رواية غرامها الكاذب الفصل الثالث 3 بقلم ساره بركات


رواية غرامها الكاذب الفصل الثالث بقلم ساره بركات 

في المساء:

وقفت حفصة أمام الشركة وهي مرتدية ثوبٌ أحمر قاتم اللون واسع بأكمام طويلة وحجابها ناصع البياض وضعت مساحيق تجميل خفيفة جدا أبرزت ملامحها الهادئة قليلاً .. كانت شاردة في طريقة حديثه معها في نهاية اليوم، اعتقدت أنه من الممكن أن يقوم بتقدير ظروفها ولكنها مع الأسف خاب ظنها .. ولكن لا، كيف سيقوم بتقديرها وأول يوم عمل لها هو اليوم فقط! أخذت نفسيًا عميقًا تُصِّر بكل قوة أن تقوم بكسب ثقته لكي لا تُضايقه فيجعلها تترك العمل؛ فهي تحتاج ذلك العمل كثيراً.

انتبهت عندما وقفت سيارة سوداء ضخمة أمامها كان بداخلها يونس ..

- إتفضلي يا آنسة حفصة.

ذلك ماتحدث به عندما توقف أمامها وأشار للمقعد بجانبه ارتبكت قليلا ولكنها أخذت نفسًا عميقًا وركبت بجانبه منكمشة نحو الباب المجاور لها، ثم تحرك بسيارته دون أن يلتفت لها ولم يتحدث بكلمة معها منذ أن صعدت .. وصلا المكان المقصود.

- كده إحنا وصلنا.

أومأت ونزلت من السيارة في ذات وقت نزوله منها أيضًا ودخلا المطعم الضخم والذي كان أحد المطاعم االموجودة أعلى برج القاهرة .. كان المطعم محجوزاً لهم ولكن ليس من جهة يونس ولكن من جهة الشركة التي تريد الإجتماع معه وهي شركة آل مهران المتخصصة في الإنشاءات المعمارية مثلها مثل تخصص شركة يونس والتي تُدعى شركة الغمري وهي الشركة المسيطرة في سوق الإنشاءات المعمارية.

بمجرد دخول يونس وحفصة للمطعم وجد بعض الرجال يستقبلونه باحترامٍ شديد وقام يونس بتقديم حفصة لهم أنها السكرتيرة التنفيذية الخاصة بشركة الغمري.

جلسوا جميعا على طاولة ضخمة في منتصف ذلك المطعم وكانت حفصة مذهولة من جمال المنظر من خلال نافذة المطعم المُطلة على شوارع القاهرة في البرج .. استفاقت من انبهارها من ذلك المظهر هو الموسيقى الهادئة التي تم تشغيلها وبدأت المناقشات وأخرجت دفتر ملاحظاتها وبدأت في تدوين كل كلمة يقولونها ..

- طبعا إحنا مش مصدقين إن حضرتك كلمتنا بجد، ده شرف كبير لينا إننا نكبر في سوق المعمار وإسم شركة حضرتك هتسندنا في السوق وهتكون الراعي الرسمي لينا.

تحدث يونس برزانه:

- الشرف ليا طبعا .. بس أكيد يا معتصم بيه أحب أوضحلك نقطة إني مش بعمل الشيء ده كده لله في لله.

عقدت حفصة حاجبيها ونظرت إليه لوهلة قبل أن تعود لتدوين مايتم قوله ..

أردف معتصم وهو رجل خمسيني صاحب شركة آل مهران:

- ممكن توضيح؟

تحدث يونس بجدية:

- Business is business يعني في دنيا الأعمال كل حاجة وليها مقابل وبصراحة أنا ناوي على مشاريع كتير معاكم في الفترة الجاية .. أنا عرضت عليكم إني هكون الراعي الرسمي ليكم الفترة الجاية في كل مشاريعكم بس قصاد ده كله محتاج أشارككم في حاجة تانية.

تحدث السيد معتصم باستفسار:

- وإيه هي وأنا تحت أمرك؟

- عايز أشارككم في الأسهم الخاصة بشركة آل محفوظ.

صمت معتصم قليلا ثم تحدث:

- والنسبة؟

يونس بجدية:

- بنسبة 90%.

ذُهِلَ السيد معتصم من تلك النسبة الضخمة:

- بس حضرتك ده صعب، إحنا محتاجين الأسهم دي جدا عشان شركتنا يبقى وضعها كويس في السوق.

