رواية غرام الذئاب الفصل الخامس والثلاثون
أنا لم أطلب المستحيل، كل ما أردته رجلًا صادق يشبه كلماته، ويحترم قلب أحبه بصدق.
سأمضي وأترك لك صورتي القديمة، تلك التي كانت تُحبك بلا حذر، بينما أنا الآن، فامرأة تعلمت أن لا تمنح قلبها لمن لا يعرف قيمته.
دنيا & كنان
انتهيا من تناول طعام الغداء، وعاصفة لم تهدأ داخل صدرها؛ كانت تحمل الصحون بين يديها، وقد ارتسم على محياها ضيق مكتوم، وامتعاض يتسلل إلى ملامحها، فتفضح عينيها ما تحاول جاهدة إخفاءه.
نهض زوجها عن مقعده في اللحظة ذاتها، ولاحظ وإن لم يُعلق ذلك العبوس العابر الذي مر على وجهها، فلحق بها حتى المطبخ، وخطواته هادئة ونبرته مشبعة بابتسامة أراد لها أن تكون مطمئنة فقال لها
"دنيا حبيبتي، بعد ما تخلصي اللي في إيدك، اعملي فنجان قهوة وتعالي… عايزك نتكلم مع بعض شوية"
أومأت له إيماءة مقتضبة، وذلك هرباً من الأسئلة التي تضج في داخلها، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة ألا تُسقط عنها ستار الهدوء الذي ترتديه قسراً، فأجابت
"حاضر"
وما إن غادر المطبخ حتى اندفعت الذكرى إلى عقلها كطعنة مباغتة… صورة تلك المرأة التي رأتها على هاتفه، و ما سواها تلك الشقراء زوجته الروسية السابقة، التي كانت سبب سنوات طويلة من الجفاء والبرود والانكسار بينها و بين زوجها.
لم تفهم حرفاً واحد من اللغة التي كُتبت بها الرسالة، لكنها لم تتردد؛ التقطت للشاشة صورة، وأرسلتها إلى هاتفها الشخصي، ثم مسحتها من هاتف زوجها بحذر شديد، تخشى أن يكشفها.
غير أنها تركت رسالة البريد الإلكتروني كما هي، حتى لا يشك لحظة أنها وقعت عيناها عليها.
فتحت تطبيق الذكاء الاصطناعي الشهير، وأدخلت الصورة، وانتظرت ثوان بدت لها ثم ظهرت الترجمة أمامها، لتقرأ
«هاي كنان… كيف حالك يا صاح؟، أردت أن أخبرك بشيء هام لأنك كنت كلفتني بمهمة البحث عن زوجتك الروسية منذ سنوات… هي هنا في إيطاليا… تقضي كل ليلة لدي في الملهى… أليست هذه سيلينا؟»
وكانت هناك صورة مرفقة لتلك الشقراء نفسها.
في تلك اللحظة غلت القهوة وفارت من الركوة، كأنها تحاكي فوران صدرها فانتفضت، وأمسكت بالفنجان، سكبت القهوة فيه بيد مرتعشة، أخذته وسارت بخطوات متثاقلة نحو الشرفة.
وجدته يجلس هناك، ينتظرها مبتسماً، والنسيم يداعب ستائر المكان، بينما الهدوء يخيم على كل شيء… إلا قلبها.
وضعت الفنجان أمامه على الطاولة الصغيرة، فمد يده وأمسك به، وارتشف رشفة قصيرة، قال بنبرة راضية
"تسلم إيديكي"
أومأت له بصمت وأجابت بصوت منخفض، مقتضب كأنه يخرج من قاع بئر
"شكراً"
لاحظ وجوم ملامحها، ذلك السكون الثقيل الذي خيم على وجهها كالغيمة الملبدة، فانعقد حاجباه بقلق، وتسربت الريبة إلى نبرته وهو يسألها
"مالك يا دنيا؟، فيه حاجة يا حبيبتي؟"
فتصنعت ابتسامة واهنة، ابتسامة أشبه بقناع هش يتداعى تحت وطأة ما يشتعل في صدرها من نيران تأكل قلبها التهاماً، وتحرق روحها ببطء، ثم قالت محاولة صرف الدفة بعيداً عن نفسها
"مفيش… المهم، كنت عايزني في إيه؟"
أنهى رشف قهوته على مهل، يرتب كلماته في رأسه قبل أن ينطق بها، ثم ترك القدح جانباً، ومد يديه نحو يديها، فقبض عليهما بلمسة حانية، تحمل من الرقة بقدر ما تحمل من ثقل الخبر.
