رواية ظل البراق الفصل السابع والعشرون
إلى روح ما زال بيني وبينها موعد مؤجل بإرادة الله.
أعدك أن أكون لك ملاذا حين يضيق العالم.
وصوتا خافتا يربت على روحك حين تتعب من الصمود.
ويدا لا تمسك بك لتفيدك، بل لتذكرك أنك لست وحدك
سأكون لك وطلا صغيرا تحمله معك أينما ذهبت
ودفنا لا يرى، لكنه يشعر
وقلبا يفهمك في صمتك، ويحتويك حتى في أكثر لحظاتك ارتباكا.
والأهم.....
سأكون لك أمانا لا يشترط
وحنا لا يطالب.
وقليا يحبك كما أنت، لا كما ينبغي أن تكون.
العائلة نعمة من الله، ووجودها من أطيب النعم، لكن هناك أو فانا ترهقك فيها العائلة وأوقاتا أخرى يختبرك الله بفقدانها ....
مثلهم.
بعد يوم طويل ومنهك، وقفت "رقية" في شرفة بيت خالتها.
كانت الحارة من حولها ساكنة، لكن داخلها كان يعج بصحيح لا يهدا.
وانسابت رغما عنها.
رغم ما حمله اليوم من بهجة، ظلت غصة ثقيلة تستقر في قلبها، تأبى أن تزاح خانتها دموعها.
مسحتها سريعا حين سمعت صوت خالتها خلفها:
بدور عليك يا رقية عشان تجهزي معايا السحور، وأنت قاعدة هنا، بتعيطي ؟ هزت رأسها نفيا، وارتسمت ابتسامة متكلفة على شفتيها، لكن صوتها خرج مبحوحا، مختنقا بالبكاء:
لا بعيط ايه ده رمش دخل في عيني يلا تعالي تجهز السحور
أمسكت خالتها بيدها لتجعلها تستدير، وتأقلت ملامحها بقلق واضح
كنت بتعيطي يا رقية، أنا من واحدة من أخواتك هتضحكي علي بكلمتين يا بنت فيروز
بتعيطي ليه ؟ ده أنت دموعك عزيزة ومش بتنزل بالساهل، مالك يا بنت الغالية ؟
انهارت دموع "رقية دفعة واحدة، وقالت بصوت موجوع
أول مرة أحس إني مش كفاية لأخواني يا خالتو .... أول مرة أحس أن في جانب مش هقدر
أعطيه مهما عملت.
قاطعتها خالتها بسرعة، وكأنها ترفض الفكرة من أصلها:
ليه بتقولي كده يا حبيبتي ؟ ده أنت مش مخليا هم محتاجين حاجة.
هزت رأسها نفيا، وقالت بصوت مكسور:
النهارده حسيت إني أخت وبس... دماغي فضلت طول اليوم تقولي، أنت أخت وبس يا رقية. ما قدرتيش تاخدي مكان الأم ولا الأب في حياتهم.
مش هتعرفي احساسي كان إيه والكل كان موجود عشان خاطر نور ما عدا أمها اللي مانت غدر ولا إحساسي وأنا شايفة وسامعة عمو إبراهيم وهو بيتكلم عن نور كانها بنته، وأبوها الحقيقي
مش معترف بيها أصلا.
ولا هتقدري تتخيلي شكل قلبي لما كان عمو إبراهيم ويوسف بيتفقوا مع مروان وأهله على
تفاصيل الجواز والمهر وكل الحاجات دي وعايزين يحافظوا على حقها.
في حين أن أبوها اللي هي من دمه هدر كل حقوقها وحقوق إخواتها.
نور وهنا كانوا يستاهلوا أب كويس يا خالتو.... أب يبقى جنبهم في الأوقات اللي زي دي. آب
يتشرفوا بيه قدام الكل ويقدمهم العرسانهم.
اقتربت خالتها منها، وقالت بحنان ممزوج بالعتاب
و ابراهيم من آب ليكم يا رقية ؟ ده بيعتبركم بناته.
عارفة والله، عارفة ... وهو معزته عندنا غالية قوي. كنا نفسنا هو اللي يبقى أبونا الحقيقي بس الحقيقة غير كده يا خالتو
اه يتعتبر عم ابراهيم أبونا، بس محسن المهدي للأسف هو اللي أبونا ومكتوبين على اسمه.
محسن المهدي اللي دايما بحس بغار لما انطق اسمه.
تفتكري ليه ماحدش من أهل مروان سأل أبونا فين ؟ ميت ولا عايش ؟ ولو عايش، إزاي إحدا بعيد
قالت حالتها بتفكير:
ما عرفش يا بنتي بس يمكن ما حبوش يحرجونا ؟
ضحكت "رقية " بسخرية موجعة:
جده لواء يا خالتو.... لواء ا يعني قبل ما يدخل حفيده بيتنا كان عارف عنا كل التفاصيل، وأكيد عارف إنه عايش وعايش فين كمان حتى لو ما عملت تحريات اسم محسن المهدي مسيطر في
كل مكان، رجل الأعمال وصاحب الشركات محسن المهدي من أغنى أغنياء البلد مين
ما يعرفوش ؟
يمكن أهل حارتنا ما لهمش في أخبار رجال الأعمال بس برا الحارة بيتابعوا كويس.
وسيادة اللواء مش غبي عشان ما يعرفش التفاصيل دي كلها، ولا يناسبنا على العمياني.
ولو ما تكلموش النهارده، قده عشان أنا قبل ما أوافق على مروان... قابلته.
قابلتيه فين؟ وهو اللي كلمك ؟
قالت بنفي، وعيداها تراقبان باب الشرفة خوفا من قدوم أحد إخوتها :
أنا أخدت رقمه من هدى، وكلمته وطلبت أقابله... واتقابلنا فعلا في كافيه كده برا الحارة.
وبدأت تحكي لها ما حدث....
دخلت المكان، ونظرت حولها بتوتر.
رن هاتفها، وبمجرد أن فتحت الخط سمعت صوته:
آنسة رقبة، أنا وصلت المكان، أنت فين؟
أنا لسه داخلة برضه وواقفة عند الباب....
شوفتك شوفتك... أنت شوفيني ؟
هزت راسها بنعم، واتجهت نحوه.
ابتسم وهو يقول :
حمد الله على السلامة، اتفضلي.
جلست وقالت مباشرة
الله يسلمك يا دكتور أنا هيدأ في الكلام على طول عشان مستعجلة.
أنت جاية ترفضي جوازي من أختك بس بشياكة صح ؟
ابتسمت بهدوء:
مغربي في حارة البزاق لما يعوز يرفض، بيرفض في الوش على طول يا دكتور ما بيلفش
اللي
ويدور انا جاية النهاردة عشان أتكلم معاك في موضوع ممكن بعد ما تسمعه ترفض الت.
