رواية بين الحب والانتقام الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم نور الهادي

 

 

 


رواية بين الحب والانتقام الفصل الثاني والعشرون بقلم نور الهادي

في الفيلا، كان الصمت تقيل… تقيل لدرجة إن النفس نفسه كان مسموع.
بدران قاعد، ساكت، بس الصدمة كانت فـ عيونه قبل وشه، كأن الدنيا اتقلبت تحت رجليه فجأة، وكل حاجة كان فاكرها ثابتة طلعت وهم.
نادين كانت أول واحدة كسرت الصمت، صوتها طالع مهزوز:
— أخوهااا؟!!!… علي يبقى أخوها؟
رانيا قامت من مكانها بعصبية، الكلام طالع منها من غير ما تفكر:
— مستحيل!
وبصت لبدران:
— إنت قولت وقتها إن ملهاش حد، لو ليها أخ كان فين وقت اللي حصلها؟
بدران رفع عينه ببطء، صوته كان واطي بس قاطع:
— كان معاها… بس كان مستخبي عن عينينا.
سكت لحظة وكمل:
— لأن في حد أوهمنا إنها ملهاش حد
يوسف قال — بابا… أنا لما عرفتها، والله مكنش معاها حد، كانت لوحدها.
بدران — أنا مش بتكلم عليك يا يوسف…
وسكت ثانية قبل ما يقول الاسم:
— أنا بتكلم عن حسن.
يوسف اتجمد:
— حسن مات.
— مات…
قالها بدران وهو بيهز راسه:
— وإحنا افتكرنا إن بموته قفلنا باب الخطر كله، افتكرنا إن مفيش حد تاني ممكن يطلع، بس مكنّاش نعرف إن منى ليها أخ…
شد نفس طويل:
— هو كان يعرف.
رانيا قربت خطوة:
— إنت واثق ليه إنه كان يعرف؟
بدران رد من غير تردد:
— لأنه هو اللي كان ماسك قضيتها.
والكلمة وقعت تقيلة:
— وهو اللي كان متابع معاها خطوة بخطوة… لحد اليوم اللي انتهت فيه.
الصمت رجع يبلع المكان.
يوسف كان أول واحد يتكلم، بس بصوت مليان حيرة وغضب:
— طب لو علي منتقم… منتقم بحق، ليه مستنى كل السنين دي؟
— ليه سايبنا لحد دلوقتي؟
— وليه دلوقتي بس يفتح ملفها ويطلع اسمها للنور؟
نادين قالت وهي حاطة إيدها على صدرها:
— هو عمره ما نسيها اصلا
رفعت عينها لبدران:
— ده كان مستني لحظة معيّنة… وقت مناسب.
رانيا سألت، والخوف واضح في صوتها:
— مستني إيه؟
قال بدران بصوت واطي، لكن كل كلمة كانت سكينة:
— يبقى مستعد ينهينا.
الكل بص له، الصدمة باينة في عيونهم قبل ما يفهموا قصده.
بدران كمّل وهو بيضغط على فكه:
— علي كان مستني اللحظة اللي يبقى فيها قد المواجهة.
شد قبضته بعصبية:
— لو كان ظهر وقتها…
وسكت ثانية، صوته نزل أكتر:
— كان زماني خلصت منه بإيدي، ومبقيناش هنا دلوقتي… ومبقاش هو التهديد اللي واقف فوق دماغنا.
يوسف قال بتوتر مكتوم:
— ممكن يعمل إيه أكتر من اللي عمله؟
نادين رفعت عينها، صوتها كان ثابت بس مليان قلق:
— علي مش سهل.
— اللي قدامنا ده واحد عنده نفوذ، وسلطة، وقوة…
— يعني مش مجرد خصم، ده منافس تقيل، ولو ناوي على انتقام فعلاً، يبقى لازم نخاف.
رانيا قالت باستنكار:
— انتقام؟
يوسف كرر الكلمة وهو غايب بعقله:
— انتقام…
وفي لحظة، رجعتله الذكريات تقيلة.
افتكر اللي عمله بنفسه…
افتكر اللي عمله في واحد بس كان شاكك إن ليه يد في ظلمها.
وقتها افتكر إنه بينتقم لها،
بس الحقيقة ضربته زي الصفعة:
— أنا أكتر واحد أذاها.
— أنا السبب الأكبر في اللي حصلها.
نادين بصت له وقالت بهدوء مخيف:
— يعني هدفه إحنا… ينتقم مننا كلنا.
وحطت إيدها على رقبتها لا إراديًا، الخوف طالع منها من غير ما تتكلم.
رانيا قربت منها بسرعة:
— في إيه يا نادين؟ متخافيش…
نادين قطعتها، ونبرتها كانت مرتعشة بس حاسمة:
— إنتِ متعرفيش علي.
رفعت عينها ليهم:
— إنتِ مشوفتيش اللي شوفناه…
— مشوفتيش إزاي قطع راس بني آدم ببرود، من غير ذرة تردد
رانيا ارتبكت، ملامحها شحبت.
