رواية عهد الدباغ الفصل الثالث عشر 13 بقلم سعاد محمد سلامه


 رواية عهد الدباغ الفصل الثالث عشر 

نظرات العيون أحيانًا ما تفضح صاحبها، وأحيانًا أخرى
تكون أصدق كذبة نحتمي بها…
تُخفي خلف بريقها ما لا نملك شجاعة البوح به،فتبدو ثابتة، بينما القلب خلفها يرتجف،وتبدو واثقة، بينما الروح تتوسل ألا تُقرأ... فالعيون لا تكذب دائمًا،
لكنها تُجيد الصمت حين يكون الاعتراف أثقل من الاحتمال.

هذا ماحدث بين عهد وفاروق، كانت  شاردة لم تنتبه الا حين سمعت نحنحته وجهت نظرها نحوه، نظرات صامته الى أن قطع ذلك الصمت ياسين حين نهض بلهفة طفل قائلًا ببراءة: 
بابا. 

جلس فاروق على ساقيه يستقبله يضمه بحنان بين يديه عيناه مُنصبة على عهد التى مازالت جالسة أرضًا، لا تعلم لما شعرت بذلك الضيق، كأن وجوده أعاد ترتيب مشاعر كانت قد وضعتها بعناية في ركن بعيد... تعلقت عيناها بالمشهد رغمًا عنها؛ ياسين بين ذراعي فاروق، يبتسم بطمأنينة، بينما يدُه الصغيرة تعبث بياقته، وكأن العالم كله اختُزل في ذلك الحضن... 
شيء ما انقبض داخلها…  هل خوف.. 
لا..ولكن ما ذلك الإحساس الغامض،شعورها بأنها تقف دائمًا خطوة خارج الدائرة... 
رفع فاروق بصره إليها أخيرًا، نظرة لم تطل، لكنها كانت كافية لتربك ثباتها... 
لم يقول شيئًا، لم يسأل، فقط نظر…
وتلك كانت المشكلة دائمًا؛
أن صمته يحمل من المعاني ما لا تحتمله الكلمات.. 
أشاحت عهد بوجهها قليلًا، وكأنها تصلح وضع جلستها، لكنها في الحقيقة كانت تهرب من عينيه...
قالت لنفسها بصرامة خافتة:
اهدئي… لا شيء يستحق هذا الاضطراب.

أما فاروق، فكان يشعر بذلك الارتباك ذاته، يرى في عينيها انسحابًا مألوفًا، ذلك الحاجز الذي تبنيه دائمًا بينهما
شد ياسين إليه، قبل رأسه بحنان، ثم تحدث بصوت هادئ كأنه موجه إليها لا للطفل:
وحشتني يا بطل أخبارك إيه 

نبرته عادية…
لكنها كانت محملة ببعض الأحاديث
احاديث اختارت العيون وحدها أن تقوله،
ثم تصمت..لكنها أيضًا لم تبوح...
ترددت لحظة قبل أن تتحرك، كأن الكلمات البسيطة علقت في قدميها أكثر مما ينبغي... 
وضعت كفها على الأرض ونهضت ببطء، تتجنب النظر إليه، بينما كان ياسين قد استقر بهدوء على ساق فاروق، رأسه على صدره كأن النوم باغته فجأة.
اقتربت عهد خطوة، ثم توقفت…
مدت يدها الصغيرة لتعدل خصلات شعر ياسين، ولمست أطراف أصابعها ذراع فاروق دون قصد.
لمسة عابرة… لكنها كانت كافية لتشعل ارتجافة خفيفة في الاثنين... 
سحب فاروق ذراعه بهدوء، ليس ابتعادًا، بل خوفًا من أن يفضحه القرب... 
قال بصوت أخفض:
ياسين نام. 
هزّت رأسها نفيًا، وعيناها معلقتان بوجه الطفل:
لا… بس بيحب يفضل كده... بيعمل كده معايا. 

غص قلبيهما معًا على ذلك الصغير الذي يستمد منهما الإحساس.. 
ساد صمت جديد، لكنه هذه المرة لم يكن ثقيلًا، بل حذرًا… صمت من يخشى أن ينطق فيفسد التوازن الهش... 
تحرك فاروق أخيرًا، وقف حاملًا ياسين بحذر، ثم التفت إليها:
خليني أحطه عالسرير.

