رواية النغم الحزين الفصل الثالث 3 بقلم فاطيما يوسف


رواية النغم الحزين الفصل الثالث بقلم فاطيما يوسف 

 


في أوضة "دعاء" و"سند" كانت مستنياه علشان تتأكد من اللي سمعته من خالتها وأول ما وصل بص لهيئتها باستغراب ولوجودها أصلا في المكان رمى السلام بجمود وسألها: 


ـ خطوة عزيزة اللي جابتك لحد اهنه عاد؟ اوعي تقولي إنك بقيتي كيف الحريم اللي هتستنى جوزها علشان اتوحشها؟! والله لو حُصل يا "دعاء" لا ادبح عجل وافرِقه على اهل البلد كلاتها. 


"دعاء" حاولت تكون هادية وتمسك أعصابها وما تمسكش على كلامه وقالت له: 

ـ هم كل الستات ورجالتهم ما هيتجمعوش في أوضة نومهم إلا علشان الموضوع اللي في دماغك دي؟! ولا انتم الرجالة علشان ما هتِشتغلوش غير شغلانة واحدة الموضوع دي مسيطر على دماغكم، احنا كبرنا عاد وحدانا عيال أصغر عيلة فيهم في الإعدادية. 


ابتسم "سند" بسخرية على كلامها وهو بيقلع جلابيته ورماها على الكرسي قامت من مكانها فورا وشالت الجلابية ونفضتها كويس وحطيتها في شماعتها في الدولاب لانها بتحب الترتيب والنظام جدا ورد على كلامها بنفس طريقة السخرية: 


ـ كبرنا ! تعرفي مشكلتك ايه يا "دعاء" انك مفكرة حالك الوحيدة اللي هتتعبي وانك الأم اللي ما فيش منك في الدنيا اتنين، وان الستات مخلوقين في الدنيا علشان ينضفوا ويشوفوا أمور البيت ويربوا العيال بس، وان الدنيا بتقف بعد الخلفة ما بين الرجل ومرته، لأخر مره هقولك يا بت الناس تعالي هاخدك أعرضك على دَكتورة زينة تعرف سبب البرود اللي حداكي دي ايه وأكيد له حل صدقيني انتِ حارمة نفسك من أهم إحساس في الدنيا الست هتعيشه .


وكمل كلامه وهو شايفها بتحاول تكبر نفسها في السن علشان تحبط محاولاته دايما في انها تكون ست سوية نفسياً في معاملتها معاه:


ـ وبعدين سن ايه ومين اللي كَبير يا "دعاء" ؟! إنتي يدوب حداكي خمسة وتلاتين سنة وأني اكبرك بسبع سنين يعني انتِ كست في عز شبابك وأني كراجل في مرحلة شبابي .


حاولت تتهرب منه ومن الكلام في الموضوع اللي مبيبطلش كلام فيه ليل ونهار وقالت له :

ـ مش أني عرفت الموضوع اللي كنت هتخبيه عني اللي رايده أخوك "سمير" منيك وكنت مرايدش تعرِفني .


اتنفس بضيق من تهربها ولكن قرر يجاريها في الكلام علشان يعرف رأيها في الموضوع وسألها:


ـ طب وانتِ رأيك ايه يا حرمنا المصون في الموضوع كمجمل ؟


اتحمحمت بهدوء وهي بتحاول ترتب كلامها قبل ما تقوله لأن "سند" طريقته صعبه جدا في الكلام معاها حسب ما هي متخيله لأنها مش شايفه نفسها غلطانة في أي حاجة: 


ـ طب أني هقول لك رأيي من الناحية العقلانية، احنا دلوك عايشين في بيت واحد عيالنا وعيالهم ولاد عم وهي حداها بنت واني حداي بنت وما ينفعش كل يوم والتاني أخوك يسمع بينا الناس هيقولوا اعـ.ـتدى على طليقته وضـ.ـربها وبهدلها الناس اكده هتاكل وشنا، فخلينا نكون معترفين ان اللي هنعمله دي علشان مصلحة العيال قبل الكبار، فأني شايفة إنك توافق على الاقتراح اللي اخوك قاله وتتجوَزها ونستريح من الفضايح وكمان عيالنا الناس ما تبصلهمش بصة شينة.


"سند" كان واثق ومتأكد إن ده هيبقى رأيها هي ما عندهاش مشكلة خالص إنها تتنازل عنه لأي ست، ما عندهاش مشكلة ان هو يتجوز عليها ،كان قاعد هيتجنن إن ازاي دي تكون ست أصلا فسألها وهو بيحاول يحافظ على هدوئه هو كمان لأن العصبية مع "دعاء" ما بتجيبش فايدة، لأن البرود طبعها أصلا فاتكلم بسخرية: 


ـ ياه لو كل الستات زيك اكده يا "دعاء" هيحللو لجوازتهم انهم يتجوزوا التانية والتالتة عادي، حالات الطلاق هتُبقى قليلة، ما شاء الله عليكِ وعلى عقلك، طب فين منظرك وبرستيجك اللي دايما هتتحدتي عنيهم لما الناس كلها تعرف ان جوزك اتجوَز وجاب لك ضرة؟


كانت عارفة إن هو بيسخر منها وبيتريق عليها لكن خدت كلامه بمحمل الجد وحاولت تكون باردة زي ما هو متعود وردت عليه: 


ـ والناس مالها ومال جوزي هيتجوَز ولا هيطلِق، ما حدش عارف البيوت والحيطان هتداري ايه يا "سند" ، لكن أني هقولك الحل اللي في مُصلحتنا كلاتنا، وبصراحة أكتر أني صعبان عليا "نغم" سلفتي على اللي هيحصُل لها وانت عارف، كيف ما هتقول أني متعلمة وما هرضاش الظلم لحد وكمان يُبقى معاك ست تانية تشوف احتياجاتك اللي ما هقدرش عليها ونعيش عيشة فل احنا الكل .


هز راسه وهو بيبص لها بصة كلها دهشة من تفكيرها واتكلم وهو حاطط ايده تحت دقنه وبيحرك وشه بطريقة ساخرة: 


ـ ايوه ايوه، وصلت وياكي للي كنت رايد أسمعه، الحوار مش حوار إنك خايفة على ولادك ولا خايفة على سلفتك كيف ما هتقولي، الحوار كلاته حوار إنك رايدة تريحي دماغك من الراجل اللي هيعيش وياكِ وما هتتحمليش طلباته وإنه عايز يعف نفسه بمرته؟!

الحوار كلاته ترييح دماغ، تصدِقي بالله أني عايش وياكِ علشان خاطر العيال ولولا ولادي ما كنت هبص في خلقتك يا "دعاء" . 