"أنا مسافر في خلال يومين، ومش عارف هقعد قد إيه، فعايزك تاخدي بالك من نفسك ومن الولاد"
ارتجف قلبها عند سماع كلماته، وخفق خفقاً مضطرب؛ داهمها خاطر مفزع… هل رأى الرسالة؟، هل حقاً يسافر من أجل طليقته؟
خرج سؤالها من فمها قبل أن تتمكن من كبحه
"هتسافر فين؟"
تنهد بعمق، ثم أجاب بهدوء
"إيطاليا"
انسحبت يداها من بين كفيه فجأة، كأن لسعة نار أصابتها، واتسعت عيناها دهشة ووجع، رددت كلمته بذهول
"إيطاليا! ليه؟"
تملكته الحيرة من رد فعلها المفاجئ، لكنه حاول تبديد مخاوفها قائلاً
"مسافر طبعاً في شغل، وما تقلقيش هكون على تواصل معاكي، بس أهم حاجة خدي بالك من نفسك ومن الولاد"
ظلت تحدق فيه طويلاً، نظرة مثقلة بالأسئلة والشكوك، بينما كانت النيران تستعر في أعماقها بلا رحمة؛ لم تجرؤ على إخباره أنها رأت الرسالة، ولم تملك شجاعة مواجهة الحقيقة، وهو يخبرها الآن بكل أريحية عن سفره، كأن شيئاً لم يكن.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت ببرود ظاهري يناقض العاصفة المشتعلة داخلها
"تروح وترجعلنا بالسلامة… بس خد بالك من نفسك"
حاولت أن تواري ارتجافة صوتها، فنهضت سريعاً، وأمسكت بقدح القهوة الفارغ، ووضعته أعلى الصينية
"لما أروح أغسل الفنجان وأجيبلك الحلو"
أمسك يدها قبل أن تخطو خطوة واحدة مبتعدة، كأنما يخشى أن تنفلت منه إلى مسافة لا تطالها يد ولا يصل إليها صوت، وجذبها إليه برفق، وقد ارتسمت على ملامحه التعجب والقلق، سألها بصوت خفيض تنضح كلماته بالاهتمام
"مالك يا حبيبتي؟، من امبارح وانتي فيكي حاجة غريبة، في حد مضايقك؟، ولا أنا عملت حاجة مضايقاكي؟"
تجلت على شفتيها ابتسامة زائفة، باهتة وأخفت خلفها ما يعتمل في صدرها من اضطراب، ثم قالت كاذبة بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية
"مفيش حاجة مضايقاني، إنت عارف الحمل وهرموناته، اليومين دول مزاجي مش مظبوط… إنت بس ركز في سفريتك، هاروح أجيبلك الحلو، وبعدها هاروح أحضرلك شنطة السفر… إنت ناوي تقعد قد إيه هناك؟"
تعلق بتبريرها محاولاً أن يقنع نفسه بصدقها، ثم أجاب عن سؤالها الأخير
"مش عارف… على حسب الإجازة اللي هيقعدها قصي هو ومراته وولاده هناك"
انعقد حاجباها، وتقلصت ملامحها بدهشة لم تستطع إخفائها، فسألته
"قصي!؟ إنتوا اتصالحتم؟"
"روحت سلمت عليه واعتذرتله، ورجعني الشغل معاه لأنه ما بيثقش و لا بيرتاح لأي حراسة غيرى أنا ورجالتي"
هزت رأسها ببطء، ثم قالت بابتسامة مصطنعة
"تمام… كويس… تروحوا وتيجوا بالسلامة"
ترك يدها، ورد عليها بابتسامة دافئة
"الله يسلمك يا حبيبتي"
همت بالذهاب، لكنها توقفت فجأة، فهناك سؤال داهم عقلها، فالتفتت إليه وسألته
"هو ينفع نيجي معاك أنا والولاد؟"
حك ذقنه بحرج ثم أمسك كتفيها برفق واخبرها
"أنا يا حبيبتي مسافر في مهمة تأمين وحراسة، يعني هابقى أغلب الوقت مشغول عنك إنتي والأولاد… قصي بيه عرض عليا، قولتله مش هينفع، مش هاعرف أركز في شغلي وفي نفس الوقت معاكم… أنا كده كده في نيتي إن شاء الله آخدك إنتي والولاد نقضي أسبوع في الشاليه لما أرجع من السفر"
أومأت برأسها، بينما كانت النيران تستعر في أعماقها، فأخفتها خلف طيف ابتسامة.
وبعد أن تركت ما في يدها داخل المطبخ، أسرعت نحو غرفة النوم، بخطوات متلاحقة تحمل أثقال قلبها، وأغلقت الباب خلفها بإحكام، وحينها فقط انهارت قواها، فلم تعد قادرة على التماسك.
أطلقت لدموعها العنان، فانهمرت كالسيل، وراحت تهمس من بين شهقاتها بلوعة وألم
"طبعاً مش عايز ياخدنا عشان يخلي له الجو مع الهانم بعد ما عرف طريقها… كل الفيلم اللي بيعمله عليا عشان مسافرلها، يعني كان بيكدب عليا كل الفترة اللي فاتت، وأنا زي المغفلة صدقته"
وضعت يدها على موضع قلبها، كأنها تحاول تهدئة وجعه المتفجر، وقالت بصوت مكسور
"ليه كده يا كنان؟!، حرام عليك اللي عملته وبتعمله فيا… الله يسامحك"
وأخذت تردد الجملة الأخيرة مراراً، بقهر ينهش روحها، ووجع لا يجد طريق إلى الخلاص.
❈-❈-❈
وهنا يجلس غارقًا في مرسمه غرق الناسك في محرابه، يتهادى صوت أم كلثوم من المذياع، متسللة كنسيم قديم يحمل رائحة الذكريات، تنسكب بصوتها العتيق، وتعيد ترتيب فوضى قلبه على إيقاع الشجن.