أومأت، وتراجعت خطوة لتفسح له الطريق، لكن قبل أن يمر، توقفت خطواته فجأة... 
لم ينظر إليها مباشرة، قال وكأنه يحدث نفسه:
عهد…
التفتت نحوه سريعًا، قلبها يسبق عقلها، وعيناها ترفعان الحصن الذي بنته منذ لحظات.
لكنه صمت…
ابتلع بقية الجملة، وعدل وضع ياسين بين ذراعيه... لكن فجأة نفض ياسين ذلك الإحساس ونهض من ذلك السُبات الكاذب قائلًا ببراءة: 
هي عهد إمتى هتجي تعيش معانا فى بيت جدو محي... هناك عندي ألعاب كتير.. كمان بنات عمي محسن.. هنا أنا ىلعب لوحدي.. وعهد بتعيط وتيتا وجدو توفيق... أنا عاوز ارجع بيت جدو محي. 

شعرت عهد بوخز حاد في صدرها، ليس من كلمات ياسين وحدها، بل من بساطتها القاسية… من تلك الحقيقة التي خرجت بلا ترتيب ولا حذر.
شدت أصابعها في طرف ثوبها، تحاول أن تبتلع الانفعال قبل أن يفضحها صوتها وتتعصب
بينما فاروق، فتجمد مكانه.
لم تكن نظراته إليها انتظارًا لإجابة… كانت نظرة رجل أدرك فجأة أن طفلًا قال ما كان يخشاه هو أن يقوله
خفض بصره إلى ياسين، وربت على ظهره بحنانٍ مضطرب،بينما 
اقتربت عهد خطوة، هذه المرة دون تردد.
انحنت قليلًا لتكون في مستوى ياسين، ابتسمت له ابتسامة دافئة رغم رعشة قلبها، وقالت بنبرة ناعمة تخفي خلفها كثيرًا من الوجع:
يا روحي… أنا بحبك في أي مكان، بيت جدو محي أو هنا… المهم تكون مبسوط.

رفع ياسين عينيه إليها، تأمل وجهها قليلًا كأنه يحاول فهم شيء أكبر من سنه، ثم تمتم:
بس أنا بحب تكوني معانا فى بيت جدو محي.

توترت عهد قائله بمراوغة:
كفاية لعب كده بقي يلا كفاية عندك حضانه بكره..كفاية غياب كده..عشان متتأخرش عن زمايلك.

فهم فاروق من نبرة صوت عهد أنها تضايقت...شعر بغصة قوية،بينما لوهلة بمشاعر طفل أخفض ياسين رأسه وتمدد على الفراش يُغمض عيناه لكن يبدوا أنه حزين...غص قلب عهد وبنفس اللحظة سالت دموعها...نهضت من معهم وخرجت من الغرفة...تختفي مع دموعها،كم تبغض ذلك الـ فاروق فى هذه اللحظة..تتمنى لو أن كُة ما مضى كابوس وسبنتتهي وتعود للحظة أول لقاء لها معه حين أخرجها من المياة وتنسحب بهدوء...
لكن ليس كابوس بل واقع مرير..
فرح..أين هي لأول مرة تشعر بالصياع لا تعلم ماذا تفعل..بل لا تود فعل شيء..كل شيء فقد حيويته ومذاق العلقم اصبح مُلازمً..

كذالك فاروق ربت على كتف ياسين بحنان...يشعر هو الآخر بتوهان 
..لاول مرة يبتعد عن طفله لكل تلك الأيام السابقة...يشعر أنه مُمزق...حياة كانت مُستتبة أصبحت… ولو على حواف الصبر والعِشرة، أصبح يشعر أنه مُمزق.. فجأة حياة رخوة، كأنها فقدت أعمدتها دفعة واحدة... 
ظل فاروق جالسًا إلى جوار ياسين، يربت على كتفه بحركات بطيئة، مترددة، كأنه يخشى أن يوقظه من حزنه لا من نومه... 
تأمل ملامح طفله الصغيرة، تلك الانكماشة الخفيفة حول فمه، والجفن المطبق بإصرار طفلٍ يحاول التماسك… فشعر بطعنةٍ صامتة في صدره.. 
همس لنفسه، لا ليسمعه أحد:
سامحني يا ياسين… أنا كمان تايه.