وكمل كلامه وهو بيعرض عليها الأمر كله من كل الجوانب علشان يصدمها شوية بدل ما هي الفرحة هتنط من عينيها من ساعة ما عرفت الخبر: 

ـ طب واللي خبرتك ما قالتلكيش إن الجوازة هتكون صورية واني وهي هنعيش مع بعض مدتنا كيف الاخوات، يعني هبقى في مقام أخوها الكبير وهرجع أطلِقها تاني علشان ترجع لأخوي ويرجع يبهدل فيها تاني وبرضه ولادك الناس هتتحدت عنيهم بالشين علشان سمعة عمهم هتجيب لهم العار كيف ما هتقولي؟


ابتسمت بخبث وهي بتقرب منه وبتحضن دراعه وبتعرض عليه تفكيرها واللي هي فكرت فيه كتير قبل ما تفاتحه في الموضوع: 


ـ مش لما تتجوَزها الاول وبعدين نشوف حوار الطلاق دي يا اخوي، وبعدين أخوك لازم يتربى ويعرِف إنها ضاعت من يده لما انت اتجوزتها ولازمن يعرِف ويحس إن هي ما هترجعلوش تاني، فنطول مدة الجواز علشان نعلِمه كيف يحافظ على مرَته بعد اكده، اما اللي هيبقى بيناتكم انتو التنين لما يتقفل عليكم باب واحد يحلها الحلال ولو دخلت عليها داي حلالك ومحدش هيقدر يلومك. 


"سند" ما بقاش طايقها ولا طايق كلامها ولا طايق ان هي تقعد جنبه فنزل ايديها من كتفه وبص لها بصة مرعبة خلاها بعدت عنه وهي بتبلع أنفاسها بصعوبة: 

ـ طب قومي روحي على الأوضة بتاعتك ما طايقش اشوف وشك ولا طايق حتى ريحة نفسَك، اني بقيت اشوفك يا "دعاء" هحس اني شفت الشيطان بذات نفسيه، كان يوم ما يعلم به إلا ربنا لما بقيتي على ذمتي وخلفت منك عيال كمان، روحي دي انتي ست تسد النَفس.


خرجت "دعاء" وهي بتجري من قدامه لأنه لما بيتعصب ممكن يمد ايده عليها بسبب استفزازها ليه واول ما خرجت كان حاسس بوجع بيضـ.ــرب في قلبه لدرجة انه وجعه وصله لإحساس قهر الرجال اللي هيستعيذ منه الإنسان، كان ساند على سريره بيفكر في الموضوع وانه ازاي يقبلها على نفسه كراجل ويجيبها يمين ويجيبها شمال وفجأة جت صورة "نغم" قدامه غصب عنه، الكل عمال يكلمه عليها إن هي هتبقى مراته حتى "نغم" ذات نفسها اترجته إنه يكتب عليها علشان يخلصها من اللي هي فيه، ولقى دماغه راحت لحتة تانية خالص بيتخيلها وهي معاه ومقفول عليهم باب واحد، إزاي واحدة تبقى بالجمال والرقة والضعف اللي بيحبهم كل راجل في الست تكون معاه في مكان واحد ومحرمة عليه وغير كمان إنها مراته وغير كمان إنه محروم إنه يعيش حياته زيه زي أي راجل بسبب برود مراته، 

وفي اللحظة دي بالذات "سند" حس ان قلبه بيدق جامد مجرد ما يتخيل صورة نغم قدامه وفضل التفكير يجيبه يمين وشمال لحد ما راح في النوم وهو ساند على السرير مكانه، 

وشكل ما يكون ربنا بيبعت له الاستخارة في منامه إنه يعمل اللي الكل بيطلبه منه وان اللي هم شايفينه هيكون الصح، جات له في الحلم وهي وهو في اوضتهم ومقفول عليهم باب واحد ونايمين جنب بعض وعينيهم اتلاقت كان حاسس في الحلم بإحساس غريب ولقي نفسه بيقول لها:


ـ إنتِ طلعتي جميلة قوي كيف الغشيم دي ماكانش هيقدر النعمة اللي في يده ؟

كانت نايمة جنبه ووشهم مقابل لبعض وعيونهم اتقابلت بنظرة لأول مرة تحصل ما بينهم، كانت بتبص له بتمني هي كمان وعيونها الحزينة لأول مرة الابتسامة بتحضنها وهمست برقة :

ـ شكل ما يكون ربنا خلاه يعمل اكده فيا علشان تُبقى انت نصيبي الحلو وعوضي الجميل . 


غمض عيونه من رقتها وهو بيسمع صوتها الناعم كأنه نغم فعلا على اسمها واتكلم بصوت متأثر من دلالها:

ـ "نغم" اسمك على مسمى، معقولة الرقة داي كلاتها كانت هتتخبى ورا الدموع والحسرة. 


ـ وانت كنت "السند" اللي هيبدل النغمة الحزينة لفرحة عمرها ما شافتها من يوم ما وعيت على الدنيا القاسية داي . 


دقات القلوب هنا اللي كانت هتحكم بينهم، إحساس أول مرة يتحس وكأنهم في حلم جميييييل وفجأة جه يقرب منها ويلمس ايديها كل ده وهو بيحلم بيها صحي على صوت ابنه وهو بيفوقه من حلمه الغريب الجميل وأول ما فتح عينيه نظرته لـ"نغم" وللي جاي اتغيرت تماما وإحساسه بقى في حتة تانية خالص، وهما السبب كلهم في الإحساس اللي وصل له وبقى مالي قلبه وعقله ناحية طليقة أخوه اللي كان دايما بيعتبرها زي أخته تماما وعمره ما فكر فيها غير كده، وقام "سند" من نومه علشان يشوف هيعمل ايه وهيمشي الموضوع إزاي لكن مش قبل ما يقعد مع "سمير" ويتكلم معاه في كل حاجة تخص الموضوع بعد كده وهيسيب نفسه لتدابير ربنا سبحانه وتعالى .


