رواية بين الحب والانتقام الفصل الثامن عشر بقلم نور الهادي
كانت منى قاعدة في أوضتها ساكتة.
جرس الباب رن، قامت تفتح بلهفة زي طفلة، لكنها لقت الست راوية، مش علي… أخوها اللي نسيَت إنه مش هيرجع دلوقتي.
قالت راوية بابتسامة:
— جيبالك العشا يا حبيبتي.
هزّت منى راسها ووسّعت لها تدخل تحط الأكل.
قالت راوية وهي بتبص لها:
— شكلك هادية… ودي مش عادتك. أكيد زعلانة عشان أخوكي مش هنا؟
هزّت منى راسها، وبعدين ابتسمت بثقة طفولية:
— علي جاي… مش هيتأخر.
ابتسمت راوية بحنية:
— يرجع بالسلامة.
وهي خارجة قالت منى:
— رايحة فين يا طنط راوية؟
ردّت راوية:
— في طلبات ناقصة في البيت، رايحة أجيبها… على ما عمّك جمال ييجي.
سكتت منى، وراوية مشيت.
قعدت منى تاكل، لأنها كانت فعلًا جعانة، وخافت تشغل النار فتسمع صوت علي وهو بيعنّفها زي دايمًا.
وهي بتاكل، لمحت محفظة… محفظة راوية، كانت سايباها على الترابيزة.
اتلخبطت منى، وقامت ماسكاها، ولسه ريحة الأكل في إيديها.
افتكرت إنها رايحة تشتري حاجات، فابتسمت وقالت لنفسها:
طنط راوية تزعل
مسكتها وخرجت من البيت، وسيبت الباب مفتوح.
راحت للبيت اللي جنبهم، رنّت الجرس… مفيش رد.
كانت ست معدّية شافتها وقالت:
— مفيش حد في البيت يا بنتي.
بصّت لها منى وقالت:
— طنط راوية؟
قالت الست:
— راوية؟ آه… في آخر الشارع العام عند البقالة.
مشت الست، ومنى مشيت في الاتجاه اللي قالت عليه، ماسكة المحفظة بإيديها الاتنين كأنها كنز.
الشارع كان طويل، وصوت العربيات عالي، والضوضاء بدأت توجع ودانها… لأنها خرجت من عالمها الصغير الآمن، وبعدت عن المكان اللي علي دايمًا بيبقى فيه جنبها.
وهي ماشية، كرة اتحدفت ناحيتها.
رفعت عينها لقت شوية أطفال صغيرين بيلعبوا، بيشاوروا لها بابتسامة خجولة.
— ممكن تحدفيها؟
منّى بصّت للكورة،انحنت خدتها بلهفة…
هي من زمان ما لعبتش مع حد، من وقت ما علي منعها تقرب من الناس،
لأنهم كانو بيجرحوها.
رمت الكورة ليهم، صفّقوا لها، والفرحة نورت وشّ منى…
هي بتميل دايمًا للبراءة دي، للحظة اللي تحس فيها إنها مقبولة ومش مختلفة.
فجأة نور قوي خطف عينها.
لفّت تشوف… عربية ماشية بسرعة مرعبة، صوتها عالي وزعيقها بيشق الشارع.
رجعت خطوة لورا، ولسه بتحاول تبعد…
العربية كانت هتدوسها.
فرملت في آخر لحظة، لكن منى وقعت على الأرض.
سمعت ضحكات طالعة من جوه العربية.
واحد طلّع راسه من الشباك وقال بقلق:
— محصلهاش حاجة… كمل، يلا، بسواقتك دي هناخد غرامات بالهبل.
العربية اتحركت ومشيوا، ولا كأن في بنت وقعت قدامهم.
منى زمت شفايفها.
قامت، إيديها بترتعش، خدت حجر من الأرض… ورمته على العربية.
العربية وقفت.
منى ما خافتش…
مش لأنها شجاعة،
لكن لأنها مش فاهمة شر العالم.
العربية رجعت لورا.
وفجأة…
دواسة البنزين انقضت عليها.
خافت…
وكان خلاص هيدهسها،
لكن العربية لفّت في آخر لحظة، ومنى وقعت على الأرض تاني.
العربية ركنت.حركه متعمده عشان تخوفها
باب العربية اتفتح، ونزل شاب في حدود سبعتاشر سنة،
طويل، ملامحه وسيمة، لبسه باين عليه إنه ابن ناس غنيّة.
نزل وراه تلاتة من صحابه.
واحد فيهم قال وهو بيضحك:
— نزلت ليه يلا؟ عندنا سهرة بدل مدرسة بكرة.
الشاب مشي ناحية منى.
هي كانت بتقوم، مش رافعة عينيها.
ركع قدامها، على ركبته، وبص لوشها اللي عينه مش ثابتة على حد.
قال بهدوء فيه نبرة غريبة:
— خوفتِ؟ الحركة الشجاعة دي مش هتنفعك لو ناس مؤذية زي دول.
صحابه ضحكوا.
منى حاولت تقوم، رجليها خانتها، وقعت تاني.
ضحكهم عليها زاد.
بصّت لهم بخوف وبغض.
الشاب ركز أكتر في عينيها، في حركتها الغريبة، في ارتباكها.
قالت منى بصوت مهزوز لكنه متحدّي:
— لو… لو ممشيتوش… هقول للشرطة.
ضحك واحد وقال بسخرية:
— إلحق، بتقول شرطة!
قال التاني وهو يهز راسه:
— دي شكل الوقعة أثرت عليها… يلا يا عم.
الشاب اللي كان قدام منى فضل ثابت،
باصص لها بنظرة فاحصة.
قال بهدوء:
— فين بيتك
منى ما ردتش.
قرب أكتر، بص في عينيها مباشرة:
— طيب اسمك إيه؟
قالت منى بحزم طفولي:
— مش بكلم حد معرفهوش.
توقف لحظة، كأنه بيختبر ردها،
بيشوف نبرتها،
طريقتها.
ابتسم ابتسامة خفيفة كأنه اتأكد من الى فدماغه وهو اختلالها وقال:
— مكنتش مستاهلة أنزل فعلًا.
وقف، بعد عنها، وحط إيده في جيبه.
في اللحظة دي جه صوت من بعيد:
— منننّى!
كانت راوية، ظهرت في آخر الشارع وجاية بسرعة.
لمّا شافت الشباب وقفت منى وسحبتها ناحيتها.
قالت بقلق:
— في إيه؟ مالِك خرجتي ليه؟
منى مدت لها المحفظة.
— نسيتيها.
راوية أخذتها وقالت بحنية:
— يا حبيبتي… جيتي ورايا عشان تديهالي؟
إنتِ كويسة؟ حد ضايقك؟
منى بصّت ناحية الشباب،
ما ردتش.
راوية شدتها:
— امشي يلا.
منى، وهي ماشيه، لفّت راسها ناحية الشاب وقالت بصوت واضح:
— ولد… وحِش.
مشيت منى مع راوية،
والشِلّة كانوا لسه واقفين يتابعوا المشهد.
واحد قال وهو بيضحك:
— شكلها تعبانة في دماغها.
التاني رد:
— بس ما تنكرش… حلوة.
ضحكوا،
لكن الشاب ما ضحكش.
كان واقف لوحده،
عينه على نقطة دم صغيرة على الأرض.
عرف إنها منها…
اتعورت،
وبرغم كده ما صرختش ولا اشتكت،
بس خوفها كان باين في عينيها…
عينين طفلة
في وش ست كبيرة.
قال في سره:
— منى…؟!
لف وركب العربية وقال:
— يلا إنتوا.
ركبوا كلهم،
والعربية انطلقت بتهور.
منى رجعت البيت مع راوية.
راوية قالت وهي بتقفل الباب:
— معلش يا حبيبتي، تعبتك معايا… كمان سيبت الباب مفتوح، ده لو حرامي دخل!
منى دخلت بهدوء،
لكن ابتسمت وقالت:
— مفيش حرامي هنا.
راوية ضحكت من طيبتها:
— طب حد ضايقك من العيال دول؟ كانوا واقفين ليه أصلاً؟
رفعت منى كتفها باستنكار،
ربّتت عليها راوية وقالت بهدوء:
— خلاص يا حبيبتي… نامي يلا، لو عوزتي حاجة كلميني.
مشت وسابتها.
منى دخلت أوضتها، غسلت إيدها،
كانت بتوجعها من الجرح،
لكنها ما اشتكتش.
في اليوم التاني،
منى كانت قاعدة عند باب البيت من بدري…
من صباحية ربنا،
مستنية علي،
اللي المفروض يرجع النهارده.
الوقت عدّى،
ولا حد جه.
فضلت قاعدة سرحانة،
لحد ما الجرس رن.
قامت فتحت بسرعة ولهفة…
لكن استغربت.
مفيش حد.
وقفت عند الباب تبص في الشارع،
يمين وشمال،
بتدور على طيف أخوها.
وفجأة…
وقفت.
عربية حمرا…
مالوفة قوي.
افتكرت على طول…
دي نفس العربية
بتاعة العيال الطايشة من امبارح.
لسه بتستوعب،
حست بإيد تمسك دراعها فجأة،
وإيد تانية تتحط على بقّها
وتسحبها لجوه.
عينيها اتسعت بالرعب،
ولما رفعت وشها…
شافته.
هو نفسه.
الشاب اللي كان سايق.
ابتسم ابتسامة مريبة وقال بهدوء مخيف:
— هاي.
ظهر خوف خفيف في عيون منى وهي شايفة الغريب قدامها.
قلبها كان بيدق بسرعة، بس نظرتها كانت أكتر حيرة من رعب.
بعد عنها خطوة وهو رافع إيده: – “متقلقيش… مش هأذيكي. هشيل إيدي من على بُقّك بس ما تعمليش صوت.”
هزّت راسها بطاعة، خوفها كان أكبر من أي اعتراض.
شال إيده فورًا، ومنى بعدت خطوة وهي ماسكة دراعها.
– “إ… إنت الولد…”
ابتسم ابتسامة غريبة: – “أيوه. جيت أعتذرلك عن امبارح. ملحقتش أصلّح غلطتي.”
سكتت منى، باصة له بعينين واسعتين.
قرب خطوة، صوته بقى أنعم:
– “مش زعلانة مني؟ أنا مش بحب أضايق حد… خصوصًا لو جميلة زيك.”
– “سامحاني؟”
من غير ما تفكر كتير، منى قالت ببساطة: – “بتقول إنك غلطت وبتعتذر… .”
هزّ راسه وهو ثابت نظره في عينيها.
منى اتلخبطت، لكن طيبتها سبقتها:
– “انت مش شرير زي ما توقعت. أنا مسمحاك… بس متعملهاش تاني، علشان ربنا يزعل منك.”
قالتها بصدق طفولي، كأنها بتوبخ طفل صغير،
مش شخص غريب اقتحم بيتها.
والشاب… ابتسامته اتسعت أكتر.
سكت الشاب بعد ردّها، وبص لها بنظرة طويلة، قبل ما يبتسم ابتسامة حد اتأكد من حاجة.
– “حاضر.”
لف بعينيه في البيت، وبعدين دخل من غير ما يستأذن.
منى وقفت مكانها، مش فاهمة تعمل إيه.
– “إنتِ لوحدِك؟”
ما ردّتش.
لفّ لها تاني:
– “متجوزة؟”
هزّت راسها بالنفي.
ابتسم: – “طب… مش هتضيفيني؟”
منـى اتلخبطت: – “اخرج… إنت غريب.”
رفع حواجبه: – “ده إكرام الضيف برضه. كده اتأكدت إنك لسه زعلانة مني.”
قالتها بسرعة وبصدق: – “لا… منى مش زعلانة.”
قرب منها أكتر. المسافة بينهم بقت تخوف، بس منى كانت واقفة، كأنها ناسية إن من حقها تبعد.
– “يبقى اثبتي بقى… اعمليلي قهوة ضيافة.”
– “أنا… أنا معرفكش.”
ضحك بخفة: – “تعرفيني من امبارح. وأنا اهو بعرفك بنفسي.”
بصّت له شوية، متلخبطه،
وهو ابتسم نفس الابتسامة الغامضة:
– “قهوة بقى يا آنسة منى.”
اتوسعت عينيها: – “عارف اسمي؟”
– “أيوه.”
– “إزاي؟”
ميل راسه وقال بخبث لطيف: – “سِحر… أنا ساحر.”
ومنـى… صدّقته.
امتلأت عيناها بالدهشة.
ابتسمت وقالت ببراءة:
– “ساحر؟”
أومأ لها، ومدّ يده وأمسك يدها: – “آه.”
قالت منى بحماس طفولي: – “طب ممكن توريني ماما وبابا؟”
ابتسم يوسف: – “أنا عطشان الأول.”
سيبته منى في البيت ولفّت تجيب له حاجة يشربها.
في اللحظة دي، عينيه ابتدت تتلفت في المكان… البيت هادي، أهدى من اللازم.
شاف أوضة مفتوحة، ودخلها.
بعد دقيقة، منى خرجت بكوبايه عصير.
وقفت مكانها لما ملقتوش.
استغربت، لكن فجأة سمعت صوت خبط خفيف على الإزاز.
رفعت عينها… واتصدمت لما شافت المطر بينزل.
قربت من الشباك فورًا، سرحانة في الشارع.
في نفس الوقت، جوه الأوضة، الشاب كان بيبص حواليه.
لقى أغراض رجاليّة…
عرف فورًا إنها مش بتاعة منى.
على المكتب كانت في رسمة.
مسكها… رسمة بسيطة لولد وبنت ماسكين إيد بعض.
استغرب.
مدّ إيده على صورة جنبها، ولسه هيمسكها…
وقف فجأة لما لمح من الشباك طيف منى واقفة برا في الشارع.
حط الصورة مكانها بسرعة.
ما شافش وش منى في الصورة،مع أخوها علي.
خرج الشاب، فشاف منى واقفة تحت المطر، وفي إيدها كوباية العصير.
المية كانت مغرّقاها، لكن على وشّها ابتسامة ملايكة…
ابتسامة بريئة طالعة من عينيها قبل شفايفها.
