رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والواحد والثمانون 381 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والواحد والثمانون 

احمرّ وجهُ سيرين في التوّ وتيبّست أطرافها حتى غدت عاجزة عن الحركة لا تملك سوى أن تجيل بصرها في أرجاء الغرفة كأنها تبحث عن ملاذٍ يخفف وطأة ارتباكها.

 

لم تدرِ متى بدأ ملامح غرفة التخزين العتيقة تتبدّل أمام ناظريها إذ بدا المشهد وكأن ظافر قد بعث فيها روحًا جديدة؛ فقد احتفظت بشيءٍ من كآبتها القديمة غير أنها اتّسعت على نحوٍ لافت كأن الجدران نفسها تنفّست أخيرًا.

 

كانت غرفة ظافر صورةً مطابقة لغرفته السابقة؛ نظام صارم يفرض حضوره في كل زاوية وترتيب دقيق لا يترك مجالًا للفوضى حتى القلم الوحيد لم يُترك للصدفة بل استقرّ بعناية داخل علبته في الجانب الأيمن وكأن لكل شيء مكانه الذي لا يجوز له أن يبارحه.

 

لم تستطع سيرين أن تمنع عينيها من الارتماء على يديه مرةً أخرى؛ تلك اللتان تحكيان حكايةً صامتة محفورة بالندوب… لم تكن تعلم كيف نالتها غير أنّ قلبها سبق عقلها فانسابت كلماتها هامسة:

 

«كيف جرحت نفسك؟ ومن أين جاءت كل هذه الندوب؟»

 

لم يعانقها ظافر بتلك الطريقة منذ زمنٍ بعيد وحين لامس أنفاسه عبير جسدها ثقل تنفّسه كأن ذاكرة دفينة استفاقت في صدره قبل أن تستفيق في عقله فقال بصوتٍ خافت يحمل من الغموض أكثر مما يحمل من الإجابة:

 

«لم أعد أتذكّر شيئًا.»

 

لم يكن ليبوح بالحقيقة إلا أحمق؛ فلو فعل لأدركت أنّه استعاد معظم شتات ذاكرته ولربما دفعها ذلك إلى أن تطلب رحيله من جديد.

 

حين سمعت سيرين كلماته أطلقت زفرةً واهنة وقالت بنبرةٍ تخالطها خيبة لطيفة:

 

«يا للخسارة… وبالمناسبة، هل نسيت كل شيء عن عملك السابق؟»

 

ابتسم بخفّة وسأل متعمّدًا:

 

«أيّ عمل؟»

 

قالت سريعًا: «لا شيء.»

لكن ذاكرتها خانتها فارتسم في ذهنها مشهده وهو يعزف على البيانو يومها بأصابع واثقة وروحٍ مألوفة فتمتمت لنفسها كمن يحدّث قلبه:

 

«لم ينسَ كيف يعزف… لعلّها ذاكرة الجسد حين تظلّ العضلات والأطراف تحفظ ما نسيه العقل.»

 

وبينما كانت كلماتها تنساب بهدوء لم تنتبه إلى أنه كان يقترب منها شيئًا فشيئًا حتى كاد أنفاسه تلامس شحمة أذنها، دافئةً ومربكة فقالت بصوتٍ خافت كأنها تطمئن قلبها قبل أن تطمئنه:

 

«ساقي بخير الآن… شكرًا لك.»

 

لاحظت سيرين صمته كما أنّ الألم قد تلاشى من ساقها… وحين أدارت رأسها لتترجّل لامست شفتاها وجنتَه مصادفةً… في تلك اللحظة توتّر ظافر وشعر بتجمد الدماء في عروقه وكأن العالم بأسره حبس أنفاسه معه.

 

ابتعدت سيرين سريعًا وكانت على وشك أن تغادر غير أنّ قوةً عظيمة أعادتها إليه إذ شدّها إلى حضنه بخشونة وسبقه قلبه قبل شفتيه فقبّلها دون تردّد.

