رواية ذنب لا يقترف الفصل الثالث 3 بقلم مريم نعيم


  رواية ذنب لا يقترف الفصل الثالث بقلم مريم نعيم 

"أنتِ أعصابك دلوقتي تعبانة،
فخمس دقايق بس نروح الشقة
وتريّحي أعصابك."

ضربتني على صدري بقوة،
غمّضت عيني
وضغطت على إيدي بعصبية.

"أنا مش عاوزة أتزفت أجي معاك في حتة، 
أنا بشمئز من المكان اللي إنت فيه."

نظرت لها،
بعد ما كنت بتلاشى النظر ليها
بعد كلامها المؤلم ليّ.

"إنتِ من إمتى بقيتي قاسية كده؟ على العموم يلا،
بس عدّلي طرحتك."

"أنا مش جاية معاك في حتة يا إلياس."

"يلا يا بنت الحلال، يلا يا ندى."

مسكت إيديها بقوة
وخرجتها معايا بره البيت.
رنّيت على عمر،
بس جه صوته من ورايا:

"أنا أهو."

لفّيت وشي، لقيت عمر قرب مني
وعلى وشه ابتسامته اللي بحبها.

"مفتاح عربيتك."

طلع عمر مفتاح عربيته من بنطلونه وغمز لي.
"بتاعتك يا درش."

ابتسمت على حركته،
وأخدت المفاتيح منه.
ركبت العربية، وندى جنبي
ولا حتى بتبص في وشي.

اتجهت على عنوان شقة عمر،
كانت بعيدة عن بيتنا
بحوالي نص ساعة.

"انزلي."

نزلت وهي بتنفخ،
وقفلت باب العربية بقوة.
ما علّقتش، بس ابتسمت ابتسامة سطحية.

ركبنا الأسانسير لحد الدور الخامس.

"ادخلي."

دخلت ورايا بعد ما وقفت شوية
قدام الباب. ففهمت وقتها
إنها مش عايزة تدخل،
بس ما باليد حيلة.

فتحت أنوار الشقة، كانت هادية
وأثاثها هادي، ومريح للعين.

"بص بقى، أنا هقعد معاك في الشقة دي
غصب عني، ومش حابة أقعد معاك في حتة أصلاً.
متتعاملش معايا، ولا تكلمني، ولا ليك دعوة بيا،
إنت فاهم؟ لحد ما نشوف حل ونتطلق، علشان أنا مش 
هطيق أعيش مع حد مبحبوش."

قالت كلامها، ودخلت أوضة من الأوض،
وقفلت الباب وراها بقوة، وقفلته بالمفتاح.

أخدت نفس كبير، قلبي ما بقاش مستحمل
أي كلام أكتر من كده.

سمعت صوت الأذان،
فخرجت أصلي في الجامع.
ما صليتش في الجامع من سنين.

اشتقت له… لرائحته،
وللأمان والطمأنينة اللي كنت بحس بيهم وأنا جواه.

أنا في بيت ربنا، إزاي ما أحسّش بالأمان؟

عندما دخلتُ المسجد، شعرت وكأن جبلًا ثقيلًا يجثم على صدري.
كل خطوة كنت أخطوها كانت محاولة لتخفيف هذا الحمل،
ومع التوغّل داخل أركان المسجد، بدأ ذلك الثقل يتلاشى شيئًا فشيئًا،
كأن الله يفتح لي نافذة نور وسط عتمة طويلة.

بدأ الإمام الصلاة بصوتٍ هادئ مطمئن،
وحين ختم سورة الفاتحة، شرع في قراءة سورة الطلاق.

حتى بلغ الآية الثالثة:

﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدَرًا﴾

في اللحظة التي نُطقت فيها الآية،
شعرت وكأن كلمات الله اخترقت قلبي مباشرة،
وكأنها يدٌ رحيمة تربت على صدري،
وتنزع عني كل همٍّ أثقل روحي.

انهمرت دموعي دون مقاومة،
ضعفت أمام عظمة الله، أمام ربي،
ولم يكن في قلبي أي رغبة في كتمان هذا الضعف.