سند بإيده على الباب وهو شايفها بتحرّك شفايفها،
كأنها بتدعي بحاجة.
لما شافته، ابتسمت وشاورَت له يقف جنبها.
استغرب إزاي أخدت عليه بالسهولة دي.
قال بابتسامة خفيفة: – “شكرًا، مش عايز أتغرّق.”
بصّت للسما بتأمل: – “بتمطر…”
قال: – “بتحبي المطر؟”
ابتسمت بعينيها البنية المليانة دفء، رفعت راسها للسما وقالت بحكمة غريبة على براءتها: – “المطر يعني الفرج…
والفرج من عند ربنا.فتح أبواب السما،رفع الظلم،ونزول الحق للمظلوم.”
بصّ لها وهو سامع كلامها،
كأنه أول مرة يسمعه من حد عاقل بجد.
ابتسمت وكملت بهدوء: – “تيته كانت بتقول كده زمان.”
سكت الشاب وهو باصص لها شوية،
وقطرات الميه كانت بتنزل على وشّها وتنساب على رقبتها.
جمال فطري، من غير ولا نقطة مساحيق…
براءة غريبة تخلي حضورها لافت رغم كل شيء.
لما المطر وقف، مدّت له منى كوباية العصير.
لكنها لاحظت إن العصير بقى نصه مية مطر.
استغرب، خدّ الكوباية من إيدها ورماها على الأرض.
منى بصّت له بصدمة.
ابتسم وقال: – “مرسي على تعبك، بس ملوش لزوم.”
راح عند عربيته، ورنّ تليفونه الحديث.
رد: – “أيوه يا نادين.”
جاله صوت امرأه: – “ارجع البيت، مستنياك… عايزين نتكلم.”
سألها: – “مين عندك؟ بابا؟ ماما؟”
قالت: – “لا.”
قفل المكالمة، ركب عربيته، وبص على منى وقال: – “اركبي يا منى، هنروح مكان هيعجبك قوي.”
منى ما تحركتش، كانت باصة لآخر الشارع.
مسك إيدها وقال بحدّة: – “مش بكلمك.”
بصّت له بخوف.
غيّر نبرته فورًا وابتسم بنعومة مصطنعة: – “يلا… هاخدك فسحة.”
قالت منى بصوت واطي: – “لا.”
رجعت خطوة لورا.
ملامح الشاب اتغيّرت، مسك إيدها بقوة: – “بقولك تعالى معايا، مينفعش تقولي لا.”
بصّت له بخضة.
فجأة هدّى نبرته ومسح بإيده على شعرها بلطف مصطنع: – “هاخدك لباباكي ومامتك.”
اتسعت عيني منى بدهشة: – “ماما؟”
هزّ رأسه: – “نسيتي إني ساحر؟ ها… هتيجي ولا مش عايزة تشوفي أمك؟”
أومأت له بسرعة ولهفة.
ابتسم، فتح لها باب العربية، وأشار لها.
دخلت بكل ثقة…
وركب هو بعدها وقفل الباب.
في اللحظة دي كانت راوية راجعة، شايلة أكياس الطلبات.
وقفت فجأة لما شافت منى مع شاب غريب في عربية.
صرخت: – “منى… مننننى!”
الشاب بص في المراية، شاف الست بتقرب بسرعة.
ضغط على البنزين فجأة،
العربية اندفعت، وملّت الشارع تراب ودخان.
راوية كحت من الغبار وهي بتجري: – “م… منى!”
وقفت مكانها، بتبص للعربية اللي بتبعد،
قلبها بيتعصر من القلق: – “مين ده؟!”
كانت منى جوّه العربية، لسه بتلفّ راسها وبتبص وراها.
مسكها من دراعها وقال بنبرة آمِرة: – “بصي قدّام طول ما إنتِ معايا.”
قالت منى بخوف: – “سريع…”
فهم قصدها على سرعة العربية، فقال: – “خايفة؟”
كانت فعلًا خايفة: – “عايزة أنزل.”
مسك إيدها: – “متخافيش.”
بطّأ السرعة شوية عشانها وقال: – “خلاص كده يا منى… أمان.”
أنامله اتحركت على إيدها الناعمة كأنه بيطمنها،
لكن لمسته كانت غريبة، مش مريحة.
قال بابتسامة: – “إيدك ناعمة… مش شبه المكان اللي إنتِ عايشة فيه.”
بصّت له منى.
قرب منها وباس إيدها.
سحبتها بسرعة بحركة تلقائية.
ابتسم الشاب: – “بلاش تضايقيني… عشان نكون صحاب حلوين.”
قالت منى بتردد: – “إنتَ مين؟”
بصّ لها، فقالت: – “اسمك.”
رجّع عينه للطريق وقال: – “يوسف.”
العربية وقفت قدّام فيلا ضخمة.
يوسف نزل الأول، ومدّ إيده لمنى.
مسكها من كفّها وهو بيقول:
— يلا.
منى بصّت للفيلّا — ماما… هنا؟
ما ردّش.
شدّها معاه ودخلوا.
الخدامة لمّا شافته وقفت — يوسف بيه، نحضّر الأكل؟
— لا.
عينه راحت لمنى،
ملابسها البسيطة كانت باينة وسط فخامة المكان…
واضح إنها مش من العالم اللي هما متعودين عليه.
جاء صوت من وراهم، ناعم بس مليان سم:
— بقيت تتأخر كتير يا يوسف.
لفّ.
كانت نادين.
في سن منى تقريبًا،
لبس شيك، شعر مصبوغ، عيون سودا فيها تحدي.
بصّت لمنى من فوق لتحت:
— دي مين؟
يوسف ابتسم ابتسامة مستفزة:
— حبيبتي.
شدّ منى من وسطها وقربها منه:
— إيه رأيك؟ حلوة مش كده يا خالتو؟
منى اتخشبت.
حاولت تبعد إيده عنها،
بس هو شدّها أكتر.
نادين بصّت للمشهد بعين ضيقة:
— إنت بتهزر، صح؟ دي باين عليها حتى مش موافقة، وانت ماسكها كده قدّامي؟
يوسف ساب منى أخيرًا.
نادين قربت خطوة:
— جايبها منين يا يوسف؟
بصّت لها شوية قبل ما تقول — إنتي مين؟اسمك اى ولا انتى خرسه
منى حسّت بعدم راحة،
ردّت بصوت واطي:
— منى…
يوسف قاطع:
— عايزة تعرفي إيه يعني؟
نادين لفّت له:
— عايزة أفهم الجرأة اللي خلتك تجيب واحدة من الشارع لحد هنا.
يوسف ضحك باستخفاف:
— الشارع؟ إنتِ متغاظة عشان أجمل منك؟
نادين عضّت على شفايفها بغيظ،
وبنبرة أمر:
— أستاذ يوسف، طلّع البنت دي برّه وتعالى… عايزاك حالًا.
لفّت ومشيت.
يوسف بصّ لمنى وقال:
— خليكي هنا، ما تتحركيش.
منى اتشدّت أعصابها:
— منى… عايزة أمشي.
خدت خطوتين ناحية الباب.
يوسف مسكها من دراعها
— مفيش خروج.
بصّت له فقال.
— خليكي زي ما بقولك. مش هتأخر.
سابها ومشي ناحية نادين.
منى وقفت مكانها،
قلبها بيدق،
المكان كله غريب…
وقف يوسف قدّام نادين:
— نعم؟
نادين بصّت له بحدّة:
— أنا مبقتش عارفة أستُر عليك، يا يوسف. كل يوم تسيب المدرسة، تسهر، وترجع الصبح… وصلت بيك إنك تجيب واحدة لحد هنا؟
قرّبت منه وهمست بغضب:
— أبوك لو عرف…
عيون يوسف لمعت بخبث.
— يعمل إيه يعني؟
نادين شدّت نفس:
— إنت بتلعب بالنار. ودي مش لعبة، دي فضيحة.
يوسف ابتسم ابتسامة باردة:
— اطمني… أنا بعرف أسيطر على كل حاجة.
لكن عين نادين راحت تلقائيًا ناحية منى…
والشك بدأ يكبر.
قال يوسف ببرود:
— بابا هيعرف منين؟ أنا جايبها جولة وخلاص. مفيش حد هنا. ماما في النادي، وبابا في مشغاله… مين هيقوله؟
نادين بصّت له بنظرة تحذير:
— مش معنى إن في خلافات بين أبوك وأمك بسبب بنته يبقى…
يوسف قاطعها:
— آه صحيح… عمل إيه في وعد؟ لسه برضه مصمم يجيبها هنا البيت، رغم اعتراض ماما؟ ولا هيوافق على شروطها ونرجع عيلة “سعيدة” تاني؟
نادين زفرت:
— إنتوا لسه عيلة، موصلتوش لطلاق.
يوسف ضحك بسخرية:
— عيلة مفككة… قولي لماما تبطل تضغط على بابا، لأنه بيمشي اللي في دماغه. وهي عارفة من زمان إنه كان متجوز، وجود وعد ما غيّرش حاجة.ثم خليها تخرج وعد من دماغها دى طفله لو اذيتها هتكون بتاذينى
نادين بصّت له بشيء من الدهشة:
— قلبك حنين أوي يا يوسف. قعدتك مع وعد خليتك حبيتها… ولا كأنها أختك من أمك.
يوسف هز راسه ببطء:
— بس هي أختي فعلًا… عيلة عندها خمس سنين، ومامتي غيرتها منها عاملة زي النار.
سكت لحظة، وبص ناحية منى اللي واقفة بعيد،
وشيها مليان خوف وضياع،
وقال بهدوء غريب:
— يمكن عشان كده أنا بكره الستات اللي بتأذي أطفال…
نادين حسّت إن في حاجة ورا الكلام ده،
مش مجرد مزاج.
قالت نادين بحدّة خفيفة:
— متدخلش في مشاكلهم… هما هيحلّوها.
يوسف رد وهو بيشيّح بوشه:
— أنا أصلاً بعيد عنكم، ومع ذلك مش سايبني أتنفّس على راحتي.
نادين ضيّقت عينيها:
— كنت فين امبارح؟ العربية اتشرخت.
يوسف قال ببساطة مستفزّة:
— خبطتها وأنا شارب.
نادين شهقت بضيق:
— يوسف! قولتلك تبطّل شرب… أنا مش هعرف أدارّي عليك أكتر من كده. إنت بتتمادى.
قرب منها فجأة، مسك إيدها وابتسم بنعومة كاذبة:
— عارفة بحبك أكتر من ماما ليه؟ عشان إنتِ الأم اللي كنت محتاجها.
نظرت له نادين، ابتسامة خفيفة طلعت على شفايفها،
عارفة إنه بيستعمل الكلام ده علشان يهدّيها.
سحبت إيدها وقالت:
— هامشي عشان الشغل… البنت دي مشيت صح؟
يوسف قال بثبات:
— لا، مش هتمشي.
نادين بصّت له بحدة:
— لسه هنا؟
— أيوه… قولتلها متتحركش.
— إنت تعرفها منين؟
يوسف قال وهو بيبص قدّامه:
— خبطتها امبارح بالعربية.
نادين اتفزعت:
— إيه؟! وهي بدل ما تبلّغ عنك، مشيت معاك؟
ضحك يوسف بخفة وقال:
— لا… ما هي من نوع مختلف.
نادين رفعت حاجبها:
— معجب بيها ولا إيه؟
يوسف سكت.
نادين قربت منه خطوة:
— إيه؟ من إمتى؟ دي شكلها أكبر منك كمان.
يوسف لف وشه وقال ببرود:
— قولتي إنك متأخرة… ممكن تمشي.
نادين بصّت له بذهول:
— بتطردني؟ علشان تفضل معاها لوحدك؟
— أيوه.
نادين قربت أكتر، صوتها واطي بس حاد:
— إياك تعمل حاجة غبية يا يوسف.
يوسف ما ردّش، لفّت نادين ومشيت
يوسف خرج للصالة يدور بعينه:
— راحت فين دي كمان؟
في الجنينه…
كانت منى واقفة قدّام وردة بيضا،
لمستها برفق زي ما بتعمل دايمًا،
كأن البياض ده حاجة تطمّنها.
سمعت صوت باب عربية.
رفعت راسها وشافت راجل نازل،
ماسك بإيده بنت صغيرة،
ملامحها رقيقة قوي،
وشعرها ناعم، وفي حضنها عروسة.
قال الراجل بصوت رسمي:
— استني هنا يا آنسة وعد.
ساب إيدها ومشي.
البنت فضلت واقفة لوحدها،
ماسكة العروسة جامد،
وعينيها بتلف في المكان بخوف.
منى كانت باصة لها،
نظرة فضول بريء…
وعد رفعت عينيها وشافت منى.
لحظة صمت اتعلّقت بينهم،
كأن طفلين تايهين
شافوا بعض في عالم غلط.
تحرّكت الطفلة ذات الخمس سنوات ببطء،
قربت من الكرسي وحاولت تطلع عليه…
لكنها كانت قصيرة، رجليها ما وصلتش.
منى لاحظت، قربت فورًا،
شالتها برفق وقعدتها على الكرسي.
وعد بصّت لها،
وعروستها كانت وقعت من إيدها.
منى انحنت، جابتها،
ومدّت إيدها بيها ليها.
قالت وعد بصوت خافت:
— شكرًا.
ابتسمت منى:
— العفو… اسمك إيه؟
— وعد.
— وعد زعلانة؟
وعد هزّت راسها بالنفي.
منى رفعت العروسة قدّام وشها وقالت بابتسامة طفولية:
— وعد جميلة… الجميلة ما ينفعش تزعل.
وعد ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، حذرة،
لكن حقيقية.
منى ابتسمت لها،
ومدّت إيدها ومسحت على شعرها من غير ما تحس،
كأنها بتعمل كده غريزيًا.
قالت بصوت حنين:
— الزعل حاجة وحشة… ووعد جميلة.
شالت إيدها…
لكن وعد مسكتها
وحطتها تاني فوق راسها.
كأنها بتطلب الحنان
من غير ما تعرف تقول.