اعتدل يونس وتحدث بلامبالاة:

- تمام مفيش مشكلة اعتبروني معرضتش حاجة عليهم ومبارك عليكم الأسهم في شركة آل محفوظ .. يلا يا آنسة حفصة.

كادت أن تعتدل ولكن أوقفه السيد معتصم:

- يا بشمهندس يونس، إتفضل أقعد الكلام أخذ وعطاء، والسوق زي ماحضرتك شايف كله بياكل بعضه وإحنا كشركة ماصدقنا نشتري أسهم في الشركة الضخمة دي.

جلس يونس وأردف بثبات وثقة:

- حضرتك يا أستاذ معتصم بتبص للأمر من جهة محدودة جدا .. بتبص على أسهم بسيطة ممكن فيما بعد ماتستفدش بيها لإن مشاريعك في السوق قليلة وكمان مفيش راعي معروف بيساعدكم في مشاريعكم دي فإيه الفايدة في الأسهم دي؟ هل إسمكم مجرد مساهمين؟ طب والإسم ده هيجيبلكم إيه؟ 

فكر معتصم قليلا في حديثه ووجده منطقياً كثيرًا ..

- أستاذ معتصم أنا بفكر في الموضوع من جهة مستقبلية أنا كشركة هيكون ليا نجاح أو عائد بخصوص الأسهم وانتم هيكون ليكم نجاح باهر بالمشاريع اللي هتبقى شركتي هي الراعي الرسمي ليها.

نظر إليه معتصم وتحدث بتفكير:

- طب سؤال ليه ماطلبتش الأسهم كلها؟ ليه 90%؟ 

- عشان أثبت للكل إني الراعي الرسمي بتاعكم لازم يكون ليكم وجود معايا في الأسهم دي بالذات.

كان حديثه منطقياً، ابتسمت حفص على ذكاءه ذلك وهي تدون كل تلك الأقاويل ..

استأنف يونس حديثه بابتسامة هادئة:

- مش عايز أضغطكم فكروا براحتكم.

تحدث معتصم بابتسامة:

- ماتشوفيلك حل بقا في بشمهندس يونس ده يا آنسة حفصة؟ شكله شاطر وجايبها من تحت أوي.

شعرت بالخجل والإحراج عندما تحدث معها هكذا، ثم استأنف:

- مبدأيا أنا موافق يا بشمهندس يونس، وشرف لينا إن حضرتك تكون الراعي الرسمي الخاص بمشاريعنا الجاية.

عند تلك الكلمة كان العاملين بالمطعم يقومون بِرَص صحون الطعام على الطاولة الضخمة .. كانت رائحتها شهية جدا وتمنت حفصة لو تأخذ ذلك الطعام أيضاً لتُطعمه لأطفالها تشعر بالذنب لأنها تأكل طعاماً هم لا يأكلون منه.

 أخذت لقمتين من الطعام وشبعت .. انتبه يونس على فعلتها تلك .. وتحدث هامساً:

- في حاجة يا آنسة حفصة ولا إيه؟ الأكل تمام؟

تحثت بإحراج:

- لا مفيش حاجة، الحمدلله الأكل حلو .. بس أنا شبعانة خالص بسم الله ماشاء الله يعني حضرتك جيبتلنا بيتزا والحمدلله شبعت منها ده أنا لسه حاسة إنها لسه متهضمتش الحمدلله.

ابتسم يونس بهدوء وأكمل تناول طعامه .. وبعد ان انتهوا من تناول الطعام ودع يونس شركاءه المستقبليين وخرج من المطعم وخلفه حفصة وهي تنظر في ساعة يدها ... لقد تأخرت كثيرًا .. كانت تتمنى أن تغادر حينما انتهوا من النقاش بخصوص أمر تلك الشراكة المستقبلية ولكنها مع الأسف اضطرت أن تنتظر أن ينتهوا من تناول طعامهم ثم كيف ستترك رئيسها في العمل وهي من أتت معه؟؟ 

- يلا يا آنسة حفصة اركبي.

ذلك ماتحدث به يونس بتعجب من شرودها عندما توقف أمامها بالسيارة أومأت وصعدت للسيارة دون كلمة إضافية منها وبدأ يونس في قيادة السيارة .. ظلت شاردة ولكن قطع شرودها حديثه:

- بعتذرلك لو ضايقتك النهاردة يا آنسة حفصة بس أنا الشغل عندي رقم واحد فبالتالي لو حاجة حصلت هتمنعني من إني أكمل شغلي لازم أحطلها حَد.