 

توقّف الزمن داخل الغرفة وانعكس وجهه في عينيها كمرآةٍ للدهشة والوله وقبل أن تستعيد وعيها تمامًا كان قد أسندها برفق على السرير كمن يخشى أن تنكسر لحظة الحلم إن اشتدّت قبضته.

 

لم تكن تتوقّع أبدًا أن تكن رائحة فراشه بهذا الصفاء… رائحة تشبهه، هادئة، دافئة، وتفوح بوعدٍ لا يُقال بل يُحسّ.

 

«ظافر… لا…»

كادت كلماتها أن تكتمل غير أنّه سبقها وأسكت اعتراضها بلمسةٍ جريئة على شفتيها لم تكن قاسية بقدر ما كانت مشتعلة كأنها محاولة يائسة لاحتواء شوقٍ طال كتمانه.

 

تبعثر وعي سيرين في لحظةٍ واحدة وتبدّل توتر الغرفة إلى رجفةٍ دافئة حتى خُيّل لها أنّ الهواء من حولهما صار أثقل وأكثر التصاقًا الأنفاس… كأن الجدران نفسها تشاركهما هذا الاضطراب.

 

وفي ذروة ذهولها دوّى طرقٌ مفاجئ على الباب، عنيف كصحوةٍ قسرية.

«أمي…»

 

«أمي؟»

 

انتشلتها أصوات الأطفال من حافّة الغياب فأفاقت على الحقيقة دفعةً واحدة… عندها فقط أدركت أن ظافر كان قد جرّدها من نصف سترها فارتبكت وسارعت إلى أن تلفّ جسدها بالملاءة ثم ابتعدت إلى الطرف الآخر من السرير وقلبها يخفق بعنف… وحين لم يشغر ظافر بدفئها بين ذراعيه وبلغت مسامعه الضوضاء في الخارج اشتعل ضيقه وتلاشت تلك الرقة التي كانت تسكن ملامحه قبل لحظات فاندفع صوته غاضبًا خلف الباب:

 

«اغربوا عن وجهي!»

ما إن دوّى صوته الغاضب حتى ارتجفت قلوب الصغار رعبًا غير أنّ زكريا تماسك كعادته فشدّ يد نوح بخفّة وتقدّم قائلًا بصوتٍ مهذّب يخالطه القلق:

 

«يا سيدي، نحن نبحث عن أمّنا.»

 

فبعد أن غفت فاطمة خرجا الصغيران يتفقدان الغرف ولاحظا أنّ سيرين ليست في غرفتها فتسلّل إليهما ظنّ غامض حين خُيّل لهما أنّهما سمعا أصواتًا غير مألوفة قادمة من غرفة ظافر.

 

لم تكن سيرين لتتخيّل يومًا أن تجد نفسها على هذا النحو؛ إلى جوار ظافر، بل بين ذراعيه وعلى سريرٍ واحد كأن لحظةً مسحورة ابتلعتها بعيدًا عن العالم… تملّكها الخوف من أن يكتشف الطفلان ما لا ينبغي لهما معرفته فقرصت يده بخفّة علّه يفهم إشارتها الصامتة… التقطها ظافر على الفور قائلاً للأطفال بنبرةٍ متماسكة:

 

«ليست هنا. لعلّها في الحمّام.»

 

أجابه زكريا بعد تردّدٍ قصير:

 

«أفهم… حسنًا، نعتذر عن الإزعاج يا سيدي.»

 

ثم التفت إلى نوح وأضاف بهمسٍ حازم:

 

«هيا، لنبحث عنها في مكانٍ آخر.»

 

تنفّست سيرين الصعداء حين ابتعدت خطواتهما وشعرت وكأن ثقلًا كان جاثمًا على صدرها قد انزاح… وبينما همّت بالنهوض اقترب منها ظافر مجددًا وصوته يفيض إلحاحًا وأنفاسه متكسّرة بحرارةٍ لم تخبُ بعد:

 

«لنكمل…»



تعليقات