الفرشاة بين أنامله تلون لوحته التي ظل يرسمها منذ ليالي سابقة.
اهتز هاتفه فوق الطاولة المجاورة بتنبيه
رسالة واردة، رسالة صوتية من شقيقه ياسين.
توقف عن الرسم، ترك الفرشاة ببطء، ومسح يده في منشفة ملطخة بألوان متداخلة، التقط الهاتف ليستمع إلي الرسالة
«يونس، مش هأكد عليك تاني… اطبع الدعوات زي ما قولتلك، بالله عليك ما تنساش، و وزعها و ابعتلي منها أوزعه علي معارفي واصحابي»
ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية، وسجل رده بنبرة واثقة
«ما تقلقش يا ياسو، ظبطلك كل حاجة، وعاملك شغل فاخر من الآخر، هتدعيلي عليه»
أرسل الرسالة، وقبل أن يعيد الهاتف إلى موضعه، التقطت أذناه صوت انفتاح الباب خلفه، رفع رأسه ببطء.
فوجد زوجته تقف عند العتبة، في أبهي حُلة و زينة، ترتدي مأزر حريري قصير ينساب فوق جسدها باغراء، يتهادى مع أدنى حركة، ويكشف أكثر مما يخفي، فيما شعرها ينسدل على كتفيها.
عيناها ملعقتان به بتردد ورجفة خفية ترتعش في وقفتها، جاءت لتخبره شيئًا… لكنها لا تعرف من أين تبدأ.
سألها بصوت دافئ
"فيه حاجة يا حبيبتي؟"
اقتربت بخطوات مترددة حتى وقفت أمامه تمامًا، تتأمل ملامحه طويلًا، تتفحص وجهه ثم قالت بصوت خفيض
"أنا حاسه إني اتعافيت الحمدلله"
كأن الكلمات ما إن خرجت من شفتيها حتى انفتح في صدره بريق أمل، وتفتح قلبه على اتساعه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة مشبعة بفرح صاف لا تشوبه شائبة.
"ألف مبروك يا حبيبتي… ده أحلى خبر سمعته"
خفضت بصرها لحظة، ترتب شجاعتها في أعماقها، ثم رفعت عينيها إليه من جديد لتخبره
"الثيرابيست كانت بتقولي إن من ضمن العلاج إني لازم أواجه خوفي واتحداه… يعني بعد اللي حصل كنت بخاف أي حد يقرب مني… فأنا عايزة أتأكد الإحساس ده لسه موجود ولا لأ"
فهمها قبل أن تُكمل حرف آخر، فهمها بقلبه قبل عقله.
ترك ما في يده واقترب منها، لف ذراعيه حول خصرها برفق بالغ، شعر بأنفاسها تعلو، وبصدرها يهبط ويصعد.
عانقها بهدوء ومال برأسه قليلاً وهمس قرب أذنها بصوت مشبع بالشوق
"واحشتيني أوي يا حبيبتي"
ثم أبعدها مسافة بسيطة، كأنه يريد أن يراها كاملة، وتأمل وجهها طويلًا.
كانت شاردة… حائرة… جميلة للغاية،
رفع إبهامه ولمس طرف شفتيها السفلى بخفة.
"عايزه تعرفي أنتي خفيتي و لا لاء؟ "
أومأت برأسها ببطء، وابتلعت ريقها،
تنهد مبتسمًا وقبل جبهتها ثم قال لها
"آه منك إنتي ومن شوقي ليكي… كنت هاتجنن عشان آخدك في حضني.،، تعرفي؟، لو هاكتفي بالحضن ده وبس، معنديش أي مشكلة، أهم حاجة تكوني بخير ومبسوطة"
ابتسمت بعينين لامعتين، امتلأتا بدفء يشبه الدموع، ردت بمشاعر نابعة من فؤادها
"طول ما إنت جنبي ومعايا أنا بخير ومبسوطة… خليني جوه حضنك وحبني يا يونس"
جذبها إليه حتى التصقت به كأنها تبحث عن موطنها الحقيقي.
"ده أنا هاحبك وأغرقك حب لحد ما تزهقي… بلا رسم، بلا ألوان، ويركن الواد ياسين على جنب… خليني مع كوكي حبيبة قلبي اللي وحشاني و كل ما فيها واحشني"
وبين ذراعيه لأول مرة، شعرت بعد مرور أصعب الفترات عليها أن الخوف صار كالسراب.
فجأة وجدته يحملها من خصرها علي
شهقت وتشبثت بعنقه
"بتعمل إيه؟ نزلني"
لم يجبها بل اقترب بها من طاولة تعلوها لوحات ملفوفة ومتراصة، وضعها فوقها برفق بالغ، واخبرها بمكر تختبئ خلفه رغبة تندلع من قلب عاشق متيم
"هحبك بطريقتي"
وانحنى ليقبل شفتيها قبلة طويلة، هادئة وعميقة، ممتلئة بالشوق أكثر مما هي ممتلئة بالرغبة.
قبلة تشبه وعد لا ينقض، تشبه امتنان صامت، أو اعتذار متأخر عن كل ألم مُر وكل وجع لم يستطع حمايتها منه.