قال بتسرع:
أرفض مين؟ ده أنا ما صدقت أتأكد من مشاعري وأخد خطوة.
أنا ما عنديش اعتراض عليك يا دكتور مروان بس الجواز عيلة كاملة مش مجرد راجل وست هيرتبطوا و خلاص، دول عيلتين، وأنا يهمني أختي تبقى في عيلة متقبلاها زي ما هي.
وحين حاول الرد قاطعته
سيبني اخلص كلامي من فضلك.
انت أكيد عرفت من يوسف أن والدتنا متوفية وأبونا عايش بس إحنا مش عايشين معاه.
وأكيد سألت نفسك ليه وازاي أب يسيب بناته؟
أنا النهارده بقولك لو ناوي في يوم تسأل أختي السؤال ده، أو في خنافة بينكم تقول لها أبوكم
سابكم يبقى بلاش تدخل حياتها من البداية.
علاقتنا بمحسن المهدي مجرد اسم في البطاقة، واللي بينا أسباب ما تخصش حد غيرنا.
اختي ليها عيلة وانا واخواتها وحالتها وجوز خالتها وابن خالتها، دول عيلتها.
أي حد يرا الدايرة دي مش مننا.
جمجم مروان وقال:
أنا متفهم كلامك جدا، وصدقيني ما يهمنيش أبوكم في حاجة.
أنا لما حبيت أدخل البيت من بابه جيت لك أنت لأنك المسؤولة عن نور.
وحتى لما ما قابلتكيش وقابلت يوسف، ما سألتش عن أبوكم إطلاقا.
يمكن مش مهم بالنسبالك بس بالنسبة لعيلتك أكيد يهمهم يعرفوا.
يا أنسة رقية، اختك صاحبة أختي من أولى جامعة، يعني والدي ووالدتي عارفين عنها كل
حاجة وبيحيوها زي بنتهم أبوها موجود او مش موجود ده شيء ما يفرقش معاهم.
قالت يمكر:
فرك شعره مبتسما :
يعني جذك اللوا هاشم ما عملش تحزبات عن نور المهدي وجاب خط سیر جدود جدودها؟
دلوقتي فهمت ليه الكل بيخاف من دماغك.
الحقيقة إنه عمل، ويعرف كل حاجة عنكم، وهو بنفسه قال أحنا نتشرف إن نور تبقى فرد من علندا.
ثم أكمل بجدية:
أنا عارف إنك خايفة على أختك، ومن حقك تخافي.
بس إحنا ما بتحاسبش حد على غلط غيره، وأيا كان مين هو محسن المهدي، اللي يهمني نور
المهدي اللي اترنت على إيد بنت جدعة في رقبة المهدي.
ارتاحت قليلا، لكنها سألت بحذر:
يعني مش في يوم من الأيام هنتكلم معاها في الموضوع ده؟ لا أنت ولا عيلتك ؟
يا ستي والله ما هنتكلم. هو أنا طايل تبقى في حياتي عشان أنهور وأكلمها في حاجة زي دي؟
واطمني من ناحية عيلتي، محدش هيقول حرف.
صمتت لثوان، ثم قالت:
تمام با دکتور، تشرفت بمعرفتك، عن إذنك..
هو ايه عن إذلك دي ؟ طب موافقين ولا هترفضوا شاب غليان في حالاتي ؟
قالت بابتسامة:
ع هتعرف رد أختي مع يوسف بإذن الله.
يعني إنت موافقة ؟
نظرت لها وقالت بجدية :
لو في يوم اتكلمت عن محسن المهدي أو عايرت أختي بأبوها، أنا مش هسمي عليك. مع السلامة.
أنهت حكيها، وقالت بخفوت:
كنت خايفة حد منهم يسأل وأختي تتخرج، فكان لازم أقابله وأطمن.
ولما اطمنت إنه شاري أختي ارتحت قوي يا خالتو.... وارتحت أكثر لما شفت معاملة أهله النور.
ابتسمت خالتها وريتت على كيفها:
أنت مافيش جانب مالكيش ايد فيه يا روقا، كنت الأم دائما، حتى وأمك عايشة كتب
أمهم. وكنت الأب والسند والظهر اللى بيتحاموا فيه، وفوق ده كله أخت ما فيش زيها.
بلاش تحسي بتقصير، صدقيني إخواتك رافعين رأسهم بيك ومتشرفين بيك.
مش محتاجين للزقت .ه... كفاية معاهم السد عالي.
صحكت "رقية" ومسحت دموعها:
مقبولة منك يا سمية تعالي تجهز السحور، قرآن الفجر قرب يبدأ.
ودخلوا واندمجوا في دفء عائلي حقيقي، لا يشترى ولا يعوض.
اندمجوا جميعا في إعداد السحور التقاطع الأيادي فوق الطاولة، وتتعالى الضحكات الصغيرة التي ترمم ما تكسر في القلوب دون قصد.
كانت "رقية "تتحرك بينهم بهدوء أقل من المعتاد، تراقب إخوتها بنظرات مشبعة بالحب
والخوف مقا، وكأنها تطمئن للمرة الألف أنهم بخير ما زالوا بخير.
جلست وسمية وهي تراقب نور التي بالكاد تلمس طعامها، وقالت بنيرة توبيخ مشوية بالحنان
يا بنتي ما تاكلي كويس ؟ هي علية الزبادي وحبابة الفاكهة دول هيشبعوا ؟
ردت" نور" يضحك متعقد، ويغيظ طفولي وهي ترمق خالتها :
اه یا سوسو هيشبعوني عادي مش بدل ما أكل محشي في السحور؟ محشي وورفاق يا
خالتوا تخنتي يا سوسوا
شهقت "سمية ورفعت حاجبيها بصدمة مفتعلة:
تخنت ؟! مين دي اللي تخنت يا بت؟ ده أنا عود ما فيش منه، يا عصاية خشب
قال تخنت قال أنا تخنت يا إبراهيم؟
قالت آخر جملة وهي تنظر إلى زوجها بغيظ صريح قيادتها نظرة هادئة، ثم وجه بصره إلى
البنات اللواتي الفجرن ضاحكات، وقال بحث واضح
لا يا حبيبة إبراهيم، إنت طول عمرك سمباتيك العيال دي ما بيفهموش في البط البلدي !
تعالت ضحكات البنات، وصفر" سيف " صغيرا عاليا، بينما غمر" يوسف" لوالده بحيث.
قالت "سمية "وهي تضرب كفا يكف:
بط يا إبراهيم ؟ أنت كده بتأكد كلام البت الصفرا اللي بتقول إني تخنت.
بس ماشي... بطاية بطاية أنت عارف كيلو البط بكام؟
رد" إبراهيم " وهو يغمز لها:
مش محتاج أعرف علاوة أي بطة كفاية أعرف علاوة أحلى بطاية عندي.