انسحب من الغرفة بهدوء، أغلق الباب خلفه دون صوت، وكأن أي ضجيج قد يفضح هشاشته... 
في الردهة، لمح طيف عهد يختفي عند نهاية الممر… دموعها كانت أوضح من أن تُرى، كأن الهواء نفسه كان مشبعًا بها.
توقف مكانه...
ود لو يقترب منها لكن تراجع… ليس لأن قلبه لا يريد، بل لأنه يعرف أن الاقتراب الآن قد يكسر ما تبقى من توازنها... 
أما عهد، فاندفعت إلى الداخل، خطواتها غير منتظمة، أنفاسها متلاحقة... 
توقفت أخيرًا عند باب الغرفة الخالية، أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه، ثم انهارت... 
بكت بصمتٍ موجع، كأنها تخجل حتى من دموعها... 
رفعت يدها إلى فمها تكتم شهقة أفلتت منها رغما عنها، وهمست بصوتٍ مرتعش:
ليه كده يا رب 
ليه كل ما أحاول أبعد… تقربني الحياة غصب
مرت أمام عينيها صور متداخلة…
الماء البارد… يده وهي تنتشلها… نظراته الأولى، حين لم يكن بينهما شيء سوى النجاة... 
تمنت لو أن الزمن توقف هناك، عند تلك اللحظة البريئة، قبل أن تتعقد المشاعر، وقبل أن يدخل الفقد بينهما كضيفٍ ثقيل...
لكن الحقيقة صفعتها بقسوة: ليس كابوسًا…
فرح رحلت...
وياسين باقي....
وفاروق…أصبح حاضر أكثر مما تحتمل.
مسحت دموعها بعنف، كأنها تعاقب نفسها على ضعفها، وقالت في سرها بمرارة:
أنا مش قوية… أنا بس متعودة أكمل.

وفي الخارج، وقف فاروق وحده، يسند جبهته إلى الحائط البارد.
أغمض عينيه، زفر بعمق، وشعر لأول مرة أن الرجولة لا تعني الثبات…
بل احتمال التمزق دون أن يراك أحد.
بين غرفةٍ أُغلقت على دموع، وأخرى نام فيها طفل حزين،
وقف فاروق في المنتصف…
لا يعرف أي طريقٍ أقسى،ولا أي صمتٍ أوجع.  
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
صباحً
نهض كنان من خلف طاولة المطبخ يمسح يديه بمحرمة قائلًا: 
الحمد لله شبعت فطار ملوكي. 

ضحكت إجلال قائلة: 
صحة وهنا، لو كنت صحيت بدري شوية كنت فطرت مع أبوك وإخواتك. 

إقترب منها ولوهلة نظر الى خارج المطبخ بترقب ثم عاد ينحني على رأسها... تسألت: 
مالك بتتلفت حواليك كده ليه. 

تبسم وهو يضع قُبلة على رأسها قائلًا: 
بشوف لا الحج محي يشوفني ببوس راسك يدخل يحطني عالجريل... الراجل ده قاسي غيور أوي. 

ضحكت اجلال بغصة قائلة: 
ربنا يفرح قلبك يا حبيبي.. وبعدين ده باباك مفيش فى حنيته..ودي مش غِيره...دي تملُك...بكره تتجوز وتبقي مش عاوز حد يقرب من مراتك.

ضحك كنان قائلًا:
لا أنا هبقي راجل قلبه لين وهين...تصدقي يا ماما...فاروق ومحسن بيبدلوا فى العربيات وأنا جايب عربييتي الجديدة برضوا قسط حتى بابا رفض يدفع المقدمة المرة دي وإضطريت ابيع القديمة وأدفع من تمنها المقدمة وكام قسط..مش عارف اشمعنا البت يارا النكديه غير لها عربيتها وأنا لاء،دي تفرقة عُنصرية... هو انا مش إبنه... بس لاء دا أنا أكتر واحد قريب الشبه له... أها أنا إزاي مكنتش فاهم.. عشان كده هو بيقلق مني عشان أنا شبهه بس أنا على أوسم طبعًا. 

ضحكت اجلال قائلة: 
اختشي يا ولا مفيش فى الدنيا أحلى ولا أغلى من الحج محي الدىاغ... ويلا شوف طريقك وربنا يبارك لك فى عربيتك الجديدة ويكفيك شرها. 

-آمين... جبتها لونها أحمر دم غزال، عشانك يا غزال... فى يوم هاخدك ونطلع نتفسح سوا من ورا الحج محي.. ولما يسألك خرجتي من ورايا ليه.. قولى له 
الحُسين ناداني قومت لبيت الندا يا سي محي.

ضحكت على طريقته الهزليه..صفعته بخفه على كتفه قائلة:
بطل يا واد كلامك ده،الحج محي مش سي السيد.

ضحك قائلًا:
والله ولا يفرق فى معاملته معايا..يلا هسيبك مع إني ما بصدق يصفي لينا الجو بعيد عن غِيرة وتحكمات الحج محي..بس عندي محاضرة..وبعدها هطلع على المصنع أتحنجل للواد محسن يرأف بحالي،ويديني عمولة محترمة أسد بها القسط الأول للعربية الحمرا دم غزال.

