رواية الصمت الباكي الفصل الثالث والعشرون
ليلة مليئة بالأوجاع والألآم وصرخات وآهات شقت هدوء الليل وعتمة الظلام، وقد فاض القلب بالأنين والجراح التي لم يجد من يبددها ويداويها ليزداد القلب ظُلمه ويتحول الإنكسار إلي تهشم يصعب لملمته من جديد …
فهناك نوعان من القلوب عندما يُصيبها الصدمات والأوجاع..
أولهما من يستكين ويصبح قلبه لين رطب ويقدر أوجاع الأخرين، ويتذوق الرخاء بحق لما مر به من شده.
وثانيهما من يزداد وحشه وغلظة قلب، ولا ترى العين سوى الوجع والألم التي فُرضت لتكون واقع حياته الأليم ..
لتكون أصحاب القلوب الأولى “أسوه”، ويكون النوع الثاني من نصيب “مؤمن”، الذي لم يأخذ نصيب من أسمه…!
فهل سيجتمع الماء والنار..؟!
أم أن الماء لن يكون كافيًا لإطفاء هذا الحريق الناشب..!
.. بعد أن هدأ من روعه وأستطاع جمع شتاته الممزقه عاد إلى القصر بخطى متعجله وشظايا غضبه تتبعه وتتطاير من حوله، إتجه للحديقة الخلفيه على الفور حيث مصطفى وبعض الرجال …
تحدث سائلًا موجهًا حديثه لمصطفى الذي كان ينتظره: كل حاجه جاهزه؟
مصطفى بهدوء: كله جاهز يا مؤمن باشا كلها ساعه والموضوع ينتهي
تحدث بغضب هز أرجاء المكان: لو قابلتك أي عرقله ومقدرتش تتخلص من الكميه كامله إكبس على الزرار الرجاله كلها هتدخل تخلص على الجميع وتحرق المكان بإللي فيه
ثم وجه حديثه بغضب أكبر لتلك المجموعه من الرجال الأشداء: إنتوا سامعين ولا واحد عايزه حي إلا الجبان محمد الخطيب عايز فيه الروح..
أخفضوا رؤسهم بإحترام وخنوع:أمرك يا مؤمن باشا
مؤمن: يلا اتحركوا..
ثم تركهم وذهب بإتجاه القصر لكن جذب إنتباهه صوت بكاء صادر من الملحق الخاص بإقامتها، إقترب بتردد فوجد أنه يزيد بجانبه صفيه ويبدوا أنها تحاول تهدئته كي يتوقف عن بكائه…
صفيه: كفايه بقى يا حبيبي عينك هتوجعك، وزي ما قولتلك ماما أسوه هتيجي الصبح عالطول
تحدث الطفل بين بكائه وشهقاته: بس هي قالتلي هتيجي عالطول، وهي إتأخرت … أنا عايز ماما
صفيه بحذر: أكيد شغلها إتأخر يا زيدو، إحنا ننام والصبح هتصحي وهتلاقي ماما أسوه قدامك
يزيد بخوف وبرائة: بس أنا خايف ماما مش تيجي تاني وكدا هفضل لوحدي … وأنا مش عندي ألا ماما أسوه.
إحتضنته صفيه بحنان: لا يا حبيبي هتيجي .. وبعدين أنا معاك يا زيدو .. وبحبك قد السما
بينما هو شدد على قبضته بغضب وتنافرت عروقه وغلت دماءه وبقى بين براثين التردد والحيرة، وتكابتت وتزاحمت أفكاره في وقت غير مناسب بتاتًا ..
تسارعت خطواته الغاضبه حيث سيارته، قادها خارج القصر بل الغابه بأكملها …. حيث المجهول ..
•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•
في هذا الأثناء كان مصطفى وأخر معه يتسللون لداخل هذا المخزن القديم بحرص شديد وهم يحملون مادة مجهولة الهوية….
ليصلون إلى غايتهم ويشرعون بالعمل الذي جائوا من أجله ..
وبنفس التوقيت كانت تنازع قيودها … لكن بدون فائده
وقد ألآمتها أقدامها ونال التعب منها إثر ضربهم الوحشي، وأصبح وجهها مليئ بالكدمات بجانب تلطخه بالدماء
لكنها تعافر من أجل يزيد فقط، فهو ليس له أحد في هذه الحياه سواها هي…
ظلت تزحف أرضًا وتعافر حتى تصل إلى باب الغرفه عندما سمعت همسات بالخارج، نعم باب الغرفه مغلق ولكن هناك فجوه بين الباب والحائط، فالتنظر لتكتشف ماهية المكان، لعلها تستطيع النجاه…
وبعد معاناه شديده استندت على الحائط بجوار الباب بتعب وإرهاق، … تنفست براحه وتنهدت بتعب ..