تحدثت حفصة بابتسامة هادئة:

- مفيش مشكلة يا فندم .. أنا متفهمة الأمر.

صمتت قليلا وقطع صمته حديثه مرة أخرى:

- تحبي أوصلك فين؟

- في نفس المكان اللي حضرتك أخدتني منه .. الشركة.

عقد حاجبيه ونظر للوقت:

- بس يا آنسة حفصة الساعة 11 بليل والوقت إتأخر جدا صعب أسيبك لوحدك في الوقت ده.

تحدثت تلك المرة بنبرة جادة ورسميةٍ قليلاً:

- بشمهندس يونس، أستأذنك تنزلني في المكان اللي حضرتك أخدتني منه.

لم يتحدث بكلمة إضافية وظل صامتًا وقاد السيارة حتى وصل أمام الشركة نزلت من السيارة وتحرك هو مسرعا بمجرد نزولها من السيارة، أخذت تبحث عن وسيلة مواصلات ولكن الوقت كان متأخراً جدا.

كان يونس قد توقف بعيدًا قليلاُ يراقبها من مرآة سيارته ..

- عنيدة.

تمتم بتلك الكلمة بضيق، هو كرجل لا يقبل أن يتركها وحدها هكذا في منتصف الليل ظل ينتظر يراقبها أن تأتي وسيلة مواصلات تتحرك بها ولكنها ظلت وحيدة تنظر حولها .. تنهد وعاد بسيارته للخلف حتى توقف أمامها وتحدث وهو ينظر أمامه:

- إتفضلي اركبي يا آنسة حفصة.

فركت يديها بتوتر ثم تحدثت:

- أنا آسفة بس أنا مش عايزة أأخر حضرتك على المدام والأولاد .. أنا هتصرف وهروح.

عقد يونس حاجبيه وتحدث بابتسامة هادئة:

- متقلقيش مفيش أولاد ومفيش مدام كمان، اتفضلي اركبي عشان أوصلك.

لماذا شعرت بالخجل عندما ابتسم لها هكذا؟ .. استغفرت ربها بسبب ماتفكر به وصعدت السيارة وتحرك يونس بالسيارة وقام بتشغيل الراديو بالسيارة على أغنية قديمة للفنانة الراحلة أم كلثوم .. وكان يونس يدندن مع موسيقاها وهو يقود السيارة.

- كانت تفكر كثيرًا بخصوص الشركة التي تعمل بها .. هي بالفعل كانت غافلة عن الوصف الوظيفي لها ولكنها لم تغفل عن عُمر الشركة في السوق.. الشركة موجودة في السوق منذ مايقرب عشرون عامًا .. التفتت نحوه تُطالعه تسأل نفسها العديد من الأسئلة ..

- في حاجة ولا إيه؟ أصلك بتبصيلي كتير.

شعرت بسخونة في خديها ثم تحدثت بارتباك:

- أنا بس كنت بفكر في معلومات الشركة اللي أعرفها .. حضرتك ورثتها صح؟

أجاب يونس بهدوء وهو يلتف بسيارته عند ملف مرور وأخذ يُكمل طريقه:

- لا مورثتهاش .. الشركة دي بفضل ربنا أنا اللي عملتها بنفسي.

- مش باين على حضرتك خالص.

عقد حاجبيه ونظر لها ثم عاد يُركز نظره في الطريق:

- مش باين عليا إني عملتها يعني؟

أردفت بتوضيح مُسرعة:

- لا طبعا، قصدي حضرتك ماشاء الله شكلك يبدو صغير .. حضرتك أكيد في التلاتينات.

ابتسم يونس ثم تحدث:

- لا أنا عندي 43 سنة .. ونسيت نفسي وعمري جري وأنا شغال بعمل شركتي والحمدلله وصلت.

ابتلعت بتوتر ثم تحدثت:

- أنا آسفة لو ضايقت حضرتك أنا بس كنت بستفهم مش أكتر.

- ولا يهمك.

لم تنتبه إلى توقف السيارة ولكنه استأنف حديثه:

- وإنتِ يا حفصة .. تسمحيلي أشيل الألقاب.