ابتسمت له وهو يغادر..عاد الحزن لقلبها مره أخرى وهي تتذكر  حال فاروق وطفله المُشتتان كل منهما بمكان بعيد عن الآخر..تتمني أن يجتمعان مرةً أخري هنا بمنزل الدباغ...والحل ليس سهلًا
لا إنسانيًا ولا عادلًا.. تعلم جيدًا أن الأمنيات وحدها لا تصنع حلولًا... 
فما تفكر فيه الآن ليس سهلًا... 
ليس قرارًا يُتخذ بدافع الشفقة،
ولا تنازلًا يُقدم باسم التضحية.
الحل، إن وُجد،سيُكلف الجميع…
وسيضع إنسانية كل واحد منهم على المحك.
❈-❈-❈
بعد لحظات أثناء قيادة كنان للسيارة بالحارة.. شعر بملل قرر تشغيل المذياع، إنحني قليلًا يقول: 
كله بقى باللمس.. حتى التسجيل بتاع العربية، بس العربية دي مختلفة عن العربية القديمة إمكانيات أعلى وحتى لونها فرايحي كده. 

رفع رأسه لكل فجأة إرتبك وأوقف السيارة بفرملة بسبب ذلك الطائر الكبير ذو العِرف الأحمر الكبير... …المتدلي منه بعض النتوءات... 
ضغط كنان على الفرامل بعصبية، فتوقفت السيارة فجأة، وصدر صوت احتكاكٍ حاد مع الإسفلت، كاد يوقظ الحارة كلها... 
اتسعت عيناه وهو يتأمل أمامه غير مصدق قائلًا 
يا نهار أبيض.. إيه ده. 

كان الطائر واقفًا فوق مقدمة السيارة  ضخمًا على غير المعتاد، عرفه الأحمر يتدلى بغرابة، وجسده منتفش كأنه صاحب المكان لا عابر سبيل.
دجاجة… لا، ديك.
ديك رومي أصيل، كأنه ينظر  له بتحدي  سافر، لا خوف ولا تراجع.

أمسك كنان المقود بقوة، قلبه يدق أسرع من اللازم، ثم زفر وهو يضحك ضحكة متوترة:
ناقص ديك يطلعلي في نص الحارة هو اليوم ده باين من اوله. 

ضغط على تنبيه السيارة مرة خفيفة…
لم يتحرك الديك.
مرة أخرى…
-ولا كأنه سمع... 
مال كنان بجسده نحو باب السيارة وأخرج رأسه من شباك السيارة، يخاطبه كأنه يفهم:
طب لو سمحت إنزل من عالكبوت يا عم… مش ناقصة، وهجيبلك شوية درة فشار  وحرنكش تقزقز فيهم براحتك. 

في تلك اللحظة، خرج صوت نسائي من أحد البيوت توقفت تلهث وهي تنظر الى الديك قائلة  برجاء: 
تعبتني معاك مش شغلانه كل ما تشوف لون أحمر تجري عليه. 

رفع كنان حاجبيه بدهشة، نظر للطائر مرة أخرى، فوجده يخطو خطوة بطيئة، متعمدة، ثم أخرى… وذلك يترك بعض الأثار لخدوش فوق صاج السيارة  اللامع، كأنها توقيع استفزازي لا أكثر.
كذالك بدأ بنقر الزجاج حقًا الزجاج لم يتأثر من ذلك لكن مخالبه كأن الديك يتعمد الاحتكاك بها بصاج السيارة سمع صوت خربشات، والديك كأنه يتفنن بل يتغنج يسير فوق السيارة كأنها ملكه، ينفش ريشه، ويرفع عرفه الأحمر بتحدي صارخ.، بغضب نظر نحو تلك التي توقفت أمام السيارة تفعل بعض الاصوات البزيئة بنظره كأنها تستجدي ذلك الديك حتي 
اشتعل الغضب في عينيه  ضغط على المقود وهو يتمتم: 
عربية جديدة… ولسه طالعة من المعرض… وأنا واقف أتفرج على ديك بيعمل عليها عرض بالية. 

نظر نحو المرأة التي توقفت أمام السيارة تمامًا، تصدر أصواتًا غريبة، بزيئة في نظره،
تصفق مرة، وتصيح مرة أخرى:
هِش… هِش يلا إنزل تعبتني من الجري وراك. 
بنفس اللحظه بغضب ضغط كنان على ذر التنبيه تحدثت الفتاة بنهي: 
يا ابني ما تزمرش، ده يعند أكتر. 

رمقها كنان بنظرة مشدوهة، خليط من الغضب وعدم التصديق وترجل من السيارة بغضب قائلًا:
هو حضرتك شايفة اللي بيحصل ده عادي. 