قطبته حاجبيها وجذب إنتباهها صوت الهسهسات بالخارج..
إعتدلت ونظرت من تلك الفجوه…
صدمه شديدة، ومفاجأة ستقلب الموازين، فرغت فاهها بدهشه وصدمه مما تراه ..
نعم هذا هو السذج مصطفى ورجل آخر من رجال الصياد، وتلك الماده التي معهم تعرفها عن ظهر قلب .. وهذه نفسها الممنوعات التي قامت بصناعتها بمعاونة باقي الأطباء .. لكن لماذا يقومون بإفساد ما صنعته أيديهم بعد وصولها ليد تلك العصابة..؟!
ومضات سريعه أنارات عقلها، فالأمر لا يحتاج كل هذا التفكير ..
مؤمن الصياد ليس بالشخص السيء كما كانت تعتقد وكما أذاع على نفسه، فهو يقوم بنفس عملها لكن مع إختلاف أنه هو من يصنع تلك المواد المخدرة ليكون بذلك داخل هذا الوسط الفاسد وعلى درايه أكثر بما يفعلونه ويريدوة
هناك من يحارب الفساد، فما زالت الدنيا بخير ..
تحدث مصطفي بصوت منخفض للرجل الذي معه: مش عايزين غلطه، مؤمن باشا مش هيرحم..
ظلت هي حائرة، فإن إستنجدت بهم لينقذوها ستفشل مهمتهم ولن يستطيعوا إكمال ما أتوا من أجله وسيتم إكتشاف تلك الحيلة، وليس أمامها سوى الصمت وإن كتب الله لها النجاه ستنجوا ..
لكن مِن مَنْ ستنجوا…؟!
من أهلها كما يزعمون…!
قضت عمرها إلي الآن مع إمرأة مجرمة لا تعلم للرحمة طريق.. مخادعة… كاذبة..
وأسمها ملتصق بمجرمان..ليسوا بوالديها، ولم تصدق تلك الخرافات التي تحدثوا بها، فيقينًا هذه كذبه ولعبه من ألاعيبهم القذرة وهم من قاموا بإختطافها..
لكن هناك علامات إستفهام كثيره تغمرها من الداخل، أضخمها من هم والديها الحقيقين ..
ليس لديه جواب الآن…على أيًا منهم ..
أكذوبة عميقة عاشت بداخلها عشرون عامًا..
أسئلة ليس لها حصر .. لكن لا من مجيب …
نفضت تلك التسائلات من عقلها .. فالأحق أن تفكر بما هي به الآن ..
نظرت من تلك الفجوة مرة أخرى لتتنهد براحة عندما وجدتهم قد إنتهوا من مهمتهم بسلام وبدون شعور أحد فيبدوا أنهم معتادون على فعل هذا دائمًا ..
ظلت وحيدة بداخل هذه الغرفه الموحِشه والتي تقبع بإحدى زوايا هذا المخزن القبيح ..
•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•
جالسة ومعالم الراحة تبدوا على ملامحها وتشاهد أحد الأفلام الكرتونيه، فهي عاشقة لها، إلا أن والدتها كانت لا تسمح لها بمشاهدة التلفاز ومن الأساس كانت لا تملك الوقت لذلك، وها هي تجلس بمفردها تشاهد بإستماع شديد، فاليوم هو موعد ذهاب سميرة وكل عاملين القصر لأقاربهم، وذهبت بسمه لأحدى الحفلات ولم يأتي صالح إلى الآن من عمله..
وعلى الرغم من خوفها لجلوسها بمفردها وبالأخص بمثل هذا القصر إلا أن وجود الحراسه على أبواب المنزل تطمئنها…
غافلة عن تلك الأعين التي تتربص بها وعن من يخطط لإنتكاسة جديدة لها …
ظلت تتابع التلفاز بشغف ونهم شديدين فأبسط الأشياء تسعدها، لكن لم يظل هذا طويلًا فما نغص عليها وجعلها تقفز من مكانها فزعة وارتسم الرعب على ملامحها .. إنطفاء الأضواء ليغرق المكان بالظلام الدامس ..
إلتفتت حولها بزعر ولم تستطيع الصراخ..
