رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والخامس والستون 365 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والخامس والستون 

هزّت سيرين رأسها بهدوء وقالت:

«لا، لماذا تسألين؟»

ابتسمت فاطمة ابتسامة خفيفة تخفي قلقها وقالت:

«لا شيء بعينه، غير أنني أشعر أننا لم نره منذ مدة… ربما يجدر بكِ أن تدعيه إلى العشاء يومًا ما.»

فهمت سيرين مغزى كلامها على الفور وتسلل إلى ذاكرتها آخر حديث دار بينها وبين كارم فقالت بنبرة رصينة:

«يا فاطمة، كارم يعاملني كصديقة لا أكثر… أرجوكِ لا تُحمّليه ما لا يحتمل ولا تُعقّدي الأمور.»

كصديقة؟

رغم فارق العمر كانت فاطمة تدرك بوضوح ما يكنّه كارم من مشاعر تجاه سيرين فتساءلت في سرّها:

أترى كارم قد آثر التراجع بعدما صار ظافر يقيم معها؟

وبقلقٍ لم تستطع إخفاءه تابعت فاطمة قائلة:

«أفهم ما تقولينه، ولكن يا سيرين، فكّري في نفسكِ أيضًا… أنتِ حامل الآن، وليس من السهل أن تتحمّلي عبء الجميع وحدك.»

ابتسمت سيرين ابتسامة مطمئنة وقالت بثقة هادئة:

«لا تقلقي… لديّ ما يكفيني الآن من المال، ولن أسمح للخوف أن يسبقني.»

لم تكن فاطمة تُعنى بالأمور المادية وحدها ولا بفكرة الاستعانة بمن يخفف الأعباء عن كاهل سيرين؛ بل كان همّها الأعمق أن ترى قلب سيرين عامرًا بالحب وروحها مستقرة على شاطئ السعادة وحين أدركت أن سيرين ليست ممن يُغيّرون قناعاتهم بسهولة آثرت الصمت واحتفظت بقلقها في أعماقها.

انقضى اليوم سريعاً ومع انبلاج صباح اليوم التالي كان على سيرين أن تعود إلى المدينة… ولمّا كانت حياتها أشبه برحلة دائمة لا تعرف السكون ازداد قلق فاطمة عليها.

وخلال الإفطار قال ظافر بهدوء يخفي خلفه حرصًا واضحًا:

«سأذهب معكِ.»

كان قلقه منصبًّا عليها وعلى الطفل لكن رفعت سيرين عينيها إليه وقالت بحزم لطيف:

«لا داعي لذلك… عليك أن تركز على عملك.»

لم يُجادل لكنه لم يستسلم بل قال بعد لحظة صمت:

«إذن، خذي معكِ الحراس الشخصيين على الأقل.»

كان يدرك أنها سترفض مرافقته غير أنه كان يبحث عن تسوية تُطمئنه لكنها هزّت رأسها مرة أخرى، قاطعة الحديث:

«لا حاجة لذلك… وجود رامي يكفيني.»

لم تكن تحب أن تحيط بها الوجوه الغريبة ولا أن تتحول خطواتها إلى موضع أنظار… أما ظافر فظل يراقبها بصمت وفي عينيه قلق لم تُفلح كلماتها في تبديده.

ما إن فرغت سيرين من إفطارها وهمّت بالمغادرة حتى وقعت عيناها على أربعة حراس شخصيين يقفون في الخارج لا يخفى ما في مظهرهم من افتعال وثقل حضور… وعلى مقربةٍ منهم كان رامي يقف إلى جوار سيارة أخرى، هادئ الهيئة، ثابت النظرة، فبدت المقارنة بين الطرفين صارخة بلا جهد.

حين لمحها الحراس انتظموا في وقفة واحدة، وقالوا بصوت واحد يكاد يخلو من الروح:

«تفضّلي من هنا سيدتي نصران.»