ردت وهي تحاول جذب الديك من ذيله: ده ديك معاند… ولما بيشوف الأحمر بيعصبه. 

وفي لحظة عبثية كاملة، توقف الديك عن النقر، استدار ببطء، نظر لكنان نظرة جانبية مستفزة،
ثم نزل أخيرًا عن السيارة، تاركًا خلفه خدوشًا صغيرة… تفوهت الفتاة بلهاث:
لو سمحت حلق معايا قبل ما يطير تاني.
نظر لها مُستفسرًا بسخط: 
اأااا أ أيه. 

أجابته ببساطة وبرود ظاهر له: 
حلق معايا... عشان نمسكه... إيه عمرك ما مسكت ديك رومي قبل كده... إنت متعرفش إن اللون الأحمر بيعصبه... يعني.. 

نظر لها بتقييم... شعر بنزق من منظرها العشوائي... منامة منزليه فوقها عباءة سوداء مفتوحه من الامام بالكامل، شعرها مرفوع لأعلى يُشبه تلك الآله التى يستخدمونها لتنضيف الحوائط والأرضيات... مننظرها وحده كفيل بأن يجعله يشعر أنه أمام امرأة بفيلم رُعب تقف وسط الحقل مثل... 
"خيال المآتة" 
هكذا همس بها لنفسه ، بنفس الوقت إقتربت أم صبري بلهاث قائلة: 
مسكتي الديك يا "غزال"

-غزال
أعاد قولها كنان بنزق وحُنق قائلًا: 
قال غزال قال أهو ده الغش بعينه. 

بنفس اللحظة تفوهت غزال: 
لاء يا عمتي لسه. 

-عمتى
أم صبري عمتها... العينة بيينة... 
هكذا يهمس لنفسه، شعر بغضب أكثر بعد ما طار الديك وقف مرة أخرى على مقدمة السيارة... يتفنن بالخربشات وسط تحويط تلك الإثنين على ذلك الطائر العنيد،الذي طار،ولنفس اللحظة بغضب اقترب كنان فسقط بين يديه تفوهت أم صبري:
إوعي يطير منك...يا حلاوة حتى الديوك برضوا شخصيات.

تعصب كنان وهو يقبض على الطائر ونظر لهن بغضب للحظات قبل أن يُفكر وفتح باب السيارة وضع الديك بداخلها ثم نظر اليهن بعد أن إلتمعت أعينهن بظفر، قائلًا: 
الديك خلاص إتصادر هعتبره تعويض تلفيات. 

قال ذلك وصعد للسيارة قادها وتركهن ينظرن له تفوهت غزال: 
ده خد الديك ومشي. 

تننهدت أم صبري قائلة: 
مش مهم أهو إحنا عارفين طريقه بدل ما كان يطير بعيد. 

بينما بالسيارة نظر كنان للديك قائلًا بغضب: 
مبسوط كده بجري خيال المآته وعمتها... تمام... خليك بقى قاعد هادي كده وأوعدك أخليهم فى البيت يعملوا عليك حلة ملوخية وصنية بطاطس... هعمل عليك وليمة قصاد خربشات العربية اللى لسه تمنها مبردش. 
❈-❈-❈
بالنادي
أنهت يارا المباراة بخفةٍ واثقة، رفعت ذقنها قليلًا وهي تبتسم ابتسامة المنتصر الذي لم يتكلف جهدًا يُذكر... 
لم يكن الفوز بسبب مهارةٍ جيدة، بل لأن خصمها تعمد أن ينسحب خطوة بخطوة، يترك لها المساحة لتتوهم التفوق، ويمنح غرورها ما يكفي ليُعميها... 
أما هو…
فلم يكن خاسرًا كما بدا...
كان يراقبها من خلف قناع اللامبالاة، عيناه تلتقطان التفاصيل الصغيرة
طريقة وقوفها، نظرتها المتعالية، ذلك الإحساس الدائم بأنها فوق الجميع... 
هو ليس لاعبًا محترفًا، يعرف ذلك، ولا يهمه أن يعرفه الآخرون…
فهو صياد، والصياد لا يهمه أن يربح الجولة الأولى، بل أن يرسم الخيط... 
انهزم أمام غرورها عن قصد، تركها تظن أنها سحقت ثقته، بينما كان في داخله يبتسم... 
الغرض لم يكن المباراة، ولا حتى الفوز... 
الغرض كان هي…
الابنة الوحيدة لـ«الدباغ».
تابعها وهي تغادر الملعب، تحيط بها نظرات الإعجاب، وكأن العالم صُمم ليصفق لها فقط... 
هز رأسه بخفة، وهمس لنفسه بسخرية هادئة:
أسهل فريسة… اللي فاكرة نفسها مش فريسة.
لكن كم هو غبي.. أو هكذا ظن هي 
غرورها جعلها لا تراه سوى مجرد لاعبٍ هاوٍ،رجُل عابر لن يتجاوز اسمه نتيجة مباراة.. ولم تدرك…
أن بعض الهزائم هي أول اعترافٍ غير معلن بأن اللعبة بدأت للتو.. 