إحمرت وجنتيها بشدة بسبب إزالته للألقاب وأردفت بتلعثم:

- إتفضل.

- ليه متجوزتيش لحد دلوقتي.

زاد إحمرار خديها وشعرت بالإحراج كثيرًا بسبب سؤاله ذلك، هل تخبره أنها مُطلقة ولديها ثلاثة أطفال وتزوجت من شخص خدعها بإسم الحب وجعلها تعمل رغماً عنها ثم بعد ذلك إتضح أنه مدمن؟ وكانت تقوم بإعالته وإعالة أطفالها أيضًا بل وتطلقت منه بصعوبة وبمجرد طلاقها منه إكتشفت أنها تحمل طفلها معاذ في رحمها وانتهت عدتها بوضع الحمل؟ 

- سامعاني؟

استفاقت من شرودها والتفتت تنظر إليه، كان يُطالعها بهدوء شديد وابتسامة هادئة:

- نصيب، الحمدلله.

- أكيد كله نصيب وأنا شايف إن جالي موظفة طموحة في شركتي واللي أكيد ضيعت سنين عمرها في التفاني في الشغل وده اتضح من أول يوم.

كانت تُطالعه بتعجب .. هل يمدحها حقًا .. أردفت بتلعثم:

- شكرا لحضرتك.

- طيب إحنا كده وصلنا تحبي أدخل الحارة؟

كان يُشير إلى الحارة الشعبية التي يقف في بدايتها ابتلعت بإحراج:

- لا كده تمام شكرا لحضرتك.

نزلت من السيارة وأغلقت الباب خلفها ولكنه أوقفها بحديثه:

- شكرا يا آنسة حفصة على تعبك النهاردة، ومكافإتك هتكون موجودة بكرة إن شاء الله على مكتبك.

قال تلك الكلمات ثم تحرك بسيارته نحو منزله؛ أما هي فقد كانت تقف بمكانها تفكر بحديثه .. هل .. هل سمعت ماقاله جيدا؟ لقد قال مكافأة؟ ولكنها استفاقت عندما انتهت أنها تقف وحدها في الحارة واشتد الهواء .. مشت مهرولة نحو البيت وصعدت للشقة ولكنها وجدت أطفالها الثلاثة نائمين سويًا على فراشٍ واحد بهدوء وسلام .. اقتربت منهم وقبلت رؤوسهم بحب .. شعرت بالجوع الشديد وذهبت لغرفتها لتقوم بتبديل ثوبها وترتدي بدلاً عنه منامة قطنية وذهبت للمطبخ لتقوم بإعداد لها شطيرة جبن وبعد أن انتهت من تناولها فكرت في أحداث اليوم الممتلئ بكثيرٍ من الأحداث ذلك .. تنهدت بارتياح ثم أخذت تدعوا الله الكثير من الدعوات وأهمها هو التوفيق في حياتها لأجل أطفالها.

نوفيلا/ غرامها الكاذب .. بقلم/ سارة بركات 

في صباح اليوم التالي:

دخلت مكبتها في موعد عملها دون تأخير ووجدت ظرفًا مُغلقاً على مكتبها، ثم تذكرت أنه أخبرها أنها ستجد مُكافأة على مكبتها في الصباح .. قامت بفتح المظروف بترقب ولكنها لم تجد سوى ورقة ولكنها لم تكن أي ورقة! بل هو شيك بمبلغ مالي ضخم! .. ذُهلت بسبب ذلك المبلغ .. هل حقًا تلك مكافأتها؟! إنه مبلغ كبير جدا.

انتبهت على دخول السيد يونس لمكتبه ابتلعت وأغلقت المظروف ودخلت مكتبه بعدما طرقت الباب طرقات بسيطة .. 

- بشمهندس.

انتبه لها ووجدها تقف أمامها تمسك بالمظروف..

- أنا شايف إنك لقيتي المكافأة على مكتبك فعلا، مبارك يا آنسة حفصة إنتِ تستحقيها.

ولكنها وضعت المظروف أمامه وتحدثت بإحراج:

- بس أنا يابشمهندس معملتش حاجة غير شغلي .. وبصراحة المبلغ ده ضخم.

تعجب من كلمتها تلك "ضخم!" ولكنه تحدث بجدية وضيق في آنٍ واحد:

- آنسة حفصة ..أنا مش محتاج أفكرك إن من ضمن ال job description الخاص بوظيفتك إنك لو إديتي قرار يساعد الشركة في مخططها الاستمراري ده بيجبرني أنا كـ Owner أديكي نسبة من المبلغ اللي هيكون ناتج عن القرار ده .. وقرارك بالفعل نجح.