ابتعد قليلًا، ظل يتأملها كما يتأمل لوحة نادرة لا تتكرر، بعينين يلمع فيهما الانبهار والعشق معًا.
وهنا روح الفنان داخله قد استيقظت فجأة من سباتها الطويل.
رفع يده ببطء، ومرر أصابعه فوق وجنتها في تؤدة، ثم جبينها فعنقها.
بينما كارين مغمضة العينين، مستسلمة لإحساس تعشقه، قربها منه و لمساته الحانية، إحساس لا يحمل خوف بل طمأنينة ودفء.
رفعت كفيها ووضعتهما فوق كتفيه، وهمست بصوت يرتجف بخفة
"أنا مش خايفة"
توقف عن لمسها، ونظر في عينيها،
ابتسم بعاطفة جارفة، ابتسامة رجل مشتاق كشوق المغترب لموطنه.
ألتقم شفتيها في قبلة حميمية، و يده تتسلل إلي رباط مأزرها، يفك عقدته ببطئ، ليزيح المأزر ذاته عن كتفيها، فاكتشف أنها لم ترتدي سواه، تعالت أنفاسه وكأنه يراها لأول مرة، يحدق بها بتأمل ليس بهدف رغبة أو شهوة بل نظرة عاشق فنان، يحب تأمل كل ما يسحره و يجذبه، وهذه ليست بأي شئ، فهي زوجته التي يعشق كل ما بها من تفاصيل مادية و معنوية.
نظرت في عينيه ويديها تمتد إلي طرف قميصه ترفعه لأعلي، فرفع ذراعيه ليسهل عليها مهمة خلعه، وضع جبهته علي جبهتها، يشعر بأنفاسها التي تخالط أنفاسه، عانقها بهدوء ومال به علي الطاولة، حيث يسند ظهرها بكفيه حتي جعلها تمددت، دنا بشفتيه أعلي رأسها وقبلها، قبلة يتبعها أخرى من أعلي جبهتها هبوطاً علي كل إنش بوجهها، وعنقها الذي بمجرد أن لمسه انتفضت وحاوطت جذعه بذراعيها، انخرطت معه في تبادل الحب والمشاعر، لذة لا يشعر بها سوى العشاق.
❈-❈-❈
في مطار القاهرة وقف منتصب القامة، متشح بالصمت، صمت رجل يقف على عتبة حياة جديدة، كأنما يتهيأ لا لرحلة عمل، بل لانفصال بطيء عن فصل كامل من عمره قد مضى، عن نسخة قديمة من ذاته.
ملامحه جامدة في ظاهرها، غير أن عينيه كانتا تضجان بحكايات انهكت فؤاده، بداية من تشبثه بأحبال آمال واهية حتي سقوطه في وادي من الخيبات، تركت آثار ستظل محفورة في ذاكرة قلبه وعقله.
إلى جواره وقفت أمه، تأملته طويلًا، تحفظ تفاصيله للمرة الأخيرة، لأنها تعلم تلك الرحلة ستكون طويلة كما اخبرها، قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابت، ترجوه للمرة الأخيرة
"فكر تاني يا رحيم وبلاش هروب، والله ببلدك اولى بيك يا حبيبي، علي الاقل هاتكون وسط ناسك وأهلك"
التفت إليها ببطء وفي عينيه اتقدت نار هادئة؛ نار رجل حسم أمره منذ زمن، فاخبرها بهدوء
"يا أمي… أنا مش بهرب، ولا سايب بلدي عشان اللي حصل معايا، بس ده أنسب وقت للسفر، أنا محتاج أكرس حياتي لشغلي و مستقبلي، هو ده اللي هاينفعني و هايخليني اتعافي من اللي فات"
تنفست بعمق، كأنها تحاول ابتلاع غصة ثم هزت رأسها ببطء، وقالت بصوت تغلفه الحسرة
"بس هنا كمان تقدر تتحقق كل ده… و أنا جنبك"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة، ابتسامة تولد من رحم الوجع
"الفرصة اللي جاتلي هناك مش سهلة، ولو سيبتها هافضل طول عمري ندمان، عشان خاطري يا ماما بلاش تضغطي عليا، لو بتحبيني سيبيني اعمل اللي أنا عايزه و مرتاح فيه"
ساد بينهما الصمت، لكنه محمل بالكلمات التي لم تجد طريقها إلى الشفاه، وبالدموع التي آثرت أن تظل محتجزة خلف الجفون، خوفًا من لحظة انهيار لا يريدها أي منهما.
قطعت هذا الصمت، مدت يدها المرتعشة، ثم أمسكت يده بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يفلت منها قبل الأوان، وقالت بصوت تحاول عبثًا أن تجعله ثابت
"طب أوعى تقطع اتصالك بيا… كل يوم كلمني، حتى لو دقيقتين، طمني عليك علي طول يا ضنايا"
ضغط على يدها برفق، كأنه يسكب فيها طمأنينة تعجز الكلمات عن حملها، وقال بحنان صادق ينبع من أعماقه
"وعد يا أمي، وأنا كمان هاطمن عليكي على طول… مش هاغيب عنك"
في تلك اللحظة، دوى صوت الميكروفون في أرجاء الصالة
"السادة ركاب الطائرة المتجهة إلى لندن، يُرجى التوجه الآن إلى بوابة الصعود"
ارتجف قلبه، وتلاقت عينيه بأعين والدته في نظرة واحدة ممتلئة بالوداع.