ومهما بلغ عمر المرأة، فإنها تعود طفلة خجولة أمام كلمات من تحب.
احمر وجه "سمية"، وكادت ترد لولا أن قاطع اللحظة صوت "يوسف " المتذمر :
الصير من عندك يا رب ناوليني ورك البط اللي فاضل من الفطار ده يا سمية، أصل جوعت ثاني
من كثر المحن اللي حوالينا دي.
نظر إليه والده بدهشة مصطنعة:
محن ؟! هعذرك تلاقيك ميت من الجفاف العاطفي
جفاف ولا عفاف
خرجت الجملة تلقائيا من "سيف"، فتعالت الضحكات، بينما نظر" يوسف" إليه يقرف مصطنع:
بتستخف دمك عليا يا سيف ؟ طب جهز نفسك لأحلى تشامل فيزياء بكرة ومن أسئلة العبد الله.
قفز" سيف من مكانه بسرعة، واقترب من يوسف، وقبل رأسه وهو يضحك:
عمي وعم عيالي يا كبيرا أنت عندك حق هما زودوها قوي وما يصحش واحنا قاعدين، ده
احدا حتى شوية سناجل وغلابة والله غلابة
قالت "رقية بخيت، وهي تنظر إلى نور:
ما تجمعش يا سيفو... في واحدة ما بقتش سنجل.
احمر وجه " نور" وقالت بخجل واضح
أنا عارفة إنكم مش هتسيبوني في حالي هقوم أعملكم الشاي.
والسحيث إلى المطبخ مربا، تحت ضحكات الجميع.
قاطع الضحك صوت إبراهيم " موجها حديثه إلى رقية:
ست البنات مش عايزة توضح جملة اترمت في نص القعدة، وهي ما اعترضتش عليها ؟
فهمت "رقية" قصده، وقالت بهدوء مدروس، وهي تنظر إلى "يوسف " بنظرة توعد خفية
هنتكلم يا عمو أكيد، بس لما أنيش في الحوار وأعرف جذوره.
مش يمكن جذوره تطلع فاسدة، فنقطعها وتخلص من لسانها ... أقصدي سمها.
تبادل الجميع نظرات استغراب، ما عداو يوسف الذي تظاهر بالانشغال بالطعام وهو يهمس:
يخربيتك عبالك يا مهاب أنت ومروان الكلب، أنا كان مالي ومال شوية المجانين دول؟
حسبي الله، أنا بخاف من البت دي قوي.
رفعت "رقية" حاجبها
بتقول حاجة يا يوسف ؟
بقول تسلم إيد بنت خالتي وأختي على شوية المحشي دول، كانوا تحفة.
امك اللي عاملاهم با ابن خالتي
سامعين رئة تليفوني ؟ مهاب بيتصل ... هرد عليه وأجيلكم.
ونهض مسرعا، فهزت "سمية "رأسها باستغراب:
التليفون ما رنش ؟ الواد اتجنن ولا إيه؟
اقتربت "هنا " من خالتها وهي تضحك:
سيبك منه يا خالتو، وتعالي نتفرج على الصور اللي صورتها النهاردة.
واندمجوا في مشاهدة الصور، وانضمت إليهم نور بعد قليل بينما بقيت رقية تراقبهم من بعيد.
كانت الابتسامة على شفتيها حقيقية هذه المرة، لكن قلبها لم يهدأ تماما.
خرجت إلى الشرفة مرة أخرى، والهواء البارد يلامس وجهها بلطف.
رفعت عينيها إلى السماء، و همت بدعاء خافت، ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تسلم أمرها كله الله.
في بيت عامر البراق، كانت هناك علاقة خاصة تربط بين الأم وابنتها، علاقة لا تقاس بالأعمار بقدر ما تقاس بالمسافة الأمنة بين قلبين، فحين تجلس أنثى لتصفف شعر أنثى أخرى، يكون الأمر أعمق من مجرد حركة، يكون اعترافا صامنا بالحب، وبالأمان، وبالعشرة التي لا تحتاج إلى كلام
كانت" فريدة" البزاق تجلس خلف أمها، تمسك فرشاة الشعر بين يديها، تمزرها برفق في
خصلات شعر "مفيدة" التي جلست أمامها، مسترخية مغمضة العينين، وابتسامة دافئة لا تفارق شفتيها، تعالت ضحكاتهما في المكان وهما تستعيدان ذكريات قديمة، ضحكات تحمل حنينا أكثر مما تحمل مرخا.
قالت "فريدة وهي تبدأ في عمل ضغيرة لأمها بنيرة مازحة تخفي خلفها امتنانا خالصًا:
خليت الواد حسن يعلمني أعمل ضغيرة عشانك أهو بدل ما ابن الجزمة بيفضل يغيظ في إنه بيعرف يعملها وأنا لا.
ضحكت " مفيدة"، ضحكة أم تعرف قيمة أولادها وأحفادها، وقالت بحنان صاف
حسن ده حبيبي، كل يوم ييجي يعملي ضفيرة، ومحمد يعملي على كوباية شاي ولادك حنينيين يا فريدة.
توقفت يد "فريدة" لحظة، وشدت على خصلة شعر قبل أن تعاود الحركة، وقالت بصوت خرج مثقلاً بالألم :
بس الدنيا مش حنينة عليهم يا ماما، أبوهم مات وهما صغيرين، وأهل أبوهم أكلوا حقهم وطردوهم من عزهم.
فتحت "مفيدة "عينيها، ونظرت لانعكاس ابنتها في المرأة، ثم قالت بنيرة عتاب هادئة لا تخلو من يقين:
انطردوا من عزهم لعلهم برضه يا بنتي ولادك صحاب بيت، وقاعدين في ملك أمهم، وفي عز خالهم، وانت عارفة عامر بيعتبر ولادك زي ولاده، وأكثر كمان.
تم أتبعت حديثها بحكمة امرأة عاشت ما يكفي لتفهم عدل السماء:
ربنا رحيم بعباده يا فريدة أوعي تفتكري إن ربك بينسى عباده. لا يا بنتي، إحنا عيبنا إننا بننسى إن في محطة أخيرة .... محطة هنقف فيها كلنا قدام ربنا، ونشوف حقنا بيتاخد قدام عينينا، وتشوف إزاي عقاب ربدا في الآخرة أشد من الدنيا، فأنا مش عايزاك تشيلي هم ولا
تزعلي، كله خير والله كله خير... كفاية إنه جاي من عند حبيبك.
ابتسمت "فريدة" ابتسامة رضا صادق، وهي تنهي الضغيرة وتربطها بعناية، ثم قالت:
تقوليلي بقى حسن ولا بتاع.
