رواية ملك بلا ممكلة الفصل الثاني عشر 12 بقلم اسماعيل موسي



رواية ملك بلا ممكلة الفصل الثاني عشر  بقلم اسماعيل موسي  



اندفعت النزالات داخل الحلبة كأن الأرض نفسها قررت أن تفرغ غضبها القديم.

ارتفعت النيران حول الساحة، لا لهبها يحرق ولا دخانها يخنق، لكنها تفضح كل حركة، وتكشف كل ضعف.

تقابل مستذئبان من عشيرتين متناحرتين منذ عقود.

الأول هاجم بعنف أعمى، أنيابه مكشوفة وصدره مفتوح، والثاني تراجع خطوة واحدة فقط، ثم انقض على ساقه، كسر الإيقاع، وأسقطه أرضًا قبل أن يفهم كيف خسر.

لم يُنهِه، تركه ينسحب مكسور الكرامة.

في نزالٍ آخر، ذئبة رمادية صغيرة الحجم واجهت ذكرًا ضخمًا، ضحك الجمهور سخريةً، لكنهم صمتوا حين قفزت أعلى مما تسمح به القوانين، هبطت خلفه، وضربت عنقه بذيلها، حركة قديمة لا يعرفها إلا من قاتل في الحروب الأولى.

سقط الذكر، ومرّت الذئبة دون أن تلتفت.

الدم لم يكن هو اللغة السائدة، بل الهيمنة.

من يصمد أكثر، من يفكر أقل، ومن يقرأ خصمه قبل أن يلمسه.

يامان كان يراقب.

عيناه لا تلمعان، جسده ساكن، كأنه جزء من الظل.

رأى القوة… ورأى التهور… ورأى الغرور الذي يسبق السقوط بثانية واحدة.

وحين حان دوره، لم يعرفه أحد.

دخل الحلبة بهيئة مستذئب عادي، فراؤه داكن بلا علامات، رأسه منخفض، وخطواته محسوبة.

لا اسم… لا عشيرة… فقط رقم.

خصمه كان مقاتلًا صاعدًا، فاز بنزالين بسهولة، والجمهور يهتف باسمه.

هاجمه مباشرة، كما يفعل من اعتاد الانتصار السريع.

يامان لم يتراجع،لم يقفز،لم يهاجم،

تحمّل الضربة الأولى، جسده امتصها كما يمتص الجبل الريح.

وحين اقترب الخصم ليكررها، تحرّك يامان،خطوة جانبية صغيرة… أقرب إلى زلّة،مدّ مخالبه لا ليضرب، بل ليغلق المسار،سقط الخصم على ركبتيه دون أن يدرك السبب

في ثانيتين انتهى كل شيء.

انقلاب هادئ، ضغط محسوب، أنياب توقفت على بُعد شعرة من الرقبة،لم ينهه،انسحب،الهمس بدأ يسري بين القضاة

هذا ليس مبتدئًا،لكن لا أحد استطاع الإمساك بالخيط،خاض يامان نزالًا ثانيًا،خصم أسرع،ونزالًا ثالثًا،خصم أشرس

وفي كل مرة، النتيجة واحدة:

لا جرح قاتل، لا استعراض، فقط خصم مُعطَّل، وذئب يخرج كما دخل،من مكانٍ بعيد، كانت جود تقف بين المقاتلين المنتظرين دورهم،لا تعرف لماذا، لكن شيئًا في صدرها انقبض مع كل نزال لذلك المجهول.

طريقته… صمته… عدم رغبته في الفوز أمام العيون.

وعند غروب الشمس، أعلن القاضي صعود المتأهلين للأدوار الأصعب،اسمٌ بلا عشيرة،رقمٌ بلا تاريخ رفع يامان رأسه قليلًا

المرحلة الأولى انتهت.


دخلت جود الحلبة بلا اسم… بلا راية… وبلا ملامح تدل عليها

فراؤها مغطى بطبقة داكنة من الرماد، ربطت شعرها بإهمالٍ مقصود، وخفّضت رأسها كما يفعل المبتدئون لم تكن تتخفّى خوفًا، بل اختيارًا،هذه المعركة لم تكن للأميرة،خصمها كان معروفًا،ذئب شرس من ذئاب التخوم، قاتل ليحيا ويعيش ليقاتل،جسده مليء بالندوب، إحدى أذنيه مفقودة، وعيناه لا تعرفان التراجع،حين رآها ابتسم، ابتسامة من اعتقد أن النزال هدية،دقّ الطبل،هاجم بلا إنذار،ضربة مستقيمة، وزنها يكفي لإسقاط جذع شجرة،تراجعت جود خطوة، فقط خطوة، وكأنها أخطأت التقدير،تعالت بعض الضحكات

عاد للهجوم، أكثر شراسة، أنيابه تبحث عن اللحم،لكن شيئًا تغيّر،تحرّك جسد جود بسلاسة غير مألوفة، دوران سريع، التفاف حاد، لم تواجه القوة بالقوة، بل تركتها تمر

انزلقت تحت ذراعه، لم تضرب، فقط لمست،اللمسة أربكته

توقف لحظة… لحظة واحدة فقط.