نادين كمّلت، وصوتها واطي بس قاطع:
— ده أكبر دليل إننا مش بنتعامل مع إنسان طبيعي ده مختل، ده واحد عاميه الانتقام، ومش هيقف غير لما يحس إننا ذقنا نفس الوجع.
قال بدران — لو علي ناوي ينتقم… ليه مقربش من يوسف لحد دلوقتي؟
يوسف رفع عينه ببطء، صوته كان هادي بس تقيل:
— ممكن مستني لحظتي.
بدران هز راسه نفيًا:
— لا… مش ده إحساسي.
بص ليوسف بنظرة فاحصة:
— يا إما مستبعدك مؤقتًا،
— يا إما علي لحد دلوقتي مش عارف مين اللي اغت.صب منى.
رانيا بصّت له بذهول:
— تقصد إيه؟
نادين قربت خطوة، نبرتها مشدودة:
— أمال هينتقم من إيه؟
بدران رد بوضوح مخيف:
— من القضية.
— من اللي حصل فيها.
— علي كلمني عشان يبرّئ اسم أخته من تهمة السرقة…
— واعترف بالجريمة من أولها لآخرها.
وسكت لحظة، وبص في وشوشهم واحد واحد:
— علي يعرف قضية منى كويس.
— عارف دخلت الحبس إزاي، ومن مين.
— عارف كل تفصيلة،
— لأن اللي كان ماسك الملف ده هو حسن…
— وهو اللي كان بيدير قضيتها قانونيًا.
نادين قالت بحدة:
— يعني حسن كان عارف إن منى ليها أخ اسمه علي؟
— وسكت؟
— وهو اللي نقل له كل اللي حصل؟
يوسف ضغط على أسنانه وقال:
— ما احنا قولنا حسن مات.
— هيصحى إزاي ويقوله؟
بدران رد بهدوء تقيل:
— علي اتحول من أربع أيام بس.
— اختفى، وبعدين رجع…
— بس المرة دي بوشه الحقيقي.
رفع صوته شوية:
— وده معناه إنه عرف تفاصيل القضية دلوقتي.
وسكت، كأن في حاجة ناقصة في الصورة.
ثم قال ببطء، وكأن الكلمة طالعة غصب عنه:
— عدى حاجة واحدة…
— حاجة حسن نفسه مكنش يعرفها.
بصت نادين لبدران بعينين مليانين قلق:
— إيه هي؟
يوسف سبق الكل وقال بهدوء مريب:
— أنا.
اومأ بدران براسه، وصوته كان ثابت بس جواه نار:
— حسن عرف كل حاجة تقريبًا.
— كان شاكك فينا…
— في اللي حصل لمنى، وفي دخولها المستشفى،
— بس مقدرش يثبت حاجة، ولا يوصل لدليل.
نادين ضربت كف بكف:
— أمال علي عرف إزاي؟!
— عرف إزاااي؟
— مستحيل يكون حسن…
— أكيد في حد بلّغه.
يوسف فضل ساكت.
لاحظ إن أبوه مركز نظره عليه.
قال بدران بنبرة مباشرة:
— يوسف…
— إنت متأكد إنك مسحت كل أثر؟
يوسف — بابا أنا محيت أي حاجة ممكن توصلنا لهنا.— كل حاجة.
بدران قرب خطوة:
— يبقى ازاي وصلنا؟
يوسف اتلخبط:
— يعني إيه؟
بدران قالها ببطء، كلمة كلمة:
— إنت متأكد…
— إن الفلاشة اتخلصت منها؟
يوسف رفع صوته شوية:
— والله حرقتها!
— خلصت عليه وعلى كل اللي معاه.
— وأنا واثق إن مكنش معاه أي حاجة وسهير أكدتلي كده.
بدران قطّب جبينه:
— سهير؟
— الرقاصة اللي في الكباريه؟
— اللي استغلتها عشان توصل له؟
يوسف رد من غير تردد:
— أيوه.
— بتسأل ليه؟
بدران قال ببرود يخوف:
— خلصت عليها هي كمان وقتها…
— زي ما قلتلك.
سكت يوسف.
ثواني عدّت تقيلة.
وبعدين قال بصوت واطي:
— أيوه…
السكوت نزل عليهم كلهم زي حمل تقيل.
ولو الفلاشة اتحرقت،
وحسن مات،
وسهير اختفت…
يبقى السؤال الوحيد اللي بيصرخ في الهوا:
مين اللي فضّل؟
ومين اللي فتح القبر القديم من تاني؟قالت نادين وهي حاطة إيدها على راسها:
— كده الحيرة زادت…
— معقول الفلاشة كان معاه غيرها؟
— وعلي قدر يوصلها؟
يوسف ما استحملش يكمل الجلسة.
قام فجأة، شد جاكته، ومشي من غير ما يبص لحد.
طلع تليفونه ورن على رقم…
الرد جه في نفس الثانية، بصوت فيه لهفة:
— يوسف؟
قال بحدة مكتومة:
— إنتي فين؟
سهبر— في الشغل.
— روحي الشقة.
سهير— بس…
— حالًا.
قفل المكالمة كأنها ما عندهاش حق تناقش.
خد مفاتيح عربية السواق،
قال وهو بيطلع:
— مش عايز حد معايا.