لكن ما جعل الرعب يدب بداخلها ويستولى على قلبها عندما بدأت الأضواء تنطفأ وتتضاء بسرعة وبدون إنتظام بطريقة أفزعتها وكأنها بداخل أحد أفلام الرعب ..
من الواضح أن من يفعل هذا يعلم تمام العلم نقطة ضعفها وخوفها المزعوم، ويقصد فعل هذا لأجل إرعابها..
وضُعت بموقف لا تُحسد عليه ..، ويجب عليها التماسك
فهي بمفردها بالمنزل وقد غرقت بالظلام، وفاقدة النطق أيضًا، وما زالت تُعاني من الأزمة الأولى
وقفت متخشبة وقد فعل بها الخوف الأفاعيل ويكاد قلبها أن يقفز من صدرها….
لكن ما جعلها تُحرك أقدامها هاربة عندما بدأ بعض الخيالات في الظهور لشخص على جدران المنزل ..
لتفر هاربه وتطلق العنان لأقدامها وتتخبط هنا وهناك لتقع مصطدمه بالأرض الصخرية بعنف، والأضواء لم تثبت على حال ما بين الإضائة والظلام..
وقفت مرة أخرى وأخذت تتحسس المكان من حولها كي تذهب لغرفتها..
لكن صوت مجهول مخيف النبرة من خلفها جعلها غير قادرة على الحركة .. وفي حالة صدمة ورعب حقيقي
: هتروحي فين يا قمر، مفيش غيرنا هنا ومش هتعرفي تهربي مني … وبراحتنا خالص
إبتلعت ريقها بخوف وانسحبت الدماء من وجهها ولم تعد أقدامها قادرة على حملها لتسقط أرضًا وقد أدركت أنها القاضية…
بمفردها وسط الظلام وأمامها شخص ملثم يريد الخلاص منها … لكن لماذا ..؟!
اقترب منها ببطء وهي تتراجع للخلف زاحفة وتحرك رأسها يمينًا ويسارًا برجاء
ليتحدث الرجل بطريقة إجرامية: إنتي بتحركي راسك كدا ليه ومش بتتكلمي …،،، آآآه نسيت إنك خارسه
متقلقيش إحنا هنتسلى سوا وندردش شوية،
أصل إنتِ متعرفيش متوصي عليكي إزاي .. دا صالح باشا موصي عليكي وصاية جااامده، شوفي يا شيخه زهقان منك خالص وعايز يخلص منك بأي طريقة
إنت عامله فيه أيه مخلياه يكرهك كدا.
إبتلعت غصه مريرة عند سماعها لأسمه، أهو حقًا من فعل هذا ويريد الخلاص منها …؟
إذًا فلماذا كان يعاملها بطريقه جيده؟!
وهي من وثقت به وجعلته مصدر أمان بعد أن كان الخطر الأوحد بحياتها ..
بينما هو ما زال عند إنتقامه… وما كان يفعله هو مجرد خدعه لا أكثر…. كم أنتي غبيه سارة..!!!
منذ متى والقدر يبتسم بوجهك ..!؟
لماذا جميع من بحياتي يخدعونني بهذه الطريقه..؟
لماذا الجميع يرد الخلاص مني..؟
هي تثق بالجميع ثقة عمياء … ولا تعلم كيفية التعامل مع البشر….. أهكذا يكون جزائها…!
ظلت عشرون عامًا بالحي الشعبي لم تخرج، ولم تعلم كيف يخدعون بعضهم البعض بالعالم الخارجي.. وكيف يبدوا هذا العالم…
هي تعلم تمام العلم أنها لا تفقه شيء عن شيء لكن الصدمات والأيام كفيلة بهذا وبتعليمها كل شيء…
لكن .. هل ستنجوا من بين براثين هذا الوحش..؟
نعم… ستقاوم وتقاوم ولن تصمت بعد الآن، لابد لها أن تصمد حتى لا تخسر ذاتها أكثر من ذلك بهذه الحرب …
حاولت القيام والفرار من أمامه لتختبىء بغرفتها، لتتماسك وبالفعل قد نجحت في القيام مستنده على المقعد الذي بجانبها ..
وكانت على وشك الفرار من أمامه لكنه جذبها بعنف من خصلاتها ..
: أيه راحه فين، مش أنا بتكلم معاكي… ينفع تسبيني كدا وتمشي ..
