رواية عشق ودموع الفصل الثامن عشر 18 بقلم سوسو أحمد


رواية عشق ودموع الفصل الثامن عشر  بقلم سوسو أحمد 

حين تصبح كلمة “بابا” بيتًا
كان البيت هادئًا تلك الليلة.
ليس هدوء الفراغ…
بل هدوء الامتلاء.
يوسف دخل بعد يوم طويل من الشغل.
خلع سترته ببطء، مرّر يده على عنقه، وكأن التعب أثقل من الجسد نفسه.
مريم كانت في المطبخ، تتابع بعينها حركة الأطفال في الصالة، دون أن تتدخل.
تعلمت أن تترك الأشياء تأخذ وقتها.
اقترب يوسف من سيف وجنات، انحنى قليلًا وقال بابتسامة متعبة:
— يلا يا أبطال… معاد النوم.
لم يعترض أحد.
لا تذمّر،
لا مقاومة.
وكأن الطمأنينة حين تدخل القلب… تجعل النوم سهلًا.
دخل غرفهم، غطاهم واحدًا واحدًا.
سيف شد الغطا على نفسه،
جنات قربت دميتها من صدرها.
يوسف همس:
— تصبحوا على خير.
وقبل أن يغلق الباب…
سمعها.
صوت خافت، لكنه واضح.
دافي…
صادق.
— بابا…
تجمّد في مكانه.
التفت ببطء، قلبه سبق جسده.
قال وهو يبتسم بتعب مصطنع:
— هو أنا سمعت كلمة كده؟
ولا ودني خانتني؟
شكلي مرهق زيادة عن اللزوم.
ضحك بخفة، وكأنه ينكر على نفسه قبل أي أحد.
— أنا طالع أنام شوية.
خرج، ومشى ناحية السلم.
وهو يطلع أول درجة…
جاءه الصوت مرة تانية، أقوى، أوضح، بلا تردّد:
— بابا… استنى.
وقف.
التفت.
جنات كانت واقفة عند باب أوضتها، شعرها مبعثر، عيونها لامعة.
— نعم يا نبض قلب بابا؟
قالها بعفوية، كأن الكلمة كانت موجودة داخله من زمان وتستنى لحظة خروجها.
ضحكت جنات وركضت عليه، حضنته بقوة:
— بابا يوسف.
تجمدت مريم مكانها.
عينها دمعت، لكن الابتسامة سبقتها.
لا ضغط…
لا توجيه…
الكلمة خرجت وحدها.
قالت مريم بمرح وهي تقترب:
— نعمين يا أستاذ يوسف؟
نبض قلبك بيناديك.
نظر لها يوسف وهو يضحك:
— لا يا ستي…
نبض قلبي اللي ما بيتغيرش من سنين هو انتي.
رفعت جنات حاجبها وقالت بغيظ طفولي:
— لا لا…
أنا النبض المتغير،
وممكن آخده منك كمان.
مع السلامة.
انفجرت مريم ضحكًا:
— ههههه 😂
استلم بقى يا أستاذ يوسف…
نبض قلبك هيقيم عليك الحد.
مسح يوسف على شعر جنات، قلبه كان يفيض بشيء يشبه الامتنان:
— شكلي حطّيت نفسي في حُبّ ما يعلم بيه إلا ربنا.عشق زوجتي وشريكه عمري وعشق ابنتي الجميله جيجي الاثنين هيغيروا عليه ويبداءو يتخنقوا عليه وعلي حبي وحناني كل واحدة عايزة تاخد حناني بطريقتها
اطمنوا انا بحب كل واحدة بطريقة مختلقه انت يامريم زوجتي وشريكه عمري وعشق سنيني وايامي وانتي ياجيجي وخده حته من عمري حتي لو مكنتش ابوكي الفعلي اللي جابك الدنيا
في تلك اللحظة، خرج سيف من الغرفة، قال بحماس:
— بابي! وبعد دقيقه طلع مؤيد وغزل ياسلام ياسي بابي بقت كل حياتك جنات وسيف وانا وميمو روحنا فين من الدلع ده كلو اتنسينا
قال لا أبداً انتوا كلكو نبض واحد وشي واحد مش بحب حد وفضله علي حد كلكو نبض عمري مش عايز بينكم غيره وكره حبوا بعض انتوا اخوات وحياتكم واحده
التفت يوسف فورًا:بحنان اب بيخاف علي اولاده وبيحميهم
رد— نعم يا سيف؟ قلب بابي
سيف بفرحه وحب — أنا وجنات عايزين نروح الملاهي… مدينة الألعاب.
ضحك يوسف وقال وهو يتظاهر بالجدية:
— طب استنوني بس أطلع أنام ساعة،
ونطلع كلنا بالليل نتفسّح ونتسلّى.
— تمام!
سيف— أوكي بابي! بحبك يااحسن واحن اب في الدنيا
جنات— بحبك يا جو!
ضحك يوسف من قلبه لأول مرة منذ زمن.