فتح ذراعيه دون كلمة، فاندفعت إلى صدره، ارتمت في حضنه، احتضنها بقوة، يحاول أن يختزن في ذاكرته رائحتها، دفء عناقها، نبرة صوتها، وأمانها الأبدي، قبل أن تسرقهم منه المسافة.
قالت بصوت متهدج وهي غارقة في حضن
"هتوحشني يا رحيم"
ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر بعقدة حادة تخنق حلقه، ثم أجاب بصوت مبحوح
"وانتي كمان هتوحشيني أوي… أوي"
تشبثت به لحظة إضافية، كأنها تحاول سرقة ثوان من الزمن لا تعوض، ثوان قد تكون آخر ما تملكه منه قبل الغياب.
ثم انسحب ببطء من حضنها، أدار وجهه بعيدًا في الحال، كاتمًا دموعه، قاب على قلبه بقبضة من حديد، وسار بخطوات ثابتة في ظاهرها، مهزوزة في باطنها، صلبة في شكلها، منكسرة في حقيقتها.
لم يلتفت، لم يسمح لنفسه بنظرة أخيرة.
يعلم أن نظرة واحدة قد تهدم جدار قراره، وقد تعيده طفلًا صغير متعلق بثوب أمه، لا رجل ماضيًا إلى مصيره.
❈-❈-❈
ترجل من سيارته أمام شركة عائلته بخطوات واثقة، تحمل في ظاهرها صلابة رجل أعمال عاد إلى ميدانه، وفي باطنها قرارات مؤجلة بسبب غرقه في مؤامرات والدته ضد زوجته.
اليوم قرر أن يعود، أن يسترد زمام الأمور بيده، يباشر الأعمال بنفسه، ما إن دلف من البوابة الرئيسية حتى تسابقت إليه الوجوه، وارتفعت الأصوات مرحبة، مفعمة بالترحاب والاحترام
"حمدالله على السلامة يا أحمد بيه، حضرتك نورت الشركة"
تكررت العبارة على ألسنة كل من صادفه في طريقه، حتى بلغ المصعد، ثم صعد إلى الطابق الخاص بمكتبه، حيث وجد مساعدته في انتظاره، تقف باعتدال واحترام.
"حمدالله على سلامتك يا أحمد بيه، الشركة نورت بعودة حضرتك"
دلف إلى غرفته الواسعة، وتقدم حتى وقف خلف مكتبه، ذلك المكتب الذي طالما شهد قراراته الحاسمة وتقلبات مزاجه، فابتسم إليها ابتسامة مقتضبة قائلاً
"الله يسلمك"
ثم أدار نظره في أرجاء المكان، يتفحص كل زاوية وأردف بنبرة تجمع بين المزاح والدهشة
"واضح بقالي كتير ماجتش"
ابتسمت المساعدة ابتسامة عملية، وأجابته
"أيوه يا فندم، بس ما تقلقش، حضرتك الشغل ماشي زي الساعة، البركة في مدام شيري متابعة كل حاجة، ومستر طارق مدير قسم الماركتينج كان بيباشر كل حاجة بنفسه، وبيبعت لمدام شيري كل التقارير"
همس بصوت خافت، وقد تسللت السخرية إلى نبرته
"أخيرًا شيري هانم لاقت حاجة مفيدة تعملها"
رفعت المساعدة حاجبيها قليلًا، وسألته باستفهام
"بتقول حاجة حضرتك؟"
انتبه لسؤالها، فهز رأسه نافيًا وقال بسرعة
"ما تاخديش في بالك… حضرتيلي الملفات اللي قولتلك عليها في التليفون عشان أراجعها؟"
أجابت بثقة
"الملفات جاهزة يا فندم، بس قبل المراجعة، مستر طارق جهز لاجتماع مع الموظفين الجدد"
عقد ما بين حاجبيه، وسألها باستغراب
"إنتوا عينتوا ناس جديدة إزاي من غير ما تبلغوني؟"
وارتفعت نبرة صوته حدة دون أن يشعر، فتبدلت ملامحها إلى شيء من الحرج، وسارعت توضح
"مستر طارق كان محتاج أربع موظفين جداد في قسم الماركتينج عنده، كلم حضرتك ومكنتش بترد عليه، فبلغ مدام شيري ونزل إعلان، واتقدم لينا حوالي عشرين بنت وشاب، الـ HR عمل معاهم إنترڤيو، وقبل أربعة منهم هم اللي هاينفعوا"
رفعت ملف ورقي كانت تحمله بيدها، وقالت وهي تقدمه إليه
"وده الفايل اللي فيه السيفيه الخاص بكل واحد فيهم، وده فايل تاني جابه واحد الصبح وقالي أسلمه لحضرتك ضروري"
مد يده والتقط الملف منها بلهفة لم يستطع إخفاءها، وكأنه يدرك مسبقًا ما الذي ينتظره في داخله، ثم قال بنبرة حاسمة
"اتفضلي إنتي دلوقتي، وبعد شوية ابعتيلي الموظفين الجداد واحد واحد… عايز أقعد معاهم الأول قبل الميتينج"
أومأت باحترام
"تمام يا فندم، عن إذنك"
ثم استدارت وغادرت الغرفة، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، بينما هو يفتح الملف ببطء…لتقابله في الصفحة الأولى صورة رهف.