كل اللي ييجي من عند حبيبي حبيبي يا ماما انفضلي شوقي الصغيرة اللي عملتها، ولا
كانت مفيدة على وشك الرد لكن دخول التوأم محمد وحسن قطع اللحظة، وهما يعلنان حضورهما بمرح صاحب تحدث "حسن":
خيانة وغدر بيحصل في بيت البزاق؟ سايبة حد غيري بعملك الصغيرة يا مقيدة؟ خلاص
استغنيتي عن أبو علي حبيبك؟
رمقته أمه بنظرة حيث محببة، وقالت "مفيدة "وهي تميل برأسها ناحيته:
أنا ماليش دعوة، أمك اللي صقمت تعملها لي أقول لها أبدا هستنى حسن، وهي ولا اهتمت.
نظرت "فريدة إليها بصدمة مصطنعة، فغمزت لها مفيدة بخفة عندها قال "حسن" بدراما مفتعلة:
هعديها المرادي وأنسى غدرك
تدخل "محمد "وهو يغمز:
الحمد لله الدنيا صيام، ولا كنت خليتي حد يعملك الشاي بدالي.
رفت "مفيدة" ضاحكة:
ولا أقدر أشربه من ايد حد غيرك يا واد.
نظرت "فريدة "إليهم بحنان وقالت:
يلا اطلعوا ارتاحوا شوية، عبال لما المغرب يأذن.
قال "محمد " بسرعة:
هنا خدونا معاكم لعمو يوسف صح؟
وأكمل" حسن " برجاء
ام بالله عليك يا ماما عايزين نروح
قالت وهي تهز راسها:
عندكم درس بعد التراويح يا حبايبي
نفى "محمد" وهو يلوح بهاتفه :
الحصة اللغات والمستر نزل على الجروب يعني كده ما عندكيش حجة يا فيري.
قالت يقرف مصطنع:
فيري؟ لو خالكم خدكم ماشي، لكن لو قال لا، هتقعدوا هذا.
قال " حسن " بفرحة وهو ينظر المحمد
لا، طالما القرار في إيد خالو يبقى هنروح يا معلم بلا تطلع تمام شوية عشان تبقى فايقين بالليل.
يلا يا ريس.
خرج الاثنان، فضربت "فريدة" كفا بكف وقالت:
معلم وريس عليه العوض ومنه العوض ... تعالی با انتصار
قالت اخر كلماتها حين لمحت " انتصار "خارجة من المطبخ. اقتربت انتصار منهما، فقالت فريدة يحب
ما تيجي تقعدي معانا شوية.
جلست " انتصار" وقالت ببرود:
قعدت أهو، في حاجة ؟
قالت مفيدة
كلنا رايحين افتتاح معرض يوسف، هتيجي معانا؟
رفعت "انتصار" دقتها وقالت بغرور:
كلكم مين؟ ما فيش غير مهاب ومازن بس اللي رايحين مش معقول كل بيت البراق يروح
عشان خاطر سی یوسف
قالت "مفيدة" بمكر واضح:
كبير عيلة البزاق رايح بنفسه با انتصار مش معقول ما تعرفيش إن جوزك رايح، وواخدنا معاه
أنا وفريدة وأولادها، وأولادكم كمان
اتسعت عينا "انتصار" وقالت بحدة حقيقة:
عامر رايح ؟ لا، وحضرتك كمان هتروحي ؟ ده إنت ما بتروحيش لحد.
قالت "مفيدة" بحيات:
بس ده مش أي حديده يوسف النجار ... جدته الله يرحمها كانت صاحبتي الروح بالروح، وأمه جدعة وحبيبيتي، وأبوه صاحب جوزك، وهو صاحب ابنك وروحهم في بعض، ده غير إن كان بينا نسب، وفوق ده كله يوسف جدع، وما سابش حد في حارة البراق إلا ووقف جنبه في حزله قبل
فرحه يبقى في فرحته مش هتروح ؟
أكملت" فريدة".
ده انت هتلاقي شباب الحارة كلهم عنده النهاردة.
وقفت "انتصار" بغيظ:
اعملوا اللي عايزينه بس أنا ونادين مش هنروح.
بس أنا رايحة يا ماما.
التفتت انتصار بصدمة النادين التي كانت قد عادت للتو من العمل، وقالت:
افتريت" نادين" من أمها وقالت بهدوء:
رايحة فين معلش ؟ أصلي ما سمعتش كويس.
هروح مع بابا وأخواتي تبارك ليوسف على معرضه.
قالت " انتصار" بتوبيخ:
لا، ده أنت اتجننتي بقى.
بالعكس، أنا عقلت قوي.
قالت "انتصار" بعصبية:
هنروحي تباركي لطليقك على افتتاح معرضه؟ اللي كنت يا ما بتتحايلي عليه يفتحه وهو مش
موافق ورامي نفسه في الورشة بس؟ هتروحي ليوسف اللي كتب بتتمنى اليوم اللي يطلقك
قالت "نادين يشبه الفعال :
فيه، ولما چه اليوم قللتي من كرامته قدامنا كلنا ؟ لما طلقك ما نزلتيش دمعة واحدة.
بس بكيت بعده بدل الدموع دي.
نظر الجميع إليها بدهشة، فأكملت:
أنا اطلقت من يوسف تحت ضغط وكلام في السم كنت دايما بتسمع هولي... يوسف مش
شبهك، يوسف هيضيعك هتلاقي نفسك في الآخر في الشارع، أنت بنت انتصار، مقامك أعلى من كده، شقة إيه دي المقروض تعيشي في قصر زي بتاعنا متجوزة واحد شغال في ورشة ؟
اوعي تخلفي منه هيضيعك يا نادين... كلام عملي غسيل من وخلاني أقلب عليه 180 درجة.
خلاني أكره بيتي وجوزي وحياتي، رغم اني اخترتهم بنفسي، ويوسف ما كانش مخليني
محتاجة حاجة بس أنا العميت و مثبت و را كلامك.
قالت امها بغضب:
بنت عامر عايزة تشيل أمها الليلة وتعيش دور الضحية؟
هزت "نادين "رأسها نفيا:
لا مش هشيل حضرتك حاجة أنا اللي غلطت لما سلمتك ودني، وكنت بحكيلك كل حاجة
يتحصل في بيت جوزي غلطت إني فضلت تحت سيطرتك يا انتصار هانم. پس فوقت... آه
متأخر قوي بس فوقت وعرفت إنك ما بيهمكيش غير نفسك ومظهرك قدام الناس.
افتريت "انتصار" منها بغضب، ورفعت يدها لتصفعها، لكن فريدة "جذبت "نادين" بسرعة وقالت:
صرخت "انتصار".
انت اتجننتي يا انتصارة هتضربي بنتك بالقلم ؟
وأكسر عضمها كمان أنت مش شايفة قلة أدبها ؟ الظاهر إلى ما عرفتش أربي.
