .

لكنها فعلت، فروشكا فعلتها، وقفت ليس فقط أمام والدها، بل أمام جبروت عز الدين، والقرية جميعها ورفضت، لماذا لا تستطيع هي فعلها ؟؟ هل لأن فروشكا خاصته مختلفة عن مثيلاتها أم لـ....

مهلًا فروشكا خاصته ؟؟ حقًا ؟؟ متى أصبحت خاصته ؟؟ ومتى أصبحت مقياسًا له لجميع النساء، ابتسم بسمة غير مصدقة على مرأى الجميع الذين تفاجئوا بنظراته المصدومة وهو ينظر ارضًا بأعين متسعة من الأمر.

بينما حاتم يراقبه ويكاد يقسم بالله أن سر هذه التعابير ليس إلا الفتاة نفسها، فروشكا التي أصبح مدمنًا عليها تقريبًا وهذا يخيفه فمسلم يومًا لم يكن شخصًا هوائيًا بهذا الشكل .

ومسلم ذاته لم يكن يفهم ما يحدث، فقط ابتلع ريقه، يحاول جذب أفكاره من تلك النقطة صوب كارا التي وضحت بهدوء :

_ اللي أنتم بتدوروا عليه مش عند البارو، هو مع اخوه، وكمان فيه حاجة تانية محتاجين تعرفوها عن معتز .

نظر لها الجميع بعدم فهم وقد تحدث أحمد قبل الجميع بفضول :

_ مين معتز ده كمان ؟!

_ اخو البارو الصغير وأبو عز الدين .

تحدث مسلم بصوت منخفض وهو يعلم أنه لو ساعدها سيكون لأنه لا يرتضي لها ذلك كما لا يرتضي الأمر ذاته لنورهان .

_ عايزة نساعدك ازاي بالضبط ؟؟ 

نظر له يحيى بجنون لا يفهم تصرفات شقيقه، يتحرك صوبه وهو يهمس بعدم فهم مشيرًا لكارا :

_ أنت هتساعدها في الجنون ده ؟! هتخطفها من فرحها ؟!

تدخلت كارا بسرعة وهي تتجاهل يحيى :

- أي حاجة المهم الجوازة متكملش .

استدار لها يحيى وهو يهتف بضيق منها ومن سلبيتها تلك :

_ بت ما تروحي تقولي لابوكِ مش هتتجوزي ويضرب دماغه في الحيط . 

_ اياكش تكون مفكر كل الناس متربتش زيك ؟؟

وكانت تلك جملة كارا التي أجابت بها يحيى بضيق وهي تتخصر أمامه، بينما الأخير اشتدت نظراته وأحمد همس بضيق :

_ جايب الكلام لخالتي حتى من الغريب اللي ميعرفهاش .

أما عن يحيى فمعلون هو إن صمت عن إساءة كهذه في حقهؤ حتى وإن أقرها الجميع :

_ متربتش احسن ما اعيش حياتي كلها مع واحد قد ابويا، عشان مكسوفة أقوله لا والله مش عايزة اتجوزك.

نظر مسلم صوب شقيقه بضيق من حديثه بهذه الطريقة مع الفتاة، يسحبه للخلف وهو يهمس له :

_ ممكن تتربى شوية يا حبيبي، مش طبيعي حتى الغريب عارف أنك مش متربي، بعدين ترضى أنت على اختك تنجبر على حد هي مش عايزاه لأي سبب ؟!

رفع يحيى عيونه صوب نورهان التي كانت تتابع ما يحدث بحزن وشفقة على كارا، وقد تأثر بنظراتها، ثم عاد لمسلم يتنهد بجدية، ومن ثم قال :

_ وهي اختك دي حد يقدر يجبرها على حاجة ؟! دي هي اللي مطلعة عين خالتك وجوز خالتك، بتمد أيدها في الزبالة تطلع برجالة عشان تتجوزهم .

ونعم كان حديثه الأخير مسموعًا للجميع، حيث انتفض جسد نورهان وهي تنظر له بشر :

_ طب خليك في نفسك لأحسن المرة الجاية مش هخرج رجالة من الزبالة، لا ده أنا هرميهم فيها .

ابتسم لها باستفزاز :

- كنتِ اتشطرتي عليه يا ختي .

نظرت نورهان لمسلم بضيق وشكوى من يحيى :

_ مسلم شوفت ؟؟ أنا والله العظيم زهقت منه ومن قلة أدبه، شوفوا ليكم صرفة معاه، يا تربوه يا تتبروا منه ؟!

تنهد مسلم بصوت مرتفع وهو يستغفر ربه، بينما حاتم يتابع ما يحدث بضيق وقد كره ذكر يحيى لزوج نورهان السابق ولو بشكل عرضي ساخر كل ثانية .

أما عن أحمد فقد ارتفع صوته الغاضب وهو يشير لكليهما بالصمت :

_ ممكن تخرسوا منك ليها، مش هننشر غسيلنا قدام الناس .

كل ذلك وكارا تتابع ما يحدث، لتدرك أن الأمر مع يحيى لم يكن شخصيًا، ولم تكن معاملته لها لأجل ضغينة أو ربما كره موجه لها خاصة، أدركت أن الأمر فقط لأنه لم ينل أي تربية منذ طفولته وهذه كانت مشاكل عائلية لا تحب الخوض بها، لذا ابتسمت تردد :

_ اللي تشوفوه اعملوا أي شيء بس الجواز ميكملش .

فكر مسلم ثواني قبل أن يهز رأسه :

_ أكيد مش هنخطفك لأن ده ممكن يأثر بالسلب على سمعتك خاصة إن الناس هنا مجانين، بس ممكن نشوف طريقة تانية .

نظرت له بفضول فابتسم بسمة صغيرة لها مطمئنة يقنع نفسه أنه فقط يساعدها لوجه الله ليس إلا:

_ خليني افكر واشوف الدنيا وبإذن الله تتيسر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يجلسون أمام عزيز والصمت يحفهم من جميع الجوانب، لا أحد تجرأ وتحدث بكلمة، وعزيز فاقد لجميع الاحاسيس تقريبًا منذ ما حدث، صامتًا دون كلمة واحدة .

تحركت له شيما تقترب من فراشه بينما تجلس الجدة على الأريكة أمامه ورايانا تراقب من الباب بهدوء .

_ بارو أنت كويس ؟؟ 

لكن لا شيء منذ أن أعلن معتز نزعه من منصبه وعد استحقاقه، ونظرات من كان يؤيده قد تحولت لسخرية وهو فاقد للنطق بشكل تام دون أن يحرك حتى اصبع، وكأن شللًا أصابه.

وكل ما يسمعه هو حواره مساء الأمس مع شقيقه وعز الدين بعدما خرب الزفاف، وابصر ابنته تعود من الخارج دون أن تنظر له حتى.....

بعد خروج الجميع من منزله جلس وحده وهو يتأمل المكان أمامه بصمت، حتى وصل لمفترق طرق، وهذه المرة اختار أن يتجاهل الطريق الذي يسلكه كل مرة وقف بنفس المفترق، وخاض الطريق الآخر الذي يوصل لابنته، ولأول مرة يفكر بها .