                   ******

بعد ما خلصت الجري ورا إشارات المرور علشان ترجع لأمها وأختها، وقاعدة ورا سكة القطر تشوف ربنا رزقها بإيه، بصت لقت اللي قاعد قدامها وهو بيبص لها بطريقة غريبة وبيقول لها:

ـ شاطرة، تعرِفي إنك اللي يشوفك يقول عليكِ عيلة صغار، لكن أني متابعك من زمان، وعارف إنك بت بـميت راجل، وما فيش غيرك اللي هتمسك معاي إمبراطورية الشحاتين، واللي أني أبقى المعلم بتاعهم، اسمك إيه بقى يا شاطرة؟

"مَهرة" قامت من مكانها منفوضة، وهي بتخبي فلوسها اللي أهم حاجة عندها في الدنيا، حتى أهم من نفسها، وحاولت تبص له بعيون قوية وهي بتسأله:

ـ انت مين يا جدع انت، ورايد إيه مني، وتعرِفني منين علشان تقول لي الكلام دي؟


بص لها "سيد الأعرج" وهو بيلاعب لسانه جوة بقه بطريقة كأنه بيتحـ.ـرش بيها، وحاول يقرب منها، شايفها عيلة صغيرة وهيقدر عليها علشان يعمل اللي بيعمله مع كل بنت، يخسرها أغلى ما تملك علشان تبقى تحت ايديه يديه بعد كده وتعمل اللي هو عايزه بدون ما تعارض، لكن أول ما مد ايديه عليها نزلت بأسنانها غرستها في ايديه بعزم قوتها، وأول ما سنانها سابت ايديه وهو بيتوجع شالت دبشاية كبيرة وراحت نازلة على راسه من ورا، وهو كان موطي ماسك يديه من الوجع لدرجة إن أسنانها خلت ايديه جابت دم، وما لحقش يفوق لقى خَبطة على دماغه خلتِه بينزف دم من كل حتة، وقالت له وهي بتجري:

ـ مش كل الطير اللي يتاكل لحمَه، يا أعرج، فاكرني ما هعرفكش؟ من يوم ما جيت المنطقة داي وأني هسمع عنك من كل اللي هيشتغلوا تحت يدك، وهعرِف إنك غدار وقليل الرباية.


كان واقف بيتنطط زي العيال الصغيرة، ما اللي زي "سيد" أصلًا جبان، وبيعتمد على إنه يشغّل الستات اللي بيذلهم بعلاقاتهم معاه سواء كان غصب عنهم أو برضاهم وراه، لأنه ما يقدرش يواجه راجل، وعلى صوته بغضب شديد وهو بيتوعد لها وهي بتجري:

ـ هجيبك يا بنت ال... لو في بطن أمك ولازمن هعلّم عليكي كيف ما علّمتي علي، واعملي حسابك أول ما تاجي المنطقة بكرة هتلاقي ألف مين مستنيكي.

خرجت له لسانها وهي بتجري وقالت له:


ـ مش لما تشوفني تاني يا أعرج، خلاص آخر يوم ليا في المنطقة داي، وما هتشوفنيش تاني عاد، والعلامة اللي علّمتها عليك تستاهلها، و كل يوم لحد ما تموت تفضل تبص على يدك علشان تشوف سناني اللي غرست فيهم، وتقول عيلة صغيرة علّمت عليك يا واطي.


كان بيلف ويدور حوالين نفسه وهو حاطط ايديه على دماغه من ورا وهي بتنزل دم:

ـ وحياة أمك لا أجيبك لو كنتِ في آخر بلاد المسلمين، وحياة أمك لأنتقم منك لو حتى بقيتي مرة عجوزة، وفي يوم من الأيام هخليكي تبكي.


روحت "مهرة" على بيتهم بعد ما اشترت الحاجات اللي هتحتاجها في سفرها لمصر، وهي بتودّع كل حيطان البلد اللي شافت فيها طفولتها الضايعة، البلد اللي أخدت من صحتها وهناها لدرجة ما يتصورهاش بني آدم، وهي رايحة مكان هتكون فيه لوحدها عيلة صغيرة يا دوب ما تعرفش غير المسكن اللي هتقعد فيه، وسايبة كل اللي حيلتها لأمها، اللي أول ما دخلت ارتمت في حضنها وقالت لها:

ـ خلاص يا بتي نويتي إنك تسافري على مصر؟ ما كان ماله التعليم اهنه وتكوني جاري وجار أختك، انتِ عارفة إننا ما هنستغناش عنك يا "مَهرة"، وما هنعرفش نعيش من غيرك، ولا حد هيقف لأبوكي ويقدر عليه غيرك، فكري تاني يا بتي، أني تعبانة، ورجل برة ورجل جوة، أختك الصغيرة ما حدش هيحوش عنيها لو أبوكي استقوى عليها.


"مهرة" حضنت أمها وهي بتبوسها من راسها، وحاولت تقويها لأنها شايفة نفسها في مكانة غير اللي هي فيها، ولازم تتعلم لأن التعليم هو اللي هيرفعها من مستواهم اللي عايشين فيه، وهيرحمها من شغل الشوارع، وكانت قاتلة نفسها في الإعدادية علشان تجيب مجموع التمريض اللي يدخلها مستشفى الحسين تتعلم فيها، هي طموحها أكبر من كده بكتير، وحاولت إنها تخفف عن والدتها:

ـ ما تقلقيش يا أمي، أني هاجي كل سَبوع لما أخلص دراسة الخميس، وهمشي السبت، يعني ما هفوتكوش على طول، وكمان "نغم" أختي أني وصيتها عليكم، أي نعم جوزها "سمير" الله ما يرحموهاش هو وحماتها اللي ربنا ينتقم منيهم، بس موصياها إنها تخلي بالها منيكم، وبعدين أني قبل ما أمشي هنبه على أبوي إنه لو عِمل حاجة فيكم غير اللي إحنا متفقين عليه هو عارف إيه اللي هيُحصل.


"شيماء" أختها قربت منها وهي بتعيط، وماسكة في ايديها لأنها الوحيدة اللي بتديها الأمان في الدنيا بعد اللي شافته من وهي طفلة صغيرة:

ـ حرام عليكِ يا "مهرة" تهمّليني لأبوكي يبهدلني، أني ما هعرفش أعمل حاجة من غيرك، ولا حتى المذاكرة، انتِ عارفة إني ما هروحش دروس وهعتمد عليكِ في كل حاجة.


نزلت "مهرة" لمستواها وهي حاضنة وشها بين ايديها، وبتقويها بكلامها وبتديها دعم نفسي:

ـ شوفي يا "شيماء"، انتِ لازم تعتمدي على حالك يا حبيبتي، انتِ قوية من وانتِ صغيرة، وأني هعلّمك تكوني قوية كيف، وتعرِفي تردي عن اللي هيؤذوكي، انتِ ما بقيتيش عيلة صغار، انتِ دلوك أولى إعدادي، وبعدين أني مش ههملك، وهاجي آخر الأسبوع أراجع معاكي كل اللي هتحتاجيه في دروسك، وكمان أني هسيب لك التابلت اللي كنت هاخد عليه الدروس، وهشحن لك النت علشان تقدري تذاكري من عليه، ولا تروحي ولا تاجي، وبالنسبة لأبوكي ما تخافيش، أني ما هخلّيوش يقرب ناحيتك خالص.