قالت نادین بسخرية مريرة
صح انت ما عرفتيس تربي، حتى ما سمحتيش لأبويا يربيني عاملة حواليا سور وممنوع حد
يقرب، كنت يهرب منك وأقعد وسط إخواتي وأبويا عشان أحسن إلى محبوبة من غير شروط.
الحب عندك دايما مشروط، وعايزة المثالية لحد ما خليتيتي معقدة نفسيا وبتعالج بسببك.
ثم أضافت بسخرية
ام صح.... نسيت إن انتصار هاتم ما تعرفش إلى بروح لدكتورة نفسية من بعد طلاقي بثلاث شهور
ساد الصمت، والصدمة على الوجوه، فأكملت:
كنت ضايعة بين اللي إنت بتعلمهولي وبين الواقع، وبين اللي أبويا بيعاملهولي وعلمه الإخواتي
اللي الحمد لله انهم مش تحت سيطرتك كنت تايهة بين عقلي وقلبي اللي مات بعد طلاقي من أكثر راحل حبني وقدم لي كثير، وانت ما كنتيش بتسألي خلاص بقيت بنت عامر، مش بنت انتصار المثالية، بس إخواتي كانوا بيسألوا مهاب اللي كنت بتقولي ما أسمعت كلامه هو اللي انقذني، ووداني لدكتورة نفسية هو ومازن بيوصلوني وبيتابعوا مع الدكتورة لحد ما نادين لغت نفسها تاني لقيت نفسي برا دابرتك وحصارك، وأنا مش راجعة للحصار ده ثاني.
رغم كل ما سمعته، ظل الغرور مسيطرا على انتصار فقالت برود قاس
حصاری برافو با نادین روحي يا حبيبتي ليوسف وخليه يشمت فيك.
قالت نادين بثبات
أنا رايحة أبارك له وأعتذر اه اعتذاري مش هيرجع حاجة بس حقه علي لازم يعرف إنه ما قصرش، وإنه كان كفاية ... قوي كمان بس أنا اللي ما استهلش راجل زبه مطلع أرتاح شوية.
غادرت نادين المكان، ورأسها منخفض، وخاطرها علي بمزيج من الندم والفهم الجديد. جلست لحظة على طرف الكرسي في هدوء، تتأمل صدى كلمات إخوتها وأمها في قلبها، وتدرك للمرة الأولى كم كان يوسف رجلا نادرا، كم كان صادقا، وكم أهملته هي بغرورها وكبريائها. كانت تدرك الآن أن ما فاتها لم يعد يسترد، أن الفرصة التي ضاعت أمامها لن تعود، وأن العبرة
ليست في استرجاع الماضي، بل في قبول الحقيقة والتعلم منها قلبها كان بين قليلا، لكنها شعرت أيضا بحرية جديدة، بحرية أن تعرف قيمتها دون أن تبحث عن تأكيد من أحد، وأن تقدر ما هو حقيقي حين يمز بجانبها، حتى لو فات الوقت.
فريدة ومفيدة، بعيدا عنها، تبادلا نظرة صامتة، علمتهما التجربة أن الحياة تمنح دروسها لكل واحد في وقته، وأن بعض الخسارات تعلم الإنسان أكثر من أي فوز مؤقت. اما نادين، فقد بدأت رحلة الصحو الحقيقي، رحلة فهم الذات، ووعي القيمة الحقيقية لما كان يقف أمامها منذ البداية. حتى لو لم تستطع الإمساك به الآن.
بعد صلاة التراويح، كان الجميع يستعد للذهاب إلى معرض يوسف.
ذهب والده ووالدته منذ ما بعد المغرب مباشرة، وكان قلبيهما لم يحتملا انتظار لحظة كهذه، أما عامر البراق، فقد استقل سيارته، واصطحب والدته، وأخته، وابنته، في مشهد يحمل هيبة الاسم قبل بهجة المناسبة.
محمد و حسن توجها بعد الصلاة مباشرة مع أبناء الحارة، بخطوات سريعة وضحكات عالية.
بسبانهم الفخر أكثر مما يسبالهم الوقت.
الكل كان متجها إلى المكان ذاته... المشاركة شاب يشبه قلبه الذهب صفاء وصلابة.
وكان ذلك الشاب يقف أمام معرضه، تحيط به الأنوار من كل جانب، وتزدحم أمامه السيارات. بينما يضخ المكان بالناس، وجوه مألوفة وأخرى جاءت بدافع المحبة الخالصة، جميعهم حضروا
ليشاركونه فرحته، وكأن نجاحه نجاخ جماعي لا يخصه وحده.
وقف " يوسف"، وإلى جواره "مهاب" و "مازن"، اللذان لم يتركاه منذ الصباح، وكأنهما ظلاه في هذا اليوم
وقفوا جميعا تحت يافطة كبيرة للمعرض، ذات تصميم فريد وفخامة خاصة خطفت الأنظار قبل أن تقرأ. كتب عليها:
التجار للموبيليا والآثاث المودرن
وتحتها، بخط ذهبي أنيق، عبارة:
تحت إدارة كل من المهندس يوسف النجار والحاج عبد المقصود الجبالي».
كان المشهد مهينا بحق تصميم المعرض الوانه، ترتيب الآثات داخله ... كل شيء صنع بذوق
واضح، وكأن المكان يعلن عن نفسه دون حاجة الكلام.
كان "يوسف" يقف عند المدخل يسلم على الداخلين واحدا تلو الآخر ابتسامته صادقة، وعيناه تلمعان بفرح لم يحاول إخفاءه. اقترب من مهاب، وانحنى قليلا نحوه، وقال بقرحة واضحة:
إيه الناس دي كلها ؟ أنا ما قولتش للعدد ده كله.
رنت "مهاب" على كتفه، بلمسة تجمع بين الصداقة والأخوة، وقال بنبرة واثقة:
مش محتاج تقول يا صاحبي، أنت جدعتك طالت الكل، وده أقل عدد ممكن يجيلك.
نظر له "يوسف " نظرة امتنان حقيقي، وقال بصدق خرج من القلب:
طب تصدق أن العدد ده كله مش فارق معايا قد ما فارق وجودك يا صاحبي
ابتسم "مهاب"، ثم احتضنه بمحبة خالصة، وقال مارخا
هتعملي خصم ثمانين في المية بقى على فرشي أنا وبنت خالتك.
زقه يوسف" يخفة، وضيفه كان مصطنعا، وقال:
من لما تبضلك الأول يا نحس وبعدين ثمانين في المية ليه يا أخويا ؟ سارق الخشب ولا
سارقة يا هندسة ؟ إيه اللي جاب عفك ومراته العقرية هنا؟
قال جملته الأخيرة وهو يشير برأسه نحو سيارة رزق التي ركنت أمامهم. تبادل "مهاب" و "مازن" نظرة سريعة، ثم نظرا إلى " يوسف"، وقالا في صوت واحد:
بتعزك أوي يا جو.