صورة تكاد تكون طبق الأصل من توأمها روح، وفي تلك اللحظة، شعر وكأن الزمن عاد به إلي الوراء.
فلاش باك...
على متن مركب يشق ممياهالنيل في هدوء مهيب، وقف جوارها، كتف بمحاذاة كتف، يتبادلان الضحكات والأحاديث العابرة، كلمات بسيطة تحمل في جوفها دفء وطمأنينة.
استدار ببطء، وأخذ يحدق في وجهها،
توردت وجنتاها، وتسرب الخجل إلى ملامحها، فسألته بصوت خافت
"هاتفضل باصص لي كده كتير؟"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، مفعمة بالصدق، وأجابها
"بحب أتأمل في ملامحك أوي… إنتي جميلة أوي يا روح"
أسقطت بصرها نحو الأرض بخجل، فمد يده وأمسك بطرف ذقنها برفق، رافعًا وجهها إليه.
تراقصت خصلات غُرتها مع نسمات الهواء،
قال بنبرة دافئة
"أنا مش بعاكس ولا بجامل… إنتي جميلة فعلًا، شايفك أحلى بنت في العالم"
ازداد خجلها، وراوغته بنظرات شاردة، ثم قالت محاولة التخفيف
"بس فيه أحلى مني على فكرة… أختي، بس هي سافرت مع بابا تركيا بعد ما انفصل عن ماما وإحنا صغيرين، عاشت هي معاه هناك وأنا فضلت هنا في مصر مع ماما، عمرهم ما نزلوا إجازة ولا مرة، وآخر حاجة بتواصل معاها فيديو كول"
لم تخف عنه الغصة التي نضحت من نظرات عينيها، ولا ذلك الشوق المكسور الذي تسلل إلى نبرتها، فمال قليلًا نحوها وقال بحنان صادق
"لما نتجوز إن شاء الله، هاخدك ونسافر لها، تقابليها وتقعدي معاها براحتك"
اتسعت عيناها بفرح طفولي، فتلك أمنية بعيدة اقتربت فجأة من التحقق
"بجد يا أحمد؟"
ابتسم بثقة وأجابها
"وأنا عمري قولتلك أو وعدتك بحاجة وكنت بهزر؟"
هزت رأسها نفيًا
"لأ"
فأكمل بنبرة حاسمة مليئة بالوعد
"هخليكي أول حاجة تسافري لأختك وتشوفيها وتشوفي باباكي، وبعدها نلف في كل حتة في العالم"
تهللت أساريرها، وتفجر الفرح من ملامحها، وصاحت دون وعي
"بحبك أوي أوي يا أحمد"
وباندفاع عفوي، ألقت بنفسها بين ذراعيه تعانقه، ثم ما لبثت أن أدركت ما فعلته، فابتعدت سريعًا وقد اشتعل وجهها خجلًا.
ضحك بخفة على رد فعلها، بينما ظلت هي تبتسم بتوتر وقلبها يخفق بسعادة.
❈-❈-❈
في ساحة مركز التأهيل، وقفت تنتظر صغيرها، وعينها لا تفارق المعلمة التي تمسك يده.
ما أن لمحها ركض نحوها، حتى ارتجف قلبها بالسرور، صاح بلهفة طفولية
"ماما!"
فتحت ذراعيها على مصراعيهما، وألقت بنفسها نحوه، فارتطم صغيرها في حضنها، وضمته بحنان غامر
"حبيب قلب ماما يا حموزي"
ابتسم الصغير ببراءة، وعينيه تتلألأ بالفضول، سألها مباشرة
"حبيبتي ماما… فين بابا أحمد؟"
رمقت والدته عينيه بدهشة، على ترديده كلمة "بابا" لعمه، وشعرت بدفء غريب يتسلل إلى قلبها، فابتسمت وأخبرته بهدوء
"بابا أحمد راح الشركة عشان يشوف شغله"
ارتفع حاجباه، ولم يستسغ الفكرة، فصرخ بعناد
"حمزة عايز يشوف بابا أحمد"
تمسكت الأم بالصبر، وهدأت قلبه بعاطفة رقيقة
"إحنا هانروح ونستناه في البيت لحد ما يخلص شغل ويرجع"
هز رأسه بعناد،
"لأ، حمزة عايز يروحله الشغل"
ابتسمت محاولة الموازنة بين حماسه وواقع الأمور، فاخبرته
"طب يا حموزي… أنا معرفش عنوان الشركة، ولو اتصلنا عليه، بالتأكيد هنلاقيه مشغول"
ترك حضن والدته بثقة طفولية، ونطق بعزم كآلة مبرمجة، مفاجئًا إياها بذاكرته القوية
"القاهرة، مدينة نصر، شارع… شركة الشريف"
ارتسمت الابتسامة على وجهها، وقد انبهرت بذكاء صغيرها وموهبة الحفظ الخارقة لديه، قالت بدهشة وحنان
"ما شاء الله يا حبيبي… مين اللي قالك العنوان ده؟"
رفع كتفيه بفخر بسيط، وأجاب بجدية
"بابا أحمد، قالي عنوان الشركة، عنوان الشقة، عنوان الفيلا… أنا حافظ كل العناوين"
ربتت على رأسه بحنان، وضمته إلى صدرها مجددًا، وقبلت جبهته بلطف، وكأنها تمنحه دفء العالم كله
"يلا بينا ناخد تاكسي ونروح نعمله مفاجأة… ماشي؟"
ابتسم الصغير، وعيناه تلمعان بالفرح، وأومأ بحماسة
"ماشي"
❈-❈-❈
بالعودة إلى أحمد، الذي عاد من ذكرياته، دوى طرق على باب مكتبه.