وبعد ما اطمنت عليهم، سافرت "مهرة" وسابت لهم الصعيد كله علشان تشق طريقها، ومرت السنين وجريت بيها، وخلصت دبلوم التمريض وجابت فيه مجموع عالي، وكل ده وهي لسه شغالة بين إشارات المرور بتلقط رزقها علشان تقدر تصرف على تعليمها، وعلى أمها المريضة، وأختها "شيماء" اللي دخلت كلية الآثار لأنها برده جابت مجموع عالي جدًا.


                        ******

 قاعد "سند" مع "سمير" بيتفق معاه على اللي هيحصل، وقال له:

ـ شوف يا "سمير" أني هعمل اللي انت رايدَه وهكتب عليها، لكن في شروط قبل ما هعمل اكده، وافقت عليها كان بها، ما وافقتش يُبقى الموضوع دي عمره ما هيُحصل، وإذا كنت اتنازلت فمش علشان خاطرك انت، علشان خاطر بوك اللي انت جلطته وهيموت بسببك وبسبب عمايلك الهباب.

"سمير" مش مصدق الكلام اللي بيقوله "سند"، وعيونه لمعت بالفرحة، وحرك راسه بموافقة:

ـ كل اللي هتقول عليه يا اخوي هعمله وهنفذه أيا كانت شروطك إيه، بس أهم حاجة إنك هتخرجني من الورطة داي وهتنقذ أخوك.


بدأ "سند" كلامه وشروطه، وكان "سمير" بيسمعها وهو ساكت:

ـ أول حاجة، طول ما هي على ذمتي ما عايزش لسانك يخاطب لسانها، ولا عينيك تبص لها، ولا توجه لها أي كلام، ولو عايز حاجة تخص ولادك تعرِفها منيها تقول لي عليها، وأني أعرفها منيها وأقولها لك، ما تقابلهاش في أي سكة وتبص لها، ولا توجه لها كلام، ولا حتى تعرض عليها مساعدتك، طول ما هي على ذمتي، طول ما هي في حمايتي هي والعيال، يمين بعظيم إن جيت ناحيتهم يا "سمير"، ولا كلمتهم، ولا حتى بصيت لهم، ولا بعت لها رسالة على الموبايل كمان، هتشوف مني وش عمرك ما شوفتَه في حياتك، لدرجة إن يدك لو اتمدَت عليها هيِبقى عِندي استعداد أقطعها لك عادي.

"سمير" اترعب من تهديد "سند"، وبقى يبلع أنفاسه بصعوبة من كلامه الشديد وتعنـ.ــيفه له، ووافق على كلامه من غير أي اعتراض:

ـ حاضر يا اخوي، لو عايزني كمان أسافر الشهرين اللي هتتجوَزهم فيها أسافر، ما عنديش مانع علشان تكون مطمن، هروح أتابع الشغل اللي في الجهة الغربية، وما هتشوفش وشي خالص.


بص له "سند" بعيون مليانة قوة، وهو بيعرفه اللي صدمه:

ـ أني ما هتجوزهاش شهرين وهطلِقها يا "سمير" ، مدة الجواز سنة بحالها، علشان الناس ما تتكلمش عنينا، ولا تقول إني اتجوزتها علشان خاطر ترجع لك بعد اكده، وبرده دي شرط، عاجبك توافق على اكده تمام، ما عاجبكش نفضها سيرة، ويا دار ما دخلك شر.

"سمير" اتصدم من الشرط داي واعترض عليه:

ـ سنة بحالها يا "سند"يا اخوي، حرام عليك، انت اكده هتحكم عليّ بالموت، انت مالك ومال الناس عاد، إحنا هنعمل حاجة ما تغضبش ربنا، علشان ترجع لي مرتي تقوم تخليني أصبر سنة بحالها؟

"سند" حرك راسه بتصميم وهو بيشدد على الشرط داي بالذات:

ـ أيوه، سنة بحالها يا ابن أبوي، علشان بعد اكده تتعلَم الأدب، وتعرف إن الله حق، وتبطل تفضحنا وتجرسنا في كل حتة، ويكون في معلومك هتخلى بأي شرط أني ما هسميش عليك واصل، وعلشان انت اللي هتحطنا في الصورة اللي الناس هتشوفني فيها داي، وهتجبرني بقلة أدبك وتجبرك على الضعفا أني أعمل حاجة ما مقتنعش بيها واصل، يُبقى لازمن ، ولازمن تتعلَم الأدب وتعرِف إن الله حق، لو تمام هبلغها وهعرفها كل حاجة، ونتوكل على الله ونجيب المأذون طوالي.


وكمل "سند" كلامه وهو بيأكد عليه:

ـ ويكون في معلومك، في خلال السنة داي كلاتها، معايزش مشكلة منك ولا مع قريب ولا مع غريب، ما تاجيش قصادي، عشان لو جيت تحت يدي يا "سمير" ما هرحمكش، ولا تروح تقوم أمك عليها كيف ما كنت هتعمل وهي على ذمتك، كل حاجة تخصها تنساها يا ابن أبوي لحد السنة داي ما تخلص على خير، وبعدها ربنا يخلق في قضاة ألف رحمة.


"سمير" وافق على كل كلامه من غير ما يعترض، لأنه ما قدّاموش حل غير كده، لازم يتحمل علشان يرجع لها ويرجع يعيش معاها تاني، بيعشقها وبيحبها حب جنون، ومش عارف يشوف ست غيرها أبدًا، حتى لو كان بيتعامل وياها بمنتهى العنف والشدة واللاإنسانية، إلا إن اللي في دماغه في دماغه ومصمم عليه.               