وانطلق بالعربية،
سواقته سريعة، عصبية،

سهير كانت في الشقة.لابسة قميص خفيف،
والريحة النفاذة لعطرها مالية المكان،
ريحة تعرفها كويس… ريحة الإغراء واللعب.
سمعت صوت باب الشقة بيترزع بعنف.
قلبها دق.
خرجت بسرعة.
أول ما شافته، ابتسمت،قالت— وحشتني أوي…
— إيه الغيبة دي؟
قربت منه وحضنته بقوة،
حضن فيه شوق… أو تمثيل شوق.
قالت وهي لازقة فيه:
— عارفة إنك كنت في ضغط،
— والظروف الأخيرة مش أحسن حاجة،
— بس إنت كنت بتجيلي…
— ولو خمس دقايق.
رفعت وشها وبصتله بدلع:
— تعالى…
— أنا هنسيك الدنيا دي كلها وإنت معايا.
يوسف ما حضنش.
ما ردش.
مسك دراعها بهدوء يخوّف،
وبعدها عنه خطوة.
— سهير…
— عايز أعرف الحقيقة.
الابتسامة على وشها اهتزت للحظة…
لحظة صغيرة بس كفاية.
واللحظة دي
كانت بداية النهاية.
بعدها يوسف عنه فجأة وقال بصوت واطي بس تقيل:
— إنتي معاكي نسخة من فلاشة حسن؟
سهير اتجمدت.
اسم حسن لوحده كان كفيل يخلّي وشها يشحب.
عمره ما فتح سيرته من ساعة ما مات،
بل كان دايمًا يهرب من أي كلمة تيجي ناحيته.
قالت بتوتر واضح:
— حسن؟
يوسف قرب منها خطوة، صوته علا:
— اتكككلمي!
اتخضت من نبرته، بلعت ريقها وقالت بسرعة:
— لا…
— لا والله، أنا اديتهالك على طول.
بصلها بعين مش مصدقة:
— وكلمتي حد؟
— عن أي كلمة كنتي تعرفيها منه؟
سكتت لحظة،
وبعدين قالت بصوت مهزوز:
— ده… ده الموضوع اللي كنت برن عليك كتير بسببه.
يوسف اتشد:
— موضوع؟!
قالت بسرعة وكأنها بتدافع عن نفسها:
— عمك…
— اللي هو شريككم،
— اللي ظهر في العرض وسوّد سمعة والدك…على مش كده
كملت وهي بتبص للأرض:
— شوفته.
— جه لي وسألني عن حسن.
في اللحظة دي…
عيني يوسف اتحولت.
ونزل القلم بقوة.
سهير وقعت على الأرض رفعت وشها،
عينها مليانة ذهول،وقالت — بتضر..بني يا يوسف؟
قرب منها وهو بيغلي:
— أنا كنت لازم أعمل كده من الأوووول.
— وأخلص منك.كان لازم اسمع كلامه
مسك دراعها،
صرخت من الألم،
قال وهو بيضغط على أسنانه:
— عملتي إيه يا غبية؟
— فتحتي بقك بايه؟
— إنتي السبب…
قالت سهير وهي بتبكي بصوت مخنوق:
— والله ما قلت حاجة…
يوسف صرخ فيها:
— اخرررسي!
— فكراني هصدقك؟
— مفيش غيرك ممكن يقوله!
— انطقي… بعتي نفسك بكااام؟
— ما أنا عارفك… كلبة فلوس!
الكلمة نزلت عليها تقيلة.
عينيها دمعت غصب عنها،
رغم إن سهير عمرها ما كانت إنسانة عاطفية.
قالت بصوت مكسور لأول مرة:
— كلبة فلوس يا يوسف… أنا؟
رفع السلاح في وشها.
إيديها اترعشت،
الخوف مسك فيها من قلبها.
قال وهو بيضغط على الزناد بإصبعه:
— انططططقي!
— قولتيله إيه؟
هزت راسها وهي بتعيط:
— والله ما قلتله حاجة.
قرب منها أكتر، صوته بقى أبرد:
— مش هصدق أي كلمة تطلع من بُقك.
وقعت عند رجليه،
مسكت في رجله وهي بتنهار:
— متكلمتش…
— والله متكلمتش.
— رغم كل اللي أعرفه عنك…
— وعن اللي عملته زمان.
الكلمة دي خلّته يثبت.
بصلها بحدة،
مسك كف بقها بعنف وكأنه هيكسره،
وقال بصوت واطي مرعب:
— تعرفي إييييه؟
بصتلُه من بين صوابعُه،
صوتها خرج متقطع بس ثابت:
— أعرف كل حاجة.
— أعرف جريمتك…
— اللي إنت دلوقتي مرعوب بسببها.
وسع عينيه.
لأول مرة…
الخوف بان عليه.
كملت وهي بتبص له في عينه:
— أنا كنت عارفة.
— وعرفت أدفن ده جوايا.
— وأقسم لك بروحي…
— ما فتحت بقي لحد عنك.
سكت المكان.
نَزَلِت دمعة من عينها، صوتها كان واطي ومكسور:
— أنا حبيتك…
— ماهمنيش اللي عملته.