لم تُعرهم سيرين أي اهتمام وتجاوزتهم بخطى واثقة متجهة مباشرة نحو رامي… توقفت أمامه وقالت بنبرة حاسمة لا تقبل نقاشًا:

«رامي، هيا بنا.»

أومأ برأسه في هدوء:

«حسنًا.»

وبعد لحظات قليلة كانت السيارة تنطلق مبتعدة تاركة خلفها نظراتٍ معلّقة وأسئلة بلا إجابات.

غير أنّ أربع مركباتٍ ظلت تلازمها من الخلف بإصرارٍ لافت وحالما انتبهت سيرين إلى ذلك تناولت هاتفها واتصلت بظافر قائلةً بلهجةٍ مقتضبة:

«أخبر حراسك أن يعودوا أدراجهم.»

جاءها صوته هادئًا كمن حسم الأمر سلفًا:

«من هذه اللحظة هم حراسكِ الشخصيون… لكِ أن تأمريهم بما تشائين.»

توقفت أنفاسها لحظة. *حراسي الشخصيون؟*

انعقد حاجباها دهشةً ثم التفتت إلى رامي وقالت:

«توقّف هنا.»

وما إن ترجلت حتى تقدّمت بخطواتٍ ثابتة نحو السيارة التي خلفها ووقفت في مواجهتهم قائلة بنبرةٍ لا تقبل الجدل:

«عودوا من حيث أتيتم.»

لم يتأخر الرد؛ إذ انحنى قائد الحراسة قليلًا وقال باحترامٍ فوري:

«أمرُكِ، يا سيدتي.»

عاد ظافر إلى المنزل مثقلاً بمزيجٍ خانق من الإحباط والحزن والهاتف ما يزال عالقًا في قبضته كأنه شاهدٌ على صراعه الداخلي… في الليلة الماضية كان قد أوعز إلى ماهر أن يحاول إبعاد رامي عن سيرين بأي وسيلة حتى لو رشاه بالمال لكن رامي رفض العرض رفضًا قاطعًا وذلك الرفض لم يُطفئ غيرة ظافر بل زادها اشتعالًا ورسّخ في داخله شكوكًا لم يجد لها تفسيرًا سوى القلق… أدرك وهو يحدّق في الفراغ أنه لن يطمئن حقًّا إلا إذا رافقها بنفسه إلى المدينة مهما حاول إقناع نفسه بعكس ذلك.

كانت فاطمة ما تزال في الصالة لم تصعد إلى غرفتها بعد ولاحظت شروده الطويل فسألته بنبرةٍ حذرة:

— ما بك؟

أجاب دون أن يرفع عينيه:

— لا شيء.

ثم صمت لحظة كأنه يختار كلماته بعناية قبل أن يضيف:

— سأعمل في نوبةٍ ليلية خلال الأيام المقبلة… لذا لن أعود في المساء.

نوبة ليلية؟

تجمدت فاطمة في مكانها وقد بدت الدهشة جليّة على وجهها… كيف لرجلٍ في موقعه اعتاد أن يأمر فيُطاع أن يتحدث عن نوبات ليلية وكأنه موظف عادي؟ تسلّل إلى قلبها شكٌّ صامت وجعلها تنظر إليه نظرةً أقل اطمئنانًا، أقل يقينًا بأنه الرجل المناسب لسيرين ومن ثم قالت بنبرةٍ صارمة لا تخلو من التحذير:

— إياك أن تفعل ما يؤذي سيرين… وإن فعلت فكن شجاعًا واطلب الطلاق بنفسك… لا تُهدر عمرها.

نهض ظافر ببطء واستدار نحوها وجاء صوته هادئًا لكنه يحمل ثِقل قرارٍ لا رجعة فيه:

— لم أفعل شيئًا يسيء إليها… ولن أفعل.

قالها بثبات وكأن كلماته لم تكن دفاعًا عن نفسه بقدر ما كانت عهدًا قطعه في داخله… كلمات قليلة لكنها خرجت محمّلة بعزمٍ صامت وإصرارٍ لا يحتاج إلى تبرير.


تعليقات