          

                      *****

#عودةمن الباك

في بيت حناوي كانت "مهرة" رجعت آخر الأسبوع زي ما هي متعودة علشان تطمن على أمها وأختها، وقاعدة جنبهم، شكلها اتغير تمامًا، بقت عروسة زي القمر، ملامحها ظهرت أكتر وجمالها فاق الحدود، كانت قاعدة وسط أخواتها، وفي الوقت داي كانت "نغم" قاعدة معاهم بتعرفهم إن هي خلاص هينكتب كتابها على "سند"، وأول ما مهرة سمعت اكده بصت لنغم وهي مصدومة:

ـ كيف هتنساقي وراهم من غير ما يكون لك رأي ولا شأن، كيف الحيوانات بالظبط يا "نغم" ؟ لساتك ما تعلَمتيش تخربشي، لساتك ما تعلمتيش تدافعي عن حقك ووجودك في الحياة، لدرجة إنك تتجوَزي أخو جوزك وبعد اكده يطلقك علشان ترجعي لـ"سمير" تاني؟


هنا ردت أمها وهي بتستنكر كلامها وبتدافع عن "نغم" :

ـ طب وهي هتعمل إيه يا مهرة يا بتي؟ أدي الله وأدي حكمته، وما بيديناش حاجة نعملها لها، انتِ عايشة في مصر بقى لك سنين وما تعرِفيش "سمير" عِمل فيها إيه، وخصوصي بعد ما طلقها الطلقة الأخيرة، كان عامل زي الطور الهايج، هيبهدلها في كل مكان وهيضـ.ــربها، وآخرته هددها وخطـ.ــف بتها واعتـ.ــدى عليها في الشارع قدام الناس كلاتها وعراها كمان، هنستنى لما يقـ.ــتلها هي وعيالها علشان القوة اللي هتتحددي عنيها؟


" نغم" كانت بتعيط بحرقة من كلام "مهرة" ومن الضعف اللي هي فيه، ومن الأمور اللي انجبرت عليها في حياتها كلاتها، كانت حاسة إن جواها مكسور وبيتقطع، حاسة إن الموت عندها أهون من الحياة اللي هي عايشاها، فردت "مهرة" على كلام أمها وقامت واقفة وهي بتشاور لهم بدهشة:

ـ يعني إيه يا أمي الكلام اللي هتقوليه دي؟ ما تعتمد على روحها وتشتغل زيِها زي أي ست، وتربي عيالها وتسيب لهم البيت وتاجي تعيش وياكم اهنه، وتعيش بكرامتها وتختار حياتها الصح ولو مرة واحدة في عمرها كلاته.


هنا اتكلمت "نغم" من بين دموعها وهي بتحكي اللي جواها والمرارة اللي عايشة فيها من كل اللي حواليها:

ـ قولي لي هاجي اهنه فين يا "مهرة" ؟ أعيش ويا أبوكي أني وبتي وابني، وهو ما هيشوفش غير كيفه، في أوضة وصالة وحمام يا دوب هياخدوكم بالعافية، حتى الحل دي كنت هعمله إن شاء الله أنام على الأرض أني وعيالي، وجيت لأبوكي وترجيته وبوست رجليه علشان يرحمني ويقويني أني وعيالي، لكن رده عليا إني أعمل اللي طليقي هيقول لي عليه.

كنت عايزاني أعمل إيه؟ أجي أقول لك اصرفي علي وعلى عيالي كيف ما هتصرفي على أمك وأختك؟ كنت عايزاني أتحمَل إن ولادي يضيعوا مني وأبوهم ممكن يئذيهم بدم بارد عادي علشان بس ينفذ اللي في دماغه؟ أعمل إيه وأني متعلق في رقبتي طفلين مسؤولين مني؟ الحاجة الوحيدة اللي كانت هتخليني أعمل اكده وياه بقلب جامد إن يكون حداي أب رحيم يقف قصاده ويقول له إن قربت من بتي هقطع لك يدك، أو يكون لي أخ أتشّد بيه قصاد أي حد، لكن هو عارف إن ما ليش حد، ولا حداي شهادة أستند عليها، ولا هيسيب لي مال أتنفس بيه من وراه، كان مخنقها عليا علشان ما أفلتش من يده، وكلاته كوم وأمه كوم تاني، كانت هتطعني في شرفي وهتسمع بيا الناس كيف ولدها، الموضوع مش كيف ما انتِ شايفاه خالص يا بت أبوي، انتِ ما تعرِفيش، زي ما انتِ ما هتضحي وهتشتغلي علشان أمك وأختك ونفسك، أني كمان ضحيت علشانهم وعلشان ولادي، بس الفرق بيناتنا إني كنت الكبيرة وأبوكي باعني لواحد زي "سمير" بكل سهولة، يعني أني كنت كبش الفدا أو وش الطلعة كيف ما هيقولوا لأبوكي، واللي كنت هكنزه من بيت جوزي وهصب في حجره، اسكتي يا أختي اسكتي وسيبيني باللي أني فيه.

"مهرة" ما كانتش متحملة دموع أختها ولا القهر والضعف اللي هي فيه، فشدتها في حضنها والاتنين بقوا يعيطوا ويبكوا من اللي الزمن عمله فيهم ورماهم فيه، وشجعتها إنها ترفض:

ـ ارفضي يا "نغم" ، واختاري نفسك لمرة واحدة في حياتك، ارفضي وروحي اشتكيه، الحكومة دلوك هتدي لي الست حقها ثالث ومثلث، والناس هتشهد وياكي إن هو كان هيعتدي عليكي، وهيوفر لك مسكن ونفقة غصب عنيه، صدقيني.

"نغم" كانت ساندة على كتف أختها وهي بتعيط، وعارفة إنها لو عملت اللي أختها بتنصحها بيه مش هتعرف تاخد لا حق ولا باطل في قانون "سمير" الظالم اللي هيضربها من تحت لتحت:

ـ ولما أروح اشتكيه وأقول إنه هيضـ.ـربني، ويروح يجيب هو وأمه شهود إن ست مش محترمة ويتكلموا في شرفي علشان ياخدوا مني العيال كيف ما هو قال لي قبل اكده وهددني؟ وقدرته وفلوسه تخليه يعمل كل حاجة، وبعد ما ياخد مني العيال اللي أمه هتكرههم علشان هما ولادي، ما هعرفش أعيش يا بت أبوي من غير ولادي، "سمير" ظالم هو وأمه وهيودوني للهلاك، ومش بَعيد يلبسوني أي تهمة علشان يسجنوني ويعملوا فيا كيف ما بدالهم علشان بس ما أخرجش عن طوعهم، هي لاقية خدامة تحت رجليها، وهو لاقي واحدة هيتعامل وياها بمنتهى القذارة وهتسمع كلامه علشان عارف في النهاية إن ما ليش حد يقف له، يعني الحكاية كلاتها يا بت أبوي في أبويا.