حاولت الفكاك من بين قبضته لكنه أحكم قبضته عليها بقوه
: ما تهدي بقى يا بت إنتي
رفعت أحد أقدامها وأنزلتها بقوه على قدمه ليتركها متألمًا وتخرج منه سبة قذره
وتفر هي من أمامه ..
: آآآه يا بنت الأيه… والله ما هرحمك..
ثم ركض خلفها … أسرعت من ركضها لكن الظلام لم يعاونها … لتقع جاثية على ركبتيها، وكانت تلك فرصته لينقض عليها ممسكًا بخصلاتها…
: أيه يا بت فكراها بالساهل ولا أيه بتضربيني وتجري ..طب خدي دي ..
ثم صدم رأسها بالحائط بقوة..
حاولت الصراخ لكن لم تنجح بعد ..
لتصبح الرؤيا ضبابيه والمكان يدور من حولها ..
لااااا… لا يجب عليها أن تفقد وعيها، لا يجب عليها الإستسلام… يكفيها هذا الذل والألم
لكن هذا الأمر خارج إرادتها وفوق طاقتها ..
لينطق الرجل بنبرة شامته: دي هدية بسيطة من صالح باشا ..
وهذا آخر ما وصل لأسماعها…. لتسقط رأسها فاقده للوعي أو ربما للحياة ..
•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•°•
الهدوء يعم الأرجاء إلا من صوت نقيق الضفادع يشق ستائر الصمت والظلام يسود المكان بالأخص بهذا المكان الموحش، فقد أوشك الفجر على الظهور …
تسلل بخفة وحرص كي لا يشعر به حراس المكان ليخرج بأقل خسائر…
أحكم غلق سترته الرياضية ووضع غطاء الرأس الخاص بسترته على رأسه….
دقائق معدودة وقد كان بداخل هذا المخزن القديم، مسح الأرجاء بأنظارة ليتأكد من خلو المكان ومن أن رجاله قاموا بالعمل على أكمل وجه، لكنها ليس لها أثر..
دقق بأرجاء المكان فهو متأكد أنه ثم إحتجازها هنا
وقعت أنظاره على أحد الغرف الجانبيه… تأكد على الفور أنها بها، وبهدوء شديد وقف أمام باب الغرفه ليفتحها بتمهل….. لتكن كما إعتقد ….. الغرفه مغلقة..
أخرج بعض الأدوات من سترته … ثم بمهارة قام بفتح الباب …
نظر بأرجاء الغرفه ليجدها جالسة مقيدة الأيدي والأرجل، مستندة على الحائط بقلة حيلة وأثآر جروح وكدمات تملئ وجهها الشاحب وهي بحالة بين الوعي واللاوعي، لوهلة شعر بالذنب وتأنيب الضمير لكنه طرد هذا الشعور سريعًا
جثى بجانبها وبدأ بفك قيودها وهو يتجنب النظر لوجهها..
شعرت به لتفيق مذعوره متراجعه للخلف …
أسرع بوضع يده على فمها: هششش… دا أنا .. همس بصوت هادئ
تنهدت براحه، ونظرت له لتظل عينيها معلقة بخاصته
كمن وجد طوق نجاته وبر أمانه .. وقد تغيرت نظراتها إليه ورؤيتها…
ليست بحاجه للتحدث فعينيها تتحدث وتقر بما يملئ قلبها …. هي ليست بالغامضة أبدًا بل هي ككتاب مفتوح لكن تحتاج لمن يقرئها لكن لأسفها قد وقعت بين أُميين، عُجمى لا يجدون القراءة
ما بهما يصعب ترجمتة بالحديث، يحتاج فقط لقلب بصير، قلب يشعر وهذا ما لا يملكة “مؤمن الصياد”
فيها أيه لو نرجع تاني…
وبدل ما تكون وحداني..
تسندني معاك ونقوم…
………….
موج الدنيا أناني وعالي ..
وإنت لواحدك وأنا لسة لي عمر هعيشه معاك لو يوم…
ماشي براحتك بس راهني على يوم منك وسنين مني..
إنك مبتعرفش تعوم….
“حمزة نمره”
قطع حبل الصمت إقترابه من أذنها وهمس بصوت هادئ: إهدي … علشان محدش يحس بينا ونخرج من هنا …
اشارت برأسها بهدوء، رفع يده من فمها وأكمل فك وثاق يدها ..