"اتفضل"
دخلت المساعدة، صوته يحمل نبرة الرسمية المعتادة
"الموظفين الأربعة قاعدين بره في انتظار مقابلة حضرتك"
أومأ لها وأمرها
"دخلي أي حد فيهم"
أمسك بقلمه، وضغط على مكبسه عدة مرات بتركيز، حتى دخلت أول موظفة، فما أن رآها أمامه، توقف عن ضغطه فجأة، كأن الزمن تجمد.
ارتسمت على وجهه علامات الاستفهام، وسؤال يلح في رأسه، كيف؟ ومتى حدث ذلك؟
ظل يحدق بها كما فعل من قبل عندما رآها في الفيلا لدى والدته؛ كانت بالفعل توأم حبيبته السابقة روح، إلا أن نظرات عينيها لم تكن بنفس البراءة التي امتلكتها روح، وملامح وجهها، رغم التطابق الظاهر، حملت فارق دقيق في التعبير.
تقدمت بخطوات وئيدة نحو المقعد المقابل لمكتبه، فيما ظل هو ثابت في موضعه.
بينما رمقته هي بنظرة فاحصة، لا تخلو من دهشة مكتومة، كأنها هي الأخرى فوجئت بوجهه، لكنها سرعان ما أخفت ارتباكها خلف قناع الثبات.
تنحنح أخيرًا محاولًا جمع شتات صوته
"اتفضلي… اقعدي"
جلست بهدوء، وضمت حقيبتها الصغيرة إلى حجرها، وقالت بنبرة عملية
"أنا رهف محمد رؤوف، متقدمة لوظيفة ماركتينج سبيشاليست"
ضغط على أسنانه قبل أن يسألها
"إنتي… كنتي عايشة بره مصر مش كده؟"
رفعت إحدى حاجبيها وأجابت
"أيوه… كنت في تركيا مع بابا، ونزلت من فترة"
سألها بجدية
"إيه اللي جابك يا رهف؟"
ادركت مغزى السؤال، فتصنعت الغباء وقالت
"مش الشركة محتاجة موظفين في الماركتينج؟، وأنا جيت قدمت وقالولي اتقبلتي"
ضيق عينيه، يقرأ ملامحها بدقة
"جاوبي على سؤالي من غير ما تلفي وتدوري في الكلام، أنا عارف إنك توأم روح الله يرحمها… هي كانت عايشة مع والدتها، وأنتي روحتي مع باباكي وعيشتوا في تركيا، أنتي بقي نازلة من تركيا مخصوص ليه؟، وياريت تقولي الصراحة وتجيبي من الآخر"
تحولت ملامحها فجأة إلى الحزن، وتجمعت دموعها في عينيها، لتخبره بحقيقة مرة
"بابا الله يرحمه مات واتحجز على كل أملاكه بسبب قرض كبير كان واخده عشان يطور في المصنع بتاعه، ولما تعب وعرف إنه خلاص بيموت قالي انزلي على مصر في شقة مامتك وأختك، رجعت لاقيت صاحب البيت استولى على الشقة من الباطن بعد وفاة ماما و روح الله يرحمهم، أنا ماليش حد هنا، معرفش أهل ماما ولا أهل بابا… فافتكرت أهل زوج روح و هي كانت قايلالي على عنوان الفيلا، قابلت مدام شيريهان الله يبارك لها، ساعدتني ألاقي أوضة وصالة إيجار ووفرتلي الشغل"
انتهت من كلماتها، وتراقب رد فعله من طرف عينها. فسألها بحدة
"بس كده؟"
"هو حضرتك مش مصدقني ليه؟"
نهض من خلف المكتب وجلس أمامها، يرمقها بعينين ثاقبتين
"لأنك مش عارفة تمثلي بضمير"
اتسعت عيناها بدهشة من فطنته وذكائه، وإذا به ينتفض، يضرب سطح المكتب فاهتز كل ما عليه، صاح بها
"هاتي من الآخر يا رهف… أمي دفعتلك كام لليلة دي كلها؟"
لم يتبق لها سوى آخر سلاح لديها لكسب شفقته، وقفت وأجهشت بالبكاء
"أنا بجد… مش فاهمة حضرتك بتتكلم معايا كده ليه؟"
وكما توقعت، بدا على ملامحه اللين، فأمسك بعلبة المحارم الورقية ومدها لها
"خلاص… اهدي"
امسكت بيده وهي تأخذ المحارم، محدقة به من بين دموعها، تلك العيون الباكية ذكرته بمشهد طواه الزمان في خانة النسيان.