طبطبت أمهم عليهم وهي بتعيط على حالها وحال بناتها وضعفهم وقلة حيلتهم، وحاولت تهديهم:

ـ تعالوا اقعدوا جاري يا بنات، لازمن تعرِفي يا بت يا "مهرة" إن الشكوى لغير الله مذلة، وإن قانون الظالم على الضعيف اللي ما حداهوش أي حاجة يدافع بيها عن حاله هيمشي في الزمن اللي احنا فيه دي، وما لكوش أعمام يوقفوا أبوكم عند حده، وأني كمان ما ليش خوات رجالة، لازم نطاطي للريح علشان تعدي، واعملوا حسابكم إن دولة الظلم ساعة، أما دولة العدل ألف ساعة، ولا بد هيجي يوم تترد فيه المظالم، واللي هيفتري بقوته وجبروته ربنا هيحط عليه، وربنا عالم إحنا صبرنا قد إيه على نصيبنا وتعبنا علشان بس أشوفكم قدامي وانتو هتحبوا بعضكم وهتخافوا على بعضكم، ربنا ما يفرقكوش أبدًا، ودايمًا أني هدعي لكم، وكمان يمكن يا بتي جوازك من "سند" يكون الرحمة اللي هتاجي لك من عند ربنا، لأنه الوحيد اللي كان هيقف جارك وعمره ما خذلك، وطول عمره هيدافع عنيكي على قد ما يقدر، لازمن نصبر ولازمن نتحمَل الاختبار اللي ربنا وضعنا فيه علشان ما قدامناش غير الصبر.


               ********


هي مين الأوزعة اللي هتمشي مبهدلة في حالها داي ولابسة نضارة كعب كوباية والبنطلون بتاعها هيبان من تحت الشوال اللي هتلبسه؟

سمعته وهو بيتريق عليها زي ما بيتريقوا عليها كل يوم، داي المعيد بتاعهم قاعد مع الشلة شوية طلبة فاشلين اللي بيسقطوا كل سنة، وهو أصلًا متعين واسطة من أبوه في الجامعة، وكل يوم تسمعهم وهم بيتكلموا عليها وبيتريقوا على شكلها ولبسها، فبصت عليهم ودموعها نازلة من تحت النضارة الكبيرة اللي لابساها وواكلة نص وشها، وقربت منهم وهي بتلومهم بلطف:

ـ حرام عليكم، كل يوم والتاني تقعدوا تتريقوا علي، وما يبقاش محتواكم غير "شيماء" القصيرة اللي بنضارة كعب كوباية جت أو راحت؟! انتو ما تعرفوش قول الله لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم، خصيمي فيكم ربنا يوم القيامة، ما مسامحكوش واصل على تريقتكم علي في الرايحة والجاية.

قام "علي" من مكانه وهو بيشاور عليها بصباعه بتحقير من فوقها لتحتها، وهو بيبص لها باشمئزاز:

ـ وانتِ يا بتاع انتِ هتعرفينا الحرام من الحلال إياك؟! وبعدين خيرًا منهم كيف؟! هو انتِ هيبقى فيكِ إيه أحسن منينا علشان تستشهدي بالآية داي؟! روحي اجري بصي لنفسك في المراية يا شماء.

طبعًا ما تقدرش ترد عليه، لأنها لو طولت في الكلام وردت علشان تاخد حقها هتسقط، أو هيشيلها المادة بتاعته، أو هيسلط أبوه عليها لأنه مركزه كبير جدًا في الجامعة تحت العميد على طول، فأخدت كلامهم ومشيت وهي بتعيط جامد، شافتها صاحبتها من بعيد فندهت عليها وأخدتها في حضنها زي كل يوم وهي بتهديها:

ـ كل يوم هتسمعي كلامهم وهتبكي، قلت لك دول فاضيين وصايعين وما وراهمش أي حاجة واصل غير المسخرة والمقلتة على خلق الله عاد، كبري دماغك وخليك مركزة في مذاكرتك، هي اللي هترد عنيهم، لما تبقي حاجة في يوم من الأيام يا حبيبتي.

حطت يديها على وشها وهي بتشهق من العياط جامد، وردت على صاحبتها:

ـ هو بكره دي هياجي امتى عاد؟ هيجي اليوم اللي هقدر أرد فيه وأدافع عن حالي وعن كل اللي ظلموني ميته؟

ميته هحس إني إنسانة ليها حقوق على اللي حواليها يراعوها، وأهمهم ما يدسوش علي وما يجرحونيش؟ حقوق البني آدمين العادية اللي هتعيشها كل بنت من أول ما تتولد لحد ما تموت؟ ميته هياجي اليوم اللي يعدي علي من غير ما نجرح وما أبكيش فيه؟ ميتى يا رب ميتي؟

خلصت كلامها وهي بتبكي لدرجة إن صاحبتها أخدتها في حضنها، هي عارفة عنها كل حاجة لأنهم أصحاب من وهم صغيرين ودخلوا نفس الكلية، وطبطبت عليها وهي بتشجعها:

ـ هقول لك ميتي يا "شيماء" لما تخلصي تعليمك اللي تعبتي علشان تاخدي كليتك ويبقى ليكي مكانة، هتجبري الناس تحترمك منيها، انتِ السنة اللي فاتت جبتي امتياز وطلعتي التانية على الدفعة، كل ما تتقدمي في طريق علامك لحد ما تستلمي شهادتك، كل ما قوتك هتزيد، والناس اللي كانت هتأذيكي هتنجبر إنها تبص لك بنظرة تانية خالص، إن الله مع الصابرين، وأني خابرة زين إنك صبرتي كَتير، بس اتوكدي إن ربنا لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

                   ******


راجعة "مهرة" من الكُليّة تعبانة مش قادرة تقف على رجليها، وأول ما دخلت شافت شاب لابس جلابية قاعد مكان البواب، أول مرة تشوفه في المكان، ماسك كتابة وبيقرا فيه، فقربت منه وسألته:

ـ السلام عليكم، مين حضرتك وقاعد اهنه ليه مكان عم عبد الجواد؟

دَوّر "نعمان" وشّه علشان يشوف مين صاحبة الصوت الصعيدي اللي بتسأله، وأول ما رفع عينه وبص لوشّها انصدم من الكائن اللي واقف قدّامه، لقى بنت آية في الجمال، وعيونها فيهم نظرة قوة غريبة، أول مرة يشوفها،

"نعمان" حس إحساس غريب أول ما شافها قدّامه، رغم إنه قابل ستات كتير جدًا، إلا إن الوش دا بتركيبته وبنظرة عينيها كان غريب وعجيب، ودا الإحساس اللي وصل له من مجرد نظرة واحدة بس.