تألمت بصوت مسموع بسبب القيود التي تركت أثر وجروح على مرفقها وألم يدها: آآآآه
تفوه بتلقائيه وبدون درايه، معتقدًا أن ألمها بسبب القيود: بيوجعك… معلش لما ترتاحي هيخف
سرعان ما انتبه أن مرفق يدها يبدو أن أحدًا ما قام بالضغط عليه بعكس الإتجاه ..
نظرت له بتعجب، فهذه المره الأولى التي يحدثها بتلك الطريقة، فدائمًا ما كان يُعنفها ويزجرها
فمن يسمعه الآن لا يصدق أنه نفسه من وبخها والقى بكلماته السامه الجارحة صباحًا
نظر لها بعدما إنتهى من فك قيودها … إلا أن عينيه قد وقعت على رقبتها الملطخه بآثار أصابع تحولت إلى كدمات زرقاء، من الواضح مقصد الفاعل من فعل هذا … الإختناق..
وأثناء شروده تفاجئ بها تدفعه من أمامها بقوه: حااسب
نظر لها بإستغراب إلا أنه سرعان ما تدارك الأمر، فهناك رجلان إقتحموا الغرفه وكان أحدهما على وشك ضربه بعصا غليظه لتسقط العصا أرضًا بعدما دفعته عن مرماها …
نظر لهم بشر العالم أجمع وعينيه تعبر عن مدى غضبه والجحيم الذي ينتظر هذان البغلان…
فمن يجُرأ بأن يتطاول على الصياد والأشد من هذا من خلف ظهره … فهذا هو عين الجُبن، وكم يكره هو الشخص الجبان .. فلو كان قد واجهه من الأمام لكان عقابة أهون مما سيفعله معه الآن…
وقف ببطء وأحكم غطاء رأسه جيدًا … لينظر إلى تلك التي ترتعش خوفًا .. جذب الحجاب الخاص بها والملقى بإهمال أرضًا، وليزيد من دهشتها ودهشتنا وضعه فوق رأسها بتمهل وكأن لديه من الوقت عامًا ..
ثم جذبها خلف ظهره بحمايه ووقف أمام هؤلاء الجبناء ودون أن تشعر وبسبب ذعرها رفعت يدها السليمة وتمسكت قبضتها بشدة بسترته من الخلف..
ليتحدث بهدوء ماكر: مش عيب عليكم يا رجاله تضربوا من ورا الضهر …. دي الرجولة بردوه، ولا مش عاجبكم وشي،،،،، متعرفوش إن متخلقش إللي يطعن الإعصار في ضهره …
عمومًا أنا مسامحكم ودي مش بتحصل كتير … ويلا من وشي علشان نطلع أنا وهي
تحدث أحد الرجال بغضب: يا سلام يا روح أمك ور……
لم يشعر الرجل إلا ولكمة حديديه أطاحت بأسنانه محطمة عظام فكة، فهو لا يعلم أنه وضع البنزين على نار عملاقة لا تنطفأ فمن يجُرأ على ذكر أمه في مجلس…. فليتحمل العاقبة المريرة
ومن هنا إنهالت اللكمات والصفعات، سرعان ما أشتبك الرجل الثاني ليعاون صديقه ويقضي على هذا المتعجرف… لكنه أخذ نصيب وافر من الضرب المبرح
ليفرغ بهم طاقته السلبية وغضبه الجحيمي…
أمسك رأس كلًا منهم وأبعدهم مسافة كافية ويقربهم بقوة لتصتدم رؤسهم بعنف كما يصتدم البيض بعضه ببعض…… إنهار الرجلان وسقطا أرضًا .. فقد جعلهم لا يصلحون لشيء بعد الآن، وتعجبوا كثيرًا من قوته هذه، فهم لم يستطيعون إلحاق الأذى به ولو بقدر أنمله
يقيني أن هذا الرجل ليس بالعادي…
تحدث بغضب: يلا يا روح أمك إنت وهو قوموا دافعوا عن نفسكم..
وبوسط هذا الصراع كانت ملتصقه بالحائط بزاوية بعيده تضع يديها على أذنيها بخوف ورعب جلي على ملامحها …
إلتفت إليها قائلًا بنبرة لا تقبل النقاش: مين فيهم إللي خنقك..؟
نظرت له بجزع ونفت برأسها ودموعها أخذت مجراها
لتفزع أكثر عندما كرر السؤال بصوت مرتفع: أنا قولت مين….؟
أشارت على الفور إلى واحد من الرجلين المستلقيان على أرضية الغرفه الصخرية بإنهماك من غير حول ولا قوة
مؤمن: تمام … والتاني إللي كسر إيدك
جثى بجانب الرجل الاول وبسرعة البرق كان ثنى زراعه بقوة وخبره لتنتطلق صوت طرقات وكسر العظام وتنطلق معاها صرخات الرجل بألم يهز أرجاء الغرفة لتضاهي صرخات أسوة عندما فعلها معها ولم يكترث بألمها وبأنها أنثى ضعيفة، ليكون الجزاء من جنس العمل ..