نهض ببطء يتحرك صوب منزل شقيقه وكلمات كثيرة تتصارع على طرف فمه، وصل ليجد الباب مفتوح والحكيم يحاول إخراج رصاصة عز الدين الذي كانت صرخاته تكاد تحطم الجدران من حولهم .

ابتلع ريقه يقف وهو يستهل حديثه بكلمات بسيطة :

_ خير يا حكيم ؟؟ إن شاء الله مفيش شيء خطير ؟؟

ابتسم الحكيم بعملية شديدة وهو يجيب بينما يخرج الرصاصة :

_ مفيش شيء خطير، هو بس عز باشا مزودها شوية .

رماه عز الدين بغضب وهو يصرخ في وجهه :

- مزودها شوية ؟؟ تعالى اضربك رصاصة في دراعك واجيب مشرط افضل احفر في دراعك عشان أخرجها .

رفع الحكيم حاجبه بسخرية ولم يتحدث أو يخبره أنه خدر ذراعه بالفعل، بينما البارو تنحنح وهو يبحث عن مدخل لحديثه، عز الدين بالفعل أنهى كل شيء مع ابنته منذ دقائق، لكنه هنا لينهيه بشكل لائق وبشكل نهائي .

_ تمام، عز الدين بخصوص اللي حصل انهاردة واللي عملته و...

صمت بسبب اندفاع معتز وهو يصرخ بجنون :

_ اللي حصل انهاردة وليك عين تيجي تتكلم فيه ؟! في وسط بيتك وابني يتصاب ؟؟ لما أنت مش قادر تحمي بيتك هتحمينا ازاي يا ...بارو ؟!

نطق كلمته الأخيرة ساخرًا من شقيقه وقد وجد واخيرًا مدخلًا له لتنصيب مبكر، أما عن عزيز فتعجب كلمات شقيقه يتحدث بعدم فهم :

_ مش فاهم أنت تقصد ايه يا معتز ؟؟ دول أهل القرية إيه يعرفني إن حد فيهم هيعمل كده ؟؟ ايه هفتش اهلنا قبل ما يدخلوا بيت البارو بتاعهم .

ضحك عز الدين ضحكة صاخبة يتحدث بصوت متهدج من الوجع، وهو يحاول التماسك :

_ أهل القرية ؟؟ اياكش تكون فاكر اللي عمل كده هما أهل القرية يا بارو ؟؟

نظر له البارو بعدم فهم ليبصق عز كلماته بغضب شديد وقد أصبح المكان حوله احمر بالكامل :

_ اللي عمل كده يبقى عشيق بنتك اللي اكيد مستحملش اني أسرق منه بنتك يا بارو .

اتسعت عيون عزيز وهو يهدر بصوت غاضب وقد استفز عز الدين كل ذرة هدوء وتعقل برأسه، يدفع تعقله جانبًا بعنف وهو يمسك برقبة عز الدين صارخًا بجنون :

_ أنت اتجننت ؟؟ دي بنتي اللي قاعد تتكلم في شرفها، عشيق ايه يا مخبول أنت اللي بتتكلم عنه ؟؟

اندفع معتز وهو يحاول إخراج ولده من أسفل يد اخيه، وبصعوبة فعل وهو يصرخ في وجه شقيقه :

_ بدل ما تيجي تطلع جنونك على ابني روح لم بنتك اللي رايحة جاية مع حفيد المريدي في القرية، وتلاقيه هو نفسه اللي ضرب ابني في الفرح، اصل مين غيره هيتجرأ يعمل كده ؟!

تنفس عزيز بجنون وهو ينظر لهم برفض لمثل تلك الاتهامات التي يوجهها لابنته، ولم يكد يعارض حتى تحدث عز الدين بتشفي بملامح عمه :

_ ولو مش مصدق نجيب اللي شافهم بعيونه، ولا ايه يا جميلة ؟؟

ختم حديثه وهو ينظر لزوجته التي كانت تقف في الخلف تتابع بكل هدوء وصمت، سعيدة أن زواج عز الدين خرب، قبل أن تحاول أن تخربه هي بنفسها حينما اخبرته برؤيتها لرايانا مع رجل بدا لها حفيد المريدي، وقد أظهرت أنها لم تبصرهم حتى .

تقدمت وهي تتحدث بخجل وصوت منخفض :

- من شوية لما عرفت اللي حصل في كتب الكتاب رجعت بسرعة عشان جوزي، وانا راجعة، شوفتهم مع بعض من وقت قليل كده .

ابتسم عز الدين وهو ينظر بتشفي لوجه عمه الذي شحب يردد بجدية :

_ احمد ربك إن الجوازة مكملتش وإلا كنت غسلت عاري بايدي، روح بقى شوف هتداري فضيحة بنتك ازاي، وأنا اللي كنت فاكر أنها بتبوظ كل مرة الجواز عشان حاجة تانية، طلعت خايفة تتفضح .

اشتعلت عيون البارو وهو يحدق بهم جميعًا برفض قبل أن يفرد هامته :

_ كويس أنها جات منك يا عز لأني كنت جاي أبلغك نفس الشيء بنتي خلاص ملكش أي علاقة بيها، لغاية هنا وحتى تقرب منها مش مسموح، خلاص خلصنا لهنا .

ولم يكد يتحرك خطوة حتى صرف معتز الحكيم حينما انتهى، يتحدث بجدية :

_ تمام ابني قالها كلمة ومش هيقرب من بنتك، في المقابل أنت كمان مبقاش ليك علاقة بالقرية .

استدار لهم ببطء وهو يتحدث بعدم فهم :

- قصدك ايه ؟!

ابتسم عز الدين يفصح عما قرره هو ووالده :

- اللي ميقدرش يحمي عرضه وبيته من حتة عيل، هيحمي قرية ازاي ؟! خلاص يا بارو عصرك انتهى، ومن بكرة القرية دي مش هتكون على اسمك ....

شعر عزيز بيد تضغط على كتفه تفيقه من افكاره، ينظر ببطء لصاحبة اليد ليجد أنها شيما التي ظلت معه بالغرفة بعد رحيل الجميع، تربت على كتفه بهدوء :

- رايانا بعتت للحكيم يجي يطمنا عليك .

أبعد البارو عيونه عنها ببطء وقد شعر أن كامل جسده أصبح ثقيلًا حتى أنه لا يقدر على تحريك إصبعه أو أي عضلة بجسد، لذا استكان للعجز وسلم له .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

_ مسلم، تعال لهون وشوف شو بصير.

كانت تلك الجملة التي سمعها مسلم في منتصف اليوم بينما كان الجميع يقرر ما سيفعلون في أمر تلك الفتاة كارا، ويحيى يجلس بضيق يرفض كل ما يحدث ...

استقام مسلم يتحرك صوب حاتم وهو يراه يحمل حاسوبه يراقب ما يحدث وقد أوكل له مراجعة تسجيلات منزل البارو لحين إيجاد شيء يدلهم على ما يريدون .