رد يوسف وهو يغادر الصالون بي بتسامه حب لي اولاده وانا بحبكم ياونسي وسندي وعزوتي في الدنيا احباتي
انهي يوسف حديثه مع اولاده
طلع السلم، وهو سامع ضحك الأطفال ومرحهم.
وقبل ما يدخل أوضته، سمع صوتهم من الصالة:
— بابي بنحبك!
— هيهيهي!
وقف لحظة.
غمّض عينيه.
تنفّس بعمق.
لم يكن يحتاج أكثر من هذا.
لا اعترافات…
لا وعود.
كلمة واحدة كانت كفاية.
كلمة خرجت برضا…
ومن غير خوف.
دخل غرفته، نام أخيرًا وقلبه مطمئن.
لأول مرة،
لم يشعر أنه يعوّض غياب أحد…
بل يبني حضورًا.
وفي الخارج،
كانت مريم تقف تراقب المشهد،
وتهمس لنفسها:
الحمد لله…
البيت بقى بيت.
لم تُغلق مريم النور فورًا.
وقفت قليلًا عند باب الغرفة، تنظر إلى يوسف وهو مستلقٍ على السرير، أنفاسه منتظمة، ملامحه أخيرًا مرتاحة.
ابتسمت بهدوء، وأغلقت الباب خلفها دون صوت.
عادت للصالة.
البيت كان ساكنًا…
لكن السكون هذه المرة لم يكن فراغًا، بل حياة نامت مبكرًا.
جلست على الأريكة، ضمّت ركبتيها إلى صدرها، وراحت تستعيد المشهد.
كلمة واحدة…
“بابا”.
كم احتاجت هذه الكلمة وقتًا لتُقال؟
وكم بابًا كان لازمًا يُغلق، علشان تُفتح؟
فلاش باك
ليالي طويلة،
كانت مريم تقف خلف باب غرفة الأطفال، تسمع أنفاسهم وهم نائمون،
وتسأل نفسها:
هو الأمان بييجي إمتى؟
وهل ممكن طفل يحب من غير خوف؟
عاد الحاضر.
ابتسمت.
الأمان لم يأتِ فجأة…
لكنه جاء أخيرًا.
في الصباح التالي، استيقظ البيت على ضحكات مبعثرة.
غزل ومؤيد كانوا يجهزوا شنطهم،
سيف وجنات بيتخانقوا على قناة الكرتون.
خرج يوسف من غرفته، شعره مبعثر، صوته ما زال مبحوحًا:
— صباح الخير يا عالم.
ردّوا عليه في وقت واحد:
— صباح النور يا بابي!
توقف في مكانه.
ضحك وهو يرفع يديه باستسلام:
— خلاص…
كده رسمي.
مريم ناولته كوب القهوة، نظرت له بنظرة فهم.
قالت بهمس:
— شُفت؟
الحب لما يكون صادق…
بيعرف طريقه لوحده.
هزّ رأسه، وقال بهدوء:
— وأنا كنت فاكر نفسي لازم أعمل كتير…
طلع المطلوب بس أكون موجود.
اقتربت جنات منه، مسكت يده:
— بابا، ما تنساش وعدك.
مدينة الألعاب.
ضحك سيف:
— وإنت قولت كلنا!
قال يوسف وهو يربت على رأسيهما:
— وعد…
وأنا ما بخلفش.
في تلك اللحظة، شعر يوسف بشيء دافئ يستقر في صدره.
لم يكن خوفًا من الفقد…
ولا قلقًا من الماضي.
كان شعور رجل وجد مكانه أخيرًا.
نظر إلى مريم،
وجد في عينيها نفس الإحساس.
قالت له دون صوت تقريبًا:
إحنا تمام.
وهكذا،
لم تنتهِي القصة عند كلمة “بابا”…
بل بدأت منها.
اقترب يوسف من النافذة، فتحها قليلًا.
هواء الصباح دخل خفيف، شال معاه بقايا تعب سنين.
وقف يتأمل الشارع، الناس رايحة جاية،
وحس لأول مرة إن عنده مكان يرجع له…
مش مجرد عنوان.
مريم كانت تقف خلفه،
لم تلمسه،
لم تتكلم،
اكتفت بوجودها.
وأحيانًا…
الوجود وحده بيكون أصدق من ألف كلمة.
قال يوسف بصوت واطي، كأنه بيكلم نفسه:
— عمري ما تخيلت إن البيت ممكن يبقى إحساس…
مش جدران.
ردت مريم بهدوء:
— عشان كده استنيت.
البيوت اللي بتتكون بالعافية… بتقع بسرعة.
إنما اللي بتتبني بالحب…
بتعيش.
لفّ يوسف، نظر لها،
وفي عينيه شكر ما اتقالش.
قرب منها خطوة،
وقال ببساطة:
— أنا هنا.
ومش ناوي أمشي.
ابتسمت مريم.
ولا مرة كانت الابتسامة دي سهلة.