كانت كافية، قفزت،قفزة ليست عالية، بل دقيقة، كأنها محسوبة من قبل،ضربت صدره بكامل وزنها، وأسقطته أرضًا، لكن قبل أن ينهض كانت فوقه،المعركة لم تنتهِ بعد

زمجر، تحرر جزئيًا، وقلب الموقف،تدحرجا معًا، الغبار ارتفع، والنار انعكست على الأنياب،حاول كسر ذراعها، ضغط بكل ما بقي لديه، ابتسمت جود،ليس ابتسامة استهزاء،بل ابتسامة من تذكّر شيئًا قديمًا،حرّرت نفسها بحركة قصيرة، ركزت القوة في نقطة واحدة، وضربت أسفل عنقه، حيث لا تحميه العضلات ولا الغضب،انحبس صوته،جسده خذله،تراجعت خطوة، ثم أخرى،وقفت،الخصم حاول النهوض… فشل.

لم يُهزم لأنّه أضعف، بل لأنه قاتل بعين واحدة.

عين الغضب،رفع القاضي يده معلنًا النهاية،ساد الصمت.

لا تصفيق، لا هتاف،الناس لم تفهم ما شاهدته،لكن بعض المقاتلين تبادلوا النظرات،هذه ليست مبتدئه،من بين الظلال، شدّ يامان قبضته دون أن يشعر،لم يرَ وجهها…

لكنه عرف الأسلوب،وحين غادرت جود الحلبة، رأسها منخفض كما دخلت، شعرت بشيء غريب في صدرها

نشوة قصيرة… أعقبها حنين غير مفهوم،لم تنتصر أميرة الذئاب،انتصرت مقاتلة،امرأة تعرف متى تخفي اسمها،

ومتى تترك القوة تتكلم وحدها


انشقّت الحلبة عن صمتٍ غريب يشبه إدراكًا جماعيًا بأن شيئًا استثنائيًا على وشك الظهور ثم دخل هشمير ولم يُنادى على اسمه ولم يحتج إلى ذلك وبمجرد أن وطأت مخالبه أرض الحلبة انفجر الجمهور بالتصفيق والعواء وارتفعت الصرخات تهتف باسمه كأن الجبال تردد صداه فبعض الذئاب طرقت الأرض وبعضهم ركع وآخرون وقفوا صامتين وقد اتسعت أعينهم لأن الأسطورة حين تحضر لا تُقابل بالضجيج فقط بل بالرهبة

كان هشمير ذئبًا عملاقًا جسده مشغول بندوب الحروب القديمة وفروه قاتم كثيف كأنه شُكّل من ظل المعارك وعيناه ثابتتان لا تبحثان عن إعجاب ولا تفتشان عن خصم بل تنظران للأمام فقط حيث يقف الذئب الآخر

لم يكن الخصم ضعيفًا بل كان بطل أعوام سابقة جسده مشدود وصوته غاضب وزمجر محاولًا فرض هيبته وراهن على ضربة واحدة تحسم كل شيء وما إن دقّ الطبل حتى اندفع بكل قوته بينما هشمير لم يتحرك

وعندما ظن الجميع أن الاصطدام قادم خطا هشمير خطوة جانبية واحدة بحركة صغيرة بالكاد تُرى ثم امتدت يده في هدوء قاتل بلا استعراض ولا صراخ ولا اندفاع

قبضة واحدة أغلقت على الرقبة وضغط محسوب بزاوية دقيقة انهار معها جسد الخصم كأن أوامره سُحبت منه فجأة فسقط على الأرض قبل أن يفهم ما حدث دون أن يُعض أو يُخدش أو يُنهى

رفع هشمير يده وتراجع خطوة وحاول الخصم النهوض لكن ركبتيه خانتاه وحاول الزمجرة فلم يخرج صوت وسادت الحلبة لحظة صمت ثقيل حتى النار التي لا تنطفئ بدت وكأنها خففت لهبها احترامًا

رفع القاضي يده ببطء معلنًا النهاية ثم عاد الصراخ أقوى لكن هذه المرة لم يكن تشجيعًا بل اعترافًا واستدار هشمير وغادر الحلبة كما دخلها بلا تحية ولا نظرة أخيرة لأنه سحق خصمه دون عجلة لا بالقوة وحدها بل بذلك الصمت الواثق صمت من يعرف أن الأسطورة لا تُثبت نفسها بل فقط تكون.

الفصل الثالث عشر من هنا

stories
stories
تعليقات