اقترب بعدم فهم :

- فيه ايه ؟؟

لف حاتم الحاسوب ببطء وهو يتحدث بجدية وبصوت مصدوم مما يسمع :

_ عزلو البارو، وصار أخوه هو البارو.

اتسعت عيون مسلم بعدم فهم يجذب الحاسوب له يضعه أمامه على الطاولة بسرعة يراقب ما يحدث يعيد التسجيلات واحدة خلف الثانية، ومن وسط كل ذلك لم يهتم سوى لها وهي تقف عاجزة بين الجميع تراهم يوزعون ما تملك عليهم، ضيق ما بين حاجبيه بنظرة غريبة، يضغط على طرف الطاولة تحت يده وملامحه تزداد شراسة، قبل أن يلين انقباض ملامحه شيئًا فشيء حينما أبصر رايانا تثور بالجميع وتطردهم من المنزل وتواجه عمها وعز الدين بجنون .

يتابع ويلاحظ ما يحدث حتى عم صمت غريب في المنزل وآخر ما ابصره بالبهو هو خروج رايانا بملامح غير مفسرة .

اغلق الحاسوب بغضب شديد يمسح وجهه والجنون يعلو عيونه، والجميع صمت لا يعلمون ما سيحدث .

حتى تحدث أحمد بتخمين :

- يعني ايه !! دلوقتي المفروض ده هيأثر ازاي علينا ؟!

تحدث مسلم وهو ينظر أمامه بشرود :

_ البنت دي كان عندها حق، البارو أضعف من أنه يخفي حاجة، اكيد كل اللي محتاجينه مع عز الدين وأبوه .

تحدث أحمد وهو يجلس يراقب ما يحدث حوله بعدم رضا، يتنهد بصوت شبه مرتفع :

_ مسلم .

رفع مسلم عيونه لأحمد بترقب ليردف الأخير بجدية :

_ أنت بجد هتساعدها ؟؟ احنا كده بنورط نفسنا في حوارات جانبية ملناش دخل فيها، احنا بنغرز يا مسلم .

رمش مسلم وهو يرفض حديث أحمد ضمنيًا، يعلم أنه لا يستطيع أن يشهد ظلم امرأة في يده المساعدة، نظر صوب حاتم الذي أبصر نظرة الشفقة والعجز في عيونه، ليتدخل في الحديث بسرعة يساعد رفيقه .

_ أحمد، إنت سمعت بنفسك، هاي البنت معها إشي رح يساعدنا ويسهّل علينا اللي بندوّر عليه، يعني الموضوع مش تضييع وقت.

ابتسم مسلم وقد وجد حجته في حديث حاتم يهز رأسه بموافقة، يود مساعدة الفتاة يرفض أن تكون نورهان مكانها، تمامًا كما يساعد فروشكا، أو هذا ما يحاول إقناع نفسه به .

فهو في داخله للحظة صنع مقارنة بين الفتاة وبين فروشكا، والمقارنة كانت مخيفة له .

فروشكا لم يفكر وهو يضرب الرجل رصاصة والله وحده يعلم مقدار السيطرة التي فرضها على نفسها كي لا يضعها في صدره، أما هذه الفتاة فأخبرها أنه سيفكر وسيتأني، لماذا لا يجد هذا الهدوء والتفكير حينما يتعلق الأمر بالأولى ؟؟

ربما لأنه....

صمت بسبب سؤال يحيى :

_ طب والمفروض نعمل ايه ؟؟ هنخطفها زي ما قالت ؟! عامة لو عايزين أنا ممكن اخطفها اتاويها في أي حتة لغاية ما الدنيا تهدى .

رفع مسلم عيونه لشقيقه بحنق :

_ مينفعش اساسا سمعتها هتبوظ .

ابتسم أحمد بضيق مما يحدث :

_ حضرتك تقترح ايه يا مسلم باشا ؟!

نظر له مسلم ثواني قبل أن يبتسم بسمة واسعة جعلت الجميع يقلق منها وهو يردد بجدية :

_ تيجي منه هو...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ آسف مسلم .

كانت كلمة نطق بها حاتم بمجرد أن انعزل بنفسه مع صديقه بغرفتهما، ليرفع له مسلم عيونه بعدم فهم من سبب اعتذاره، أما عن حاتم فاقترب منه يضع يده على كتفه ببسمة صغيرة معتذرة، ينظر حوله سريعًا يتأكد أن يحيى لن يخرج لهم من أي ركن في المكان .

_ آسف لماذا حاتم لا افهمك ؟!

_ لتحريضي لك سابقًا على الابتعاد عن الفتاة لأنني ظننت بكل غباء أن ما يحدث مجرد شفقة لأجل ماضيك كما يحدث معك عادة .

هز له مسلم رأسه وهو يمسك ثيابه بين يديه وقد كان على وشك الذهاب لأخذ حمام دافئ، يحدق في وجه حاتم بعدم فهم، لكنه كان يهز رأسه على أي حال .

_ حسنًا هذا جيد....على ما أعتقد.

صمت وهو يتحرك صوب الباب وحاتم مايزال واقفًا يتابعه بصمت، جعل مسلم يتوقف فجأة وهو يستدير له بفضول :

_ بالمناسبة ما سبب تفكيرك بهذا الشكل فجأة هكذا ؟؟

هز حاتم كتفه ببساطة يجيب بصوت هادئ وكأنه اكتشف ما سيريحه :

_ لأنني أدركت اليوم حينما رأيت نظرتك للفتاة التي جاءت تستغيثك، أن ما تفعله لفتاتك لم يكن شفقة مسلم، للاسف الشديد لها .

رمش مسلم لا يفهم ما قيل منذ ثواني هل كان هذا شيئًا جيدًا، هل لاحظ حاتم ذلك أيضًا ؟؟ 

لكن عقله توقف عند كلمة يهتف بعدم فهم :

_ فتاتي؟؟

_ نعم لا اتذكر اسمها جيدًا، لذا عمدت لذكر شيء يمكنك به معرفة عمن أتحدث ويبدو أنني نجحت فكم فتاة تمتلك أنت ؟؟

_ حاتم هل تمزح ؟! أي فتاة امتلكها ؟؟ هذه الفتاة هي فتاة اساعدها فقط، ربما ليس شفقة لكنني اساعدها ليس لسبب برأسك .

ابتسم له حاتم وهو يقترب منه ينظر لعيونه وكأنه يقتحم دواخله بالكامل :

_ مسلم، للتو أبصرت الفرق بين شفقتك، واهتمامك المستميت بالفتاة، هذه الفتاة وللأسف وصلت لجزء داخلك، لو كانت تعقل لركضت لآخر البلاد منه .

_ حاتم لا تبالغ رجاءً ما تتحدث به ليس كما ....

_ بل انت لا تتجاهل ما يحدث حولك مسلم، أنت تغوص إلى اللارجعة، وهذه الفتاة لو كانت تعقل من الأمور القليل، لهربت منك .