بصّت لها منى باستغراب،
لكن ابتسمت، ومدّت إيدها تمسّد على شعر الصغيرة بحنان.
من غير ما تدرك إن وعد كانت محرومة من اللمسة دي…
اللمسة اللي كانت بتشوفها بس مع أمهات صحابها،
ولادهم بيتحضنوا،
يتطبطب عليهم،
وهي واقفة دايمًا تتفرج.
أول ما منى لمستها،
حسّت بحاجة دافية غريبة،
حاجة مش عارفاها…
بس كانت محتاجاها.
في اللحظة دي خرج يوسف،
شاف الراجل واقف.
قال يوسف:
— إنت مين؟
رد الراجل بهدوء رسمي:
— بدران بيه هنا؟
— لا.
— طيب… لما ييجي بلغه إن محامي زوجته سلوى الراحلة كان هنا.
يوسف هز راسه بلا اهتمام:
— ماشي.
الراجل لفّ ومشي،
وبص ناحية الطفلة وقال قبل ما يبعد:
— آنسة وعد…
وعد كانت لسه جنب منى.
نزلت من على الكرسي برجليها الصغيرة،
لكن قبل ما تمشي،
وقفت فجأة.
لفّت لمنى،
ومدّت إيدها بالعروسة.
قالت بصوت خافت:
— دي… عشانك.
منى بصّت لها بدهشة،
مسكت العروسة برفق،
قالت منى وهي رافعة العروسة قدام صدرها:
— دي… لمنّى.
وعد هزّت راسها بابتسامة صغيرة،
ابتسامة طفلة مشت وعك مع الراجل،
ركبت العربية،
واختفت من قدام منى.
منى بصّت للعروسة،
نفضتها من التراب بعدما وقعت،
كأنها بتحافظ على حاجة غالية.
يوسف كان واقف بعيد،
شافها،
قرب وقال بضيق:
— خرجتي ليه؟ مش قولتلك متتحركيش؟
بصّ للعروسة اللي في إيدها.
منى ابتسمت وقالت بفرحة صافية:
— جميلة…
يوسف سكت.
عيونه وقفت عليها لحظة أطول من اللازم.
تصرفاتها طفولية،
ضحكتها بريئة،
لكن جسدها…
أنثوي، ناضج، ومربك.
في لحظة،
منى افتكرت علي.
البيت.
الباب المفتوح.
فكرت قللت: منى لازم تمشي.
يوسف اتحرك بسرعة:
— ليه؟ مش عايزة تشوفي البيت؟
كانت هترد،
لكن يوسف مسك إيدها.
صوته نزل أهدى… وأخطر:
— إيه حكايتك يا منى؟أمبارح خبّطتك،ودلوقتي مش عايزك تمشي…
خدها ودخلها معاه،قالت منى ليوسف، من نظرتها وهو بيستدعيها:
– "دخلت الفيلا."
سألها:
– "إيه رأيك في البيت؟"
ردت:
– "كبير أوي."
طلعها على فوق وقال:
– "مش كل الناس بتعقد في شقة صغيرة زيكم."
فتح باب الأوضة وقال لها:
– "ادخلي، دي أوضتي."
بصّت على الأغراض والصور اللي على الحيطان، ولما شافت حوض السمك ابتسمت، جريت عليه ولمست السمك في المية وضحكت:
– "سمكة!"
قال يوسف:
– "غرقتي هدومك!"
بصّت منى، وكل جسمها تقريبا اتغرق بالمية. قرب منها يوسف، مسك طوقها وفرد شعرها، فارتبكت.
قال لها بابتسامة:
– "شكلك أجمل بكتير، بس محتاجة بس شوية اهتمام، حرام الجمال ده يتدفن قلبس ده
السمكة نطت، ومنى ابتسمت، قرب منها أكتر ولمس شعرها الناعم، وانتشرت ريحته حوالينها وخلاه يحس برغبة إنه يقترب أكتر.
منى كانت بتلعب مع السمك، يوسف حط إيده على وسطها وسحبها وقال:
– "كفاية لعب، اعقدي."
بعد كده مد إيده ولمس شعرها ورقبتها، ومنى بصت له. فجأة جه صوت من بره، بصت، فرح مسك وشها وقال:
– "مفيش حد بره، متخافيش. اسمعي كلامي بس."
قرب منها وحضنها. رغم إن منى أكبر منه في العمر، لكن أجسادهم كانت متقاربة. حضنه بقي أقوى، وما بقتش فيه فوارق بينهم. منى حاولت تزقه، لكنه اشتد عليها، وبيحرك إيده على ضهرها. منى اضايقت ومكنتش مرتاحة، لحد ما يوسف سابها بإرادته وقال:
– "شايفة اللعبة دي؟ هجبلك عشر غيرها."
بصتلُه منى وقالت:
– "بجد؟"
أومأ لها:
– "وأحسن منها، بس متبعدنيش."
قعدها على السرير، وبدأ يلمس ذراعها ويقرب من رقبتها. لما ابتعدت، مسك إيدها وقعدها جنبَه أكتر. منى اتألمت، وهمس لها يوسف:
– "مالك؟ بس اهدِي."
قالت منى- منى عايزه تروح،
قال يوسف- كده هزعل منك هنكمل اللعبه
، قالت منى -لعبة
قال يوسف- عريس وعروسه
قالت منى- عريس وعروسه؟!
اومأ إليها وسحبها قال- نكمل
قالت منى- اعمل اى
قال يوسف- تسكتى وتثقى فيا يامنى
مسك بلوزتها وقلعهلها وقبل ان تمنعه حضنها وتبت فيها، مال عليها وبقى فوقها وهو بيقرب منها اوى وصار يلمس جسدها بكل جرائه دون سابق اذن، فى كل محاوله من منى من الاعتراض كان بيمنعها تالمت منه وهى صامته ساذجه تشعر بلمسات شخص غريب عليها لمسات قاتله حسيت انها غلط، قفز صوت على فى ودنها من وهي صغيره " محدش ليه الحق يلمسك أو يقرب منك..
اشار على جسدها قال" هنا لا وهنا لا... جسمك ليكى انتى اياكى تسمحى لحد يلمسه يا منى"
قالتله منى " ولا إيدى"
قال على" ولا إيدك "
افتكرت كلام اخيها وعيه ليها من وهما صغيرين، استيقظت منى على تحذيرات أخوها قالت -لا
لم يتوقف يوسف بعدما كان بيخلع قميصها عنها قالت منى لااا
مسكها يوسف جامد دون أن يرد عليها حاولت تتحرك وتزقه وتبعد عنه مسكها وقال- راحه فين،
خافت منى من نبرته وإنها فى خطر قالت لااا
انقض عليها رجعت لورا اتخبطت لكنه لم يهتم زقته منى بكل قوتها الضعيفه وصوتها عالى قال- لااا لاااا
لم يهتم بها وسحب الجيبه بتعتها وهى بتمنعه وتزقه من رجليها وبتبعد بس هو سحبها من رجليها جامد وخلاها تحته وصار يتقرب منها ويلتمس كل ما ليس له حق فى لمسه وهى تصيح به
-لاااا لاااا
عضته منى فنزل بضربه على وشها بكفه خلاها تسكت خالص من قوته ومن الضربه لان محدش ضربها قبل كده، كمل يوسف ما يفعله ولم يهتم بها ان كانت حيه ام ميته مع اعتراضتها الكتير همد جسدها من بين ايديه المتوحشة التى كانت غائبه تفرض ما تريده واعين تشتهى الظلم والعذاب
قدام الفيلا، نزل رجل لابس بدلة راقية من العربية ودخل البيت.
تليفونه رن، رد قائلاً:
— الو، ينادين؟
قالت نادين:
— روحت الشركه ملقتكش، يقدران.
رد بدران:
— لسه واصل البيت، بس مش سامع صوت حد.
قالت نادين:
— رانيا معايا وراجعين، بس معرفش انك رجعت البيت.
قال بدران:
— جيت فجأة ولا إيه؟
قالت نادين مبتسمة:
— لا، مش قصدي بالعكس، وجودك معناه إن الأمور هتكون تمام… مش هنتأخر، جايين دلوقتي.
بغلقها التليفون، بص بدران ناحية رانيا وقال:
— رانيا، فين؟
ردّت رانيا:
— وعد معايا.
قالت نادين:
— معرفش، لما نوصل هنعرف… بس وجود البنت دي ممكن يكون مهدد ليكي شوية يا رانيا.
ردّت رانيا بحزن:
— مش هي، دي أمها…
قالت نادين:
— أمها متوفية وهي رضيعة، وخمس سنين بدران حاططها مع مربيين وبيزورها كل فترة. دلوقتي جه الوقت يضمها ليكو.
قالت رانيا:
— كده سلوى كسبت علي مرتين… المرة الأولى لما أخدت جوزي مني، والمرة التانية هي بنتها… متأكدة إن بدران مش بيشوفها غير سلوى.
قالت نادين بهدوء فيه ثقة:
— ده تفكيرك إنتِ بس… حتى يوسف بيحبها.
رانيا هزت راسها باعتراض:
— يمكن ده بسبب أبوه، كان دايمًا بياخده ليها.
ناظين ردت بنبرة قاطعة:
— ده مش هيغيّر الحقيقة إن يوسف بيحب وعد، حب أخوي حقيقي، ومركّن أي حسابات تانية على جنب. وبصراحة، من اللي عرفته… البنت كانت بتستنى زيارة بدران أكتر ما كانت بتستنى يوسف.
رانيا اتضايقت:
— مش هيدوموا… يوسف طول عمره نفسه يكون له أخ.
ناظين ابتسمت ابتسامة خفيفة:
— وبدران فرحان بعلاقتهم. فبلاش تشتتيها. طالما حبّوا بعض بالسهولة دي، ما أعتقدش إن في حد يقدر يفرّقهم كإخوات.
رانيا قربت منها خطوة.
ناظين كملت بنبرة أهدى لكن أذكى:
— ممكن تستخدمي النقطة دي مع بدران. تبيني إنك أم مثالية، وإن تربيتك ليوسف هي اللي خلّته ما يكرهش وعد ولا أمها.
رانيا بصتلها بشك:
— قالك إنه في البيت؟
ناظين هزت راسها:
— أه… كان لسه واصل، سمعت صوت العربية.
سكتت لحظة، وعقلها راح بعيد… ليوسف، والبنت اللي كانت معاه.
قالت بصوت واطي:
— أتمنى يكون سمع الكلام…
رفعت سماعة التليفون، وصوت الرنين طلع متوتر وهي بتكلمه علشان تعرفه إن بدران في الفيلا.
وفي نفس اللحظة…
في أوضة من أوض الفيلا، كان التليفون بيرن.
يوسف كان واقف قدّام منى.
عينها كانت مليانة دموع، بس الدموع متحجرة، منى لا تمتلك مشاعر البكاء وشفاها وإنها احمر قالت
-شرير
بيبصلها، وبيبص على اللي عمله، وصوته خرج مكسور:
— منى…
ما ردّتش.
قرب منها، مسك وشّها بين إيديه ورفع عينيها ليه.
في نظرتها كان في فاجعة، خوف، ورعب صافي منه.
قال بصوت واطي لكنه آمر:
— ما تقوليش لحد على اللي حصل هنا.
منى كانت عايزة تبكي…نفسهل
يوسف كرر بنبرة أقسى:
— سمعاني؟ اللي حصل هنا ما يتقالش لحد… خالص.
مدّ إيده وخد التليفون وهو لسه بيبص لها.
رد، وبلع ريقه قبل ما يتكلم.
— ألو؟
صوت نادين جه من الناحية التانية:
— إنت فين يا يوسف؟
— في البيت… قالها بصوت متوتر.
نادين قالت:
— بدران عندك يا يوسف؟
يوسف اتفاجئ— في… الفيلا؟
— أيوه… ردت نادين من عندها.
يوسف بص لمنى تاني، وعينه اتملت خوف.
الخطر بقى جوه نفس المكان…
بعد عن منى بسرعة، خطف البنطلون ولبسه وهو متلخبط.
لكن في اللحظة دي…
الباب اتفتح.
يوسف اتجمد في مكانه.
قلبه اتقبض لما شاف اللي واقف على الباب.
بدران.
نظرة بدران وقعت الأول على يوسف…
وبعدين اتحولت لمنى.
الصمت اللي في عينيه كان أخطر من أي صريخ.
يوسف قال بصوت مكسور:
— بابا…
بدران رد بهدوء مخيف، هدوء مليان غضب:
— إنت بتعمل إيه؟
يوسف لسانه تقيل:
— أنا… أنا
قال بدران-انت اى
يوسف- مكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده…
بدران قرب خطوة، بعينه القاسية:
—يزعل لكده.. اسكت.
يوسف سكت فورًا.
بدران لف ناحية منى.
بص لها من فوق لتحت، ونبرته كانت آمرة:
— قومي.
منى كانت ساكته، جسمها بيترعش.
— مش سمعاني؟ بقولك قومي من هنا.
هزّت راسها برفض ضعيف.
بدران مد إيده وشدها من دراعها.
وفي اللحظة دي… اتفاجئ.
رقعة دم صغيرة كانت باينة.
منى حاولت تلم هدومها وتداري نفسها، لكن بدران شاف أكتر مما كان يتمنى يشوف.
آثار واضحة…
علامات عنف.
علامات مقاومة.
كل حاجة بتصرخ إن اللي حصل ما كانش برضاها.
بدران لف ببطء ناحية يوسف.
عينه كانت نار.
— مين دي؟
يوسف بلع ريقه:
— هقولك… بس…
والكلمة الأخيرة خرجت منه ضعيفة،
لأن الحقيقة كانت أقسى من أي تبرير.
بدران صوته عليّ، فقد آخر ذرة هدوء:
— ما تتكلم! اسمها إيه؟ تعرفها من أنهي داهية؟
وبص لمنى، نبرته قاسية:
— انطقي يا بنت، اسمك إيه؟
منى كانت مرعوبة.
دموعها اتحررت أخيرًا، دمعة نزلت من غير صوت.
قالت بصوت مكسور:
— منى عايزة… ترجع البيت.
