رواية ثمن أخطائي الفصل الثاني بقلم الاء محمد حجازي
_ جنين اية اللي خسرنا؟ اللي جوه بنت يدكتور؟
الدكتور بص لهم بأسف واضح:
_ اللي جوه… مش بنت.
يوسف قال بصوت مكسور، مش طالع:
_ حضرتك متأكد؟
الدكتور سكت ثانية، وهز راسه.
الصمت نزل عليهم تقيل.
ولا حد عرف يتكلم.
ولا حد عرف يبكي.
بس كسر واضح، وحزن دخل المكان كله من غير استئذان
الدكتور كمل كلامه بهدوء مهني، كأنه مش شايف اللي واقف قدامه:
_ إحنا نقلناها أوضة عادية دلوقتي، ساعة ولا حاجة وهتفوق، وتقدروا تدخلوا لها.
الأب هز راسه ببطء، هزة تقيلة مليانة وجع.
يوسف عمل زيه، من غير ما يطلع صوت.
ولا واحد فيهم كان قادر يتكلم.
يحيى كان واقف على جنب، تايه، مش عارف يعمل إيه، ولا يحط عينه فين، ولا حتى ينفع يقرب ولا يبعد.
حاسس إن وجوده تقيل، وإن غيابه كمان تقيل.
الوقت بدأ يعدي.
الدقيقة كانت سنة.
والساعة كانت عمر كامل.
واقفِين،
مش بيتكلموا،
ولا حتى قادرين يبصوا لبعض.
كل واحد فيهم جواه دعوة واحدة بس:
يا رب كلام الدكتور يطلع غلط.
لما الساعة خلصت، يوسف اتحرك فجأة، جري ناحية الأوضة كأن حد بيناديه.
دخل قبل أي حد.
الأب وقف عند الباب شوية، رجليه تقيلة، قلبه سابقه، وبعدين دخل.
مريم فتحت عينيها على نور أبيض تقيل.
راسها بتوجعها، جسمها تقيل، ومش فاهمة هي فين.
أول حاجة شافتها…
وش أبوها.
ووش أخوها.
نظرة عمرها ما كانت تتخيل تشوفها منهم.
لا غضب صريح…
ولا حنية.
نظرة كسر.
حبت تتكلم، بس صوتها ما طلعش.
لسه بتحاول تفهم هي فين، حصل إيه، ليه هم باصين كده؟
فجأة يوسف قرب منها.
قرب قوي.
صوته طالع واطي بس حاد:
_ كنتِ حامل من مين؟
الكلمة وقعت عليها زي الطوبة.
بصت له بصدمة، عينيها وسعت، بُقها اتحرك بس ولا كلمة طلعت.
_ بسألك يا مريم…
يوسف كررها وصوته علي شوية
_ كنتِ حامل من مين؟!
حاولت تهز راسها، تحاول تتكلم، بس جسمها خانها.
قرب أكتر، صوته بدأ يرتعش:
_ ردي عليا…
إنتِ ليه عملتي كده؟
الأب كان واقف، ساكت، بس وشه باين عليه وجع سنين.
يوسف كمل، صوته بدأ يطلع من قلبه:
_ إنتِ فاكرة الموضوع سهل؟
فاكرة إننا هنعديها كده؟
إيده كانت بتترعش وهو بيكمل:
_ أمك ماتت وإنتِ صغيرة…
وأبوكي من ساعتها عاش حياته لينا.
ما رضاش يتجوز،
ما فكرش في نفسه،
كرّس عمره علشان يربينا صح.
بص لأبوه لحظة، وبعدين رجع لها:
_ علّمنا الصح من الغلط،
والحلال من الحرام،
علّمني أكون راجل،
وأكون أخ.
صوته علي أكتر:
_ وأنا أول ما كبرت،
ما شوفتكيش أخت بس،
شوفتك بنتي.
وحبيبتي.
وصاحبتي.
دموعه نزلت غصب عنه:
_ ليه تعملي كده؟
ليه؟
قرب منها زيادة، صوته بقى مبحوح:
_ ليه تحطي راسنا في الطين؟
ليه تجيبي لنا العار بإيدك؟
حاولت تتكلم:
_ يوسف…
قاطعها بزعيق لأول مرة:
_ لا!
ما تقوليليش يوسف!
بص لها بنار بتخرج من عنيه:
_ أنا سألتك سؤال واحد…
كنتِ حامل من مين؟!