إنتقل بخفه إلى الرجل الأخر وقبض بعنف على عنقه واستمر في هذا لتتجمع الدماء بوجه الرجل ويظل يرفرف بقدميه فهو على مشارف الموت ويراه بأم عينيه بعد إنقطاع الهواء عن رئتيه، ويتذوق من نفس الكأس الذي تجرعته أسوة منذ قليل…..
بينما هي عندما رأت أن الرجل على وشك الموت وهو على وشك إزهاق روحه
صرخت بصوت مرتفع: كفاية … الراجل هيموت في إيدك …. كفايه بالله عليك
كلماتها أفاقته وقد أعمت نيران الغضب عينيه، ليترك الرجل باللحظة الأخيره
ليظل يشهق بقوة باحثًا عن الهواء لملئ رئتيه…
إعتدل واقفًا ومسح الغبار عن ملابسه …
بكى الرجلان من الألم والذل الذي أذاقهم إياه: إحنا آسفين يا باشا والله ما عادت تتكرر أبدًا، ولا تشوف وشنا مدى الحياة، ولا هنرفع إيدينا على مخلوق تاني لا راجل ولا ست
ضرب مؤمن بطنه بقدمه: ودا إللي هيحصل يا روح أمك لأن أنا مش بسمح للغلط يتكرر مرتين
وهنا إختتم حديثه بجملته الشهيره، فمؤمن الصياد لا يسمح للخطأ بأن يتكرر مرتين، لكن هناك خطأ حلو المذاق سيتكرر مرات ومرات ولن يمل منه أو يقتلع عنه، وهذا النوع من الخطأ فريد من نوعه…
لنتركه ينغمس به شيئًا فشيء….
فلتكن عزيزي مؤمن على قدٍر كافٍ من الحذر…
إلتفت إليها ليجدها جالسة متكومة على نفسها بخوف، فالنمره الشرسه التي خاطرت بحياتها وولجت بأقدامها للجحيم حيث عرين المجرمون وما لا يرحمون لتُحبط أعمالهم وشرورهم… متكومه على ذاتها خائفة خانعة..
فهذه الفتاة تجتمع بها الصفات وأضدادها… فلا عجبًا من ذلك ..
لا تتعجب عزيزي مؤمن، فالنمره الشرسه ليست جسدها فقط بالجريح وإنما قلبها أيضًا فقد أنهكته الحياة والمتاعب والوحده…
فهي بأشد الإحتياج للحنان حتى لو كان حنانًا زائفًا ….
لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه..
فالتتحملي عزيزتي أسوة فالوحده مذاقها مرٌ كالعلقم والمتاعب لم تنتهي بعد ….؟!
ذهب إليها وجذبها برفق: يلا علشان نطلع من هنا … الصبح خلاص طلع
لم تستطيع النهوض معه ومتابعة المسير فأقدامها رخوه كالهلام لا تستطيع حملها من هول ما رأت …
: مش قادره أمشي … رجلي مش شيلاني وإيدي مش قادره بيها
وللمرة الأولى تشتكي الألم.! ولمن..؟!
له هو..! لصائد قلبها…!
نظر لها مطولًا ثم تحدث بهدوء: بصي أنا هرجعلك إيدك مكانها …. بس هي هتوجع شويه ولازم تستحملي.. علشان متوجعكيش أكتر …
نظرت له بأعين يكسوها الحزن والخوف من الألم وقد قرأ هذا في عينيها بكل سهولة ..
لحظات معدودة رق قلبه لها، لكنه تظاهر بالجمود والبرود…
ليسقط هذا الجمود ويذهب أدراج الرياح عندما تمسكت يدها زراعه بقوه، قائلة ببرائه نقية: خلاص ماشي… بس متوجعنيش كتير وأنا همسك فيك …
نظر لها بدهشه … لكن سرعان ما جذب رأسها بداخل صدره مخبئها بين ثناياه: متخافيش….
وأمسك بمرفقها المصاب، لتتمسك به أكثر وتدفع رأسها بداخل صدره قائلة ببكاء: براحه…
لتصرخ بألم وتشهق ببكاء تردد صداه بين ثنايا صدره، ويكون هو جلادها وطبيبها، دائها ودوائها….