بدران بص لها لحظة، وكأنه مش مستوعب اللي قدامه.
بعدين لف ناحية يوسف، الصدمة ضربته في الصميم.
زقّ منى بعيد من غير قصد، وقعت على الأرض،
إيدها اتعورت وهي بتحاول تقوم.
بدران انفجر:
— إنت هببت إيه؟ انطق!
يوسف صرخ وهو متلخبط:
— غصب عني… هي اللي…
بدران قطع عليه بنبرة مليانة احتقار:
— هي اللي إيه؟ دي هتقول لي هي اللي غويتك؟
يوسف بعصبية يائسة:
— هتكذّب ابنك؟ لازم تصدق اللي بقوله!
بدران قرب منه، عينه سودا:
— ابني؟ عشان إنت ابني ما أصدقكش. الكدب بيطلع من دمك.
ومد إيده…
ضربه في صدره بقوة.
يوسف اتخبط في الباب وفي اللحظة دي…
الباب اتفتح.
رانيا ونادين وقفوا على المشهد.
رانيا :— يوسف!
جريت عليه، مسكت دراعه، وبصّت لبدران بغضب:
— في إيه؟ صوتك عالي ليه كده يا بدران؟!
لكن صوتها خفت فجأة.
عينها وقعت على منى.
منى كانت راكنة في زاوية الأوضة،
حاسّة إنها محاصَرة،
مكورة نفسها، محاوطه راسها بإيديها
كأنها بتحاول تختفي من الدنيا كلها.
رانيا شهقت:— مين دي؟… وفين ه… هدومها؟!
ملامح نادين شدّت:— عملت إيه يا يوسف؟
رانيا بصّت لابنها، قلبها بيخبط،— إيه اللي بيحصل هنا؟
بدران رد ببرود تقيل:— إنتِ اللي عايزة تعرفي اللي بيحصل ولا أنا؟أدخل ألاقي ابنك بالشكل ده…مع بنت الله أعلم جايبها منين!
رانيا هزّت راسها بعناد:— إيه اللي بتقوله عن يوسف؟!دي أكيد واحدة عايزة توقعه في غلطة!
يوسف حاول يتكلم:— بابا… أنا—
بدران زعق فيه:— لسه ليك عين تتكلم؟وكمان تعمل ده هنا… في بيتي؟!
مسكه من هدومه بعنف.
رانيا صرخت:— بدران!
لف لها بعين نار:— متفتحيش بقك!
والأوضة غرقت في صمت تقيل،
صمت كله خوف…
وأكتر حد كان غرقان فيه
كانت منى.
يوسف قال :— ضعفت… أنا معرفتش أسيطر على نفسي.
بدران قرب خطوة، صوته واطي بس مرعب:
— وهي؟… هي إيه؟
يوسف سكت.
مرّ في دماغه صراخ منى،
محاولاتها تبعده،
عينيها وهي بتترجاه يسيبها…
افتكر كل لحظة استغل فيها ضعفها.
بدران :
— مين دي؟!
يوسف بلع ريقه:
— معرفش.
بدران :
— يعني إيه معرفش؟!
يوسف قال بانكسار:
— أنا… أنا اللي عملت كده.هي متعرفش هي في إيه…هي زي ما إنت قلت من شوية…بنت ومريضة.
بدران بص له بنظرة احتقار،
وزقه بعنف:— إبعد عني!
يوسف حاول يقرب:— بابا… مش هيحصل حاجة، أنا—
بدران قطعه بغضب:
— عارف هيحصل فيك إيه لو البنت دي خرجت من هنا؟دي كانت بنت…وإنت مجرم.مجرم ولازم يتسلّم.
رانيا صرخت:— بدران!
يوسف ارتعب:
— أتسلّم لمين؟… للبوليس؟!
بدران قال ببرود قاتل:
— فاكر اللي عملته إيه غير إنه جريمة؟
يوسف قرب الانهيار:
— بابا… إنت هتسلّمني؟!
رانيا قربت منه بسرعة:
— اهدأ يا يوسف، مفيش حاجة هتحصل لك.
بدران لف لها بغضب:
— اعرفي إنك إنتِ السبب في اللي عمله…
إنتِ وتربيتك ليه.
والأوضة كلها كانت واقفة على حافة الانفجار،
ومنى لسه في الركن…
شايفة كل حاجة،
حاسّة إن حياتها بتتكسر قدام عينها.
رانيا صرخت فيه بانهيار:
— أنا وإنت السبب يا بدران! متجيش ترمي الحمل كله عليّا!
وبصت حواليها برعب:
— دلوقتي مش وقت حساب… اتصرف!
بدران قال بجمود:
— ابنك ما سبليش أي تصرّف.
يوسف قرب خطوة، صوته مهزوز:
— يعني إيه يا بابا؟
رانيا مسكت دراع بدران:
— ده ابنك!
هتسيبه يشيل مصيبة زي دي لوحده؟!
بدران رد بحدّة:
— وهو كان بيفكّر في إيه لما عمل اللي عمله؟!
يوسف قال وهو بيبكي لأول مرة:
— بابا… أنا مكنتش شايف قدامي، صدقني…
بدران سكت.
بص لابنه نظرة طويلة،
بعدين لف لنادين ورانيا:
— سيبوني أفكّر…
لازم ألاقي حل يمحي اللي حصل ده.
يوسف قرب منه برجاء طفل:
— بابا…
إنت مش هتسلّمني، صح؟
بدران قال ببرود موجع:
— مش هسلّم ابني بإيدي…
بس اعرف إن مستقبلك هينتهي لو حد عرف اللي حصل هنا.
وبعدين…
عينه راحت لمنى.
ما بصّش لها كضحية.
بصّ لها كمصيبة.
كفضيحة لازم تتدفن.
الوجع اللي في قلبه مش كان عشانها…
كان عشان ابنه.
شدّ فكه وقال بقرار قاسي:
— لبسوها.
وخَلّوا الخدم ينضّفوا الأوضة دي حالًا.
مش عايز أي أثر ليها هنا.
منى كانت لسه في الركن،
محضّنة راسها عايزه تختفى،
والبيت الضخم،
اللي كان من شوية مليان فخامة،
بقى فجأة
مقبرة صامتة لبراءتها.
خرج بدران من الأوضة،
نادين لحقت به بسرعة:
— هتعمل إيه؟
بدران وقف لحظة،
وبعدين قال بهدوء مرعب:
— اتصلي بالبوليس… بلّغي عن عملية سرقة في الفيلا.
رانيا بصّت له بعدم فهم:
— سرقة؟!
لكن نادين…
فهمت.
دي دماغ بدران اللي اشتغلت.
قربت من رانيا،
وفجأة شدّت السلسلة الدهب اللي في رقبتها،
اتقطعت،
ورمتها عند رجلي منى اللي كانت على الأرض.
نادين بصّت لبدران:
— هبلّغ دلوقتي.
يوسف بريبه:
— إنتو هتعملوا فيها إيه؟
بدران بصّ له ببرود قاتل:
— بنضّف اللي إنت عملته.
رانيا قربت من يوسف،
مسكت دراعه كأنها بتشدّه بعيد عن الجريمة:
— سيب أبوك يتصرّف.
وصل البوليس للفيلا،والعقد الدهب في إيد الضابط حسن،رافعه قدّام منى.
قال بحدّة:
— البنت دي سرقت عقد بتمن ده؟
بدران نفث دخان سيجارته ببرود:
— شوف شغلك يا حسن.
حسن هزّ راسه:
— متقلقش يا بدران بيه… بس في شوية أسئلة لازم تتسأل.
لف ناحية نادين:
— عرفتِ منين إنها اللي سرقت؟
نادين قالت بثقة مصطنعة:
— أنا شاهدة. شُفتها وهي بتاخده وبتحطه جوه هدومها، وأنا اللي بلغت لما اكتشفت السرقة. والعقد رجع لأختي.
بصّ حسن لمنى…
وشيها شاحب،
عينين مليانة فزع،
مش شكل سارقة.
قال بتردد:
— دخلتي الفيلا إزاي؟
بدران قاطعه بسرعة:
— زي الخدم، من الباب الخلفي. مش بعيد تكون مزقوقة من حد عايز يأذي عيلتي.
حسن اتلخبط:
— معتقدش البنت دي…
بدران بص له نظرة ضغط وسلطة:
— أنا أعتقد
سكت حسن لحظة…
وبعدين قال:
— تمام يا بدران بيه. هكمّل الإجراءات.
لف للعساكر:
— هاتوا الكلبشات.
معدن الكلبشات لمع قدّام عين منى،
اتقبضت إيديها،
ارتعشت…
وهي لسه مش مستوعبة إنهم
حوّلوها من ضحية
إلى مجرمة
في دقايق.
منى كانت ساكتة.
لا بتتكلم، ولا حتى رافعة راسها.
العسكري مسك إيدها،
وقفل الكلبشات حوالين معصمها.
منى ما كانتش فاهمة يعني إيه،
ولا عملت إيه،
ولا ليه إيديها اتقيدت بالشكل الوحش ده…
بس كانت حاسة بحاجة واحدة:
إن الحديد ده شر.
وإن الشرطة ماجتش تنقذها…
دي جاية تأذيها.
رفعت عينيها ببطء.
بصّت لبدران.
لرانيا.
وبعدين ليوسف.
يوسف كان واقف عند باب الأوضة،
بيبص لها هي وبس.
ولما عينيها مسكت في عينه…
إدّاها ضهره،
ومشي.
في اللحظة دي
منى حست إنها لوحدها في الدنيا كلها.
قال الضابط حسن بجمود:
— هاتوهـا.
العسكري مسكها يحاول يوقفها،
بس رجليها خانتها،
اتلوّت،
ووقعت.
كانت مش قادرة تقف.
مش قادرة حتى تمشي.
حسن قرب بسرعة وسندها،
لكن العساكر سحبوها بخشونة.
قالت بصوت مكسور،
زي طفلة تايهة:
— منى… منى لازم تروح البيت…
بصوا لبعض باستغراب.
ما فهموش هي بتقول إيه.
ولا حاولوا يفهموا.
شدّوها،
وساقوها معاهم،
وسابوا وراهم
بنت
اتسرق منها كل حاجة…وجاهله عن حقيقه الظلم الذى تتعرض اليه
وصلت منى على القسم، العساكر بيجرّوها من غير ذرة استعطاف. إيدها الرقيقة بين قبضتهم، وعرجها باين وهي بتمشي بالعافية من ضعفها.
قال حسن بحدّة:
— دخّلوها التحقيق… نشوف مين دي.
قال العسكري:
— ما نحطّهاش في الحبس؟
هز حسن راسه:
— لا، هسألها الأول.
دخلوا منى أوضة التحقيق.
أوضة ضلمة،
حيطانها كاتمة النفس،
ونور لمبة صفرا بيقع على وشها زي سكين.
حسن قعد قدامها،
مكشّر،
بيبص لها بنظرة ظابط شاف كل حاجة…
إلا البراءة.
منى كانت قاعدة على الكرسي،
إيديها مكلبشة،
ورجليها مش شايلة جسمها.
كانت بتبص حوالين الأوضة،
وبصوت واطي،
مكسور:
— منى لازم تروح…
حسن رفع حواجبه:
— تروحي فين؟
— البيت… علي مستني منى…
اسم علي خلّى حسن يركز.
مال بجسمه قدامها:
— مين علي؟
منى هزّت راسها:
— لازم أرجع… علي يزعل…
حسن ضرب الترابيزة بإيده ضربة هزّت الأوضة:
— بس بقى! صدّعتيني! أنا مش عارف آخد منك كلمة مفهومة!
منى انتفضت.
كتافها اتلمّت على نفسها.
عينيها اتمليت رعب.
قال حسن بحدة:
— سرقتي العقد ليه؟ حرامية؟ ولا حد مسلّطك؟
منى هزّت راسها بسرعة،
كأنها بتهرب من الكلمة نفسها.
عينيها ضاقت،
وصوتها طلع أضعف من الهوا:
— منى مش حرامية…
— منى مش تسرق…
— حرام… ده حرام…
كانت بتكررها زي طفلة
بتتعلم يعني إيه الغلط لأول مرة.
حسن بص لها.
ولأول مرة…
الشك دخل قلبه.
مش شكل حرامية.
ولا صوت واحدة بتكذب.
دي شكلها
واحدة
مش فاهمة أصلاً
هي هنا ليه.
قال حسن وهو باصصلها:
— ولما هو حرام… عملتي كده ليه؟
منى اتلخبطت.
إيديها اتحركت بحركات لا إرادية،
كأن جسمها بيدافع عنها بدل لسانها.
صوتها طلع متكسر:
— منى مش تسرق…
— منى مش حرامية…
حسن قام فجأة.
قرب منها بخطوات تقيلة،
انحنى وحط إيده على ضهر الكرسي اللي قاعدة عليه.
صوته بقى واطي…
بس مرعب:
— خلّصي تمثيل وعبط.
— هسألك تاني، عشان أعرف أساعدك بدل ما تدخلي وسط ناس مش شبهك…
— وهناك هيخلّوكي عاقلة غصب عنك.
منى بلعت ريقها،
عينيها اتسعت.
قال حسن ببطء متعمد:
— دخلتي فيلا بدران بيه…
— وسرقتي مراتُه.
منى حطت إيديها على ودانها،
كأن الكلمة نفسها بتوجع.
هزّت راسها بقوة:
— لا… لا…
— اتكلمي!
صوته علي.
— خدتي إيه تاني؟
— غرضك كان إيه؟
منى ما ردتش.
فضلت تهز راسها برعب،
وشفايفها بتهمس:
— مسرقتش…
— منى مسرقتش…
حسن وقف. بص لها لحظة طويلة شاف علامه على رقبتها لمسها لكنها انتفضت فمسكها غصب عنها ونظر وتفجأ من الى شافه
علامات زرقا وكأنها كدمات من بضع ساعات بل لاحظ علامة كف على وشها كأن حد ضربها
سابها باستغراب قال- يعنى مش هتتكلمى
مردتش عليه بص لها لحظة طويلة.