ها "يوسف "رأسه يبطه، وقال بسخرية خفيفة:
نفس المعزة يا ولاد عمي والله نفس المعزة ... يا أهلا بأفراد عبلة البزاق، منور يا عم رزق. كان "رزق" يمسك بيد" سعاد"، وعيناه تجولان في المكان بغيظ مكتوم، بينما كانت سعاد تقول
في سرها: ده كله بقى ملك يوسف ؟!
ابتسم "رزق "ابتسامة متكلفة، وقال وهو يسلم على يوسف:
مبروك يا يوسف، أنا قلت أجي أيار كلك بمكان.
رد "يوسف" بابتسامة مهذبة:
الله يبارك فيك يا رزق باشاء واجبك وصل.
مدت " سعاد" يدها لتصافحه، وقالت من بين أسنانها:
مبروك يا يوسف المكان كبير وشرح وبرح.
وضع" يوسف" يده على صدره، وقال يمكر واضح
الله يبارك فيك يا خالتي معلش بقى ما يسلمش على حريم.
برقت عيناها، وقالت بدهشة مغلفة بالغضب:
حريم؟
أوما مؤكدا:
اه حریم... كلمة عربي على فكرة.
ثم أشار إلى الداخل وهو يقول :
اتفضلوا ادخلوا واتفرجوا على المكان.
دخلوا وهم يكتمون غيظهم. بينما كان مهاب ومازن يحاولان جاهدين إخفاء ضحكهما.
وفي تلك اللحظة، لمحوا سيارة والدهم تقترب من بعيد، فاستقاماً في وقفتهما، غمر " مهاب"
ليوسف وهو يقول :
البيج بوس جايلك بنفسه ... بص كده.
اتجه بصر" يوسف" إلى حيث أشار مهاب.
وصلت سيارة عامر البزاق، وبدأ يركتها أمام المعرض، لم يصدق يوسف عينيه مكانة عامر لديه
لكن في يوم كهذا... فرحته كانت أكبر من أي حدر.
كانت كبيرة، ومنذ طلاقه من نادين وهو يتجنب لقاءه، حتى لا تنشأ أي حساسية بينهما.
ابتسم "يوسف"، وكاد يتحرك من مكانه ليستقبله، قبل أن يتجمد فجأة.
راها.
نزلت" نادين" من سيارة أبيها.
كانت تنظر حولها قليلا ثم التقت عيناها بعينيه.
نظرت إليه باعتذار صامت، وخزي لم تستطع إخفاءه.
اما هو، فبادلها نظرة جامدة، متماسكة ظاهريا.
لماذا لا تنسى الألم؟
قد تنسى الحب، لكن الألم... يسكن القلب، يثبت فيه، ويرفض الرحيل.
في اللحظة التي رأها فيها، عاد إليه كل ما عاشه معها، محاولاته، صدها، حبه الذي قويل بالبرود.
وكل ما قدمه واستهانت به.
حتى كلماتها قبل الطلاق، ما زالت ترن في أذنه، كأنها قبلت للتو.
افاق من سكونه حين وقف "عامر "أمامه، وقال:
مبارك يا ابني أنت تستحق أكثر من كده.
انتيه "يوسف"، وايتسم لم احتضن عامر بمحبة واضحة وهو يربت على كتفه :
قالو عامر" بمرح:
الله يبارك في عمرك يا كبير، والله ما مصدق إنك جاي بنفسك.
أنا مش جايلك أنت. أنا جاي لأبوك صاحبي وحبيبي... هو فين؟
ضحك "يوسف" وقال:
کده ؟ طيب ماشي خلي صاحبك حبيبك يجدد لك فرش مكتبك اللي قايلي عليه من أسبوع.
قال "عامر" بجدية مصطنعة وهو يدخل المعرض:
هو مش حبيبي قوي يعني .... هدخل اشوفه وبعدها توزيني فرش المكتب يا هندسة.
بابتسامة ودية:
ودخل " عامر " إلى المعرض، وقفت مفيدة أمام يوسف وهي تتكي بلطف على مهاب الذي قال
است الكل بنفسها يا عم يوسف... يابختك يا عم.
ضحك "يوسف" بمرح، وجعلت عيناه تتلألأ بالحب الخالص:
مانا حبيبها يا ابني ولا إيه يا مفيدة يا قمر، أنت نورت المكان كله.
ضحكت " مفيدة "برقة وحدان، وقالت:
يكاش بس بحبك يا واد.... ما شاء الله معرضك حاجة تشرف يا يوسف، ربنا يبارلك فيه يا ابني
ويكفيك شره.
رد يوسف" باحترام وابتسامة صادقة:
يارب، ويبارك في عمرك يا حبيبتي.
"فريدة"، التي كانت تبحث عن أولادها، تقدمت وهي تبتسم وتبارك:
مبروك يا باشمهندس عقبال المعرض العاشر.
ابتسم " مهاب" بضيق مصطنع وقال:
طهرنا الكسر معاه في معرض واحد يا عمتو مش ناقصين وجع دماغ تالي.
ضحك الجميع، لكنو يوسف قال يغيظ ممزوج بالمرح
طب تصدق بقي بإذن الله هفتح معرض يوم من الأيام جنب معرضك، وهرخم عليك ليل نهار.
ضحك الجميع على تعبيرات وجهه.
ثم سألت "فريدة" مهاب بنيرة قلقة قليلا:
مهاب فين حسن و محمد ؟ أحسن دول ممكن يعملوا مصايب.
أشار" مهاب" إلى الداخل بابتسامة:
كلهم جوه يا عمتو ... خدي جدتي وادخلوا هتلاقوا الكل هناك.
ابتسمت "فريدة" وأمسكت يد "مفيدة"، ودخلوا المعرض.
اما نادين، التي كانت شاخصة إلى الأرض، فوقف مهاب" بجانبها، مسك يدها بلطف، ونظر إليها
بعينين تشجعاتها، وهو يعطيها شعورا بالأمان.
وقفت أمام يوسف، قالت بهدوء
مبروك على المعرض با باشمهندس
رد يوسف "ببرود:
شكرا
اغمضت عينيها للحظة، ثم قالت باحترام و اعتذار
أنا عارفة إنه مش وقته، بس احتمال ما تقفش الوقفة دي تاني ... وعشان كده حبيت اعتذر لك عن أي غلط صدر مني تجاهك، وباعترف أنك كنت الصح وأنا الغلط... عارفة ان اعتذاري ممكن
ما يفرقش معاك بس برضو حبيت اعتذرلك واتمنى تسامحني.
قالت كلامها بهدوء وهي تشد على يد "مهاب " الذي كان يبادلها النظرات بينه وبين يوسف.