تنفس مسلم بغضب شديد يرفض أن يتحدث عنه حاتم وكأنه حيوان سيتناول الفتاة :

_ حاتم ما الذي تتحدث عنه، هل أنا سييء لهذه الدرجة ؟؟

_ لست سيئًا لهذه الدرجة مسلم، بل أنت أسوأ من هذه الدرجة صديقي، وهذه الفتاة ربما لا تتحملك فتكسرك، هذا ما أخشاه.

نظر له مسلم ثواني قبل أن يتجاهله ويتحرك صوب الباب يفتحه بعنف شديد وقد كان حاتم أصدق من ضميره حينما واجهه بما يركض منه، هو بسواده لن يقدم لفروشكا الكثير، ومهلًا هل يأمل أن يقدم لها من الأساس شيئًا ؟؟

أوقفه حاتم وهو يتحرك خلفه :

_ مسلم أنت تعلم أنني لا أعيب بك، لكن الفتاة لن تتحمل أن تصل لجزء عميق منك، هذه الفتاة وإن وصلت لاعمق مما وصلت له، أنا وأنت نعلم جيدًا، أنها ربما لن تتحمل أحلك أسرارك.

تنفس مسلم وهو يبتسم بسخرية :

_ لا تحمل لها همًا حاتم، فأنا لن أسمح لأحدهم أن يبصر ظلامي .

ومن ثم رحل تاركًا حاتم يقف وهو ينفخ بضيق يتحرك خارج المكان بأكمله، يحتاج التفكير بشكل عقلاني، لن يسمح لمسلم أن يلقي بنفسه في التهلكة، ليس مع أي كان، ما أدراه أن هذه الفتاة ستقدر مسلم الذي يعرفه ؟؟ 

مسلم يستحق أن يحبه أحدهم وكأنه كل ما يملك من الكنوز، وهو قلق أن يغرق صديقه في حب بائس يزيد من ظلامه ووجعه .

_ أنت ازاي تتصل بيا تاني أنت اتجننت ؟؟

توقفت أقدام حاتم حينما سمع صوت هامس يأتي من جزء خلف الشجرة التي تقع امام المنزل، تحرك صوبها ببطء شديد وهو يضيق ما بين حاجبه ليجد نورهان تقف وكأنها تختبئ من الجميع وصوتها بالكاد يخرج منها :

_ اقسم بالله يا عادل لو فكرت أنك تتصل بيا تاني أنا هقول لأخواتي يتصرفوا معاك، احنا خلاص اتطلقنا، يعني ملكش الحق أنك تكلمني .

ختمت حديثها تغلق المكالمة بقوة تتنفس بصوت مرتفع وكأنها كانت تركض لأميال، لتتفاجئ بوجود حاتم .

أطلقت صرخة مرتعبة من الصدمة تتمالك نفسها بصعوبة وهي تهتف بصوت منخفض :

_ حاتم، أنت هنا من امتى ؟!

وحاتم لم يهتم وتجاوز سؤالها نحو ما يريد :

_ لسّه زوجِك السابق بتواصل معك؟ 

رمشت نورهان وهي تحاول فهم حديثه أو سببه على أية حال، تتنحنح بصوت منخفض:

_ هو كان ...

_ ليش بتختبّي؟ وليش ما خبرتي حد بمحاولته يتواصل معك؟
توترت وهي تنظر حولها تحاول الحديث بكلمات جامدة تثبت بها قوة موقفها، تعدل بأصابع مرتجفة حجابها :

_ أنا....مش صغيرة عشان استنى حد يساعدني في موضوع يخصني، وهما مشغولين حاليا مش ناقصين مشاكلي تعطلهم اكتر و...

قاطعها حاتم بغضب من نفسه قبلها، فلماذا يستمر في الدوران حولها وهي ما تزال في عدة رجل آخر، وبينهما أسوار لا يمكنه تخطيها، لكن صوت حقير داخله يبرر ما يفعل بأنها أخت صديقه المقرب .

_  بتمزحي معي؟ بتعتبري ترصّده إلك إشي عادي؟ هالرجل بحاول يتواصل مع زوجته السابقة، يمكن هسه بس مكالمات، وبعدين ممكن يزيد هجومه لإشي أخطر.

نظرت له بعدم فهم من نبرته وقد اشعرها أنها تتعامل مع سفاح وليس عادل زوجها السابق الذي كان يخشى على تشوه ملامح وجهه بخدش ليأتي ويخاطر بنفسه .

_ متقلقش مفيش حاجة يخوف ده عادل عادي .

ابتسم حاتم بسمة واسعة، لكنها لم تكن سعيدة بالمرة، ينظر لها بسخرية، ألم تسمع هذه المرأة يومًا بجرائم الترصد والتي عادة ما كانت تنتهي نهاية ليست بالجيدة أبدًا ؟؟ 

_ هل أنتِ حمقاء ؟؟

اتسعت عيون نورهان بصدمة من كلماته، ليس من إهانته بقدر من صدمتها لتجاوزه الحدود معها بعدما كان يحدثها سابقًا على استحياء وبهدوء .

هل وصفها أحدهم للتو أنها حمقاء والاحدهم لم يكن سوى ...حاتم ؟؟

_ أنت قولت ايه ؟! 

ابتسم لها ولم يهتز لثانية وهو يكررها بنبرة أقوى وأشد:

- تريدين مني إعادة الكلمة مجددًا ؟!

مالت وهي تقترب منه تهمس من أسفل أسنانها وقد رأت أن تحدثه بلغته التي يحتمي خلفها في حالات غضبه وتوتره :

_ فقط إن تجرأت .

_ أنتِ حمقاء ..

ونعم تجرأ ورددها مجددًا دون لحظة تفكير حتى ينظر لها بتحدي، ومن ثم أكمل حديثه بكل بساطة :

_ المرأة التي تستمر في إلقاء نفسها بالتهلكة تحت مسمى أنها تستطيع تدبر امورها، رغم علمها بعكس ذلك، هي أكثر النساء حمقًا عزيزتي .

تنفست نورهان بقوة وقد شعرت أنها تركت له الفرصة أكثر مما يستحق وهذا ما أعطاه فرصة التدخل في حياتها، لذا في ثواني رفعت الهاتف في وجهه تلوح بتهديد وصوت قوي :

_ أنت ملكش الحق تـ

ورنين هاتفها قاطع كلماتها، وقبل حتى التفكير في سحبه صوب عيونها لترى من يتصل بها، كان حاتم يسحب منها الهاتف في ثواني يضعه أمام عيونه يراقب الاسم ليرى اسم والدها لذا أعاد الهاتف لها بكل بساطة وهي تقف تراقبه بصدمة كبيرة لا تفهم ما يحدث معه تهتف بصوت شبه مرتفع :

- أنت مجنون يا ابني أنت ؟!