ولأن "نعمان" ماهر جدًا وخبير في معرفة أي بني آدم قدّامه، وصل له إن دي مش زي أي بنت، فاتحمحم وجاوبها:

ـ أني يا سِتّي "نعمان" البواب الجديد اللي مكان عم "عبد الجواد" ، استلمت النهاردة الصبح، يا ترى أنفع أكون بواب عمارتكم ولا ما أنفعش؟

كانت واقفة قدّامه مربّعة يديها على صدرها، بتقرا معنى نظرات عينيه اللي فضلت مسهمة عليها شوية، وقالت له:

ـ طب وردّ السؤال كان هيحتاج منك تقف تتنّح لي المدة داي علشان تردّ عليّ، ولا هو السؤال صعب قوي اكده يا أستاذ "نعمان"؟


رفع كتابه قدّام عينيها وهو بيردّ عليها بخفّة:

ـ باشمهندس "نعمان" من فضلك يا آنسة، وأدي الدليل اللي يثبت أني باشمهندس؟

رفعت حاجبها بدهشة من طريقته التلقائية معاها، وكأنه عارفها من زمان:

ـ بواب وباشمهندس! ثم أني مالي باشمهندس ولا غيرَه، يعني المهم إنك إنت اللي استلمت مكان عم "عبد الجواد" ، بس أني رايدة أطمن عليه، هو حُصل له حاجة؟ حاكم هو بلدياتي، وهو اللي كنت هسكن على حسّه اهنه، وما قالِيش إنه هيسيب العمارة امبارح.


جاوبها وهو معجب جدًا بشراستها في الرد:

ـ صاحب العمارة بدّل مكاني أنا وهو، خد العمارة اللي كان شغال فيها أبوي لأنها خفيفة وطلبات السكان فيها مش كَتير، وإنتِ عارفة إنه راجل كبير وما بقاش حملهم، وانا جيت هنا مكانه لأن العمارة شغلها كتير، فما يفرقش معانا أنا وأبويا، هي دي كل الحكاية يا سِتّي، أما عم "عبد الجواد" حي يرزق وصحته عال العال الحمد لله.


شاورت له بيديها قبل ما تتحرك:

ـ إنت هتحكي لي قصة حياتك ولا إيه؟ أني مالي ومال الحوارات داي كلاتها.


خلصت كلامها وسابته ومشيت، وبصّ على أثرها وقال بابتسامة ليها ألف معنى ومعنى، وهو بيحكّ يده في دقنه:

ـ لا دا إنت شكلك حكايتك حكاية، وجمالك مقوّي قلبك يا بنت الصعيد، ويانا يا إنت في العمارة دي، أما كنت أخليكي إنتِ اللي تقعدي جنبي وتحكي لي قصة حياتك.

وقبل ما تدخل باب شقتها اللي في البدروم بتاع العمارة، واللي يُعتبر جنب شقته المخصّصة ليه، نده عليها:

ـ طب إيه؟ إنت كده غفلتيني وضحكتي عليّا، ما قلتِليش اسمك إيه؟ ينفع تمشي من غير ما أعرف اسمك يا…

ابتسمت على طريقته معاها اللي واخدها العشم قوي، وكأنه عارفها من زمان، وردّت عليه وهي بتقفل الباب:

ـ "مهرة"، اسمي "مهرة" يا باشمهندس.


أول ما سمع الاسم حسّس على شعره من ورا وهو بيقول لنفسه:

ـ أوبا "مهرة"، أني قلت برضه كده، الهيبة والطول والهيئة اللي في عينيكي ما تقولش أبدًا إن اسمك "عفاف" ولا "دلال" ولا "آمال"، لا… "مهرة"، "مهرة" يعني.

كان مفكّر إنها مش سامعاه، لكن كان عندها فضول إنها تقف ورا الباب تسمعه وهو بيتكلم، ولما قال آخر كلامه ابتسمت، ولأول مرة تبتسم ابتسامة ما تفهمش معناها ولا تعرف سببها إيه، بس الأهم من ده كله إن "المهرة" ابتسمت.

        *******


قبل ما يخرجوا للمأذون نده "سند" على "نغم":

ـ بعد إذنك يا ست "نغم" رايدك في كلمتين.


"نغم" بصّت على حماتها اللي بصّت لها بكره وقالت لها:

ـ قومي يا سنيورة شوفيه رايد إيه منك، خلّينا نخلص من المسرحية الماسخة داي؟

قامت "نغم" ودخلت معاه وهي حاسّة بالانكسار وموطّية راسها في الأرض، طلب منها إنها تقعد واتكلم معاها بهدوء وهو بيأمرها:

ـ ليه موطّية راسك؟ ارفعي راسك، وبعد اكده ما توطيهاش تاني لأي مخلوق حتى لو كان مين، إنتِ كمان شوية هتبقي مرت "سند" الناجي، ترفعي راسك وتتكلَمي بكل كبرياء مع أي حد أيا كان مين، واتحامي فيّا، بزياداكي ذل عاد يا بت الناس، وداي أول حاجة لازمن تعرِفيها إنك طالما هتتسمي على اسمي، حتى لو كانت الظروف لجوازنا مختلفة وأيا كان مسماها، برضه إنتِ مرتي، ومرتي يعني كرامتها من كرامتي واحترامها من احترامي.


رفعت راسها ليه وعينيها مليانة انكسار، فقرب منها شوية وهو بيديها شنطة وبيطلب منها:

ـ اتفضلي الشنطة داي فيها هدوم ليكي، البسيها واقلعي الهدوم السودة اللي هتلبسيها داي، وما رايدش أشوفك بيها تاني، وعايزك قدّام المأذون ترفعي راسك وتبتسمي، واعملي حسابك إنك داخلة مرحلة جَديدة وحياة جَديدة ما فيهاش حزن ولا بكا بعد اكده.


أخدت منه الشنطة وهي بتشكره برقة، وعيونها ابتسمت أخيرًا:

ـ شكرًا جدًا لحضرتك، وهدية مقبولة، تسلم يدك.

حب يشاغبها علشان يخرجها من مود الحزن والكآبة اللي هي فيها:

ـ حضرتك مين داي! خلاص أني هبقى جوزك كمان دقايق، ومن اليوم وطالع اسمي "سند"، ما تقوليش يا سي ولا حضرتك ولا الكلام دي تاني، وفي حاجة كمان لازمن تعرِفيها، إحنا هنخرج من دوّار أبوي، مش هنروح على دارك إنتِ و"سمير"، هنروح على الدار اللي جنبي، أني جهزتها علشان تكون دارك الجَديدة، ما أحبّش أكون في مكان كان يسكنه وغيري قبل سابق، حتى لو كان أخوي.


حرّكت راسها وقالت الكلمة اللي لسانها متعوّد عليها تقولها للكل:

ـ حاضر اللي تشوفه.


ابتسم لها برجولة وهو بيطلب منها:

ـ تمام، أني هخرج دلوك وهسيبك تغيّري خلجاتك على أقل من مهلك، خدي راحتك وما تتعجّليش، كلاتنا هنبقى في انتظارك، اقفلي الباب على نفسك زين من جوّه بالمفتاح وإنتِ هتغيّري هدومك، وحداكي كل شيء هتحتاجيه.