وبصوت ناشف قال:
— يا عسكري.
الباب اتفتح.
— خُدها على الحجز الانفرادي.
— ومحدش يدخلها ولا يشوفها… حتى رئيس القسم نفسه.
العسكري استغرب،
بس أومأ ونفّذ.
منى قامت تتسحب،
رجليها مش شايلة،
والكلبشات في إيديها بتخبط في بعض.
حسن فضل باصصلها
وهي بتختفي ورا الباب.
راح مكتبه،
قعد على الكرسي،
سند جبينه بإيده وقال بصوت واطي:
— في حاجة كبيرة هنا…
— والبنت دي مش مجرد حرامية.
بدران كان قاعد على الكرسي اللي ماليه،
ضهره مستقيم،
وسيجارته السميكة بين صوابعه،
الدخان مالي المكان كأنه ستار بيغطي القذارة اللي حصلت.
رانيا قالت بلهفة:
— كده الموضوع خلص؟
نادين ردت وهي عاقدة دراعاتها:
— معتقدش… لو البنت دي ليها أهل، الموضوع ممكن يكبر.
بدران نفَض رماد السيجارة وقال بثقة باردة:
— يوسف قال ملهاش حد.
— عايشة لوحدها، وحتى الشارع مبتنزلش له.
نادين رفعت حواجبها:
— عرف ده كله في يومين؟
بدران بص ليوسف من بعيد، نظره مليانة احتقار:
— باين إن البنت كانت شاغلة ابنك أوي.
رانيا زعقت:
— كفاية تلقيح عليه يا بدران!
بدران لف لها بحدة:
— ابنك غلط…
— وغلط كبير.
— واحنا عارفين ده كويس.
— بس الغلط ده لازم يفضل مدفون.
— عشان مستقبله، وعشان اسم العيلة.
رانيا سكتت…
بس القلق في عينيها باين.
قالت بهمس:
— طب التحقيقات هتثبت على إيه؟
نادين ردت فورًا:
— أنا شهدت ضدها.
— وده دليل كافي.
رانيا بلعت ريقها:
— والعقوبة؟
بدران سحب نفس طويل من سيجارته،
وزفره ببطء،
كأنه بيطلق حكم إعدام:
— مفيش عقوبة تتطبق…
— غير إن البنت دي تختفي.
— تتبعد تمامًا.
— كأنها ما كانتش موجودة أصلًا.
صمت تقيل نزل على المكان…
والكل كان عارف إن “الاختفاء” في عالم بدران
معناه حاجة واحدة بس.
التليفون رن.
بدران بص له لحظة، وبعدين رد بصوت هادي… — أيوه يا حسن؟
صوت الضابط جه من الناحية التانية متردد:
— معلش على الإزعاج يا بدران بيه… بس البنت اللي في قضية التعدي على بيت حضرتك والسرقة… حضرتك متأكد إنها الفاعلة؟ لأن شكلها…
قاطعه بدران بنبرة حادة:
— شكلها إيه؟
حسن بلع ريقه:
— شكلها غلبانة، ومش موزونة عقليًا… فكنت بفكر نراجع القضية ويمكن نخرجها…
إيد بدران قبضت على السيجارة بقوة،
الرماد وقع على الأرض،
وصوته نزل تقيل زي الرصاص:
— أنا سلّمتك مجرمة، يا حسن.
— ولو خرجت أو هربت…
— هبعت ضابط أعلى منك يجيبها،
— وساعتها مش هينولك غير الأذى في شغلك.
صوت حسن ارتعش:
— ليه كده يا بدران بيه؟
— يبقى تشوف شغلك.
— وعندك شاهدة عليها.
نادين قربت من بدران وقالت بثقة:
— أنا هروح أقول شهادتي بكرة.
بدران كمل وهو باصص للتليفون:
— سمعت؟
— فبلاش أجي القسم وأسمعك يا حسن.
— ولو خرجت… إنت اللي هتكون السبب.
سكت حسن لحظة،
وبعدين صوته اتغير…
فهم قصده:
— عايزها تشرفنا قد إيه؟
بدران قال ببرود قاتل:
— لحد ما أديك إشارة.
— تمام يا باشا.
قفل بدران المكالمة،
ونفث دخان سيجارته في الهواء…
كأنه بينفخ روح منى بعيد عن الدنيا.
منى دخلت الزنزانة.
أول ما الباب اتقفل وراها بصوت حديد تقيل، جسمها انتفض ورجعت لورا، خبطت في الحيطة وهي بتدور على أي مساحة تهرب فيها من الرعب.
إيدها المجروحة كانت نشفت،
محدش لمسها،
محدش قال لها “أنتِ كويسة؟”،
ولا حتى شال عنها الوجع.
المكان هنا قاسي.
مش شبه أي مكان عرفته قبل كده.
الشرطة اللي كانت فاكرة إنهم أمان…
طلعوا أكتر ناس يخوفوا.
ليه؟
ليه مش مصدقينها؟
هي عملت إيه غلط؟
كانت عايزة ترجع البيت…
كانت فاكرة إنهم هيحموها…
مش يحبسوا روحها في ضلمة.
ضمت دراعتها على نفسها.
البرد كان داخل عضمها،
جسمها مرهق، متسخ، ومكسور.
زي لعبة اتكسرت واترمَت.
كانت قبلها مسجونة في بيت…
بس كان فيه أمان.
دلوقتي هي مسجونة في الدنيا نفسها.
الدنيا اللي فيها ناس،
بس محدش طيب.
محدش حنين.
كانت عايزة ترجع…
للمكان اللي فيه “على”.
لحد يحضنها.
لصوت يقول لها إنها مش وحشة…
إنها مش غلطانة.
بس هنا…
مفيش غير الحيطان،
والبرد،
وسؤال واحد بيلف في دماغها زي سكينة:
هي عملت إيه عشان تستاهل كل ده؟
جلست منى على الأرض.
حتى الأرض كانت متلجة،
والحيطان أبرد من إنها تستحمل جسمها الرقيق.
المكان مش مناسب لها…
ولا عمره كان.
كانت حاسة إن قلبها هو اللي اتجمد،
مش من البرد،
من الخوف.
من الاحتياج للأمان.
بصوت طالع بالعافية،
كأنه آخر خيط بيمسكها بالحياة،
نطقت اسم واحد بس:
علي…
**************************
أمام المصنع،
كان علي واقف وسط العمال،
شايل معاهم على كتافه،
يرفع البضاعة ويحطها في العربية،
ولا كأنه صاحب مكان…
ولا كأنه واحد الدنيا مستنياله حرب.
قال مدير المصنع:
ـ كده البضاعة اتحملت يا ابني.
رد علي وهو بينفض إيده:
ـ شكراً.
طلع الفلوس ومدهاله:
ـ اتفضل… دي فلوس حج إسماعيل.
الراجل خدهم،
قعد يعد،
وعلي بص في ساعته لا إراديًا.
كان مستعجل.
مش عايز يتأخر.
مش عايز يوصل بعد المعاد اللي قاله لمنى.
كان كاره فكرة إنه يخلف وعده…
خصوصًا معاها.
خلص الراجل العد،
رفع عينه وقال:
ـ كله تمام.
سلّم على علي ومشي.
علي اتحرك فورًا، خرج على الطريق يشق سكون الفجر، مستني أي مواصلة.
الساعة تلاتة ونص، الشارع شبه فاضي، حركة السير تكاد تكون معدومة.
فضل واقف، عينه حمرا من قلة النوم، جسمه مجهد، بس فكرة رجوعه لبيته كانت طوق نجاته.
بعد شوية، عربية ظهرت من بعيد ووقفت.
ركب علي بهدوء، دفع الأجرة، واحتضن الشنطة كأنها آخر ما يملكه، وسند راسه على الشباك بتعب.
همس بصوت واطي:
"مش هتأخر إن شاء الله عليكي يا منى."
غمض عينه غصب عنه لحظات، لكن أنفه التقط ريحة غريبة…
دخان سجاير تقيل.
فتح عينه وبص قدامه.
السواق والراجل اللي جنبه بيدخنوا بشراهة، بيضحكوا ويرغوا، ومفيش أي تركيز على الطريق.
قلبه اتقبض، وحس إن التعب اتحول قلق.
كان علي بيحاول يتجاهل، رغم إن الدخان خانق ومزعج لكل اللي في العربية.
تنهد بضيق.
فجأة، مطب جامد…
العربية اهتزت بعنف.
علي اتضايق وقال بنبرة مكبوتة:
"ممكن حضرتك تركز في السواقة شوية؟"
السواق رد وهو باصص قدامه:
"مركز أهو يا باشا، هو حد اشتكالك؟"
علي قال بحدة:
"أنا اللي باشتكي. إحنا راكبين نروح، مش ناخدنا في حتة تانية."
السواق لف وشه بنرفزة:
"في إيه؟ إنت عايز تتخانق وخلاص؟"
علي اتعصب:
"اللي إنت عايزه، بس طالما طريقتك كده يبقى آه."
الراجل اللي قاعد جنبه مد إيده ومسَكه:
"اهدَى يا ابني."
علي قال وهو بيحاول يتمالك نفسه:
"أنا هادي، بس طريقته مستفزة."
السواق رد بسخرية:
"مالها طريقتي؟"
علي انفجر، لكن الراجل شدّه أكتر وقال:
"خلاص يا أسطى، ركّز في السواقة خلينا نوصل على خير.
وإنت يا ابني اهدى."
سكت علي، حاول يتجاهل الموقف.
مش عايز خناق… مش عايز مشاكل.
كحّ من كتر الدخان اللي دخل صدره، وحس بدوخة تقيلة.
فتح الشباك يجدد الهوا، لكن دماغه كانت بتتقفل.
مش نعاس…
إحساس غثيان، عدم استيعاب، تِقَل في الوعي.
غمّض عينه…
وغِفي غصب عنه، زي واحد متخدّر.
في نص الطريق، العربية مكملة سيرها.
فجأة… كمين.
الراجل اللي جنب السواق زغده بإيده وقال واطي:
"وطي السرعة."
السواق هدى فورًا، طلع معطّر، ورش العربية بسرعة.
العربية وقفت.
أمين الشرطة قرب وقال:
"رخصك."
السواق طلع الرخصة وناولها للظابط:
"اتفضل يا فندم."
الظابط بصله من فوق لتحت، شم الهوا وقال بشك:
"إيه الريحة دي؟"
السواق رد بسرعة:
"معطّر يا بيه."
الظابط قرب أكتر، نبرته تقيلة:
"إنت هتستعبط هونا بسألك عن عن المعطّر بردو."
قال السواق بتوتر:
"أمال إيه؟"
الظابط مسح وشه بإيده وقال ببرود:
"فتّشولي العربية دي."
السواق حاول يعترض:
"يا باشا الناس دي مروّحة بيوتها و—"
الظابط قاطعه بنبرة حادة:
"إنت هتعلّمني أشوف شغلي إزاي؟"
سكت السواق فورًا.
العساكر نزلوا الركاب واحد واحد.
علي كان متسند، بالكاد واقف.
عسكري زقّه وقال:
"إنت يا أخ… انزل."
علي فاق على الصوت:
"في إيه؟"
"انزل."
نزل علي باستغراب، رجله تقيلة، رأسه لسه دايخة.
الظابط بصله وقال:
"فتّشوا اللي معاهم."
الشنط اتاخدت، والناس واقفة مذهولة.
من ضمنهم شنطة علي.
بعد لحظة، عسكري قرب وهو ماسك حاجة:
"لقينا ده يا باشا."
كانت سيجارة مطفية…
وكيس صغير فيه مادة مجسّمة.
الظابط مسكهم، بص، وقال ببرود قاتل:
"حشيش… يا ريس."
السواق اتخض وقال بسرعة:
"مش بتاعي والله يا باشا!"
الظابط لف وشه ناحيتهم:
"خدوا الكل… هتشرفوا معانا شوية."
الركاب بصّوا لبعض في ذهول.
علي حاول يتكلم:
"ممكن تاخدوه هو بس…
إحنا مسافرين عادي."
لكن الصوت ضاع…
وسط زمجرة العساكر وإغلاق الأبواب.
لفّ له الظابط وقال بنبرة شك:
"هنحلّلكوا… مش ممكن بتشربوا مخدرات إنتوا كمان."
علي اتضايق، حاول يسيطر على صوته:
"أنا لازم أروح… مينفعش أتأخر. لو سمحت سبني أمشي."
الظابط بصله شوية، قبل ما يرد.
في اللحظة دي قرب عسكري وقال:
"لقينا الفلوس دي يا باشا."
كانت الفلوس في شنطة علي.
الظابط مسكها، عدّ بعينه، وقال بسخرية:
"عايز تمشي؟
وسارقهم منين دول؟"
علي شدّ نفسه وقال بثبات:
"أنا مش حرامي.
كنت في سفريّة ودي فلوس صاحب الشغل."
الظابط ضحك ضحكة قصيرة:
"حد يمشي بخمس آلاف؟ قابض ولا اى،عرفت إنك إنت بالذات… هتقعد معانا."
قرب منه أكتر وقال:
"لحد ما نشوف صاحب شغلك
وعنده علم بالفلوس دي ولا لأ."
علي حاول يتكلم:
"بس—"
الظابط قاطعه فورًا:
"خُدوه يا عسكري."
العسكري مسك علي.
علي زقّه بعصبية:
"ابعد! بقولك لازم أمشي!"
لكن الظابط ما سمعش.
لفّ ضهره،
ورجع قعد تاني
يكمل شغله…
وكأن علي خلاص بقى رقم.
فى الصبح، كان علي قاعد على المقاعد فى القسم، عينه بتلف على الناس اللى رايحة جاية، والظباط غرقانين فى محاضر وشكاوى، شغل ما بيقفش.
كان بيحرّك رجله بعصبية، يبص فى الساعة المعلّقة، وبعدين يرجع بعينه على السواق… نفس السواق اللى كل الركاب كانوا مش طايقينه.
جه الظابط وقال بنبرة سريعة:
"روحهم يلا."
الناس قامت فورًا، بس الظابط وقف علي:
"إنت رايح فين؟ إحنا لسه معرفناش صاحب الفلوس."