محتارا بين الاثنين، غير قادر على أن يداوي أي جرح، فقط واقف شاهدا.
ابتسم "يوسف داخليا بسخرية، لكنه قال بحمود
خلاص يا أستاذة نادين.... مامنوش فايدة الكلام ده. أنت كنت اخت صاحبي قبل كده
و هتفضلي اخت صاحبي وليك كامل الاحترام لأجل عيونه، شكرا على مجيتك دي.
ایتلعت" نادين " غصة في حلقها، هزت رأسها، ونظرت لمهاب الذي ابتسم لها يشجيع، ثم نادي على مازن الذي وصل فورا
حد اختك، دخلها عندهم جود.
لف" مازن " يده حول رقبة نادين بلطف، وقال بمزاح
مش كتب عايزة تغيري ديكور اوضتك يا بت؟
ابتسمت وهي تمسح دموعها بهدوء:
عايزة أغير الدولاب والتسريحة وبس.
ضحك "مازن "وهو يدخلها المعرض المليء بالأتات:
وأصتي.
وبس ليه يا فقرية ؟... ما الحاجات كتير تعالي تستغل أبوك وهو هذا وتغير فرش أوضتك
نظرت له يغيظ، وقالت:
قول كده بقى ... أوضتك يا باشا اللي كل سنة يتغير فرشها ..
رد ببساطة:
يحب التغيير يا بيبي، تعالى بقى لتفرج.
أخذها وبدأوا يتجونوا بين أروقة المعرض، أما هو مهاب، فظل واقفا بالخارج إلى جانيه يوسف
صامتين... يعرفان أن أحيانًا وجودك ساكت أفضل دعم لمن أمامك.
قال " يوسف" بصوت خافت وهو يحدق في مهاب:
ما خستش بأي ذرة حب يا مهاب هو للدرجادي الجرح بيمحي الحب اللي فضل معشش في
القلب ستين ؟
ريت " مهاب" على كتفه، وقال بحكمة مختلطة بالحزن
في ناس لما توجعك بتخلى قلبك يقفل من غير ما تحس ... الجرح ساعات بيبقى أقوى من
الحب، يا صاحبي ... بس الأكيد أن قلبك هيفتح ثاني مع حب جديد... حب يستاهل قلب ابن
التجار.
ابتسم " يوسف " وهو يرد بهدوء:
طب تعالي بقى يا ابن البزاق، تدخل للناس اللي جوه دي.
يلا يا صاحبي
دخلوا كتف في كنف ، وارتفعت أصوات الضحك والمباركات.
كان المعرض مكونا من دورين ممثلا بالناس من جاء للشراء، ومن جاء لمشاهدة العروض، ومن جاء ليبارك ليوسف ... ومن بينهم أهل الحارة، فرحين بابتهم، وفي وسط هذا كله، كان فرحة
ابرهيم النجار وزوجته سميه لا توصف.
رأت" رقية" و"هنا" و "نور" المكان، وفرحة خالتهم بابنها، وحتى سيف الذي خرج للمرة الأولى
منذ علاجه، كان واقفا مبتسقا مع محمد وحسن وعبد الله البراق كانوا يضحكون ويمرحون.
في وسط هذا الزحام، دخل "مروان الهاشمي" مع والده الدكتور "محمد الهاشمي "
كانت أول من يلمحهم "رقية"، فغمزت لأختها وقالت:
حبيب القلب شرف.
نظر" نور إليه " بخجل، ثم إلى رقبة، فيما لاحظ "مهاب" وصولهم، فقال وهو يستقبلهم:
نورت یا دکتور محمد
صافحه "محمد" عليه وقال بابتسامة:
بنورك يا ابنی
اقترب " يوسف " أيضًا ليحيبهم، صافح محمد، ثم مروان قائلاً:
الا قراية الفاتحة يتثور الوش يا مارو وشك منور يا حبيبي.
ابتسم "مهاب" وقال :
ليه كان في العمرة ولا إيه يا جو، ما هو زي ما هو بنفس تكشيرته.
رفع " مروان حاجبه وقال:
متحفلها عليا ولا إيه يا بشوات... وسعوا ادخل أشوف خطيبتي.
وقفه "يوسف" وقال بنبرة مازحة
وريتي الدبلة اللي مقوية قلبك دي... ده حتى لسه ما لبستهاش یا حزين... اهدي وانقل كده
وخليك جنبنا، عشان احنا ممكن نفركش الجوازة عادي.
أكمل "مهاب" بمكر:
يعني ممكن توصل الرقية إنك شاب مش كويس، وبتاع بنات وحاجات وحشة... وانت عارف
هي ينثق فينا إزاي.
احتلت الصدمة ملامح "مروان" وقال:
لا وعلي إيه خليني معاكم ... ده أنا حتى قلبي الفتح ليكم يا أخ مهاب، أنت والأخ يوسف.
رقص" يوسف " بحاجبيه وقال:
شاطر یا دکتور تعالی نشرب عصير بقى.
كانت الأجواء تضح بصخب المحبين الكل منشغل في تفاصيل الاحتفال، بينما وقفت "هنا"
اقتراب "مازن" منها، والذي قال بنيرة ودودة:
تمارس شغفها الأكبر، ممسكة بعدستها للتقط تفاصيل السعادة في كل زاوية. قطع استغراقها
عاملة ايه يا دكتورة ؟
انتبهت لوجوده فجأة، ثم أجابته بهدوء غير معتاد وهي تخفض كاميراتها :
الحمد لله بخير
خيم الصمت لثوان بدت أطول مما ينبغي، قبل أن يغلبها فضولها وتنفجر متسائلة:
انت عملت ايه مع العميد؟
ارتسمت ابتسامة واثقة على تغره وهو يجيبها:
الموضوع اتحل الحمد لله ما تشغليت بالك.
لم تكتف بهذا القدر، بل افتريت خطوة وبعينيها لمعة فضول أكبر:
طب و صاحبك وصاحبتك ؟
تبدلت ملامحه فجأة إلى التجهم، وقال بنبرة حادة غاضية:
هو ما بقاش صاحبي خلاص، وكمان هي مش صاحبتي.
هناء النوت شفتيها بابتسامة مكر وهي تقول:
اها حبيبتك عشان كانت بتقولك سيبتني وكلام من ده.
استقام في وقفته وتحدث بجدية تامة محاولاً توضيح الصورة:
ولا صاحبتي ولا حبيبتي، إحنا كنا مجموعة صحاب وهي فرد مننا وأنا انفصلت عن الشلة دي..
كون يقى إنها فاهمة إلى كنت بحبها وسيبتها فدي حاجة تخصها، لكن أنا عمري ما لمحت لها
بحاجة ولا حتى كنت مديها اهتمام خاص عشان تفتكر ده.