- أنا وضحت لحضرتك إني بس سألت سؤال وحضرتك إستنتجت ده كله؛ فكل ده مجهود حضرتك مش مجهودي أنا.

ظل يُطالعها بهدوء ثم أخذ المظروف وتحدث:

- تمام برحتك اللي تحبيه .. اتفضلي على شغلك.

خرجت بهدوء من مكتبها أما هو كان يشعر بالضيق من تصرفها ذلك! .. كيف تنسب المجهود له وهي من أعطته الفكرة؟! أغمض عينيه بضيق ثم وضع المظروف بأحد أدراج مكتبه بغضب .. مرت الأيام وأصبح يونس سطحياً معها أكثر وتلك ليست من طباعه هو يحب أن يُكافِئ موظفيه على مجهوداتهم ولكنه شعر بالغضب عندما رفضت ذلك؛ أما هي فقد كانت تحاول أن تعمل بجهد وإصرار وفي ذات الوقت توازن بين حياتها كإمرأة عاملة وكأمٍ أيضًا حيث أنها تُشبِعُ أطفالها من حنانها لكي لا يشعروا بالوحدة أبداً وتفعل ذلك بخَبز بعض المعجنات اللذيذة لهم وأيضًا بصناعة الحلوى وطهو الطعام الذي يشتهونه .. حتى مر ثلاثة أشهر على عملها في تلك الشركة، وفي يومٍ ما.

كانت حفصة جالسة في مكتبها تقوم بعملها بعدما انتهت من إجتماع حضرته مع السيد يونس ولكن قطع تركيزها في العميل هو تواصل الحضانة لها .. عقدت حاجبيها باستفهام تتعجب سبب إتصالهم الآن .. أجابت على المكالمة وأتاها خبر جعلها تقف مصعوقة وارتعشت بخوف.

- حاضر .. أنا هاجي بسرعة.

أخذت تلملم أشياءها بهرولة دون تركيز وانتبه يونس لما يحدث، حيث كان يُتابعها عبر زجاج غرفة مكتبه، تعجب من هرولتها تلك ووجدها دخلت المكتب وتحدثت بتوتر:

- بشمهندس أنا محتاجة أمشي ضروري عندي ظرف طارئ.

تحدث بقلق خفي:

- في حاجة يا آنسة حفصة؟ أقدر أوصلك طيب؟

- لا شكرا، أنا بس محتاجة أمشي دلوقتي وأنا هتحرك بتاكسي.

أومأ لها وخرجت مهرولة وهو شعر أن هناك شيءٌ بالفعل فملامحها لا تُبشر بخير .. بعدما خرجت من الشركة آتاه إتصال هاتفي من الإستقبال:

- بشمهندس هي آنسة حفصة في بريك؟ لإنها خرجت من الشركة.

- لا مشيت لظرف.

- نبلغ الإتش آر إنها أجازة عارضة النهاردة.

عقد يونس حاجبيه وتحدث:

- لا، هتتسجل عادي إنها حضرت اليوم.

- تمام يا بشمهندس.

ثم أغلق المكالمة الهاتفية وتنهد بحيرة بسبب المشاعر التي تجتاحه الآن ولا يفهم لماذا يشعر بالمسئولية تجاهها دائماً منذ أن وقعت عينيه عليها.

 كانت تمشي مهرولة عندما دخلت الحضانة واقتربت من الاستقبال وذهبت حيث أخبروها لمكتب المديرة .. كان مُعاذ نائمًا على أريكة في ذلك ولكنه لم يكن بحالة جيدة .. 

- ماله مُعاذ؟ 

- إهدي يا مدام حفصة .. هو بس تعب النهاردة فجأة لقيناه سخن فقولنا نبلغك وعموما إحنا إدنياله خافض حرارة لحد ماحضرتك تيجي.

اقتربت نحوه ووجدت أن حرارته عاليةً للغاية ..

- تمام شكرا لحضراتكم، أنا هروح دلوقتي أقرب مستشفى أكشف عليه .. شكرا بجد.

حملته وخرجت من الحضانة وقابلت أطفالها في طريقها وأخذتهم معها وذهبت لعيادة طبيب الأطفال في تلك المشفى القريبة من الحضانة.