تذكرتُ حينها من يقولون إن الرجل لا يبكي…
لكن ماذا يفعل الإنسان حين تضيق به الدنيا؟
حين تتراكم المخاوف داخله،
ويجلس وحيدًا بين يدي ربه؟

في تلك اللحظة، لم يكن البكاء ضعفًا،
بل كان قوة…
قوة الصدق مع النفس،
وقوة الخضوع الكامل لله.

انتهت الصلاة،
وساد المسجد صمتٌ عميق،
إلا مني…

شاب في مقتبل الثلاثين من عمره،
وحيد مع قلبه وربه.

اقترب مني الإمام بابتسامة هادئة،
وقال بصوتٍ يحمل طمأنينة :

"الرجل يُظهر قوته أمام الناس،
لكن أمام الله، يعود طفلًا يركض إلى والده،
يبكي ويبوح بخوفه، الله لا يضعنا في ابتلاء
إلا وهو يعلم أننا قادرون عليه، لكن داخل كلٍّ منا جزءٌ خائف.
نحن نرى الظلام فقط، لكن الله يرى الحكمة… ويخفف عنا،
ويكشف لنا حقيقة من حولنا، الطيب من الخبيث.
اشكُ لله همومك، فهو وحده القادر على حملها."

غادر الإمام المكان، 
لكنني بقيت… بقيت مع ربي.
شهقت من أعماق قلبي،
وبكيت بكاءً لا يعرفه
إلا من جلس مع الله بصدق.

شكوت له همومي،
ضعفي، خيبات أملي،
وخذلان من ظننتهم أقرب الناس إليّ.

أن الله أقرب إليّنا من أي بشر،
وأن كل ألمٍ نمرّ به،
وكل دمعة تسقط منا،
هي حسنات تُكتب لنا،
ونحن في أشد الحاجة إليها.

ففهمت أن ضياعي بين يدي الله
ليس ضعفًا، بل قربًا منه …
وأن كل ابتلاء يحمل في طياته فرجًا
لم أره بعد.

وعندما خرجت من المسجد،
لم يكن قلبي كما كان…

كان أخف، وكان يقيني أثقل من كل وجع،
بأن الله معي، وأنه لا يضيّع عبدًا لجأ إليه بصدق،
وأن كل ضيق، مهما طال، سيفرج برحمة الرحمن.
_

عارفة إني كنت قاسية معاه،
بس كنت بقسي أكتر على قلبي.
بقوله هو قد إيه أذاك، 
وقد إيه بعد عنك في وقت كنت محتاجاله،
بعد عنك في وقت كنت بتخطط لحياة جديدة معاه،
لكن هو سابك لوحدك.

حسيت بتأنيب الضمير…
هو وحشني،
مش هنكر،
وحشني أوي أوي كمان.
أنا كده في نظره وحشة!

قعدت على الأرض،
وضميت رجليّ لصدري
بعد ما كنت رايحة جاية في الأوضة.

Flash Back

"هنخلص امتحانات إمتى بس يا رب؟"

"مش عارفة، طولت ليه يا ندى بجد، الواحد عايز ينام طول حياته."

"بتموتي في النوم إنتِ يا سارة."

"بس مش أكتر من جوزي."

"يختي أتوكسي!"
قولتها بضحك وأنا بضربها على كتفها كرد فعل مني.

كملت كلامها وأنا ببص في الساعة:
"تعالي نجيب عصير قصب ونشربه في الطريق علشان ما نتأخرش."

"عاوزين نلف شوية يا ندى."

"كان على عيني والله يا سرسورة،
بس دلوقتي تلاقي بابا قاعد بالساعه وبيعد الوقت أصلًا."

"يا رب تتجوزي واحد صالح،
وميكونش فيه ولا طبع من طباع أبوكِ يا ندى."

"يارب يا سارة، يارب.
يلا علشان ما نتأخرش."

مشينا فعلًا،
ورحنا لمحل العصاير،
وطلبنا اتنين عصير قصب.

عصير القصب بالنسبة لي
عامل زي ريحة النعناع،
لما بتشمها تحس إن حياتك فريش،
وإنك عايش في مكان كله أراضي
وما فيش فيه دوشة،
وتبدأ يومك بعيد عن ضجيج العالم.

بحس ريحة النعناع كده،
ومعاها كمان عصير القصب.
محدش هيفهم إحساسي
غير اللي بيشربه بروقان،
مش يخلص العصير في أقل من دقيقة
زي واحدة هنا.