بالفعل… بدأت للتو.
حين تفاجأت يارا بـ نديم يدلف إلى مربع الزجاج بثقةٍ أربكت المكان، خطواته ثابتة ونظرته لا تحمل فضول المتفرج، بل حسم الداخل إلى معركة يعرف سببها جيدًا.
اقترب من المنافس دون استعجال، مدّ يده، انتزع المضرب والطابة في حركة واحدة هادئة لكنها قاطعة، ثم قال بصوتٍ واضح لا يحمل استفزازًا بقدر ما يحمل سيطرة:
كفاية لحد كده… الجولة دي محسوبة.

ساد صمت قصير، نظرات الثلاث تلاقت، والدهشة ارتسمت على وجه يارا قبل غيرها..
التفت نديم إليها أخيرًا، نظرة سريعة، فاحصة، كأنه يضع أول نقطة في معادلة أكبر، ثم أعاد بصره للرجل أمامه وأضاف بنبرة أخفض، أخطر:
اللعبة مش هنا…
واللي أنت بتلعبه مالوش علاقة برياضة.

تصلب الآخر لثانية، ثم تراجع خطوة، ابتسامة جانبية ارتسمت على شفتيه، لا إنكار فيها ولا اعتراض… كأنما اعتُرف به دون أن يُسمى... 
أما يارا، فكانت واقفة بينهما، تشعر لأول مرة أن الملعب لم يعد ملعبها،
وأن المباراة التي ظنت أنها انتهت
كانت مجرد مباراة افتتاحية. 
❈-❈-❈
بأحد المطاعم الفخمة
كان يجلس يتحدث مع أحد العملاء حول إحد الصفقات... يتحدث بصلابة وعملية، توقف عن الحديث حين وقف النادل يضع بعض الأكواب أمامهم ثم إنصرف، كاد يستكمل حديثه لكن صمت للحظات حين وقع بصره على تلك الجالسة خلف إحد الطاولات... كان يبدوا على ملامحها الحُزن.. دقق النظر لم تكُن جالسه وحدها بل هنالك آخر بالمقابل لها، شعر  بضيق غامض يضغط على صدره…
كأن الهواء حوله تبدد  لخانق فجأة... 
ارتفعت زاوية فمه في شبه ابتسامة مُجمدة وهو يُعيد نظره للعميل، لكن عينيه ما زالت تنسحبان نحوها بلا إرادة... 
أبعد نظره سريعًا، التقط كوب الماء أمامه يرفعه لشفتيه يرتشف القليل من المياة، غير مُنتبه لذلك العميل يسأله سؤالًا مباشرًا، لكنه لم يسمع حرفًا... هي
كل ما ينتبه له… يسأل عقله.. من الذي يجلس مقابِلها  يتحدث بارتياح أكبر مما يحتمله قلبه... 
تنفس بعمق، قال بلهجة جامدة وهو يضبط ربطة عنقه:
نكمّل كلامنا… زي ما قلت لحضرتك العرض هيكون جاهز أول الأسبوع. 

لكن حدة نبرته لم تخف ذلك التوتر الغائر… الغيرة الصامتة التي اشتعلت في قلبه بلا استئذان.
ومرة أخرى… غلبه فضوله... 
استدار قليلًا، فقط ليختلس نظرة... 
كانت تميل بجسدها للأمام كأنها تستمع للآخر باهتمام، وعينيها تلمعان… لمعة حُزن.. 
قبض أصابعه أسفل الطاولة، يحاول ضبط ذلك الشعور بالضيق.. 
صدفة … لم يظن أنه سيُختبر بهذا الشكل... 
لكن الحقيقة ضربته كصفعة لم يعُد مُحصنًا من الإنجذاب لها مثلما توهم... 
رغم أنه يحاول الإنصات للعميل…
عقله، قلبه، وكله صار منصبًا عليها… وعلى السؤال المُر الذي ينهشه:
مين الراجل اللي معاها..
مازالت عيناه مُتسمرة عليها رغم أنها شبة صامته كأنها تُصغي للجالس معها 
سريعًا أنهى حديثه مع العميل وإستأذن منه، نهض توجه نحو تلك الطاولة