علي زق إيده بضيق:
"أنا لازم أروح، هخليك تكلمه بس سبنى أمشي."
الظابط اتضايق من طريقته وقال بحدة:
"دخّلوه الحبس، القعدة هنا مش نافعة."
العسكري قرب من علي،
علي بصله باستغراب وقال بصوت متلخبط:
"يدخلوني الحبس ليه؟… أوعى، أنا معملتش حاجة!"
العسكري شدّه وقال ببرود:
"امشي بقى."
دخل علي الحبس، وقف لحظة يبص للرجالة اللى جوه…
وشوش غريبة، نظرات تقيلة، أشكال مريبة لا تشبهه ولا تشبه عالمه.
ساعتها حس إن الغلطة مش بس الاتهام…
الغلط إنه بقى واحد منهم، ولو مؤقتًا.
علي مقعدش، فضل واقف مكانه، خايف…
خايف يلبّسوه التهمة، يطلع مجرم أو حرامي، أو الأسوأ إن القعدة هنا تطوّل أكتر من كده.
بعد شوية، باب الحبس اتفتح، ودخل السواق والراجل اللى كان قاعد جنبه.
بصّوا لعلي، وبعدين قعدوا على جنب بعيد عنه.
ساعتها علي كان شايط.
قرب منهم فجأة، مسك السواق جامد من هدومه وقال بغضب مكبوت:
"إنت السبب… إيه اللى وقفك قدامي؟!"
السواق زق إيده:
"ابعد إيدك، وأنا مالي؟!"
قال علي وصوته بيترعش من القهر:
"بسببك اتأخرت عليها… أختي قاعدة لحد دلوقتي مستنياني، وأنا سايبها لوحدها فى البيت!"
ضحك السواق بسخرية:
"محنا كلنا سايبين عيلتنا، هى أختك بس يعنى؟… وبعدين بلوتي أكبر منك، متصدعنيش بقى."
عين علي ولعت.
السواق طلع اله حاده
"بقولك إيه… سيبني، أنا ساكتلك من الصبح. بلاش أعمل عاهة فى وشك الحلو ده."
فى اللحظة دى، الشاويش خبط على باب الحبس بعصبية:
"الصوت!"
علي ساب السواق وبعد عنه.
مش خوفًا منه…
لكن عشان ميطلعش من هنا مصاب، ويرجع لأخته وهي تشوفه كده وتخاف عليه.
فضل علي قاعد فى الحبس، ساند ضهره على الحيطة، وقاعد فوق أرض قذرة ريحتها خانقة.
فى نص الليل، الشاويش فتح الباب ونادى على السواق.
علي رفع راسه بسرعة، بصّ له بحدّة، وشاف السواق بيقوم ويمشي معاه.
قام علي فجأة وقال:
"وأنا؟!"
قال الشاويش ببرود:
"الظابط مدّنيش أمر."
علي قرب من الباب وهو شبه منهار:
"أنا لازم أمشي… خرجوني من هنا!"
الشاويش بصّ له بضيق:
"اقعد مكانك بدل ما تجيب لنفسك مشاكل."
علي صوته علي، والغضب طالع من صدره:
"أوعى بقولك!"
زقه الشاويش بقوة وقفل الباب فى وشه.
علي ضرب على الباب بإيديه الاتنين:
"افتحولي! أنا لازم أروووح… افتح بقولك!"
ولا حد رد.
كأنه مش موجود…
كأنه صوته مش واصل لحد.
تنهد علي بقهر، خبط الباب مرة أخيرة، وبعدين رجع قعد مكانه.
عدّى الليل تقيل…
يوم تاني جه، وعلي كان بات ليلة ونص فى السجن.
باله مشغول، قلبه مش مرتاح، إحساس الخطر مش سايبه.
قام وخبط على الباب:
"افتحوا… عايز أروح الحمام."
مفيش رد.
قال عل بسهريه"ده كمان ممنوع؟"
الباب اتفتح. ظهر عسكري وقال بحدة:
"امشي."
خرج علي بضيق ومشي وراه، لحد ما وصّله الحمّام.
قال العسكري "بسرعة."
علي وقف، وبصّ له وقال:
"أنا هخرج إمتى؟"
العسكري هز كتفه:
"اللي عرفته إن الباشا لسه موصلش للفلوس اللي كانت معاك."
قال علي بلهفة:
"بتاعة إسماعيل… والله أمانة، لو حصل للفلوس حاجة أنا اللي هشيلها."
العسكري قال وهو ماشي:
"خلص وسيبها على ربنا."
علي استوقفه:
"ممكن اعمل مكالمة؟ خدوا التليفون مني."
العسكري رد " انت عارف مفيش تليفونات بنشيلها فى الخدمة."
علي "أرجوك… عايز أطمن على أختي. مش هنسالك جميل، إنت متغرب زيّي."
العسكري وقف لحظة…
بصّ له، رقّ قلبه، وطلع تليفون صغير من جيبه وقال:
"انجز."
اداله التليفون ومشي بعيد.
علي كتب رقم البيت بسرعة، إيده بتترعش.
رن…
رن تاني…
ولا حد.
قلبه انقبض.
قال يمكن نايمة.
رن تالت…
ورابع…
والرنة بترجعله فاضية.
ولا سماعة اترفعت.
ولا صوت يدل إنها في البيت.
وشّ علي شحب، صدره ضاق،
إحساس تقيل قفل نفسه جواه…
حاجة غلط.
غلط قوي.
قلق علي زاد، صوته خرج مبحوح وهو ماسك التليفون:
"ردّي يا منى… ردّي بس."
فجأة افتكر حاجة.
فتح عينه بسرعة، كتب رقم تاني وهو بيهمس:
"كويس إني حفظت رقم عم جمال."
رن عليه فورًا.
كان جمال قاعد مع راوية، القلق باين في عينيه.
قالت راوية وهي متوترة:
"البنت مرجعتش… عدى يومين يا جمال."
تنهد جمال بعمق وقال:
"وعلي فين كل ده؟ هقوله إيه لما يرجع."
قالت راوية بخوف:
"خلّينا نبلّغ."
رد جمال بحسم وهو بيقوم:
"ده اللي هعمله. مش هستنى يوم زيادة."
وسكت لحظة، صوته واطي:
"البنت عيانة… ممكن تكون اتأذت، أو…"
قاطعت راوية بسرعة:
"بعد الشر إن شاء الله تكون كويسة. يمكن تايهة، أو عند حد."
بصلها جمال بنظرة موجوعة:
"الولاد دول ملهمش حد يا راوية."
قام، لبس جلابيته بسرعة، شدّها عليه وقال:
"خليكي هنا… أنا رايح القسم."
خرج من البيت بخطوات تقيلة.
وصل القسم، المكان زحمة وأصوات عالية.
دخل وهو راجل كبير سن، ملامحه بتطلب المساعدة قبل الكلام.
وقف قدام الشباك، صوته مهزوز بس ثابت:
"عايز أعمل بلاغ عن بنت… بقالها يومين مختفية."
قال الظابط بهدوء:
"اتفضل يا حج."
قال جمال وهو ماسك عصايته بإيد مرتعشة:
"كنت عايز أبلغ عن حالة غياب."
رفع الظابط عينه من الورق:
"عدّى ٢٤ ساعة؟"
رد جمال بسرعة:
"عدّى يومين كاملين، ولسه مرجعتش."
قال الظابط:
"مين؟ بنتك؟"
هز جمال راسه بالنفي:
"بنت شابة… جارتنا، ملهاش حد. أخوها مسافر شغل ولسه مرجعش."
كتب الظابط شوية بيانات وقال:
"اسمها إيه؟ واديني مواصفاتها أو صورة."
تنهد جمال بعجز:
"معيش صورة… بس عندها حاجة وعشرين سنة، شعرها أسود، عينها سودا… وطيبة قوي."
رفع الظابط نظره وقال بنبرة رسمية:
"الصورة مهمة يا حج، بتسهّل علينا."
سكت جمال، الإحباط باين على وشه.
قال الظابط وهو بيقفّل الدفتر:
"تمام، هنحاول ندور. متقلقش."
قال جمال بصوت واطي:
"ربنا يجازيك خير يا ابني."
خرج من القسم، قلبه تقيل وخطواته أبطأ من سنه.
في اللحظة دي…
رن تليفونه.
بص للشاشة، رقم غريب.
رد وهو مش مطمّن:
"ألو؟"
جاله صوت علي، متقطع ومرهق:
"ألو… أنا علي."
وقف جمال فجأة، قلبه دق جامد:
"علي! إزيك يا ابني؟ فينك؟"
قال علي بسرعة وهو بيحاول يتمالك نفسه:
"أنا كويس الحمد لله… بس ممكن تدي التليفون لمنى؟ برن عليها من البيت ومش بترد."
سكت جمال.
السكون كان تقيل أكتر من أي كلام.
قال جمال بصوت مكسور وهو بيحاول يثبت:
"منى…
رد علي "أيوه… إنت مش في البيت؟"
قال جمال بنبرة مترددة:
"لا والله يا ابني، بس…"
قلب علي وقع:
"بس إيه؟"
قال جمال وهو بيحاول يهدّي صوته:
"منى مش في البيت."
استغرب علي، صوته علي:
"إزاي؟ منى مبتخرجش أصلاً!"
قال جمال بحزن:
"عارف يا ابني… طب إنت فين الأول؟"
رد علي بحدّة:
"ملكش دعوة بيا، أنا هكون كويس… المهم منى، هي كويسة؟"
تنهد جمال:
"معرفش، بس إن شاء الله هتكون كويسة."
علي اتوتر أكتر:
"يعني إيه هتكون؟! منى فين؟"
قال جمال بصوت مكسور:
"معرفش… متغيّبة من يومين، ولسه مبلّغ عنها."
اتجمد علي في مكانه:
"متغيّبة؟!"
قال جمال بسرعة:
"متقلقش يا ابني، هيلقوها إن شاء الله."
ضحكة مبحوحة طلعت من علي وهو قلبه بيرتعش:
"هيلقوها؟! منى متغيّبة من يومين… يعني إيه؟!"
إيده كانت بترتعش، التليفون هيقع منه.
في اللحظة دي، الشاويش معدى وشافه ماسك الموبايل:
"إيه ده؟ جبت التليفون منين؟!"
علي صرخ في السماعة، صوته متكسر:
"منى فين يا عم جمال؟ منّى فييييين؟!"
خدّ الشاويش التليفون بعصبية وقال:
"إنت بتعمل إيه؟!"
على مسك التليفون بإيده الاتنين، صوته طالع من قلبه:
"بطمن على أختي!"
الشاويش شده منه بعنف، وعلى صرخ بانهيار:
"بطمن على أختتتي بقووولك!"
ضغط الشاويش على دراعه وخبطه في الحيطة، وخد التليفون غصب عنه.
الألم مكانش في جسم علي… الألم كان في قلبه.
الإحساس اللي كان مكمله من يومين، القلق، الشؤم، الخوف اللي من غير سبب…
طلع مش وهم.
أخته متغيّبة.
أخته محدش يعرف طريقها.
أخته مش نايمة في سريرها.
إنتي فين يا منى؟
إنتي فين دلوقتي؟
حد وجّعك؟ حد خوّفك؟ ولا لوحدك؟
قعد علي في الحبس، رايح جاي زي المسجون جوّه دماغه.
دي الليلة التالتة، بس أول مرة يحس إنه اتحبس بجد.
كل دقيقة بتعدّي تقيلة، وكل ثانية سؤال:
رجعت؟
حد لقاها؟
ولا لسه تايهة؟
الباب اتفتح فجأة.
قال الشاويش بلهجة ناشفة:
"اخرج يلا."
مشي علي وراه، رجله تقيلة وقلبه أسرع من خطواته.
دخل مكتب الظابط…
وشاف إسماعيل واقف.
إسماعيل أول ما شافه، وقف وقال بلهفة:
"اتأخرت عليك يا علي."
قال علي وهو لسه مش مستوعب:
"عرفت منين إني هنا؟"
قال إسماعيل بصوت هادي وفيه تعب:
"سألت عليك… قلت يمكن اتأخرت في الشغل، البضاعة وصلت وأنا مستنيك، ولما غيبت عرفت إنك في القسم."
الظابط اتكلم بنبرة رسمية:
"الأستاذ إسماعيل أكد إن الفلوس اللي كانت معاك بتاعته، وإنها أمانة مقابل شغل وتسليم بضاعة."
علي ما ردش…
كان سامعه، بس مش حاسس بالكلام. دماغه كلها عند اسم واحد بس: منى.
قال إسماعيل بأسف حقيقي:
"معلش يا علي."
علي بصله وقال بسرعة:
"ملكش دعوة… كفاية إنك جيت، خصوصًا وإنت تعبان."
قال الظابط:
"هتضمنه يا أستاذ إسماعيل عشان يخرج؟ وفي كفالة."
علي انفجر:
"كفالة إيه؟! أنا اتظلمت، وكمان أدفع كفالة؟!"
الظابط بصله بضيق:
"إنت بتزعقلي؟!"
علي صوته علي وغصب عنه:
"أيوه! بسببك أختي متغيبة! بسببك اتحبست وأنا مش عارف أوصلها! هخرج من هنا ومش لاقيها!"
الظابط غضب وقال بصوت عالي:
"يا شاويش!"
إسماعيل قرب بسرعة، حط إيده على بُق علي وقال بلهفة:
"بس يا علي… بس. هيرجعوك تاني، اطلع من هنا على خير."
وبص للظابط وقال باعتذار محترم:
"أنا آسف يا أفندم، أعصابه تعبانة."
شدّ علي نفسه بالعافية وكتم الغضب اللي كان هيوديه في داهية.
هو عارف كويس… هنا مالوش سلطة، وأي تهوّر هيغرقه أكتر.
إسماعيل دفع الكفالة، وخرجوا سوا.
ركبوا تاكسي، وعلي ساكت، عينه قدّامه بس مش شايفة الطريق.