— ماهمنيش إنك وحش، ولا مجرم.
— قد ما كان يهمني كل لحظة عشتها وإنت معايا.
قربت خطوة:
— حقيقتك ما فرقتش معايا…
— زي ما حقيقتي عمرها ما فرقت معاك.
يوسف حس إن صدره تقيل.
قعد على الكنبة،
المسدس وقع من إيده بصوت مكتوم.
قال بصوت متعب:
— هديكي فرصة.
— قولي… علي اتكلم معاكي في إيه بالظبط؟
مسحت دموعها بإيدها المرتعشة:
— سألني عن حسن.
— وعن ملف القضية.
— كان عارف إن حسن كان بييجيلي كتير.
— وباين عليه عنده معلومات…
— شاكك إن ليّا دخل بموته.
رفعت عينيها له بسرعة:
— بس والله ما اتكلمت.
— كل اللي قولته إن الفلاشة إنت خدتها.
— ولما سألني عنها…
— قلتله إنك قلتلي إنك حرقتها.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
— عرفته إن الملف اختفى خالص.
— وإن ده كلامك.
— ولما حس إني مش بكدب…
— سابني ومشي.
يوسف انفجر:
— فتحتِ بقِّك بايييييه أمال؟!
— عرف القضية دي إزااااي؟!
قربت منه بسرعة، صوتها بيترعش:
— والله يا يوسف…
— ما جبت سيرة ولا كلمة من اللي إنت قولتها.
— ولا من اللي أعرفه عنك.
نزلت عند رجله،
عينيها مدمعة،
صوتها شبه همس:
— صدقني.
— أحلفلك بإيه عشان تصدقني؟
يوسف بص قدامه،
مش عليها.
كأن الكلام دخل في دماغه متأخر.لان على ميعرفش هو مين وهي عارفه
قال بصوت واطي، مهزوم لأول مرة:
— يبقى في حاجة تانية.
افتكر ابوه،سكت يوسف شوية، أنفاسه تقيلة، وبعدين قال بنبرة قاطعة:
— هيعرف عنك.
— أنا اللي مرديتش أنفّذ اللي قاله…
— بس لما يعرف إنك لسه عايشة، هي.قتلك.
رفعت عينه ليها بخوف، كانت لسه على الأرض عند رجله:
يوسف قال— من النهارده أنا مش مسؤول عنك.
— متورنيش وشك تاني يا سهير.
لسه هيقوم،
مسكت إيده فجأة، صوتها طالع من قلب مكسور:
— لا يا يوسف… متبعدش عني، أرجوك.
نزلت عند ساقه، مسكت رجله تمنعه يمشي:
— إنت اللي خلتني احس واعيش.
— وأنا معاك بحس إني عايشة بجد.ليا حق يكونلى مشاعر مش مجرد أداة اغراء
— متسبنيش… عشان خاطري.
يوسف سكت.
لحظة صمت تقيلة عدّت بينهم.
مسك إيدها، خلاها تقف قدامه.
كانت بتبصله بعينين مليانين رجاء:
— إنت اللي حسسني إني بنت بجد.
— اللي عمري ما حسّيته مع حد.
— عمرك ما سألتني أنا إيه ولا بشتغل إيه.
— من ساعة ما عرفتك وأنا بعيدة عن أي حد غيرك.
صوتها اتكسر:
— معاك بحس إن ليّا قيمة…
— إن ليّا حق أضحك من قلبي.
— متسبنيش، أرجوك.
— اعمل فيا اللي إنت عايزه… بس متسيبنيش.
قربها منه وباسها وهى بادلته فورا وبتحضنه قوه عشان ميبعدش عنها
**************
بدران قاعد في الفيلا، ساكت بزيادة عن اللزوم.
موبايله في إيده، بيرن على يوسف للمرة الكام… ولا رد.
قالت نادين بقلق:
— مفيش فايدة؟
— راح فين من غير ما يقول؟
رد بدران وهو بيضغط على أسنانه:
— مش وقته يختفي.
رن جرس الباب.
قام بدران بنفسه،
رانيا بصّتله بقلق وهي واقفة مكانها.
فتح الباب…
ولا حد.
استغرب.
وقبل ما يقفل، ظهر البودي جارد.
— بدران بيه.
— إنت اللي رنيت؟
أومأ برأسه، ومد إيده بظرف بني تقيل:
— لقينا ده على البوابة.
— مشفناش مندوب، بس واضح إن حد حطه بعد ما شددنا الحراسة.
أخد بدران الظرف،
قفل الباب وراه ببطء.
رانيا رجعت خطوة لورا، صوتها مهزوز:
— متفتحوش يا بدران…
— أكيد مصيبة.
مسك الظرف،
لحظة تردد،
لكن فضوله وغضبه غلبوه.
فتحه.
صور.
أول صورة…
يوسف.
حاضن واحدة.
قريب منها بشكل مش قابل للتفسير.
الصورة اللي بعدها…
الاتنين داخلين بيت.
واللي بعدها…
في العربية،
قريبين…
قريبين قوي.
نادين شهقت:
— يو… يوسف؟!
لكن بدران…
ما كانش مركز على يوسف قد ما كان مركز على وش الست.