الأب اتحرك خطوة، صوته طلع واطي بس موجوع:
_ قولي يا مريم…
قولي علشان أمك ما تموتش مرتين.
الجملة كسرتها.
يوسف صوته علي أكتر، صريخ:
_ ليه؟!
ليه يا مريم؟!
_ إحنا عملنا إيه غلط؟
قصّرنا في إيه؟
نقصناكي إيه علشان تعملي فينا كده؟
مسك راسه بإيديه:
_ الناس هتقول إيه؟
هتبص لنا إزاي؟
هتقول ربّوا بنتهم إزاي؟
رجع يبص لها، صوته متكسر:
_ ده إنتِ كسرتينا…
كسرتي أبوكي.
الأب كان واقف، دموعه نازلة في صمت، من غير ولا كلمة.
مريم كانت سامعاهم…
بس مش قادرة تستوعب.
حاسّة إن كل كلمة بتخبط فيها وهي نايمة على السرير، عاجزة، مكسورة، لوحدها.
يوسف سكت فجأة.
بص لها نظرة أخيرة، نظرة وداع مش مفهوم.
والأوضة غرقت في صمت…
صمت تقيل،
صمت مليان خيبة،
صمت أصعب من أي زعيق.
---------------------------
يوسف رجع خطوتين لورا، صدره بيطلع وينزل بعنف.
الأب اتحرك.
قرب من السرير ببطء، كأنه خايف خطوة زيادة تكسر اللي باقي.
بص لمريم نظرة طويلة، نظرة أب مش لاقي بنته.
وأخيرًا… اتكلم.
_ ليه يا بنتي…
صوته كان واطي، مبحوح
_ ليه تعملي كده؟
سكت لحظة، بلع ريقه بالعافية:
_ أنا قصّرت معاكي في إيه؟
قوليلي…
قصّرت في إيه؟
إيده اتحطت على صدره:
_ من ساعة ما سمعت اللي قاله الدكتور، وأنا حاسس إن ضهري اتكسر.
مش وجع جسمي…
وجع قلبي.
قرب أكتر، صوته رجف:
_ تعرفي يا مريم…
يمكن إنتِ مش فاكرة.
ابتسم ابتسامة باهتة مليانة دموع:
_ وإنتِ صغيرة،
كنا ماشيين أنا وإنتِ في الشارع في الشتاء.
كان في حتة طين كبيرة.
بص لها وهو بيحاول يفتكر:
_ إنتِ وقفتي،
قلتي لا…
مش عايزة أعدي.
صوته اتكسر أكتر:
_ قلت لك ساعتها:
أنا هشيلك.
_ وشلتك…
وعدّيتك من الطين.
دموعه نزلت وهو بيكمل:
_ وإحنا ماشيين قلت لك:
زي ما أنا ما رضيتش أحط رجلك في الطين…
مش عايزك لما تكبري تحطي راسي في الطين.
صمت.
صمت طويل.
وبعدين كمل بصوت واجع:
_ إنتِ لما كبرتي عملتي إيه؟
حطيتيني أنا وأخوك في الطين.
يوسف غمّض عينيه، دموعه نزلت غصب عنه.
الأب رجّع نظره لمريم:
_ كان عندي أمل…
أمل صغير قوي…
إن كلام الدكتور يطلع غلط.
تنهد تنهيدة كسرت قلبه:
_ بس أول ما بصيت في عينك…
عرفت.
سكت لحظة، وكمل:
_ عايز أعرف ليه…
عملتي كده ليه؟
_ أنا كنت هرفض؟
لو كان جه وقال لي؟
كنت هطردك؟
كنت هكسرك؟
قرب منها، صوته بقى أضعف:
_ طب…
إنتِ كنتِ متجوزة؟
الكلمة وقفت في زوره.
ما عرفش يكمل.
نزل راسه، هزها بأسى:
_ ولا …
ولا هو…
وقف فجأة.
بعد وشه عنها، وصوته طلع مكسور:
_ تعرفي…
أنا مش قادر حتى أكمل الكلمة.
الأوضة كانت ساكتة.
سكات تقيل، مليان خيبة، ووجع، وانكسار أب عمره ما كان يتخيل اللحظة دي.
مريم كانت باصة لهم، دموعها نازلة في صمت.
ولا قادرة تدافع.
ولا قادرة تعترف.
ولا حتى قادرة ترجع الزمن.