لكنها كانت حقيقية.
ومن خلفهم،
ضحك الأطفال كان بيرسم شكل المستقبل…
من غير خوف،
ولا نقص.
لم ينتهِي الليل وحلي الصباح عند القهوة والضحكات.
كان كأنه يفتح صفحة جديدة في عمر البيت.
بعد الإفطار، جلست مريم تجمع الأطباق، بينما كان يوسف يساعد الأطفال في ارتداء ملابسهم.
لم يكن معتادًا على هذا الدور من قبل، لكنه لم يشعر بالغربة.
العكس…
شعر أنه تأخر كثيرًا على هذه اللحظة.
— بابا، الحذاء ده بيقرصني.
قالها سيف وهو يعبس.
انحنى يوسف فورًا، جلس على ركبتيه، وعدّل الحذاء بيديه: — كده أحسن؟ — أحسن قوي.
قالها سيف ثم أضاف بحماس: — إنت شاطر يا بابي.
ضحك يوسف، ورفع رأسه ناحية مريم: — هو أنا كده نجحت في الاختبار ولا لسه؟
ابتسمت مريم وهي تجفف يديها: — الامتحان الحقيقي لسه قدّام…
بس النتيجة مبشّرة.
خرجوا جميعًا.
البيت أغلق بابه خلفهم، لكنه لم يشعر بالفراغ.
كأن الجدران نفسها كانت تحفظ الضحك داخله.
في السيارة، جلست جنات بجانب يوسف، تراقبه من حين لآخر، وكأنها تتأكد أنه ما زال موجودًا.
لاحظ نظراتها، فقال بلطف: — مالك يا جنات؟ — مفيش…
بس خايفة أصحى ألاقيك حلم.
توقف يوسف لحظة عن القيادة، نظر لها بعينين صادقتين: — لا يا حبيبتي…
أنا مش حلم.
وأنا هنا علشان أفضل.
وضعت يدها الصغيرة على يده: — خلاص… أنا مصدّقاك.
مريم أغمضت عينيها للحظة.
الدعاء اللي كانت بتقوله سنين، من غير صوت…
كان بيتحقق بهدوء.
في مدينة الألعاب، كان الضحك أعلى من أي صوت.
يوسف ركض خلف الأطفال، ضحك، صرخ، خسر توازنه أكثر من مرة.
لم يهتم.
كان يعيش.
مريم جلست تراقبهم من بعيد.
لم تشاركهم الركض، لكنها شاركتهم الطمأنينة.
كانت تعلم أن بعض الأحلام لا تأتي صاخبة…
بل تمشي بهدوء، وتجلس في القلب.
اقترب منها يوسف لاحقًا، يحمل غزل ومؤيد بين ذراعيه: — بصّي…
أنا تعبت… بس مبسوط.
نظرت له وقالت بصراحة لم تعتد عليها: — أنا عمري ما شفتك كده.
— ولا أنا عمري شفت نفسي كده.
قالها وهو يبتسم.
مع غروب الشمس، عادوا إلى البيت.
التعب كان جميلًا هذه المرة.
في المساء، بعد أن نام الأطفال، جلس يوسف ومريم في الصالة.
لا تلفاز.
لا موسيقى.
فقط صمت مريح.
قال يوسف فجأة: — مريم…
أنا عارف إن الطريق مش سهل، وإن اللي فات مش قليل.
لم تقاطعه.
— بس أنا عايزك تعرفي حاجة…
أنا مش داخل حياتكم علشان أملأ فراغ.
أنا داخل علشان أكون ثابت.
نظرت له طويلًا، ثم قالت بهدوء ناضج: — الثبات ده…
أغلى من أي وعود.
ابتسم يوسف: — يبقى خلينا نكمّل بهدوء.
من غير استعجال.
هزّت رأسها موافقة: — البيت ده اتبنى خطوة خطوة…
وأنا مش مستعدة أهدّه تاني.
سكتا قليلًا.
ثم جاء الصوت من الغرفة: — بابا…
أنا عطشانة.
نهض يوسف فورًا: — حاضر يا روحي.
وقبل أن يبتعد، نظرت له مريم وقالت: — يوسف…
التفت: — نعم؟
— شكرًا…
على إنك اخترت تكون هنا.
لم يقل شيئًا.
اكتفى بابتسامة،
ومضى.
وفي تلك الليلة،
نام البيت كله مطمئنًا.
لا أشباح ماضٍ،
ولا خوف من الغد.
فبعض البيوت…
لا تُبنى بالطوب،
بل بكلمة صادقة،
وحضور لا يهرب.
وحين تُقال كلمة
“بابا”
من قلب آمن…
تصبح الحياة،
أخف.
وأصدق.
وأجمل.
ختام الفصل الثامن عشر:
أحيانًا، لا نحتاج بيتًا أكبر…
نحتاج قلبًا يقول لنا:
تعالى… ده مكانك. 🤍

stories
stories
تعليقات