عينه وسعت.
ملامحه اتجمدت.
نادين قالت بصوت مخضوض:
— دي… دي عايشة!
رانيا قربت، قلبها بيقع:
— مين دي اللي مع ابني؟
نادين بلعت ريقها:
— دي سهير.
— الرقاصة نفسها
— والمفروض… المفروض إنها ماتت.
قبضة بدران اتشدّت،
الصور اتكرمشوا بين صوابعه.
وفال— يوووسـف…
رانيا بصوت مخنوق:
— إزاي يعمل كده؟
— إزاي يبص لواحدة زي دي؟
لكن بدران ما ردّش.
كان لسه في حاجة جوه الظرف.
طلع ورقة.عنوان.قرأه ببطء.
*****************
كان يوسف نايم ،وسهير متكوّرة جنبه، دراعها ملفوف حوالين صدره بصلها وقال
— بعد ما عرفتي أنا إيه… وبعد اللي عملته…
لسه شايفاني كويس؟
رفعت وشها له بهدوء قالت بنبرة واثقة:
— أنا مكنتش شايفاك كويس من الأول.
استغرب.كملت وهي بتبص في عينه:
— الرجل النبيل عمره ما كان لايق عليك.
— الغِنى دايمًا وراه إجرام…
— والسلطة مبتتحافظش عليها غير بالقسوة.
— دي قواعد الحياة.
مسكت إيده، باستها ببطء:
— ميهمنيش إنت عملت إيه.
— يهمني إنت معايا اى
سكت يوسف.كان بيبص لها نظرة حد شايف قدامه حد مستسلم له بالكامل…
متعلّق، خاضع، راضي.
قام من جنبها فجأة.
لبس بنطلونه من غير ما يبصلها.
قالت وهي بترفع نص جسمها:
— هتمشي؟
يوسف— آه. اختفي اليومين دول.
رمى رزمة فلوس على السرير.
الفلوس نزلت بين إيديها.رفعت عينها له:— يوسف…
قال — يستحسن تسافري برا.
قلبها انقبض:— إنت لسه عايز تبعدني؟
وقف قدامها، صوته واطي:— هجيلك. بس الأوضاع تهدى هنا.لانى لازم أختفي فترة.
بصّت له، وبعد ثانية قالت:
— طالما هتكون معايا…
— أعمل اللي إنت عايزه.
مد إيده وربّت على كتفها العاري.
ابتسمت من لمسته…
اللمسة اللي كانت بالنسبة لها وعد.
لبس قميصه،
وهو بيقفل الزراير،
ويفتح الباب
وقبل ما يفتحه…
الباب اترزع فجأة.
يوسف اتخبط واترمى على الأرض.
رفع عينه…
واتجمد مكانه.
بدران.
واقف قدامه.ورجالته
 سهير خرجت من الأوضة علطول، ماسكة القميص على جسمها وبقلق قالت- يوسف…
بصلها بدران وبص لابنه
قال بسخرية باردة:
— المفروض إنها ميّتة يا يوسف.— بس الظاهر إن ابني بيميل للأموات برضه.
يوسف قال
— انت فاهم غلط هي ملهاش دعوة.
بدران— مكنتش أعرف إنك لسه مغفّل كده. أنا كنت ناوي أسيبلك رئاسة الشركات… بس واضح إنك لسه عيل.
اتقدّم يوسف خطوة، قال— أنا ديرت الشركة أحسن من أي حد!— عملت اللي يخليك تثق فيّ! ودلوقتي بتقولي عيل؟
قرب بدران منه،نظره نازل عليه من فوق لتحت:
— أنا مش عايز أسمع منك كلمة.— ودلوقتي…— هخلص اللي إنت معرفتش تعمله.
رفع إيده بإشارة بسيطة.
الرجالة اتحركت فورًا.
مسكوا سهير.
صرخت:
— يوسف!
يوسف قال لبدران— بابااا!بقولك ملهاش دعوة بالى حصل!
لكن بدران أداله ضهره ومشي.
الرجالة سحبوا سهير وهي بتصرخ،
صوتها كان بيتخبط في الحيطان:
— لاااا!
جري يوسف ومسك إيد أبوه:
— بابا…
لف بدران فجأة وزقّه بقوة،
يوسف اتراجع خطوتين.
قال بدران بصوت قاطع:
— أنا مش قولتلك مش عايز أسمع صوتك؟ مش كفاية إنك السبب في اللي إحنا فيه؟ لو كنت سمعت الكلام… مكنش علي عرف حاجة عن أخته. ولا ماتت إزاي.
يوسف— سهير متكلمتش. ما فتحتش بقها. وأنا واثق من ده.
بدران بسخريه — واثق اوى؟! إيه… حبيتها؟
سكت يوسف شويه بدران قرب منه فجأة،
وزقّه في كتفه زقة خلت يوسف يترنّح خطوة.
— إيه؟— بتحبها بجججد؟— رايح تحب رقّاصة؟— وكمان عامل معاها علاقة زفت بقالها سنين؟— عايز توسّخ اسمنا وتمشي ورا الزبالة؟
قرب أكتر، صوته نازل تقيل:
— ولا تكون فاكر إنك ممكن تتجوزها؟
رفع يوسف عينه بسرعة:
— مش هتجوزها.