جلس الطبيب والذي يُدعى مأمون على مكتبه بعدما انتهى من فحص معاذ.

- مالك يا مدام مخضوضة كده ليه؟ متقلقيش هو دور البرد اللي منتشر اليومين دول بين الأطفال.*إلتهاب فيروسي*.

كان علي يحمل مُعاذ ويضمه بعدما أخذه من والدته ..

- طب هعمل إيه يا دكتور؟ 

- بصي أنا هكتبلك على الأدوية دي وإن شاء الله في خلال أسبوع هيبقى كويس.

أومأت وحملت الورقة الإستشارية تنظر للأدوية المكتوب وتنهدت بعمق .. وقعت عينا الطبيب على *علي* الذي يحمل معاذ بين ذراعيه ..

- بسم الله ماشاء الله دول أولادك؟

- ايوه يا دكتور.

- ربنا يباركلك فيهم ويحفظهم

- شكرا لحضرتك بجد

- هنتظركم في المتابعة اللي بعد أسبوع إن شاء الله.

خرجت من العيادة وهي تبكي ولكن يزن أمسك بيدها:

- ماما معاذ هيبقى كويس، هنجيبله العلاج وهيكون كويس.

- يا رب.

ذهبت للصيدلية وصرفت الأدوية وذهبت للمنزل مع أطفالها وسهرت طوال اليوم مع معاذ ولم تستطع الطهو اليوم وقدر أطفالها ذلك؛ فأخيهم مريض وعندما يمرض أحدٌ منهم تقوم والدتهم بصبَّ جام تركيزها عليه وقامت بصناعة الحساء الساخن لكي يتعافى وتناولوا الحساء معه أيضًا.

ظلت حفصة مستيقظة طوال الليل تتابع حالة معاذ وتقوم بعمل كماداتٍ باردة له لعلها تُخفف من درجة حرارته وأيضًا تُعطية الأدوية بانتظام وظلت تراقب حرارته وتنهدت بارتياح عندما قلت عن الأمس وبجانب ذلك كانت تُنهي بعض الأوراق التي تخص العمل وتدون بعض الملاحظات بها .. انتبهت على آذان الفجر .. قبلت رأسه وذهبت لغرفة علي و يزن وقامت بإيقاظهما.

أدوا فرضهم وبعد أن انتهوا عادت حفصة لغرفتها تتابع حالة معاذ تبعها علي ويزن يُطالعونها .. 

- ماما.

ذلك ماتحدث به علي..

- نعم يا حبيبي؟

- إنتِ مش هتروحي الشغل؟

- لا .. مين هيقعد مع أخوكم؟ مينفعش أسيبه لوحده.

- إحنا هناخد بالنا منه.

تحدثت بصرامة:

- لا .. هتروحوا مدارسكم وتجتهدوا .. أنا هقعد مع معاذ.

- ماما إنتِ لو أخدتي أجازة هيتخصم من مرتبك.

تنهدت حفصة بتوتر وإرهاق لأنها لم تنم طوال الليل ..

- إن شاء الله خير، هظبطها.

- ماما إسمحيلنا نشيل معاكِ.

لم تستطع التحكم في عبراتها وبكت:

- أنا مش عايزاكم تشيلوا الهم بدري .. محتاجاكم تروحوا مدارسكم وتتعلموا وترفعوا راسي .. ده اللي أنا محتاجاه .. مش عايزة واحد فيكم يغيب أبدا .. أنا بعمل كل ده عشانكم.

نزلت عبراتهما واقتربا منها يقبلان يدها وقامت بضمهما بقوة ..

- عشان خاطرنا .. المرة دي بس.

تحدثت باستسلام:

- حاضر.

اعتدلت وأخذت تتجهز لعملها .. ونبهتهم قبل أن تخرج من الشقة:

- شوربة اللسان عصفور على البوتجاز وجنبه شوربة الخضار هتسخنوها وتاكلوها كلكم ومتنسوش بعد ماتخلصوا على البوتجار إقفلوا العيون كويس يا حبايبي .. الدواء يا علي ميعاده موجود على العلب إديهاله في ميعادها بالظبط.

- حاضر ياماما.

- ابقوا كلموني طمنوني عليكم كل شوية.

- حاضر ياماما هكلمك من عند طنط سمية جارتنا.