الخوف قاعد جواه تقيل، تقيل أوي.،مد إسماعيل إيده بفلوس وقال-دى اتعابك ياعلي
بصله على قال-هعنل بيها اى؟!
استغرب اسماعيل نزل على من التاكسي منغير ميبص للفلوس الى ملهاش اى تلاتين لازمه قصاد إنه ساب أخته واختفت
أول ما وصل دخل بيته…
الهدوء كان قاتل.
هدوء مش طبيعي…
البيت فاضي، بارد، مفيهوش نفس منى.
وقف في النص، قلبه وقع في رجليه.
كان نفسه يرجع يلاقيها مستنياه، تزعل شوية وبعدين تضحك.
بس مفيش غير الفراغ.
خبط الباب بعصبية.
فتح جمال، وراوية وراه.
قالت راوية بلهفة:
"علي يا ابني…"
علي من غير مقدمات:
"لقوها؟!"
جمال سكت…
السكات كان أوجع من أي كلام.
وبعدها هز راسه بالنفي.
راوية عيطت وقالت:
"أنا آسفة… كان لازم أقعد معاها. اليوم ده شفتها راكبة عربية مع واحد… فكرته قريبها."
علي اتحجر مكانه:
"واحد مين؟!"
قالت راوية بصوت مهزوز:
"مش عارفة… عربية شيك، وهو شكله مش غريب قوي. ندهتلها، حاولت ألحّقها… بس العربية مشيت."
علي حس إن الأرض بتهرب من تحت رجليه.
صوته طلع مكسور:
" حد؟!"
دخل علي البيت بسرعة، فتح الدرج، طلع صورة منى، بص لها ثانية كأنها بتتكلم، وخرج على طول.
جمال نده وراه:
"استنى يا ابني أجي معاك."
علي مردّش.
كان ماشي بسرعة، رجله سابقاه، غضبه سابقه، وجمال العجوز عارف إنه مش هيقدر يلحقه.
وقف مكانه، بص له وهو بيبعد، وقال بحسرة:
"ده تقصير مننا… مصونّاش الأمانة."
راوية بصّتله بعين مليانة حزن وسكاتها كان أوجع من الكلام.
علي وصل القسم.
دخل، صوته طالع متماسك بالعافية:
"كنت عايز أسأل عن محضر غياب باسم منى…"
الضابط رد ببرود:
"لسه موصلناش لحاجة. المحضر ناقص، ومنعرفش شكلها أصلاً."
علي من غير ما يتكلم، طلع الصورة ومدّها له.
الضابط خدها، بصّ للصورة، وبص لعلي.
علي بدأ يتكلم بسرعة، كأنه خايف الوقت يهرب منه:
"عمرها ٢٣ سنة، وهتتم ٢٤، فصيلة دمها O موجب، طولها ١٦٥، وزنها ٦٣."
الضابط رفع عينه وبص له باستغراب من كمّ التفاصيل.
علي كمل وهو قرب خطوة:
"قولي محتاج إيه تاني؟ أي حاجة… عشان تبدأوا تدوروا عليها."
الضابط سكت شوية، كان شايف في عين علي قلق حقيقي، خوف مش تمثيل.
علي صوته واطي بس مكسور:
"أرجوك… ادّي أمر بغيابها. أكيد هي دلوقتي خايفة."
الضابط قال بنبرة رسمية:
"إنت بتتكلم كأنها واحدة مش بالغة جسديًا ولا قانونيًا."
علي انفجر بس من غير صوت عالي:
"دي مريضة… وجودها برّه خطر."
على صعب على الظابط، فالتفت وقال: ـ يا شاويش.
قرب منه راجل وقال: ـ نعم يا فندم؟
قال الظابط وهو بيديله الصورة: ـ خد، فعِّل أمر بحث عن البنت دي، شوفوا المستشفيات والمراكز، أي مكان ممكن تكون اتشوفت فيه.
أومأ الشاويش بطاعة، خد الصورة ومشي.
على قال بصوت مخنوق: ـ شكرًا.
الظابط رد بهدوء: ـ ده شغلي.
قال على بسرعة: ـ لو في أي جديد كلّمني فورًا، أرجوك.
ساب له رقم تليفونه ولفّ عشان يمشي.
الظابط حاول يناديه: ـ هي تقربلك إيه؟
بس على ما سمعش، كان ماشي بسرعة، قلبه سابقه.
كان عنده مهمة أكبر من أي سؤال… يدور على أخته.
وصل على قدام مقر شركة كبيرة، أول ما دخل الأمن وقفه: ـ على فين؟
قال على: ـ دي شركة رضوان.
الأمن صححه ببرود: ـ اسمه رضوان بيه.
على ما اهتمش، وقال: ـ عايز أقابله.
الأمن رد بحزم: ـ ممنوع دخول أي حد.
سأله على: ـ هيخرج إمتى؟
قال الأمن: ـ معرفش.
بعد على خطوتين، وقف، لفّ وبص للشركة تاني…
ضخامتها، فخامتها، الغِنى اللي باين في كل تفصيلة.
ابتسم ابتسامة سخرية وهو بيتمتم جواه.
فضل واقف مكانه،
الأمن قرب منه وقال: ـ امشي لو سمحت.
بس علي ما اتحركش.
واقف… مستني.
مع دخول الليل، سمع صوت بيقول: ـ اتفضل يا رضوان بيه.
علي رفع عينه فورًا، شاف رضوان وهو بيقرب من عربيته.
في ثانية كان علي اتحرك، وصوته طلع عالي: ـ رضــــوان!
الأمن بص له بدهشة: ـ إنت لسه هنا؟!
رضوان وقف.
الطريقة اللي اسمه اتنطق بيها… من غير ألقاب، من غير «بيه»، خلت قلبه يقف لحظة.
لفّ وبص ناحية الصوت.
وقعت عينه على شاب واقف قدامه.
اتجمّد.
نفس الملامح اللي محفورة في ذاكرته من سنين…
نفس العين المتمردة.
نفس النظرة اللي فيها تكبّر وغرور.
نفس الطريقة اللي بينطق بيها اسمه، لا خالو ولا أي مسمّى.
قالها وهو مش مصدّق: ـ علي؟!!
علي قرب خطوة: ـ عايز أسألك عن حاجة.
رضوان قال للأمن من غير ما يشيل عينه عنه: ـ سيبه.
الأمن بعد فورًا.
رضوان بص لعلي، استغرب إنه واقف قدامه بالشكل ده، في المكان ده،
وقال: ـ إنت هنا من إمتى؟
رد علي بهدوء تقيل: ـ من الصبح.
رضوان ضحك ضحكة خفيفة مش مفهومة: ـ جاي لحد عندي… ومستني طول اليوم… وعايز تسألني عن حاجة؟
قرب منه خطوة، وصوته نزل: ـ فاكر جملتك ليا زمان؟
^ فلاش ^
كانت منى واقفة، ماسكة إيد علي الصغير.
عينيه متضيقة، مليانة وجع وغضب من اللي بيسمعه، بس ساكت.
رضوان كان قاعد قدامهم، وأمه جنبه.
قال رضوان ببرود: ـ مش هعرف أشيل مسؤوليتهم… خليهم معاكي.
بصتله أمه بوجع: ـ أختك ماتت، وجوزها مات… العيال بقوا أيتام.
مفيش غيرنا ليهم.
رد وهو متضايق: ـ أعملهم إيه يعني؟
قربت أمه منه أكتر، وصوتها كان تعبان: ـ خليك معاهم… لو حصلي حاجة.
أنا مش ضامنة عمري، مريضة، ومش عارفة هكمل ولا لأ.
لو سيبتهم… هيضيعوا في الشارع يا رضوان.
زفر بضيق وقال: ـ أنا مش فاضي للمسكنة دي.
لو محتاجة فلوس قولي، غير كده أنا مش مربي أطفال.
وبعدين… هما متكفلين بنفسهم.
بص ناحية علي، وقال بضيق بارد: ـ وبصراحة، مش طايق نظرة الولد دي الى بيرمهالى…باين ان أختى ما عرفتش تربيه
علي كان هيهجم، جسمه كله شدّ،
لكن منى شدّت إيده بسرعة وقالت: ـ علي.
كلمة واحدة…
خلّته يقف مكانه، عشان أخته الكبيرة.
رضوان قام، طلع فلوس وحطها على الترابيزة بلا مبالاة: ـ كويسين دول.
لفّ ضهره علشان يمشي،
لكن علي فجأة مسك الفلوس بإيده الصغيرة، ورماها عليه بكل اللي فيه.
وقف بدران واتسمر مكانه، وبص لعلي بدهشة.
قالت ستّه بصدمة: ـ علي! بتعمل إيه؟!
رفع علي راسه، وصوته كان ثابت أكتر من سنه: ـ مش محتاجين مساعدتك.
رضوان لف وبصله، حط إيده في جيبه بهدوء متعالي.
علي كمل، وهو بيشاور ناحية الباب: ـ اخرج من هنا.
قالت ستّه منى بسرعة وهي مرعوبة: ـ منى، خدي أخوكي وادخلوا جوه.
منى مسكت إيد علي، وهو كان بيشد إيده رافض،
لكن رضوان اتكلم قبل ما يتحركوا:
ـ حالتكم لوحدها محتاجة مساعدة…ولو مش عشانك، فعشان أختك.
وكان قصده واضح…تأخرها العقلي.قرب رضوان خطوة، وبص لعلي بنظرة فوقية: ـ انت يا ولد هتحتاجني.
المسؤولية اللي شايفني متخاذل فيها دلوقتي…لما تكبر هتقول يلا نفسي.ومش هتشيل أختك منى دى،عشان هتحس إنها مسؤولية أكبر منك.
علي رد فورًا، من غير تردد: ـ مش هيحصل.
رضوان بصله،
نظرة تمرد الولد دا ضايقته،
بس ما قدرش ينكرها.
خد بعضه وخرج…
مطرودًا من طفل عمره سبع سنين بس.
باك.
افتكر علي إن حتى في جنازة ستّه،
مكانش مرحّب برضوان.
حضر الدفنة وخلاص…
لا عزاء، ولا كلمة، ولا حتى نظرة.
كأنه بيؤدي واجب تقيل ويمشي.
علي خاف من كلام رضوان يكون حقيقه ويبقا زيه،
يحس مسؤولية أخته عبء.
بس العكس…
منى ما كانتش مجرد أخته.
كانت عيلته الوحيدة،
حبيبته،
وبنته الأولى…
قبل ما تكون أخته.
قال علي بصوت واطي لكنه قاطع: ـ لو مكنتش مضطر… مكنتش جيتلك.
رضوان بصله باهتمام ممزوج بفضول: ـ عندي فضول أعرف…
إيه الاضطرار اللي يوصلك إنك تيجي لحد عندي؟
رد علي من غير لف: ـ منى معاك.
رضوان اتفاجئ، رفع حواجبه: ـ منى؟!
هتكون معايا إزاي وليه؟!
علي استغرب: ـ إنت مشوفتهاش؟
ولا روحتلها؟
رضوان ـ أنا؟!
سكت علي…واكسف من نفسه.
توقع غبي إن واحد متبرّي منهم من سنين
يرحمهم دلوقتى
قال علي بعد لحظة: ـ أومال العربية…
واللي كانت راكبة معاه ده مين؟
رضوان قرب خطوة، صوته بقى أهدى: ـ عربية إيه؟ثم الناس كلها عندا عربيه...... هي أختك مختفية؟
علي ما ردش،
بس نظرته كانت كفاية.
رضوان قال ببرود قاسي: ـ منى مش معاك…يبقى معرفتش تحافظ عليها يا علي.
على قلبه كان دقّ بسرعة، وبص لرضوان بعينين مليانين بضيق وخوف.
ممكن يكون هو المسؤول عن اختفائها؟
ممكن يكون كل ده بسبب إهماله؟
مشى في الطرقات القريبة من بيتهم، يسأل عن أختها في كل مكان.
يدخل هنا وهناك، يوري الباعة صورة منى، يسأل: "شفتوها؟"
لكن الجميع ينكرون… لا أحد يعرف، لا أحد، كأن الأرض انشقت وبلعتها.
فضل على قاعد على مقعد في الشارع، النهار كله عدى عليه كأنه مشهد بلا ضوء.
مش عارف يرجع البيت من غيرها…
عامل زي المتشرد.
رفع راسه للسماء وقال بصوت خافت:
ـ منى… لسه معايا؟ والسما اللي بتجمعنا… لسه واحدة؟
********
بعد أسبوع، كانت منى في زنزانة منفردة، بعيدة عن أي أحد.
طبق الأكل كان يتراكم فوق الآخر، كل طبق أمعن العفن والروائح.
الصغيرة جلست صامتة، محيطة بجسدها الرقيق الذي كان مثلجًا، مرتعشًا من البرد والوحدة.
لا أحد هنا رحيم بها، لا أحد يشفق عليها، الجميع قساة.
لم تذنب شيئًا، بل هي من تأذت…
منذ ذلك اليوم، وكل جزء في جسدها يؤلمها، وكل نفس يؤرقها، وكل حركة تُذكرها بما حدث.
في مكتب آخر، كان حسن يجلس يأكل اللبّ بهدوء.
انفتح الباب ودخل بدران.
عدل حسن جلسته بسرعة لما رآه، وقال:
ـ بدران بيه، اتفضل… إيه الزيارة الغريبة دي؟
نظر بدران بصرامة وسأل:
ـ هي فين؟
رد حسن ببرود:
ـ مين تقصد؟ آه… البنت؟ لسه في الحبس، وده اليوم اللي هتودّيها فيه هناك.
وصيت عليها، فمتقلقش… ده المكان اللي هتكون فيه بعيد عن الإعلام وأي حد تاني.
قال بدران ببرود:
ـ عايز أشوفها.
رد حسن فورًا:
ـ تمام، اتفضل.
مشي قدّامه في الممرات لحد الحبس الانفرادي… المكان اللي بدران بنفسه أمر تتحط فيه.
فتح حسن باب الزنزانة وكان داخل، لكن بدران وقفه بنظرة واحدة:
ـ خليك هنا.
ثبت حسن مكانه.
دخل بدران لوحده.