ابتسم بدران بسخرية — طبعًا. أصل ده مستحيل يحصل
 دلوقتي فهمت…
— ليه طول عمرك رافض الجواز
— رغم كل العروض المحترمة اللي بتيجي لك من عائلات راقيه.— ابني بيحب يعيش حريته…
— ويفرّغ احتياجه في ف اى واحده
يوسف— خلصت يا بابا.قرار الجواز هاخده لوحدى، وأنا كنت واخد حذري من الإعلام.— محدش مسّ سمعتنا بحاجة.
بدران قال
— واخد حذرك؟
رمى الصور في وشه.
يوسف اتجمّد.
لقطات ليه ولسهير قدّام العمارة…
وهم داخلين سوا.
وهم قريبين.
قال بدران ببرود قاتل:
— اتفضل يا باشمهندس.
— شوف مين خدّها لك.
رفع يوسف عينه بسرعة:
— بابا…— متقتلش سهير.
ابتدى بدران يمشي،
ولا كأنه سمعه.
جري يوسف مسك إيده:
— لو عملت كده…
— في عيون عليك.
— إنت هتضر بنفسك قبل أي حد.
وقف بدران.
سكت ثانية طويلة.
وبعدين قال من غير ما يلف:
— اللي زيها…
— بيختفوا،
— ومحدش بيسأل.
— متقوليش إنك مهتم بيها.
قال يوسف— مش هي اللي اتكلمت.
— سهير تعرف عني كل حاجة…
— حتى اللي عليّ نفسه ميعرفوش.
— لو كانت فتحت بقها، كان علي زمانه جايلي أنا مش بيبعث صور ليك.
— علي عرف من حد تاني.
ضيّق بدران عينه:— مكنش في غيرها يعرف عن الفلاشة.
هزّ يوسف راسه بسرعة:
— في احتمال تاني.— حسن يكون سيب نسخة مع حد…— أو سلّمها لحد قبل ما يموت.
اتصلّب وش بدران.الصدمة ظهرت في عينه للحظة:
— دي تبقى مصيبة.
كمّل يوسف وهو ماسك الخيط:— واللي بعت الصور هو علي. أنا واثق. بعتها ليك إنت مخصوص… ومعاها العنوان.
سكت بدران لان ده حقيقه فعلا
يوسف قال— هو عايزك ترتكب جريمة. عايز يوقعك. بلاش تقتلها.— هي مقالتش حاجة، ولا هتقول.
رد بدران — وده إزاي؟
يوسف— هتسافر. تختفي. ومفيش خطر منها. خلّينا نركز على علي… ده الخطر الحقيقي.
سكت يوسف لحظة،
وعينه راحت لسهير…
كانت بتقاوم رجالة بدران وهما بيدخّلوها العربية غصب عنها.
بدران بص لابنه نظرة طويلة،
نظرة حسابات مش عاطفة.
— على مسؤوليتك يا يوسف.
— سامعني؟
ومشي.
بإشارة من بدران،
الرجالة سابوا سهير.
وقعت خطوة،
وبعدين راحت ليوسف.وقالت — يوسف… شكرًا قوي.
بصلها يوسف قال— نفّذي اللي قولتلك عليه في أقرب وقت. واختفي… قبل ما بابا يتصرّف بطريقته.
هزّت سهير راسها من غير نقاش.
ما كانش عندها رفاهية السؤال.
نزل يوسف، ركب عربيته،
وداس بنزينه ومشي كان عارف…
سكوت بدران مش طمأنينة.
سهير محكوم عليها.
يمكن مش دلوقتي،
بس قريب.
*****************
كانت الحديقة واسعة،
مسوّرة بسور زجاجي شفاف،
في واحدة من أرقى المناطق الدولية.
السماء مفتوحة،
والإضاءة مدروسة،
والمنصّة امام المكان كأنها مسرح اعتراف.
الصحافة محاوطاها من كل اتجاه،
كاميرات مرفوعة،
مايكات متشابكة،
وهمسات بتلف في الجو:
— هيقول إيه؟
— هيعتذر؟
— ولا هينكر تاني؟
بدران...الاسم لوحده كان عامل حالة.
نادين واقفة جنب رئيس فريق الإعلام،
وشها مشدود،
عينها بتمسح المكان كله كأنها بتعدّ الأنفاس.
قالت بصوت واطي بس حازم:
— مش عايزة غلطة واحدة.
— ولا كلمة زيادة.
رد الراجل بثقة:
— تمام.
— بس نأكد تاني…
— البث مباشر؟
— ولا نسجّل ونمنتج؟
بصّت نادين للمنصّة،
وللمقاعد المليانة،
وللكاميرات اللي مستنية أي زلّة.
قالت من غير تردد:
— مباشر.
— الناس لازم تشوف كل حاجة.
— من غير كواليس…
— ومن غير تعديل.
هزّ الراجل راسه،
بصّت نادين ليوسف من بعيد.
كان واقف جنب بدران، محمود مساعده واقف وراهم بخطوة، عينه رايحة جاية بين المنصّة والناس.