ذلك ماتحدث به علي بابتسامة لطيفة.

- شاطر يا حبيبي.

تحدثت بتلك الكلمة بحنان أمومي ثم خرجت من الشقة وهي تدعوا ربها أن يحفظ لها أطفالها ويرعاهم .. 

وصلت مكتبها في موعدها وجلست على كُرسيها ولكنها شعرت بالنعاس الشديد عندما جلست على الكرسي، استندت برأسها على المكتب لتغمض عينيها قليلاً تريدُ فقط خمس دقايق نُريح عينيها فيها ولكنها غفت في نومٍ عميقٍ دون أن تشعر.

دخل يونس مكتبه وهو يتحدث بهاتفه بعد أن عاد من المأمورية التي كان بها:

- تمام هحتاج أنسق إجتماع بخصوص الأمر ده .. هبلغ السكرتير التنفيذية بالميعاد.

صمت عندما وقعت عينيه عليه ووجدها نائمة .. أنزل الهانف ببطئ بعدما أغلق المكالمة الهاتفية واقترب نحو مكتبها بهدوء كاد أن يتحدث ويوقظها ولكنه انتبه لإرهاقها الواضح في ملامح وجهها وانتبه عندما وجد حِزمةً من الأوراق قد جمعتهم في ملفٍ واحد، أخذ يُطالعهم ويقرأ الملاحظات المكتوبة عليهم وبعد أن انتهى تنهد بضيق وعاد ينظر إليها مرة أخرى، ثم عاد إلى مكتبه ووضع ذلك الملف على المكتب ثم قام بخلع سترته وشمر عن ساعديه وشعر أنه يحتاج للقهوة كثيرًا، أراد أن يقوم بصنع قهوته تلك المرة وذهب بنفسه لماكينة صُنعَ القهوة قام الموظفين بتحيته وهو يبتسم لهم ابتسامة رسمية، ثم وقف أمام الماكينة وقام بعمل القهوة ولكن تلك المرة قام بعمل كوبين بدلًا من كوبٍ واحد وبعد أن انتهى من إعدادها حمل الكوبين لمكتبه ووضع كوبه على سطح المكتب أما بالنسبة للكوب الآخر فتحرك نحو حفصة وتحدث بهدوء:

- آنسة حفصة.

فتحت عينيها بضعف ولكنها انتفضت واعتدلت عندما وجدت يونس واقفًا أمامها ..

- بشمهندس أنا آسفة معلش غفلت شوية.

تحدث يونس بهدوء:

- مفيش مشكلة، اتفضلي قهوتك.

قدم لها القهوة وهي طالعته بتعجب ..

- قهوة؟ حضرتك عملتها؟

يونس باستفسار:

- اه .. مش سادة صح؟ 

- أيوه، بس أقصد غريبة صاحب الشركة عملي قهوة مع إن وضعك حساس في الشركة أوي يا فندم ومهامك الوظيفية كأونر للشركة مش بتجبرك تعمل قهوة لموظفينك.

قهقه يونس وهو ينظر في عمق عينيها:

- إنتِ بترديهالي بقا؟ بس عموما إنتِ مش أي حد.

وسعت عينيها بدهشة من كلمته تلك ولكنها انتبهت على سؤاله:

- بس مش غريبة يعني إنك تشتغلي في البيت؟

تحدث بتلك الجملة وهو يشير للملف الموجود بمكتبه.

- أنا بس مكنتش عارفة أنام فقولت أشتغل شوية.بما إني صاحية.

ظل يُطالعها قليلاً ثم تحدث:

- بصي يا حفصة .. أنا لو الشغل هيرهق موظفيني بالشكل ده فأكيد مش هسمح إن ده يتكرر تاني؛ فياريت توفري مجهودك وطاقتك للشغل في وقت الشغل مش بره وقت الشغل .. اشربي قهوتك ولما تخلصي وتفوقي محتاجك في مكتبي.

ابتسم بهدوء قبل أن يعود لمكتبه؛ أما هي فلماذا تشعر بحرارة خديها ولكنها استفاقت:

- لا يا حفصة فوقي إنتِ جاية تشتغلي هنا وبس .. وبعدين الرجالة مالهمش أمان .. أنا جاية آكل عيش وكمان عشان أعرف أصرف على عيالي.