"يا سارة خلصتي الكوباية مرة واحدة؟
كنا هنتصور!"

"سوري، بس كنت عطشانة."

"يلا يا سارة، قدامي يلا،
هتصور أنا."

ما كملتش كلامي
إلا لما لقيت حد بيخبط فيا جامد،
وقع كوباية العصير تحت صدمتي.

"إنت غبي!"

"ما أخدتش بالي والله، أنا آسف."

مسحت على وشي بعصبية،
وأخدت شهيق وزفير.
"حصل خير."

"أنا حقيقي آسف، كنت مستعجل جدًا علشان ورايا مشوار مهم قوي."

"بالتوفيق لحضرتك،
وخلاص حصل خير."

ابتسمت وسيبته،
لكن وقفت على صوته:
"استني يا آنسة."

بصيت ورايا،
وهو شاور بإيده إني أقف.
"استني، خليكِ بس ثانية."

دخل المحل، وخرج ومعاه كوبايتين عصير قصب.

"حضرتك متعب نفسك ليه؟"

"ولا تعب ولا حاجة، اتفضلي حضرتك."

أخدته وأنا بشكره،
ومد إيده التانية لصحبتي.

"واتفضلي دي يا آنسة."

"شكرًا لحضرتك، ما كانش فيه داعي والله."

"العفو على إيه، بعد إذنكم."

قال كلامه ومشي،
وتبعته نظراتي لغاية ما اختفى،
ولسه عيني ما ارتاحتش.
طريقته، شكله…
مش غريب عليّ.

"بس راجل ذوق والله،
يارب المشوار اللي رايح له
يكون فتحة خير عليه."

"يارب. يلا يا سارة علشان ما نتأخرش أكتر من كده."

"يلا يا حبيبتي."

مشيت معاها
وأنا بفكر شوفته فين قبل كده،
بس ما افتكرتش.

Back

ابتسمت… أول مرة أشوفه فيها
كان من تسع سنين. زمن طويل جدًا.

ارتحت لما سمعت صوت باب الشقة بيتفتح.
شفت من تحت الباب رجلين وقفت قدام الباب، ولقيته بيخبط.

"ندى، افتحي لو سمحتي."

قومت من على الأرض،
وقربت من الباب،
ودقات قلبي بتتسارع،
كنت سامعاها كانت عالية. 

أخدت نفس،
وفتحت الباب بشويش.

كان واقف…
لسه بهيئته اللي بتخطف قلبي،
بس ملامحه متغيرة،
باهتة،
مش دي الملامح اللي أعرفها.

عينيه كانت ملازمة عيني.
شفت دموع في عينيه،
وده خلّى عيني تتملي دموع لا إراديا.

"ليه؟"

كلمة نطقت بيها،
كلمة قالها قلبي قبل لساني.
ليه سابني طول الفترة دي كلها؟
ليه سابني وهو عارف إني وحيدة،
ماليّش حد أستند عليه؟

دموعي نزلت
لما حسيت بالضعف والعجز.

فتح دراعاته
وقال بصوت ضعيف:
"تعالي… مرة واحدة."

ما كنتش عاوزة أحضنه،
ما كنتش…
بس قلبي كان له رأي تاني.
كان محتاج يقول أنا تعبت 

وفي ثواني
كنت برمي نفسي في حضنه،
زي ما يكون قلبي محتاج يطمن،
بس هو محتاج يطمن.

شدّد من حضنه،
شدّني، وكنت زي المخدّرة،
بضمه بقوة وأنا بعيط بشهقاتي.

طول عمري وحيدة،
حتى لما صاحبتي راحت
وسابتني لوحدي.

"أنا آسف… صدقيني أنا آسف.
ما كانش قصدي أبعد عنك،
ولا كان قصدي أسيبك."

"بس إنت سيبتني يا إلياس!
سيبتني سبع سنين يا مفتري…
سبع سنين!"

"كان غصب عني والله."

بعدت عنه بقوة،
وضربته في صدره
وأنا بصرخ في وشه:

"قولي ليه بعدت؟
ليه سيبتني كل ده لوحدي؟!"

صرخ هو كمان،
بس الكلمة اللي قالها
كانت شبه طعنة في قلبي:

"كنت في السجن…"

تعليقات