تشنجت ملامحه وقد ضغطت دون شعور على نقطة كان يحاول تجنبها طوال الوقت :

- ابنك ؟؟

رفعت حاجبها وقد شعرت أنها لمست الوتر الحساس لديه تبتسم بلا اهتمام :

- مسلم قال إنه أكبر منك بتلات سنين ومسلم اكبر مني بسنة، يعني أنا أكبر منك بسنتين .

_ سنتين؟ بتفكري سنتين بخلّوكِ تحضّري ولد قد عمري؟ 

اتسعت عيون نورهان وقد شعرت أنها تتحدث مع شخص آخر غير ذلك الخجول الهادئ البرئ، أما عن حاتم تحدث بجدية :

_ بهالتصرفات إنتِ حتى ما بتوصلي تكوني بنتي الصغيرة.

ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنها، وهي تراقب رحيله بكل بساطة، لا تفهم ما الذي حدث، ولم تستفق سوى على صوت رنين هاتفها مرة ثانية لترفعه أمام عيونها منتفضة على رؤية اسم والدها تجيبه بسرعة تحاول تلاشي غضبه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خرج من المنزل يتحرك بهدوء صوب مكان محدد، لا يبصر أمامه، لا يدري السبب لكنه يشعر في جزء داخله أنها ستكون هناك، يحتاج فقط لرؤيتها ومعرفة أنها بخير ومن ثم سيرحل ببساطة .

هكذا وعد نفسه، نفس الوعد الذي جعل الجميع يقطعونه قبل أن يطئوا أرض الدوم، لكن هو لم يفعل لذا لا لوم عليه .

وصل بعد مسيرة دقائق، صوب الجسر الذي يتوسط البحيرة، يتوقف وهو يراها كما خمن تجلس هناك بهدوء شاردة في المياه أمامها، يراقبها بهدوء قبل أن يهمس بصوت وصل لها :

_ فروشكا .

ابتسمت رايانا بسمة صغيرة وهي تستدير نصف استدارة له، تراقبه يقترب من الجسر حتى وقف في بدايته، يراقبها بهدوء، وهي ابتسمت له بسمة نفس البسمة، لكن الفرق أن هناك دمعة هبطت من عيونها، مسحتها بسرعة، تنظر مجددًا صوب المياه .

تخفي ارتجافة يدها وهي تضمها لصدرها تهمس بصوت خافت خائف:

_ خلي بالك أنت كده بتشاركني مكاني المميز، كل ما الاقي مكان مميز تاخده مني على فكرة .

كانت تتحدث وهي تحاول اخفاء غصة البكاء الخاصة بها، وهو ينظر لظهرها وشعرها يتطاير حولها، يتنفس بصوت شبه مسموع، متألم من نظراتها ووجعها الواضح :

_ مكانك المميز ؟؟ وأنا امتى أخذت مكانك المميز قبل كده ؟؟ 

_ قصر المريدي .

رفع حاجبه بعد فهم وهي استدارت له تردد بصوت مرتجف بعض الشيء وعيون دامعة رغم بسمتها الواسعة :

_ قصر المريدي ده كان مكاني المميز زمان قبل ما اغيره لأسباب اضطرارية واخليه البحيرة .

_ اسباب اضطرارية ؟!

_ عز الدين عرفه وبقى ينطلي كل شوية .

كان رد مباشر منها حول تلك الأسباب، لينتفض جسد مسلم انتفاضة شبه محسوسة وهو يردد بتساءل خافت :

_ عز الدين ؟؟ عمل حاجة ليكِ قبل كده ؟؟

ضحكت ضحكة منخفض وهو اقترب دون شعور منها أكثر وأكثر حتى أصبح خلفها يتحدث بجدية :

_ فروشكا ....

_ عز الدين عمل كل حاجة، متبقاش ليه غير أنه يقتلني .

وهو وبكل تهور تحدث بكل برود وكأن هذا ما ستسير عليه الأمور بشكل طبيعي كشروق الشمس من المشرق مثلًا :

_ هكون أنا قتلته قبلها .

توقف عن الحديث فجأة حين استوعب إلى أي مدى وصل، أما عنها فقد استدارت له تراقبه بهدوء شديد تشرد بملامحه، مسلم كان ومازال مهيبًا لها منذ أول نظرة، تتذكر ركضها خوفًا منه يوم ابصرته في البحيرة اول مرة، الرجل كان يضخ هيبة ورعبًا، وما يزال .

ابتسمت بسمة صغيرة :

_ بتحاول تعمل نفسك أمير ؟؟ مش قولت الأمير مش بيليق عليك ؟!

تجمد من كلماتها يبلل شفتيه وهو يحاول الحديث بكلمات موزونة كي لا يتهور كعادته أمامها، ويقسم بالله أنه في حياته كاملة لم يفعل ويتحدث مع امرأة بهذا الشكل المهين لثباته، حسنًا هو لم يتحدث أو يتعامل يومًا مع امرأة خارج حدود عائلته.

 منذ كان طفلًا كان يخجل من الفتيات، وحينما أصبح شابًا كان يتجنبهم لرغبته في عدم الخوض في تلك العلاقات المعقدة التي لا يرتضيها لنفسه، ومن ثم دخل دوامة لعشر سنوات خرج منها ليبصر أول ما يبصر وجهها، وهذا كان ضربة قاتله لثباته .

_ أنا مش أمير يا فروشكا .

_ مصدقاك .

أجابت بكلمة بسيطة وبسمة صغيرة قبل أن تضيف :

_ مفيش أمير بالشكل المرعب ده، الأمراء كلهم بيكونوا حنينين، وراقيين وهاديين، وبيلبسوا بدل جميلة، وبيرقصوا سلو مع الاميرة بعد ما يقولوا ليهم كلام حلو .

كانت تتحدث بنبرة هائمة واضحة على مرأى ومسمع من مسلم الذي كان يتابعها بملامح شبه متشنجة من أحلامها تلك، وكلما ذكرت كلمة نظر لنفسه وكأنه يبحث عنها به، ليخرج خالي الوفاض دونها .

_ ده الأمير اللي أنتِ عايزاه ؟؟

نظرت له ببسمة صغيرة وترته وجعلته يتراجع رافضًا لأي نوع من الاغراءات من طرفها .

_ مش ده السؤال عامة، السؤال هو هل الأميرة عايزني ؟؟ الأمير بيحتاج أميرة، وأنا زيك عمري ما كنت أميرة، أنا هنا الشريرة في كل قصص أهل القرية، يا راجل ده أنا بنافس ابو رجل مسلوخة على قصص قبل النوم.

صمتت ثواني تنظر للبحيرة بشرود وكأنها تبحث بين قطراتها عن راحة :

_ وكمان، معتقدش إن الأمير يقدر يتعامل مع حياتي بكل اللي فيها، الأمير ميقدرش يتعامل برة قصره، باختصار مش عايزة أمير أنا طموحاتي أبسط من كده، أنا عايزة حياة طبيعية.

تنهدت تنهيدة مرتفعة وهي تقول بمزاح :

_ أهل القرية مش عايزين أمير يقف ليهم، دول عايزين عربجي يدور الضرب فيهم بكرباج .