هزت "هنا" رأسها بلامبالاة مصطنعة، وقالت وهي تلملم أغراضها ببرود:
انا يسأل عادي، وده شيء يخصك، عن إذنك هروح الإخواتي.
ودعها بابتسامة عريضة وهو يفسح لها الطريق :
الفضلي يا دكتورة.
ما إن ابتعدت خطوات حتى تنهد بعمق وهو يتبع أثرها بنظراته قائلاً بصوت خفيض:
بسكوتة، أنا بحب حنة بسكوتة والله !
ثم صمت للحظة، واستغفر ربه في سره وهو يشيح ينظره بعيداً:
استغفر الله يا رب أروح أعمل أي حاجة عشان ما أفضلش ميحلق فيها كده.
على الجانب الآخر، اقتربت "سمية" من "رقية"، وكان الحزن يرتسم بوضوح على ملامحها وهي تقول:
شوفي ناهد ماجتش إزاي ؟
حاولت رقية تهدئتها بنبرة حالية:
معلش يا خالتو بس مرات أخوها الله يرحمه تعبانة شوية وماكانش ينفع تسيبها وتيجي.
تبدل زعل " سمية" إلى قلق حقيقي وقالت:
هية تعبانة ؟ لا ألف سلامة عليها، نبقى لروح نشوفها بكرة بإذن الله.
وسط هذا الزحام، استغل "مروان" الفرصة للقرار من مشاكسات "يوسف" و "مهاب" واتجه
صوب مجلس النساء ملقياً السلام، ثم رمق "رقية" بنظرة ذات مغزى، ففهمت فوراً أنها إشارة
الإخلاء المكان بجانب "نور". قامت رقية من مقعدها بابتسامة وقالت:
اتفضل يا دكتور اقعد هنا عبال ما أجيب حاجة أشربها.
ضحك" مروان بامتنان ورد عليها بمزاح
شكراً، نردها لك في الأفراح.
جلس "مروان"، والتفت نحو "نور" التي كانت تجلس بخجل واضح، سألها بهدوء:
ازيك يا نور؟
أجابته بابتسامة رقيقة وصوت خفيض:
الحمد لله يا مروان أنت عامل ايه ؟
بقيت بخير.
احمرت وجنتاها خجلاً، وحاولت تغيير مجرى الحديث:
ماجبتش هدى وعائشة معاكم ليه وجدو هاشم؟
جدو في عزاء واحد صاحبه، وهدى وماما كانوا جايين فعلاً بس خالتو وعيالها اتصلوا وقالوا انهم جايين على بيتنا فماما اضطرت نقعد وهدى قالت مفضل معاها.
اومات نور برأسها، فتابع مروان بجدية
هنروح تجيب الذهب آخر الأسبوع، مناسب معالي؟
أجابت ببساطة:
اه مناسب معايا عادي بس ما عرفش رقية ويوسف إيه ؟
عم ابراهيم ويوسف قالوا موافقين على آخر الأسبوع لسه بس هنشوف رقية.
خلاص أنا هقولها ولو موافقة يبقى أكيد هتخلي يوسف يتفق معاك على المعاد بالضبط.
ابتسم "مروان" براحة وأردف:
على خير بأمر الله، وأنت برضه لو في دماغك محل معين عايزة تختاري منه قولي لي.
ردت ينفي سريع
لأ ما فيش مكان معين اللي تروحه هختار منه.
نروح كذا مكان عادي لعند لما تلاقي اللي يعجبك.
وقبل أن تستطرد نور في حديثها، عادت رقية " فجأة وقالت بمشاكسة:
تسلم يا دكتور، قوم بقى من هنا.
نظر إليها مروان بقلة حيلة مصطنعة وقال:
امرك با حمانی
ضحكت رقية وهي تجلس وتغمر أختها في حضنها، بينما اتجه هو نحو تجمعات الشباب.
فجاة انتبه الجميع الصحيح قادم من الأعلى؛ حيث وقف "سيف" و "مازن" فوق المقاعد.
ممسكين بـ "الدفوف" يقرعون عليها بحماس، أمسك مازن بالمذياع وقال بصوت جهوري هر
المكان:
تحية كبيرة للناس اللي شرفتنا الليلة دي في فرحة أخويا وحبيبي يوسف النجارا
كان لازم أربطه في السرير قبل ما أجي، كان لازم!
اشتغل المعرض بالتصفيق، بينما وضع "مهاب" يده على رأسه بذهول مضحك وقال:
لم يتوقف الأمر عند هذا، بل أكمل "سيف" عبر مذياء آخر وينيرة احتفالية:
يوسف النجار يعني الخشب كله والنشارة كلها والسمعة الحلوة، وسمعني سلام لوح الابلكاش انفجر الجميع ضحكا وتصفيقاً، ليتقدم "يوسف" نحوهم بمرحه المعهود وهو يصبح
يا مشرفيني ورافعين راسي قول كمان قول يا بتاع الابلكاش أنت
استمر سيف في "التحية" والترحيب:
وسلام ثاني للتجار الكبير، عم إبراهيم النجار حبيب الملايين.
رفع "إبراهيم" يده محيباً بينما دق مازن على دفه بقوة، ثم أكمل سيف:
وسلام رايق لكثير حارة البراق، عم عامر الراجل السكر.
اشتعل الحماس وارتفعت الصافرات، فوضع "عامر" يده على صدره بامتنان، ثم عاد المذياع"
المازن" الذي قال بحماس مضاعف
والناس دي كلها في كوم والباشا اللي جاي ده في كوم تاني خالص... مهاب البراق يعني
الهندسة والميكانيكا كلها، يعني مافيش موتور عربية يعطل يانا، يعني الرجولة والشهامة كلها.
يعني اللي هييجي عليه مش هنسمي عليها
تعالت صيحات الشباب، بينما كان "مهاب" يضحك من قلبه محرجاً وهو يقول:
حبيب أخوك انزل بقى وكفاية.
سحب يوسف" الدف من مازن فجاة وقال بتحد ومرح:
ينزل مين؟ طب والله ما حد يطبلي غيرك يا كبيرا
اتسعت عيدا" مهاب " بصدمة وهو ينظر للدف، ثم لمح محمد وحسن وعبد الله يظهرون فجأة
حاملين الدفوف والعصي استعداداً للرقص، نظر مهاب ليوسف وسأله بابتسامة عريضة:
یعنی هنولعها ؟
غمز له " يوسف" بمشاكسة:
توقعها يابا
وفي لحظة، بدأ مهاب يقرع الدف بقوة واحترافية، وشاركه الشباب الغناء والتصفيق في مشهد عكس رباطاً وثيقاً لا يجمعة سوى الإخوة الصادقة، وانتهى اليوم بصورة محفورة في الذاكرة
بعد ساعات من الاحتفال الصاحب والبهجة التي عمت المكان.