فهل هذا من المعقول…!؟
من المعقول وليذهب العقل للجحيم…
صوت بكائها وشهقاتها التي تُحيي الفؤاد الشَعُوب ذكره بأخته ليلى، فهي كانت مثلها تمامًا .. لا تملك حيله..
وحقيقتًا هو لا يعلم كيف يواسي حزينًا أو يخفف عن متألم، لأنه فاقد لمثل هذه الأشياء..
صوت شهقاتها تشبه بكاء الأطفال إلى حد كبير وهذا ما جعل ثمة إبتسامة تشق طريقها لشفتية تكاد أن تظهر ولم تراها هي…
تحدث قائلًا: لما تتوجعي شوية أحسن ما تتوجعي عالطول
أردفها سريعًا ثم إنحنى ليضع يدًا أسفل ركبتيها وأخرى أسفل ظهرها وحملها بسهولة ورفق ..
شهقت بفزع وتخضبت وجنتيها بحرج: لو سمحت نزلني وأنا همشي
أخذ يسير وكأنه لم يسمعها وأردف: ليه مش إنتي قولتي مش قادره تمشي .. وبعدين العربيه بعيده عن هنا.. وإنتي مفيش فيكي حته سليمه … ودا عمل إنساني مش أكتر
أخفضت رأسها بحزن: مش مهم أنا هقدر أمشي بس نزلني..
عندما لاحظ حزنها غير مجرى الحديث: مش مشكله وبعدين إنتي مش تقيله اوي
كادت على وشك القفز من فوق زراعيه لكنه أحكم قبضتها، وكأي أنثى في مثل هذا الموقف
قائلة بغضب وهجوم: يعني أيه مش تقيله أوي … يعني أنا تقيله بس مش قوي … يعني أنا تخينه صح .. قصدك كدا
رفع حاجه بإستغراب من هجومها قائلًا ببرائه: هو أنا قولت كدا .. إنتي إللي قولتي كدا.. يبقى إنتي عارفه نفسك بقى ..
نفخت بغضب: طب لو سمحت بقى نزلني علشان متعيبش دراعك وضهرك..
هتف بنبرة جادة: إثبتي وإمسكي كويس علشان الطريق مكسر زي ما إنتي شايفه كدا … علشان نوصل للعربيه بقى .. هي خلاص قربت ايه
أمسكت به بقوة كي لا تسقط وهم يعبرون هذا المنحدر ودون أن تشعر أخذت تتأمل جانب وجهه بشرود وداخلها سؤال واحد …
لماذا فعل هذا..؟ ولماذا يتحدث معها بمثل هذا الأسلوب فهذه ليست عادته وطريقته
لكن بدون جدوى… فهذا الرجل اللغز..!!
أفاقت من شرودها على صوته: يلا كدا وصلنا..
نظرت حولها لتجد نفسها أمام سيارته..
وقد بدأ يومٌ جديد بصباح مشرق بعد أن نسجت الشمس خيوطها على الصفحة الزرقاء …
أخذت تتنفس نسيم الإشراق عَله يستطيع أن يُهدأ ما بداخلها من حروب ضاربة فقد مكثت يومٌ بليلته في صراع وحزن وألم …
جلست جانبه بداخل السياره .. لينطلق فور دخولها يشق هدوء الصباح
تسآئلت بصوت مرتفع عما يجشع بصدرها: أنا نفسي أعرف مين عرَّف ال… كادت أن تقول أهلها لكنها تداركت نفسها … إللي عرَّف الناس دي إن أنا خارجه في اليوم ده وعرفهم مكاني..
وبكل صراحه ووضوع وهدوء ورزانه لا تليق بسواه فهو مؤمن الصياد بذاته، فريد من نوعه لا يحب الكذب والمراوغة: أنا إللي بلغتهم ..
نظرت له بصدمه ووجع، نظره لن يستطيع نسيانها ما حيَّى … صدمه شلت أطرافها ولسانها فلم تستطيع الحديث ولا التعقيب
خدر وبروده تسري بأوصالها … وخِتم أخر من الألم يُطبع على قلبها …
لماذا يفعل معها هذا …؟ لماذا وهي لم تتطرق إلى أذيته البته..؟
لماذا ..؟ وهو يعلم أنهم يبحثون عنها ويريدون هلاكها.!