فلاش باك…
وقف أمامها أحمد، قلبه يخفق بعنف، قبل أن يفصح عن أعمق أمانيه، بينما هي تقف أمامه، تتطلع إليه بعينين متسائلتين
"خير يا أحمد، إيه الأمر الضروري اللي كنت عايزني فيه؟"
ارتسمت السعادة على محياه، أخرج من جيب سترته علبة صغيرة مغلفة بالمخمل الأزرق، ففتحها ببطء، لتظهر خاتم ذو تصميم راق، يلمع بوهج خافت، سألها بلهفة مختلطة بالخوف
"تتجوزيني يا روح؟"
حُبس الكلام في حلقها، وعمت الدهشة قلبه، إذ رأى وجوم يعتلي وجهها، ولم تصدر أي علامة فرح كما توقع.
"ساكته ليه؟"
منعت دموعها عن الانهمار، لكن قلبها يصر على التعبير، فألح عليها
"اتكلمي… في إيه؟"
تنفست بعمق، وأجابت بعد صراع داخلي واضح
"مش هاينفع… مش هاينفع نتجوز"
أغلق العلبة بإحكام، وأعادها إلى جيبه، وسألها بحدة
"مش هاينفع نتجوز ليه؟، مخبية عني إيه؟"
ظلت صامتة، مما أشعل غضبه، فقبض على بعضديها وهزها بعنف
"ما تنطقي!"
فأجابته ببرود قاتل
"أسباب خاصة… مش هقدر أقولها"
ارتفع صوته قائلاً
"أسباب إيه؟!، أنتي مش لاقية حاجة تقوليها؟!"
ترددت مجددًا
"مش هقدر أقول…"
همت بالمغادرة، فقبض على ساعدها بقوة
"أنتي رايحة فين؟! مش هاتمشي غير لما تتكلمي"
تلك اللحظة، ألقت عليه كلمات حاسمة، تجرحه أكثر
"مش معني إن قولتلك بحبك يبقى نتجوز"
توتر وتلعثم
"يعني إيه؟!، كنتي عايزانا نعيش مع بعض من غير جواز؟!، اللي فهمته ده صح ولا أنا فهمت غلط؟"
استجمعت قواها، وأظهرت له قوة مصطنعة، لتكذب عليه ببرود
"اللي فهمته صح، وفيها إيه لما نعيش من غير جواز أو مسئولية؟"
حدق بها بازدراء، غير مصدق ما تسمعه
"أكيد بتكدبي… أو عاملة فيا مقلب"
ردت بنبرة مختلطة بين الصراحة والدفاع عن نفسها
"وهكدب ليه؟، المفروض أنت تفرح بحاجة زي كده"
صرخ بها، صوته يعلو بغضب ممزوج بالخذلان
"أفرح؟!، ليه شايفاني مش راجل عشان أقبل وضع قذر زي ده؟!"
"هو ده اللي عندي… آسفة"
رمقها من أسفل إلى أعلى، وقال باشمئزاز
"أنا اللي آسف… آسف لنفسي إن حبيت واحدة زيك"
ثم صمت قليلاً، وأضاف بوعيد حارق
"بس أوعدك… زي ما عيشتك أجمل أيام حياتك، هخليكي تعيشي الباقي كله سواد"
وبعد هذا اللقاء الذي انتهى بكسر قلبه ابتعد عن الجميع، وسافر بعيدًا، وفي أول عودة له، أخبره شقيقه حازم أنه سيتزوج، ووالديهما غير موافقين على تلك الزيجة، لكنه قرر الاستقلال بحياته بعيدًا عن تسلط والديه، وخصوصًا والدته.
دعاه حازم إلى حفل صغير، وكانت المفاجأة الكبرى أن العروس كانت هي…
تمعن أحمد النظر فيها، تلاقت العيون، وخفق قلبها بشدة، تجمعت الدموع في عينيها التي تنضح بالأسف، الاعتذار، والتوسل بأن يسامحها، لكنه لم يستطع مواجهة المشهد، فغادر المكان مرة أخرى، عاقدًا العزم ألا يعود، يحمل في قلبه جرحًا لن يلتئم إلا بالزمن، ليعلم بعد ذلك أن والدته قد هددتها بأمن أفراد أسرتها إذا لم تبتعد عنه، و يشاء القدر أن يقع شقيقه الذي كان لا يعلم كل ما سبق أن يقع هو أيضاً في حبها، وعرض الزواج عليها ففوافقت و هذا بعد أن علمت حازم استقل عن حياة عائلته وخاصة ابتعد عن تسلط والدته، بينما سبب رضوخها لتهديد السيدة شيريهان في ابتعادها عنه لأن كانت عائلته حينذاك في المنزلة الأولى لديه لاسيما والدته.
عودة إلى الوقت الحالي…
ما زالت رهف تمسك يده، فإذا بالباب يندفع على مصرعيه، ويطل ابن شقيقه بلهفة، مرددًا
"بابا أحمد"
وخلفه دخلت علا لتطلع على ما يحدث....