قال يوسف بصوت واطي:
— شددت الأمن هنا…
— مش هيحصل اللي حصل قبل كده.
رد بدران من غير ما يبصله:
— فين الورقة؟
مدّ محمود إيده بالملف، وقال — اقراها بس يا بدران بيه…
— كله هيبقى تمام.
أومأ بدران، أخد الورقة،
ملامحه كانت هادية زيادة عن اللزوم.

في مكان تاني…واقف على جنب الطريق،ضهره مسنود على عربيته،وماسك تاب مفتوح،
وشاشة البث منوّرة وش بدران قبل ما يطلع.على كان بيدخن،
نفَس دخان طويل،
ونظرة ثابتة.
نزل رضوان من عربيته وقال باستغراب:
— بدران ماقت.لش سهير امبارح…
— ولا حتى عمل حاجة لابنه.
رد علي من غير ما يلتفت:
— بدران مش فايق.
— هو غرقان في اللي فيه.
قال رضوان:
— بس كده؟
— ده هيطلع يرمي الاتهامات عليك.
ابتسم علي ابتسامة باردة،
نفَض الرماد وقال:
— مش لما يعرف يطلع نفسه الأول.
رضوان سكت.
الهدوء ده…
ما كانش مريح.
كان نذير.

تحرك بدران ناحية المنصّة.
اللحظة اللي ظهر فيها،
الكاميرات كلّها اتحركت.
الصوت وطي،
وبعدين سكون تام.
طلع بدران،وقف،
الضوء الطبيعي مخلوط بإضاءة الكاميرات،
هيبة الاسم لسه مسيطرة.
حط الورقة قدامه،
تنفّس بعمق،
وقال:
— النهارده…
— هننهي الجدل اللي حصل اليومين اللي فاتوا…
وفجأة سكت.
ثانيتين…
تلاتة…
وبعدين
مزّق الورقة
قدّام الكل.
همهمة خفيفة انتشرت.
نادين شدّت إيديها.
يوسف اتصلّب مكانه.
قال بدران بصوت واضح، كأنها لقطه
— مش محتاج خطاب.
— ومش محتاج حد يكتبلي أقول إيه.
قرب من المايك خطوة:
— أنا جبتكم النهارده…
— عشان تتعرفوا على بدران الحقيقي.
وقف لحظة،
ساب الجملة تنزل تقيلة.
كمل:
— بدران اللي صدّقتوا عليه اتهامات…
— مالهاش أي صلة بالواقع.
الكاميرات قرّبت.
الصحافة مسكت أقلامها.
وفي مكانه،
على مالشّ عن الشاشة.
ابتسامة خفيفة ظهرت على شفايفه.
وقال بهدوء:
— ابتدى…

تنهد بدران، وصوته خرج ثابت لكنه محمّل بثِقل واضح:
— القضية اللي اتحكت… واللي القبطان، شريكي، والضحايا حسب ادعاءاتهم بيقولوا إني السبب فيها…
— كلها اتهامات باطلة.
سكت لحظة، عينه بتلف على الوجوه قدامه، وبعدين كمّل:
— أنا بنفي الكلام ده دلوقتي، زي ما نفيته قبل كده قدّام القانون، لأنّي أكتر واحد بيحترم القانون…
— وبيحترم شرطة بلده.
الكاميرات قرّبت أكتر.
عدد المشاهدات بيطلع بسرعة مخيفة.
قال بدران بنبرة واثقة:
— دعمت جيشنا من مالي.
— دعمت مؤسسات وطنية، وساعدت ناس كتير من غير ما أطلع أتكلم.
— ومن ضمن أهدافي إن شركاتنا تبقى مؤسسة دولية…
— إني أقدر أكمّل وأساهم في تحسين بلدنا.
ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها مرارة:
— نفس الصحافة اللي بتهاجمني النهارده…
— هي نفسها اللي كانت بتكتب عن أعمالي الخيرية.
— وأنا عمري ما استنيت منكم تكتبوا عنها.
شدّ كتافه وقال بثبات:
— أنا بدران.
— بنيت شركتي…
— وبنيت سمعتي على حب الناس.
صوته علي شوية:
— واللي حصل ده كله؟
— مش أكتر من ادعاءات ملفّقة، اتعملت مخصوص عشان توقعني.
همهمة خفيفة بين الحضور.
كمّل:
— أيوه، خسرنا مؤسسة.
— وخسرنا أسهم.
— بس اللي يعرف بدران…
— يعرف إننا دايمًا بنرجع أقوى من الأول.
وقف لحظة، وبص في عيون الصحفيين واحد واحد:
— وبالنسبة لكلام القبطان…
— أنتم سمعتم بنفسكم ف الفيديو بيقول إنه مهدد بالقتل.
رفع حاجبه:
— وكلكم افترضتم إن التهديد جاي مني.
صمت ثقيل نزل على المكان.
قال بدران ببرود محسوب:
— طب لو أنا اللي مهدده فعلًا…
— كنت هسيبه يطلع يعترف عليّا؟
الناس بصّت لبعضها.
الشك دخل العيون.
المشاهدات قفزت قفزة جنونية.