هز مسلم رأسه ولم يعلق على أمنيتها أو يتحدث بكلمة بها، يراقبها بشرود يبحث داخل نفسه عن السبب .

وحسنًا هو الشيء الأخير إن أراد يمكنه أن يكون " عربجي "  بكرباج يجلدهم واحدًا تلو الآخر، على الأقل هذا سيكون أسهل له من كونه أمير.

زفر يحاول أن يتجاهل كل التفكير في هذا، ويذكر نفسه للمرة المائة بعد المليون بالسبب لكونه هنا بدل التواجد مع عائلته، السبب ليبحث عنها في كل الوجوه، السبب للسعي خلف راحتها، السبب لانتفاضة قلبه حينما تحدثت عن الرجل الذي تبتغيه، وهو لم يكن يومًا باطشًا متجبرًا، لكنه سيسعده أن يكون مع قومها .

وها نحن مجددًا ينحرف صوبها بأفكاره وكأن عقله يميل ناحيتها فتصب أكل أفكاره لجانبها .

فاق من أفكاره على صوتها وهي تهتف : 

_ هو فيه حياة بعد البحيرة دي ؟! تفتكر لو خرجت من هنا هقدر اعيش برة، ولا اللي برة هيكون عالم مصغر لحياتي هنا ؟؟

لم يفهم مسلم ما تتحدث عنه، فقط اقترب منها ببطء يجلس على بعد منها يهز كتفه بهدوء :

_ مش فكرة بعد البحيرة ولا قبلها، فكرة هل هتقدري تبني عالم جديد ليكِ في مكان تاني ولا لا ؟؟

استدارت له تنظر في عيونه تبصر بها نظرة تأمل كانت عيونه وكأنها تبتسم لها، ولشدة يأسها شعرت ببسمة حنونة في نظراته .

_ أنا مكانش عندي عالم هنا عشان ابني غيره برة .

صمتت وهو صمت وأخذ الإثنان يتابعان المياه أسفل اقدامهما يتأملان المكان حولهما بصمت، قبل أن يتحدث مسلم بصوت خافت وكأنه يخشى أن يرتفع صوته فتتلاشى الفقاعة حولهما .

_ لو كان بايدك تبني عالم لنفسك، حابة يكون العالم عامل ازاي مثلا ؟؟

رمشت لا تستوعب ما سمعت منذ ثواني، وحسنًا هي حتى لا تدرك لسؤاله من جواب، فلم يسبق أن فكرت في حياة لها خارج أسوار القرية، بل الأحرى أنها لم تفكر في حياة لها بالمطلق، كانت دنياها تعتمد على النجاة من قومها كل يوم بعقلها وصحتها .

_ هحب إني اعيش في مكان هادئ بعيد عن كل الناس .

_ لوحدك ؟؟

ضحكت ضحكة صغيرة وهي تسايره في الحديث .

_ لو فيه حد هيحبني، أكيد هرحب بيه في عالمي المتواضع .

هز رأسه وصمت لم يخوض في حديثه أكثر معها، قبل أن يتطرق للحديث عن كلامهما المعلق البارحة .

- قولتي أن محدش هيتقدم ليكِ غير عز!! هل هكون وقح لو سألتك هو عمل ايه عشان كده ؟! 

نظرت له بعدم فهم لذلك السؤال وقد كان آخر سؤال تتوقع أن يسأله لها، ولم تعلم أنه سهر الليل بأكمله يبحث عن أي أخبار عن قريتهم قد تظهر بها حقيقة زواجها من عز، لكن كالعادة كانت كل اخبار القرية محذوفة من السجلات وكأنها لم تكن .

_ هو مش عز الدين بس، هو سبب من ضمن اسباب .

_ أسباب ؟!

_ اللي حصل لجوزي الأول بعد كتب الكتاب على طول خوف الكل مني .

ونعم هذه كانت ضربة مرعبة، زواجها الأول ؟؟ وعقد قرآن زواج قبلت به ووافقت عليه ؟

_ جواز ؟؟ كنتِ متجوزة ؟؟ 

_ اممم كنت متجوزة قبل عز الدين بس كل شيء انتهى بعد كتب الكتاب وقبل الفرح بكام يوم .

تنحنح وقد شعر بالصدمة تشل لسانه لكنه جاهد للنطق بصوت خافت :

_  بتتكلمي عن جوزك كأنه مش موجود ؟؟ 

_ هو فعلًا مش موجود، أنا ارمله .

_ الحمدلله .

استدارت له بعدم فهم متشنجة من الكلمة التي خرجت منه دون شعور منه، وهو استوعب وأدرك ما نطق به بعد فوات الأوان، يرفع يده يفرك وجهه يحاول ايجاد مبرر لما قال :

- قصدي يعني، الحمدلله أنه ربنا رحمه .

رفعت حاجبها والبسمة الغير مصدقة ترتسم على فمه، ومسلم شعر أنه شخص جاهل لا يدرك كيف يخرج من هذا الحوار بأقل الخسائر بعدما أفسد الأمور أكثر.

_ مش قصدي يعني بس هو...قصدي إن الموت بيكون رحمة وراحة، وهو ربنا رحمه، وأنتِ ربنا يرزقك بخير منه .

صمت وهو يبتسم يأمل داخله أن تكون كلماته تلك قد خففت وقع حماقته السابقة، يراقبها تنظر الاسفل بخجل ربما.

راقبها بهدوء يبصر اهتزاز جسدها بشكل ملحوظ ليدرك بعد ثواني أنها تضحك .

رفع حاجبه يتحدث بضيق وقد أدرك أن سبب الضحكات لن يكون سواه :

_ بتضحكي على ايه؟؟

وهي ولأول مرة منذ وقت طويل تنفجر في ضحك صاخب وهي ترى نظرات وجهه الحانقة، لا تصدق مقدار السخافة التي نطق بها تردد من بين ضحكاتها بصوت متقطع :

_ أنت....بجد بتتكلم كأنك عمرك ما كلمت ست في حياتك .

نظر لها مسلم بضيق من ضحكتها بهذا الشكل ورغم هذا أجاب ببساطة :

_ باستثناء نساء بيتي، فأنتِ أول ست اكلمها فعلًا .

توقفت رايانا عن الضحك فجأة وهي تنظر له بصدمة وهو لم يفهم سبب صدمتها، لتبتسم بسخرية تبعد عيونها عنه :

- مع إن شكلك يقول أنك مقطع السمكة وديلها.

ابتسم بسخرية أكبر وهو يراقب البحيرة :

_ وأنتِ شكلك يقول أنك مسكينة .

نظرت له بطرف عيونها حانقة وقبل التحدث بكلمة توقفت فجأة وتعثرت أنفاسها في طريقها للخروج وهي تراه يخرج لها من جيبه قطعة شوكولاتة كبيرة يمدها لها .