بينما عهد مازالت تشعر بوجع فُراق أختها الذي مع مرور الأيام يتوغل الحُزن أكثر بقلبها.. لديها فتور ونفور من كل شيء حولها لولا إلحاح ذلك الشخص ما كانت خرجت من تلك الحالة الزاهدة لكل شيء حولها، كل شيء فقد رونقه، حتى هي كأنها فقدت الإحساس، إحساس واحد يضغي عليها وجع ومرارة
الحُزن التي تجعلها  تتمنى لو ماتت هي أولًا... 
تقبُل ذلك الفُراق صعب، بل صعب للغاية وغصبً عليها أن تتقبله بمرارة... أصبحت لا شيء براسها تُفكر فيه، لا زهوة لأي شيء، كأنها فقدت روحها مع رحيل فرح... تسمع عبارات الموساة من ذاك الشخص لكن بداخلها شرخ عميق... عقلها مازال يحاول إستيعاب ما حدث، مجرد أيام فقط، 
ذلك المرض اللعين عاد أخبث وأفتك، بوقت قليل قضي عليها... ليت وليت... والأمنيات ضاعت وضغي عليها ظلام دامس. 

بوسط ذلك البؤس المُتمكن من قلبها كان صوت تعرفه جيدًا... 

بنفس اللحظة وقف فاروق بالمقابل لها قائلًا بصوت خرج خشن: 
مساء الخير. 

ظلت عيناه مُتمركزة عليها، بينما هي رفعت عينيها تنظر له، شعور واحد فقط تشعر به نحوه
"الكراهية" 
أجل الكراهية تُسيطر عليها نحوه، وشعور ليس بجديد نحوه، نظرة عينيها بها لومً واضح، بل إتهام مباشر... 
-لما لم تهتم بها. 

والجواب من عينيه: 
من قال لكِ ذلك، لا تأخذي بالمظاهر، هنالك حقيقة لا تعلمينها. 

أخفضت عينيها لا تريد النظر إليه، بينما الشخص الجالس نظر لـ فاروق بنفور على أنه شخصً متطفل.. زاد ذلك النفور حين تحدث فاروق مره أخرى بنبرة أهدأ: 
إزيك يا عهد. 

بداخلها تهكمت بسخرية موجعة... ولم ترد...ولم ترفع وجهها بالنظر إليه... غص قلبه من ذلك التجاهل.. زفر نفسه، بنفس الوقت تحدث الجالس ببُغض: 
مين حضرتك.  

جملة كفيلة جعلته يعلم سبب صمت  ونظرات عهد. 
-فاروق الدباغ. 

تمعن النظر له، هو ذو هيبه واضحة.. ضجر فاروق من صمت عهد، لكن تجرأ وإنحني يقبض بيده فوق مِعصم عهد قائلًا بنبرة شبه جامدة: 
عهد ممكن  نتكلم شوية. 

لولا قبضة يده على مِعصمها لكانت رفضت ذلك، كذالك ضيقها من الشخص الآخر بالفعل نهضت مع فاروق بعدما ودعت الآخر... 
لحظات وقف الإثنين أمام سيارة فاروق... جذبت عهد يدها من قبضته بقوة قائلة: 
خير عاوز إيه. 

أجابها بسؤال: 
مين اللى كنتِ قاعدة معاه ده. 

أجابته بتعسُف: 
وإنت مالك، أقعد مع اللى أي حد أنا حره مكنتش ولي أمري. 

قالت ذلك وكادت تبتعد عنه لكنه قبض مره أخري على معصمها قائلًا: 
خليني أوصلك. 

-لاء... أنا جايه فى تاكسي هطلب أوبر، وفر خدماتك. 

إبتلع حديثها تنهد بقوة قائلًا: 
عهد من فضلك ممكن نتكلم بهدوء. 

-مفيش بينا كلام، اللى كان كل هدفك إنها تبعد عني وتكرهني خلاص... 

توقفت تسيل دموعها كأن عقلها مازال يرفض رحيل فرح ، غص قلبه ود لو يحتضنها، بالفعل إقترب وضع يديه فوق عضديها قائلًا: 
عهد بلاش عِناد  أرجوكِ... 

تهكمت عهد وهي تنفض يديه عنها قائلة: 
أنا بكرهك يا فاروق ومتأكدة ده شعور متبادل منك إنت كمان. 