قال بدران وهو يمد إيده نحية الشاشة:
— الفيديو واضح إنه اتسجل تحت تهديد.
— تعبيراته، صوته، ارتباكه…
— كله بيقول كده.
نبرته قست:
— ومفيش دليل واحد ضدي.
— غير كلام قاله شخص تحت ضغط…
— ورغبة حد تاني إنه يوقعني.
رفع عينه مباشرة للكاميرا، صوته بقى حاد:
— والشخص ده…
— علي.
ثانية صمت.
ثم قال بوضوح قاتل:
— أنا باتهم علي…
— إنه ورا الجريمة دي كلها.
انطفَت الشاشات فجأة.استغرب الكل هل الكاميرا مش شغاله
ثانية صمت…
ثم اشتغلت تاني فورًا.
لكن القاعة ما رجعتش للحركة.
سكون تقيل نزل على المكان، وكأن الهواء اتسحب.
العيون اتجمّدت، والأنفاس اتحبست.
بدران حسّ إن في حاجة غلط.
النظرة اللي في وشوشهم مش سؤال…
دي صدمة.
لفّ ببصره ناحية الشاشة…
وفي اللحظة دي، الدنيا وقفت.
الصورة اللي قدامه كانت ليه.
هو… جوه عربيته.
إيده ممدودة، بيدي حسن شنطة فلوس.
اتسعت عينه لأول مرة.
بصّ لفريق الإعلام، لقاهم كلهم واقفين مش فاهمين، ملامحهم شاحبة، ومحدش قادر يتكلم.
قطع الصمت صوت صحفية، نبرتها مرتعشة:
— ده… ده حسن.
— ضابط القضية اللي اختفى بعدها، وظهر فجأة… وبعدين مات.
القاعة كلها اتلفت لبدران في نفس اللحظة.
الأسئلة مكتوبة في العيون:
إيه علاقتك بالراجل ده؟
شد بدران نفسه بسرعة وقال:
— دي صورة عادية.
— بتوضح علاقتي بالضباط، و—
لكن كلامه اتقطع.
الصوت طلع من السماعات.
تسجيل صوتي.
صوت بدران… واضح، من غير تشويش:
— اختفى تمامًا بعد القضية دي… ودي فلوس نهاية الخدمة.
صوت حسن ردّ:
— أنا مذكرتش اسمك، ولحد دلوقتي محدش يعرف رجل الأعمال اللي البنت دي اتسجنت بسببه.
— عملت كل ده لأنك كنت متحفظ ان محدش يعرف اسمك.
الصورة اتبدلت بلقطة قريبة لوش بدران…
لكن الصوت كمل.
— وأنا بكافئك.
— الشنطة اللي معاك فيها فلوس عمرك ما هتعمل زيها وانت شغال.
صوت حسن، ضحكة خفيفة:
— دي حاجة تسعدني.
— كده كده كنت ناوي أستقيل وأختفي…
سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة فضول تقيلة:
— بس سؤال فضولي…
— إنت اللي قتلت منى؟
— ولا إنت السبب في اغتصا.بها؟
— ولا… الاتنين؟
القاعة انفجرت في صمت مرعب.
العيون اتسعت.
الأفواه اتقفلت.
الكاميرات نسيت تتحرك.
وبدران…
واقف قدّام نفسه.
قدّام صوته.
قدّام جريمته، وهي بتتذاع لايف.وبصّوا لبعضهم في ارتباك…
عن مين بيتكلموا؟
طلع صوت بدران من التسجيل، أوضح وأقسى:
— انت اتجننت اعرف انت بتتكلم ف اى.......أي كلمة هتطلع من بقك… اعرف إن تمنها حياتك.
انتهى التسجيل.
القاعة انفجرت همس.
صحفي قرب خطوة وقال بصوت عالي:
— إيه ده يا بدران بيه؟
يوسف اندفع فورًا ناحية فريق الإعلام، صوته خرج متحشرج وغاضب:
— إيه الزفت اللي انتوا بتعرضوه ده؟
— جبتوا الكلام ده منين؟
— وقّفوا المهزلة دي حالًا!
رئيس الإعلام كان وشّه أبيض، صوته متوتر:
— الشاشات متاخدة مننا أصلًا يا أستاذ يوسف…
— في دخيل على البث…
— إحنا مش مسيطرين.
اتصدم يوسف.
— دخيل؟!
نادين همست بصوت مخضوض:
— يعني… الناس كلها شايفة؟
يوسف لفّ بعصبية:
— هتصرف.
— هقطع النور عن المكان… عن البلد كلها لو لزم.
تحرك بسرعة…
لكن وقف فجأة.
عينيه اتثبتت.
الصورة اللي على الشاشة قدامه…
منى.
وشّها.
نظرتها.
الملامح اللي عمره ما نسيها مهما حاول.
الزمن رجع بيه سنين لورا في لحظة واحدة.
لفّ يوسف بارتباك…
الشاشة اللي وراه بتعرضها.
واللي على يمينه… نفس الصورة.
واللي على شماله… نفس الوش.
قلبه دقّ بعنف.
نفسه اتقطع.
كل الشاشات…
تحولت لوش منى.


تعليقات