كان أول شيء يمسكه قبل خروجه، الشوكولاتة التي أحضرها لنورهان لأجل نوبات البكاء، حسنًا فكر أنها ربما تهون عليها لحظات الحزن كما نجحت في ذلك مع نورهان، أوليس كل النساء يحبونها ؟؟

رفعت رايانا عيونها له، وقد تلاشت في ثواني المرأة المتمردة التي ابصرها مرات قليلة، وعادت تلك الفتاة اللطيفة التي وقفت أمامه يومًا تخبره بخجل أن يحضر لها بلورة ثلج .

_ دي ليا؟؟

ابتسم لها بسمة صغيرة وهو يطحن مبادئه أسفل أقدامه، ويحطم كل ما تربى عليه يومًا بعدم الاقتراب من النساء، كل شيء تجاوزه دون شعور لأجلها .

_ بتحبيها ؟!

نظرت لقطعة الشوكولاتة التي يحملها تفكر في الأمر جديًا :

_ أنا.. معرفش، مجربتش قبل كده إني...

صمتت وهو فهم ما تود قوله يتساءل بصدمة :

_ عمرك ما اكلتي شوكولاتة ؟؟ مش موجودة هنا ؟؟ بس يحيى قال فيه سوبر ماركت كبير هنا و...

قاطعته وهي تبتسم بسمة صغيرة :

- موجودة بس عمري ما فكرت أكلها، أو مكانش عندي الوقت أو المزاج اني اخرج واشتري حلويات، عشان كده اتعلمت اعمل حلويات في البيت وأكلها .

ابتسم يغير الأمر قبل أن يجرحها بذكره مجددًا :

_ زي الفروشكا ؟؟

ضحكت ضحكة خافتة تهز رأسها بنعم :

_ حبيت الفروشكا ؟؟

توقف قلبه لثواني وقد شعر بالنبض في كل جزء من جسده، كان سؤال برئ عادي، سينتهي إن هز رأسه بنعم أو لا، لكن هذا السؤال كان يحمل الكثير له .

ابتلع ريقه يهز رأسه ببطء وهو يتجاهل قلبه الذي ينتفض بالداخل :

_ حبيتها .

اتسعت بسمتها وهي تأخذ منه قطعة الشوكولاتة بسرعة وسعادة تضمها لصدرها، نفس ضمتها للبلورة، تنظر له بامتنان وهي تتجهز للرحيل لأجل والدها :

_ المرة الجاية هجيبلك منها، همشي أنا عشان متأخرش .

ختمت كلماتها وهي تتحرك بسرعة بعيدًا عنه ببسمة واسعة، كانت ذاهبة للبحيرة بهموم مثقلة، وغادرتها بروح خفيفة، وخوف بسيط أن يتحطم الأمل مرة ثانية تحت أقدام الواقع .

تاركة خلفها مسلم يراقب أثرها بعيون متسعة وكأنه لا يدرك ما يحيط به، كان فاقدًا لكل إحساس، إلا إحساسه بالألفة التي تتركها بصدره بعد كل حوار بينهما .......

ـــــــــــــــــــــــــــــ

كانت ساعات قضتها متسطحة على فراشها بعد رحيل رايانا، لم تستطع تحريك إصبعها، وقد كانت هذه نكسة أخرى تخوضها مع ذاتها .

تنهدت بصوت مرتفع وضيق حينما ارتفع رنين هاتفها مرات ومرات، تدري أنه صاحب المقهى الذي تؤدي به عروضها، لكنها لم تكن في حالة تسمح لها بالذهاب بعد كل هذا .

تنهدت بصوت مرتفع، وهي تنظر حولها نظراته ضبابية، تفكر في القادم، هل ستقضي حياتها بهذا الشكل، لولا وجود رايانا هنا لكانت تركت المكان بمن فيه وهربت من كوابيسها .

نظرت بطرف عيونها لهاتفها لتحمله بين كفها تقلبه ثواني قبل أن تتحرك أناملها دون إرادة صوب رقمه، تراقبه بهدوء وبسمة ورغبة قوية في الاتصال به، لا تدري لماذا أو لأجل أي هدف، لكنها تريد .

وكعادتها..

ارادته...فعلته .

وبالفعل اتصلت به، تنتظر إجابة من طرفه، وبعد رنات قليلة، سمعت صوته جامدًا وكأنه متحفز للقتال مع أي كان من يتصل به .

_ ألو السلام عليكم ..

وصمت هو ما وصل لأحمد من الطرف الثاني، أبعد الهاتف يحدق به بعدم فهم، ثم أعاده لاذنه مجددًا :

_ الو.

أغمضت ساڤا عيونها قبل أن تتنهد وتبعد الهاتف تغلقه دون كلمة واحدة تلقيه جانبًا، وتصمت بلا هدف، حياتها كلها كانت بلا هدف في الواقع .

تشعر بالوجع ينخر بصدرها، وكل ذكرياتها تعود لها واحدة تلو الاخرى، لمسات وهمسات وشهقات، كل ذلك يدور حولها ....

_ هتروحي بس معاه لغاية ما اخلص شغل مع عمك تمام؟ 

نظرت ساڤا لوالدتها بعدم فهم، قبل أن تعود بنظرها للمراهق جوارها، تنظر له بضيق، ترفض التحرك معه أو اللعب معه :

_ لا أنا حابة اقعد هنا، مش هعمل صوت .

مال الرجل أمامها وهو ينظر لها ببسمة يربت على كتفها بحنان شديد، يخرج من ثوبه قطعة حلوى يصمتها بها :

- طب تاخدي الشوكولاتة دي وتروحي مع حماد تلعبوا سوا لغاية ما نخلص شغل وترجعي ؟؟

وهذه كانت اغراءات لا قبل لها برفضها لذا ابتسمت وهي تهز رأسها بنعم بعد تفكير قصير، تمسك من عمها قطعة الحلوى وتتحرك في منزله الذي لا تعلم سبب قدومها له، تتحرك مع ولده بين الغرف، يستقر معها في البهو كما أمره والده، يتحدث بصوت خافت مبتسم وهو يراها تأكل الحلوى بنهم شديد متجاهلة إياه : 

- تيجي معايا اوضتي افرجك على حاجة ؟!

نظرت له باعتراض، ولم تهتم بالذهاب لرؤية تلك الـ " حاجة" التي يأمل أن تغريها :

- لا ماما قالت مروحش في حتة مع حد .

ابتسم المراهق وهو يقترب منها يبتسم لها بلطف شديد :

_ طب تعرفي إني عندي عصفورة في اوضتي ؟! 

نظرت له بفضول وقد نجح واخيرًا في جذب انتباهها ليكمل بسرعة وعيونه وقد أظلمت بشكل غريب لا يناسب مراهق بالمرة :

_ عصفورة لما بتسقفي ليها بتعمل صوت، تحبي تسقفي للعصفورة يا ساڤا ؟؟

أطلقت ساڤا صرخة باكية وهي تبعد كل تلك الصور عن رأسها تدفن رأسها في الوسادة خلفها تتنفس بصعوبة، ولم تخرج من انهيارها ذلك، إلا عندما سمعت طرقًا قويًا على الباب .