لما الجميع يقدم إليها الإساءة والألم فقط دون المحبه والود..؟
لماذا يكرهها بهذا الحد…؟!
لما كل هذا..!؟
وهنا سقطت أحد أوراقها الذابلة..
ولم يكتفي بهذا فقط بل بدأ بكي جرحها: طبعًا أنا عملت كدا عقابًا على الكلام إللي قولتيه ولا مفكره إنك ذكيه وهتهربي وكمان بجرائه عايزه تروحي للشرطه ومع إني حذرتك مره … وزي ما إنتي عارفه انا مش بسمح للغلط يتكرر مرتين..
وعشان تعرفي إن أنا عارف عنك إللي متعرفهوش عن نفسك ..
وعلى فكرا أنا مجيتش أنقذك علشان ندمان أو حسيت بالذنب او الكلام الفاضي ده ..أنا جيت بس علشان خاطر يزيد مش أكتر، وعلشان ميخسركيش وإنتي الوحيده إللي باقيه له
ظلت صامته لم تنطق ببنت شفه، وأضحت تائهه كسفينه ضائعه لا تجد مرسى..
توقفت السياره، نظرت حولها فوجدت أنها على أعتاب حيَّها الشعبي بالقرب من المبنى التي تقطن فوق سطحه
تحدث ليوضح لها: أنا جبتك هنا علشان ترتاحي يومين والكدمات إللي في وشك تخف علشان مينفعش يزيد يشوفك بالمنظر ده ..
هذا ما قاله لكن خلف هذا الكثير والكثير، وما يضمرة لها في نفسه أكثر من هذا بكثير …
وما يريده على بعد خطوات من الآن وعلى أعتاب الحدوث..
خرجت من السياره وهي تجر أذيال الخيبة والكسره وتشعر بأن العالم يضيق عليها … فالكلمات والحروف قد أخفقت لوصف ما تشعر به الآن …
فليكن الله هو الرفيق والمعين الأوحد لها، فلمن تلجأ إلا لسواه..
ظل يراقبها إلى أن ولجت داخل المبنى السكني .. أسند رأسه للخلف، ومتعجب من ردة فعلها فكان يعتقد أنها ستثور وتغضب إلا أنا صمتت فقط … الصمت فقط وليكن صمتُ باكي
فلابد أن يحدث ما سيحدث حتى وإن كان مذاقه مُر… فهذا شر لابد منه ..
صعدت الدرج ببطء وتعب بادي عليها حتى وصلت أعلى البناية أمام الغرفة التي تسكن بها قبل دخولها إلى وكر الغابة
أزاحت مزهريه بجانب الباب الخاص بالغرفة لتجد المفتاح التي وضعته قبل ذهابها عند الإحتياط والحاجه.. وضعته بداخل القفل الخاص بالباب القديم المتهالك .. ليُفتح الباب على مصرعيه مُحدثًا صرير مزعج ..
وعلى الفور وعقب دخولها تخلصت من ملابسها المتسخه لتأخذ حمام دافئ لتريح جسدها المرهق وعضلاتها المتشنجه من الألم وتخفف من حدة الكدمات التي تملئ جسدها ..
لم تُطيل كثيرًا وانتهت على الفور لترتدي ملابس نظيفه مريحه رغم قدمها وعتتها لكنها مازالت متماسكه
اراحت بجسدها على الفراش لتذهب على الفور بنوم عميق …
تاركة خلفها جميع ما يُرهقها ويُحزنها، ولتستعيد جزء من عقلها ولتعلم ماذا ستفعل..؟ وما هو مصيرها..؟
لا تعلم أنها ستستيقظ على فاجعه كبرى..
ما أغرب لجوئنا للنوم عند المصاعب، فهذه طريقة الهروب الأمثل لدى الكثير منَّا…
“بعد ما يقارب الست ساعات”
إستيقظت من نومها بفزع إثر طرق شديد على باب المنزل … طرق شديد يكاد أن يقتلع الباب المتهالك وما يحاوطه من جدران ..
جذبت أقرب شيء لها .. زيَّها الخاص بالصلاه “الإسدال”
لترتديه سريعًا… وتعلم من الطارق ..
وعقب فتحها وقفت أمامهم متروعة..
ليقول أحدًا منهم ولم يكن سوى فرد من أفراد الشرطه
: دكتوره أسوه إنتي مطلوب القبض عليكِ بتهمة الإتجار في الممنوعات وتصنيعك لبعض العقارات الغير مشروعه، إتفضلي معانا بهدوء……