-------------------------------
يوسف فجأة اتحرك.
من غير ما حد يلحق يفهم إيه اللي حصل.
اندفع ناحيتها بعنف، إيده مسكت في كتافها، وصوته طلع مبحوح مليان نار:
_ قولي لي!
قولي لي ليه!!
بدأ يضرب فيها، ضرب مش بس بإيده… ضرب وجع، ضرب خيبة.
مريم صرخت، حاولت تحمي وشها بإيديها، بس هو كان خارج عن شعوره.
_ ليه تعملي فينا كده؟!
صرخ وهو بيضرب:
_ قصّرنا معاكي في إيه؟
ها؟
قوليلنا قصّرنا في إيه؟!
الأب حاول يتحرك، بس رجله خانته.
واقف مش قادر يعمل حاجة غير إنه يتفرج على الكارثة.
يوسف كمل، صوته كان عالي ومكسور:
_ أعمامك!
أخوالك!
الجيران!
هنعمل فيهم إيه؟!
ضربة أقوى نزلت، وهو بيكمل:
_ هنوريهم وشنا إزاي؟
إزاي؟!
قرب منها أكتر، مسك رقبتها بإيده، ضغط، وهو بيصرخ:
_ ارحمينا!
حرام عليكي!
حرام!!
مريم كانت بتشهق، نفسها بيتقطع، عينيها بتطلع من مكانها.
في اللحظة دي…
الباب اتفتح بعنف.
يحيى دخل على الصوت، اتجمد مكانه أول ما شاف المنظر.
يوسف بيحاول يخنق أخته.
_ يوسف!
صرخ يحيى وهو بيجري عليهم:
_ إنت مجنون؟
إنت بتعمل إيه؟!
دي اختك يمجنون؟
شد يوسف من ورا، بالعافية بعده عنها.
مريم وقعت على السرير، بتكح وتعيط.
يوسف لف ليحيى بعين حمرا مليانة كره:
_ إبعد!
دي مش أختي!
يحيى اتصدم:
_ إنت بتقول إيه؟!
يوسف صرخ:
_ أنا ما استنضفش إن واحدة زي دي تكون أختي!
الأب أخيرًا اتحرك، صوته طلع مكسور:
_ كفاية…
كفاية!
قرب منهم وهو بيهز راسه:
_ إحنا لازم نلاقي حل للكارثة دي…
وبسرعة.
سكت لحظة، وبص لمريم بنظرة تخوف:
_ قولي.
قولي عملتي كده مع مين؟
مريم كانت بتترعش.
دموعها نازلة من غير صوت.
بصت لأبوها، لأخوها، ليحيى.
وبصوت واطي مكسور، ابتدت تحكي.
حكت عن الجامعة.
عن الوحدة.
عن حسام.
عن كلامه.
عن الجواز العرفي.
عن الثقة اللي خانها.
وقالت اسمه.
وقالت عنوانه.
يوسف ما اتكلمش.
بس وشه كان بيتشد أكتر مع كل كلمة.
بعد دقائق…
يوسف ويحيى كانوا في العربية.
ولا كلمة بينهم.
العربية ماشية بسرعة، والغضب سابقهم.
وقفوا قدام العمارة.
طلعوا.
خبط يوسف الباب بعنف.
الباب اتفتح.
حسام واقف، وشه مستغرب.
_ أهلا….
مين حضراتكم؟
يوسف قرب خطوة، صوته كان هادي بشكل يخوف:
_ أنا يوسف.
أخو مريم…
اللي إنت ضحكت عليها.
حسام حاول يضحك:
_ مريم؟
آه…
طيب،
_ إنت اتجننت؟!
ممكن أعرف بقى…
إنتوا جايين هنا ليه؟
يوسف رد من غير ما يرمش:
_ جايين ناخدك…
عشان تتجوزها.
حسام انفجر ضحك، ضحكة مستفزة:
_ أتجوزها؟
إنتوا بتهزروا؟
بص لهم باحتقار:
_ إنتوا عايزيني أتجوز واحدة سلمت نفسها قبل الجواز؟
أنا أتجوز دي ليه؟
من قلة البنات يعني؟!
الصمت نزل تقيل.
يحيى شد نفس، حاول يمسك نفسه.
يوسف عينه اسودت.
خطوة واحدة كانت كفاية…
واللي جاي
كان أبعد بكتير من مجرد مواجهة.