بص لمنى… كانت مركونة في آخر زاوية، ضامة جسمها لنفسها، مدياه ضهرها، ساكنة كأنها مش موجودة.
قال بصوت واطي تقيل:
ـ هتفضلي مدياني ضهرك كده كتير؟
أنا سيبت كل حاجة وجيتلك مخصوص.
مفيش رد.
ولا حركة.
سحب بدران كرسي وقعد جنبها، قرب منها أكتر وقال:
ـ عارف إنك حاسة بالخذلان… وإن دي مش النهاية اللي كنتي متخيلاها.
بس ده غلطك.
سكت لحظة، وبعدين كمّل بنبرة أبرد:
ـ لو كنتي عاقلة كفاية، كنت ههددك بالهروب… كنت هحذرك.
لكن إنتي مهما أهددك، استيعابك واحد.
وفي الآخر… مسيرك تفتحي بوقك.
مال ناحيتها أكتر وهمس:
ـ وعشان كده… كتمته.
بطريقتي.
تنهد بدران وقال بصوت منخفض لكنه حازم:
ـ أنا ابني غلط… بعترف… بس يفضل ابني. لازم أضحي بحقك عشان أحميه. غلطك إنك وثقتي بابن بدران في الآخر.
نظر لها بعينين بين الشفقة والقسوة:
ـ مكانك هنا… في السجن.
لكن متقلقيش… مش هسمح لحد يضايقك. مش وحش لدرجة كده. هتكوني تحت عيني… ومحدش هيعرف… مش هتقدري تتواصلي معاه.
خرج بدران من الحبس لحظة، وراجع وهو ماسك حاجة في إيده:
ـ أنا جبتلك حاجة… هتكون معاكي هنا في السجن.
ظهر معاه عروسة… شعرها بني، لابسة فستان كاروهات قديم… كانت نفسها تكون العروسة اللي خدتها من وعد.
قال بدران:
ـ لقيتها في أوضة… مكان ماكنتيش… قولت أجيبها ليكي، وهخد الإذن إنها تكون معاكي.
مد العروسة لها وقال:
ـ خديها… هتحتاجي تتكلمي معاها كتير.
كانت نظرتها له مستقلة، لوحدها… خليته يشك فيها وكأن القعدة في السجن علمتها تكون عاقلة كأي بشر.
قال بدران وهو يراقبها:
ـ بتبصي كده ليه؟
ردت منى بهدوء، وكأنها تتحدث لنفسها:
ـ هيرجع…
وقف بدران مذهولًا:
ـ مين؟!
أجابت منى وهي تحدق في الأرض، بصوت مبحوح وكأنها تكتم دموعها:
ـ الحق…
نظر بدران إليها، لاحظ أنها تدرك ظلمها… لكن معنى كلامها عن “اللي هيرجع” كان غامضًا بالنسبة له. رغم أثر كلماتها عليه، اكتفى برد فعل داخلي… ثم قلب ظهره ومشى بلا اهتمام ظاهر.
في اليوم التاني، اتفتح باب الزنزانة.
قال الشاويش ـ قومي.
منى ما اتحركتش.
رفع صوته:
ـ يلا قومي يابنتى، هتخرجي.
ما ردتش برضه. قرب منها، مسكها من دراعها عشان يوقفها، انتفضت وقالت برفض ضعيف:
ـ لا…
قال الشاويش :
ـ يلا، ده أمر الظابط حسن.
قومها وخرجها من الزنزانة. كانت ماشية صامتة، خطواتها بطيئة وحركتها محدودة، كأن جسمها موجود وروحها بعيدة.
قابلتها ست شاويشة زيّه، استلمتها منه وقالت:
ـ تعالي.
مشيت معاها، وكأنهم بيتناقلوها من إيد لإيد. دخلتها أوضة وادتها هدوم، وقالت:
ـ خدي، البسيهم.
مسكت منى الهدوم ودخلت تلبس. كانت الهدوم زرقة، كئيبة، لونها باهت زي حالتها. خرجت، ووشها الجميل ثابت، لا تعبير، لا دموع… كأنه تمثال.
قالت الست:
ـ يلا عشان نمشي.
ردت منى فجأة، وببساطة موجعة:
ـ هروح البيت؟
بصّت لها الست باستغراب، من غير رد.
مشيت بيها، وكان في عربية مستنياها بره… عربية شبه عربيات السجناء.
من غير محاكمة، من غير ذنب، ركبت منى العربية، وخدوها على سجن النساء.
وهي ماشية مع الست في الممر، قالت لها بنبرة باردة:
ـ اتعاملي مع ده إنه مكانك التاني… ملكيش دعوة بحد، وخليكي في حالك.
ما ردّتش منى.
بصّت لها الست وقالت بنبرة ناشفة:
ـ إنتي جاية هنا ليه؟
ما جاوبتش برضه.قالت الست وهي بتدقق فيها:
ـ إيه الجريمة اللي عملتيها يعنى عشان تدخلي هنا؟ قتلتي؟ سرقتي؟ ولا…
قاطعتها منى بامتغاض خافت، وصوتها مكسور:
ـ منى مش حرامية.
بصّت لها الست بريبة، ومن غير ما تعلق أشارت بإيدها ناحية المكان وقالت:
ـ ادخلي.
دخلت منى، وأول ما خطت جوه، اتسلطت عليها عيون كتير في لحظة واحدة.
نظرات بتقيسها من فوق لتحت…
شعرها الناعم الطويل، ملامحها البريئة، وشّها اللي لسه فيه حياة.
منى بتخاف من العيون… من النظرات اللي بتعرّي.
رجعت خطوة لورا، ارتكنت على جنب، واتخبطت في واحدة.
الإيد لمست شعرها وقالت بسخرية:
ـ جايبينها من السيما ولا إيه؟
الضحك علا، ضحك تقيل وسام.
بعدت منى بخوف، قعدت بعيد لوحدها، صغيرة وسط عالم مش شبهها.
الليل كان سيد المكان.
منى قاعدة على الأرض، مش على سرير حتى، خايفة تقرّب من حد، لأنهم مش شبهها… ولا عمرهم هيبقوا.
تمدّدت على الأرض، وقلبها محروق.
بس منى… معندهاش نعمة البكاء.
كأنها لعنة، عجز غريب عن إنها تبكي زي أي إنسان طبيعي.
لطالما لم تكن طبيعية…
ودايماً كانت أقل.
طلع اليوم التاني تقيل.
الزنازين ابتدت تتحرك، والستات قاموا واحده ورا التانية يستعدوا للشغل.
واحدة منهم بصّت على منى المرمية في مكانها وقالت باستغراب:
ـ دي مش هتقوم ولا إيه؟
قربت منها وهزّتها بخفة:ـ يلا يا بنتي، قومي بدل ما ييجوا يزعقوا علينا كلنا.
الهزّة جابت أنين…
أنين وجع.
الست اتجمدت، لفت منى ليها، لقتها صاحيه، وشّها شاحب، وساندة إيدها على بطنها، جسمها بيترعش.
عين الست وسعت فجأة، وصوتها طلع مكسور:
ـ د… دم؟
في المسجد، كان علي ساجد.
جبهته على الأرض، وعينه مدمعة، وشِفَته بتتحرك بدعاء مكتوم، رجاء طالع من قلب مرعوب.
رعشة خفيفة في جسمه وهو بيستغيث بربه من غير صوت.
سلّم من صلاته، وتنهد تنهيدة طويلة مليانة حزن.
قعد جمال جنبه، بصله بحذر وسأله:
ـ في جديد عن منى يا علي؟
هز علي راسه بالنفي، اليأس باين في عينه:
ـ لأ…
سكت لحظة، وبعدين قال بصوت واطي، مكسور:
ـ أنا خايف قوي. آخر مرة الظابط قالّي جملة مرعبة…
رفع عينه للسقف بيفتكر" ممكن أختك مش متغيبة… ممكن تكون مش موجودة أصلًا.
متفهمنيش غلط، بس إنت عارف العصابات وشغل سرقة الأعضاء… كتير.
فبلاش تتأمل إنك تشوفها… إحنا بندور عليها سواء حيّة أو ميتة."
تنهد علي، وكأن صدره اتطبق عليه، وقال:
ـ أنا مش عايز غير إنها تكون بخير… وبس.
قال جمال بحزن:
ـ أنا آسف يا ابني…
علي مردّش.
التليفون رن، بصّ في الشاشة… رقم غريب.
رد بصوت واطي:
ـ ألو؟
جاله صوت مألوف خلا وشّه يقفل فورًا:
ـ إيه يا علي… أنا رضوان.
ملامح علي اتشدّت، وقال ببرود مخنوق:
ـ إنت.
قال رضوان بسرعة قبل ما يقفل:
ـ استنى بس… كنت عايز أسألك، لسه بتدور على منى؟
قال علي ـ متقوليش إنك مهتم فجأة.
قال رضوان ـ كنت هقولك مكانها.
اتسعت عين علي، قلبه دق بعنف:
ـ منى؟!ـ إنت تعرف مكانها؟
قال رضوان:
ـ في المستشفى دلوقتي.
اتخطف نفس علي، وصوته طلع مرتعش:
ـ مستشفى؟!
ـ انطق… مستشفى إيه؟
في المستشفى…
وصل علي وهو بيجري، دخل من الباب كأنه داخل معركة.
راح مباشرة على الاستقبال، سأل بانفعال عن منى، الاسم طلع من بُقه متكسر.
الممرضة بصّت في الكمبيوتر، وبعدين رفعت عينيها وشاورت له ناحية الممر:
ـ هناك… آخر الدور.
جرى علي بكل قوته، قلبه سابقه.
لكن فجأة وقف…
عسكري واقف قدام أوضة، رافع إيده بيمنعه:
ـ رايح فين؟
قال علي بلهفة وهو بيبص ناحية الأوضة:
ـ جوه مريضة اسمها منى… مش كده؟
العسكري بصله شوية وقال:
ـ تعرفها؟
ما استناش إجابة.
قلبه سبق رجليه، ودخل فجأة.
وقف مكانه…
اتجمد.
منى.
حيّة. قدامه.
عينيه لمعت، الدنيا لفت بيه، وكل التعب وقع مرة واحدة.
منى لما شافته، عينها وسعت، اللمعة رجعت لها كأن الروح رجعت فجأة.
همست بصوت واطي مكسور:
ـ علي…
اندفع ناحيتها وخدها في حضنه بقوة، صوته طلع مبحوح:
ـ مننّى…
حضنته هي كمان، إيديها اتمسكت في ضهره، وكأنها أخيرًا لقت الأمان.
مسّد على شعرها وهو بيقول بصوت مليان عتاب وخوف:
ـ كنتي فين كل ده؟
ـ ليه تعملي فيا كده؟
بعد عنها شوية، بصّ على لبسها، على حالتها، قلبه وجعه أكتر:
ـ إيه اللبس ده؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة بريئة، وكأن كل اللي حصل اتشال أول ما شافته:
ـ علي… علي رجع.
هزّ راسه، والدموع في عينه من غير ما تنزل:
ـ أنا معاكي.
ـ أنا آسف إني اتأخرت عليكي يومها… والله غصب عني.
قالت وهي ماسكة في هدومه:
ـ علي رجع… علي مع منى.
ابتسم رغم وجعه، وحضنها تاني، صوته ثابت لأول مرة من أيام:
ـ علي مع منى دايمًا.
حضنته بقوة، وكأنها كانت طول الوقت بتدور على الحضن ده بالذات…
الحنان ده… الأمان ده.
قاطعتهم الممرضة بهدوء:
ـ بعد إذنكم… بالراحة شوية، المريضة عاملة عملية.
بص على لمنى كويس… لأول مرة يركز.
وشها شاحب، عينيها غايرة، جسمها ضعيف أكتر مما كان فاكر.
قال وهو بيقرب منها بقلق:
ـ عملية إيه؟
ـ مالِك يا منى؟
الممرضة قالت بهدوء مهني:
ـ الدكتور برّه، لو حابب تسأله.
قام علي بسرعة، منى مسكت في إيده بخوف:
ـ علي…
طبطب عليها وقال:
ـ هرجعلك تاني، متخافيش.
خرج.
شاف الدكتور واقف بيتكلم مع عسكري.
سمع الدكتور وهو بيقول بانفعال مكتوم:
ـ إدارة السجن كانت فين إزاي تدخل واحدة زي دي سجن وهي حامل؟
ـ وبعدين دي أصلًا مش موزونة عقليًا!
علي وقف مكانه…
الكلمة خبطت في دماغه.
قرب وقال بصوت متوتر:
ـ بعد إذنك يا دكتور…
لفّ الدكتور وبصله:
ـ حضرتك تبقى مين؟
قال علي وهو بيحاول يثبت صوته:
ـ أنا علي…
ـ أنا المسؤول عن منى، المريضة اللي جوّه.
الدكتور ـ من عيلتها؟
قال ـ آه. هي كويسة… صح؟
تنهد الدكتور وقال:
ـ لحقناها…ـ بس الجنين نزل.
علي حس إن الدنيا سكتت.
الصوت اختفى.الوقت وقف.
قال وهو مش مستوعب:
ـ جـ… جنين؟ جنين اى
ـ حضرتك أكيد بتتكلم عن مريضة تانية.
الدكتور بصله بنظرة تقيلة، نظرة الحقيقة اللي ملهاش مفر.
قال الدكتور بهدوء تقيل:
ـ المريضة كانت حامل…
ـ وأثناء وجودها في السجن، سقطت ليلة امبارح.
ـ إسعفوها الصبح وجابوها المستشفى فورًا.
علي حس إن الكلام مش داخل دماغه.
واقف… سامع… بس مش واعي.
قال بصوت مكسور وعينه مليانة ذهول:
ـ سجن اى الى كانت فيه... دى مش اختى هتدخل السجن لييييه
قال ابدكتور-منى المريضه الى جوه أختك
قال على ولسانه ماشل-ا..اه
قال الدكتور- اتفضل تقريرها
اداله ورقه بص على وهنا اتصدم والارض مش شالته قال
- حـ… ح..حامل؟! م..منى كانت حامل