رفعت عيونها والتي كانت حمراء عن الوسادة، تنظر حولها بصعوبة تحاول أن تهدأ.

تتحرك بصعوبة عن الفراش بعدما قررت ألا تتجاهل ذلك الحقير الذي يكاد يحطم الباب على رأسها.

تحركت ببطء وإرهاق وهيئة مبعثرة للباب، وبمجرد أن فتحته أبصرت آخر شخص توقعت أن تبصره على باب منزلها .

ابتسمت المرأة وهي تهتف بنبرة غريبة :

_ شكلي جيت في وقت غير مناسب ولا ايه يا ساڤا ؟!

حاولت ساڤا التماسك وقد رسمت أكثر ملامح لا مبالية باردة على وجهها وهي تهتف بصوت ميت ولم تتزحزح من أمام باب منزلها ولو من باب اللباقة :

_ سُكينة....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اجتمع الكل على الطعام وقد كان الهدوء هو ما يسود المكان قبل أن يتحدث يحيى بفضول :

_ دلوقتي المفروض هنعمل ايه ؟؟ 

نظر أحمد صوب مسلم الذي كان هادئًا بشكل غريب بعدما اتفقوا على مساندة كارا والحصول على المعلومات التي تخفيها :

- معرفش بس اعتقد مسلم عنده فكرة في اللي هيحصل بعد كده ولا ايه يا مسلم ؟؟

ابتسم مسلم وهو يهز رأسه بنعم يوضح لهم ما سيفعله :

_ هنخلص حوار البنت ونعرف ايه اللي مخبيه عز ده وأبوه عشان نعرف الخطوة اللي بعدها، وكمان أنا كلمت محامي كبير في القاهرة عشان يوجهنا للي احنا عايزينه .

صمت الجميع على الطاولة وتحركت العيون صوب أحمد الذي ترك الملعقة الخاصة به يراقب مسلم بتشنج ومسلم يكمل تناول طعامه بهدوء وكأنه لم يستوعب بعد ما يحدث حوله، وفجأة توقف حينما أبصر نظرات الجميع له .

رفع عيونه لهم يتساءل بعدم فهم :

_ ايه ؟! 

عض يحيى شفتيه بقوة كي لا ينفجر في الضحك على ملامح أحمد الذي كان يراقب مسلم بأعين متسعة وكأنه على وشك قتله، نورهان تحرك عيونها بينهم تتجهز لقتال، وعيسى يسحب مقعده بعيدًا عن أحمد يلتصق في حاتم الذي لم يفهم ما يحدث وهو يضيف :

_ لا تشيلوا هم، إحنا سألنا عند المحامي قبل ما نحكي معه، وزيّ ما بقولوا زلمة قدّ حاله وهو الأفضل بهالمجال.

هز مسلم رأسه وهو يوافقه الرأي وقد ظن أنهم قلقون من إدخال غريب للعبتهم، كل ذلك ويحيى يحاول ألا ينفجر في الضحك كي لا يكون ضحية لمفرمة أحمد حينما ينفجر، لكن لكل إنسان طاقة، إذ فلتت منه ضحكات متفرقة قبل أن ينفجر في الضحك بصوت مرتفع ودموعه تسقط من شدة الضحك. 

نورهان تحاول ألا تضحك كي لا تثير غضب أخيها أكثر تدعي انشغالًا بالطعام .

_ بتضحك على ايه مش فاهم ؟!

كان سؤالًا من مسلم الذي تلقى الإجابة من أحمد وهو يقول بسخرية :

_ معرفش والله بيضحك على ايه؟! غريب اوي اخوك ده .

_ سيبك منه هو كده على طول .

ازدادت ضحكات يحيى أكثر حتى أنه سقط عن مقعده ارضًا بقوة، لكنه لم يتوقف عن الضحك، وقد كان الأمر مثير للريبة، ومسلم لم يفهم ما يحدث .

_ يحيى أنت اتجننت ؟؟

ويحيى يحاول التحدث من بين كلماته مشيرًا صوب أحمد، لكنه عجز عن الكلام، يكمل ضحكاته بينما أحمد ابتسم بسخرية على ذاته قبلهم :

_ لا ابدًا بس يحيى مش مصدق أنك خايف على كارنيه النقابة بتاعي لدرجة حابب تخليه متدفي في المحفظة وروحت كلمت محامي تاني غيري .

ويحيى فقط طوال الحوار يزيد من ضحكاته، بينما مسلم اتسعت عيونه بصدمة كبيرة وقد شعر فجأة أنه غفل عن هذه النقطة لندرة تحدث أحمد حولها في العموم .

نظر صوب يحيى والجميع قبل أن يعيد نظراته بصدمة لحاتم الذي تحدث بعدم فهم :

_ أنت محامي ؟

- تخيل يا راجل ؟!

نظر حاتم صوب مسلم الذي مسح وجهه وقد شعر بالغباء، ينظر باعتذار صوب أحمد :

- أحمد أنا نسيت والله، حقك عليا مجاش في بالي خالص مش عارف ازاي ..

وهذه الكلمات لم تزد يحيى سوى ضحكًا، واستطاعت اخراج ضحكات نورهان كذلك وعيسى الذي وضع يده أمام فمه يكتم بها ضحكاته .

أما عن مسلم فتحرك عن مقعده بسرعة وهو يركض صوب أحمد ليراضيه، وفي طريقه رفع قدمه يضرب بها جسد يحيى الممد ارضًا بغضب شديد، ثم اقترب من أحمد يضمه باعتذار :

_ والله نسيت خالص والله مجاش في بالي، حقك عليا هكلم المحامي والغي كل الهبل ده، مفيش حد اساسا هيكون احسن منك، أنت فاهم كل حاجة .

ابتسم أحمد وهو يتقبل اعتذار مسلم ليس لأنه التمس به الصدق، لكن لأنه حتى هو نسي كل ذلك في خضم حياته البائسة هذه .

وحاتم مازال ينظر لهم بعدم فهم، لا يعلم كيف يكون أحمد محامي حتى، هو يليق به طبيب نفسي ربما، أو شرطي .

وفي هذه الأثناء سمع مسلم صوت اشعارات هاتفه ليرفع نظره صوب حاتم الذي امسك الهاتف ينظر له وهو يردد :

_ مسلم، وصلتك رسالة .

ابتعد مسلم عن أحمد مبتسمًا :

_ مين ؟!

رفع حاتم الهاتف أمام عيونه وهو يتناول طعامه بهدوء شديد يقرأ الاسم بتلقائية شديدة قبل أن يتجمد كل شيء حوله في ثواني :

_ مكتوب أنها من جوليـ....

صمت يبتلع ريقه وقد شعر بالطعام يتوقف في حلقه. يتنفس بصعوبة مرددًا بصوت مرتجف :

_ جو....جوليـــان ؟؟؟؟؟

ــــــــــــــــــــــــــ

فكيف أملِكُ قَلبي
والقلبُ رَهنٌ لَدَيْهِ؟

- الحمداني.

تعليقات