كان قاصد إنه يرفع من نفسيتها وروحها المعنوية علشان يحسّسها إن هي إنسانة، ومن حقها تكون على راحتها، ومن حقها تعمل زيها زي أي ست في الخصوصيات اللي زي دي، الحاجات اللي الكل سلبها منها وهي من حقها، هو هيرجعها لها واحدة واحدة، لأنه راجل جدًّا، واللي بيعمله معاها من أصول الرجولة اللي كانت لازم تتعامل بيها طول حياتها، وبعد ما خرج، حضنت الهدوم وهي بتبتسم لأول مرة براحة وامتنان، وشكل القدر هيبدأ يخفّف من وجعها واحدة واحدة، وقربت الهدوم من وشّها وهي بتشم ريحتها الجميلة، وبتكلم نفسها لأول مرة زيها زي أي بنت، وهي بتحط يديها على قلبها وبتتنفّس بصوت عالي، كأنه كان حابس أنفاسه في وجوده من رجولته وهيبته قدّامها:

ـ يا نهار أبيض، داي أني مقدراش أخد نفسي من أولها اكده، يا رب هوّن عليّا اللي جاي لما يتقفل علينا باب واحد، حتى لو كيف الأخوات.


أمّا عند "سند"، لما خرج لوحده، أمه قربت منه وهي بتتكلم بتهكّم:

ـ أمال فين الست البرنسيسة؟ هنقعد نستناها كَتير ولا إيه؟ ولا هي مفكرة نفسها عروسة بحق وحقاني؟


"سند" أخد ايد أمه ومشاها جنبه وخدها في مكان جانبي بعيد عن كل الموجودين علشان يقول لها الكلمتين اللي لازم تسمعهم منه:

ـ في كلمتين عايز أعرِّفك بيهم يا أمي، وتخلي بالك منيهم زين علشان نكون على نور من الأول، بعد ما المأذون يكتب الكتاب بإذن الله، وقتها "نغم" هتبقى مرتي وعلى ذمتي، وطالما بقت مرتي يبقى احترامها من احترامي، ما حدّش يعلي صوته عليها، ولا يقول لها كلمة ما ترضيش ربنا، ولا يطلب منها حاجة تعملها، أي حاجة تعملها تكون برضاها من غير ما حد يأمرها، حتى لو كان إنتِ يا أمي، اللي نفسك فيه اطلبِيه مني، وأني هجيب لك ولو ألف واحدة تعمل لك اللي إنتِ رايداه، أمّا هي هتُبقى مرتي يعني من اليوم ورايح، "نغم" زيها زي "دعاء" الاتنين نفس المعاملة ونفس الكلام.

أمه بصّت له بغضب وهي بتعترض على كلامه:

ـ يعني إيه؟ لسه ما اتجوزتهاش وهتتفرد وهتتني عليّ؟ ولا هي لحقت تسخنك على أمك السنيورة اللي هتفكر حالها ست الدار بعد اكده؟

"سند" حاول يمسك أعصابه قدّام أمه علشان ما ينفعش يعلي صوته عليها ولا يتعصّب:

ـ هي ملهاش صالح بالكلام اللي هقوله لك دي، ولا تعرف عنيه حاجة، هي لو كانت بتُنطق من زمان ما حدّش كان قدر يذلّها ويمرمطها السنين اللي فاتت داي كلاتها، وعلشان هي كانت على ذمّة راجل، ما كانش ينفع أتدخل في أي حاجة تخصّها، لكن من اليوم وطالع كل حاجة هتخصّها هتخصّني، وكل حاجة هتضايقها هتضايقني، فعلشان نعيش كلاتنا في سلام وراحة، وما حدّش يعلي على التاني، كل واحد يعرف اللي ليه واللي عليه، أني ولدك، واللي إنتِ رايداه في أي وقت حتى لو كان نص الليل أو آخره أني هعمله لك، أمّا هي لااه.


جزّت على أسنانها بغضب وردّت على كلامه قبل ما تسيبه وتمشي:

ـ حاضر يا ابن بطني، يا اللي هتقوّي بت الخدامة عليّ من قبل ما تُبقى على ذمتك، بعد اكده هضـ.ــرب لها تعظيم سلام، ولو رايدني أحبّ على مداسها كمان ما يضرّش علشان تنبسط.


استفزّته بكلامها، لكن حاول يحافظ على هدوءه لأن داي أم مهما كانت، وقال لها:

ـ بعد إذنك يا أمي، أني كلامي واضح، ويا ريت ما تجيبيش سيرة لا أبوها ولا أمها تاني ليها ولا لأي مخلوق، أبوها وأمها الله يسهل لهم، إحنا واجبنا نحترم الناس مهما كانوا، والفلوس عمرها ما كانت بتعلي البني آدمين ولا توطّيهم، بعد إذنك يا أمي، ما رايدش مشاكل، وأني واثق ومتوكد إنها هتفضل تحترمك، وعمرها ما هتغلط فيكي، وعمرها ما هتبدأ أصلًا بالغلط واصل.

قادت نار من جواها بسبب كلامه وتحذيراته ليها، وهي عارفاه ما يحبّش حد يجي على اللي منه. ورغم اللي "دعاء" عاملته فيه، إلا إنه كان عامل لها اعتبار واحترام في الدوّار كلاته، ومحدّش كان يستجري يقول لها فين ولا منين، حتى خالتها.

خرجت "نغم" وهي لابسة الهدوم اللي "سند" جابها لها، من زمان ما لبستش هدوم جديدة، لأن "سمير" كان دايما حارماها من كل حاجة تستحقّها علشان ما تشوفش نفسها حلوة، علشان تفضل دايما تحت رحمته، ولأول مرة الكل يشوفها بالجمال ده، كلهم بقوا متنّحين قدّامها، كان "سند" بيتكلم مع المأذون، وما كانش شايفها ولا شايف طلتها، ولما لاقاهم كلهم عمالين يسمّوا عليها وعلى جمالها، التفت هو كمان علشان يشوف هم بيتكلموا عن إيه، وأول ما دوّر وشّه وشافها، عينيه اتسهمت عليها، وكأنها خدت جمال كل الستات اللي في العالم، وكأنه هو كمان ما شافش ست في جمالها ولا رقّتها ولا نعومتها، وهي اللي زادت الهدوم جمال على جمالها، وكلهم عينيهم على الاتنين اللي واقفين قصاد بعض، ونظرات العيون ليهم هي اللي بتحكمهم…

الفصل الرابع من هنا

stories
stories
تعليقات