نظر لها يشعر  وكأن الكلمات صفعت روحه قبل وجهه…
لم يتوقع يومًا أن يسمع منها "أنا بكرهك" هكذا صريحة،  دون أي تلطيف…
كأنها خيط أخير انقطع بينهما، ومعه انهار شيء داخله لم يعرف وجوده إلا حين فُقد.
تراجع خطوة، ليس خوفًا… لكن محاولة للثبات، لصون ما تبقى من كبريائه أمام انكسارها... 
تنفّس ببطء، نظر لوجهها الشاحب وعينيها المتورمتين من البكاء، ورغم حدة صوتها…
رأى خلفها طفلة موجوعة تبحث عن حضن تُلقي وجعها عليه 

تحدث بصوت منخفض متحشرج، كأنه يحارب ارتعاشة داخله:
لا… إنتِ غلطانة.
أنا عمري ما كرهتك… ولا هكرهك.

رفعت عينها له لحظة، نظرة مشوشة بين غضب ووجع ...بينما  هو يهمس لنفسه بمرارة:
لو تعرفي الحقيقة… يمكن كنتِ هتسامحيني… أو على الأقل هتفهميني.

حاول أن يمد يده كي يمسح دموعها لكن هي تراجعت خطوة، وكأن لمسته حريق لا يُحتمل.

صمت ثقيل للحظات…
شارع يضج بالحياة حولهما بينما هما واقفان كأن العالم كله توقف...لحظات ونفضت يديه وإستدارت تبتعد عنه.. 
راقبها وهي تستدير لتغادر، خطواتها متعثرة لكنها مُصرة…
كأنها تهرب من شيء داخلها لا منه هو.

وقف هو ثابتًا، لا يلحق بها، لا ينطق اسمها…
فقط يراقب ظهرها يبتعد، وكل خطوة منها كأنها تنتزع جزءًا من قلبه.... 
لكن شيء فيه تمرد على النهاية…
فتح باب سيارته، استند بكفه فوق السقف وكأنه يوازن قرارًا ثقيلًا... ووعد يقطعه على نفسه
لن تكون تلك آخر مرة يقف فيها أمامها... 
ولا آخر كلمة بينهما.... 
المواجهة بينهما بدأت للتو... ولن ينتظر أن يأتي آخر يخطفها من أمامه مرة أخرى. 
❈-❈-❈
بشقة والد عهد… بعد وقتٍ ليس بالقصير.
دلفت عهد بهدوء، أغلقت الباب خلفها دون أن تُصدر صوتًا يُذكر... 
تسلل إلى أذنها همس قادم من غرفة الضيوف، لم يعُد لديها فضول،  يدفعها للاستطلاع…
فهي لم تعد تملك رفاهية الفضول... 
كانت على وشك أن تنحرف بخطواتها نحو غرفة ياسين، عل المكوث معه يخفف قليلًا من قسوة ما يجثم فوق صدرها، أن يمنحها مهربًا بريئًا من كل ما لا تعرف كيف تواجهه... 
لكنها توقفت فجأة... 
ذلك الصوت…واضح أكثر مما ينبغي همست: 
فاروق.
انعقد حاجباها بدهشة خفيفة، وتباطأت خطواتها دون أن تشعر يسأل عقلها: 
كيف وصل قبلها هي التي غادرت وتركته أمام ذلك المطعم. 

مر خاطر سريع بعقلها، ثم تذكرت الصندوق الصغير الذي في يدها، ضغطت عليه أصابعها لا شعوريًا... 
لعبة أطفال… بسيطة، ملونة، اشتراتها لـ ياسين دون تفكير، كأنها كانت تحاول أن تشتري لنفسها لحظة هدوء مؤجلة... 
هذا ما آخرها…
هذا ما جعلها تصل بعده... لكن لماذا آتى الآن. 
تقدمت خطوة أخرى، لا تزال واقفة في الردهة، تستمع للصوت من بعيد، نبرته هادئة، مألوفة، لكن وجوده هنا، في هذا التوقيت، أربكها على نحو غير متوقع.. 
زفرت ببطء، وكأنها تستجمع شجاعتها قبل مواجهة لم تخطط لها،
ثم همست لنفسها، وهي تشد على الصندوق أكثر:
شكلي إتأخرت على ما رجعت. 

وبقيت مكانها لحظة، معلقة بين الرغبة في الهروب،والإحساس بأن  هنالك ما ينتظرها خلف ذلك الممر الصغير
قد لا يقبل التأجيل.. لمعرفته بالفعل ذهبت نحو غرفة الضيوف.. 
تفاجئت بوالدتها تبكي والدها هو الآخر وجهه مُتجهم وحزين... 
نظرت  نحو فاروق شعرت بالضيق تحول الى غضب سحيق حين تفوه والدها بأسى: 
فاروق جاي عشان ياخد ياسين معاه لبيت الدباغ

تعليقات