ظلت تُذكر نفسها بتلك الكلمات واستغفرت ربها على تلك المشاعر التي تشعر بها ولا تملكها .. تناولت قهوتها وشعرت بالإرتياح قليلاً لأنها استفاقت من النعاس الذي كان يجتاحها .. وبعد أن انتهت ذهبت لمكتبه وهي تحمل دفتر ملاحظاتها وجلست على كرسي أمام مكتبه ..

- في إجتماع هيبقى في يوم 21 الشهر ده إن شاء الله.

دونت تلك الملحوظة ولكنها تساءلت:

- طب ليه حضرتك حددته في التاريخ ده؟

- لإني اللي هجمتع معاه مسافر اليومين دول.

همهمت وعادت تركز في دفتر ملاحظاتها .. ولكنه لم يكن يتحدث بل كان ينظر لها فقط .. ملامحها الهادئة الساكنة .. الخالية من مساحيق التجميل .. إنها تؤرق أحلامه بشدة! .. 

- حضرتك كمل!

استفاق على سؤالها وحمحم ثم تحدث:

- في عشاء عمل النهاردة.

- الساعة كام؟

تحدثت بذلك السؤال وهي تدون آخر كلمات ألقاها عليها.

- الساعة 8.

- العشاء ده بخصوص؟

رفعت رأسها وهي تنظر له باستفسار، حمحم ثم تحدث وهو مرتبك لأول مرة:

- بخصوص أمور حياتيه.

عقدت حاجبيها بعدم فهم وأردفت بتساؤل:

- طب ممكن أعرف مع شركة إيه؟

شعر أنها تقوم بمحاصرته بأسئلتها العديدة تلك، تأفف وتحدث بضيق:

- مش مهم .. مش لازم تعرفي .. المهم إنك تبقي موجودة وخلاص يا حفصة.

رمشت عدة مرات بعدم فهم بسبب نبرته تلك ولكنها تجاهلت تلك النبرة وتحدثت:

- تمام هحاول أكون موجودة في الموعد إن شاء الله، بس هنتقابل هنا تحت الشركة صح كده؟

ظل صامتًا لعدة ثوانٍ ثم تحدث:

- لا هستناكِ على أول الحارة اللي إنتِ ساكنة فيها.

ابتلعت بتوتر خائفة كثيرًا أن يراها أحد الجيران ويتحدثون عنها ويقومون بتشويه سُمعتها.

- بس حضرتك ده مينفعش . الناس هتقول عني إيه لو لقوا راجل مستنيني بعربيته؟!

عقد حاجبيه بضيق:

- وإحنا مالنا بالناس؟ إحنا رايحين نشتغل.

- بس يافندم أنا مش هقبل بده .. هحتاح حضرتك تحدد مكان تاني.

ظل يفكر قليلا ثم تحدث:

- محتاج أقابلك في مكان قريب لمكان بيتك يا حفصة.

- طب بص حضرتك هفكر وهرد عليك لما أروح، تمام؟

أومأ واعتدلت من مقعدها وتحدثت بهدوء:

- حضرتك هتحتاج مني حاجة قبل ما أرجع المكتب؟

- أيوه، عايز أعرف إيه اللي حصل إمبارح خلاكِ خايفة وقلقانه كده؟

كان ينظر في عمق عينيها وهو يسألها بذلك السؤال .. ابتلعت بتردد لا تعرف كيف تجيبه ولكنها تحدثت:

- حد عزيز عليا كان تعبان أوي، فاحتجت أمشي لإنه ملهوش غيري.

أومأ لا يفهم لماذا شعر بالغيرة بداخله، هل هي مُرتَبطة يا تُرى؟ لا ولكنها أخبرته أنها لم تسنح لها الفرصة في الإرتباط قبل؛ ثم إنها وإن كانت مُرتبطة لن يستطيع أن يُبقيها هُنا بعد اليوم لأنها أصبحت تملك قلبه.

عادت لمكتبها وانتبهت لورود مكالمة هاتفية لها من رقم هاتف جارتها وأجابت فورًا وهي تخفص صوتها لكي لا يسمعها يونس:

- أيوه يا علي.

- أيوه يا ماما إحنا كويسين يا حبيبتي.

تنهدت بارتياح وتحدثت بحب:

- أنا واثقة فيك يا علي خد بالك منهم لحد ما أرجع.

- حاضر يا حبيبتي مستنيكي.

أغلقت والتفتت برأسها نحو مكتب يونس وجدته يُطالعها وهو يجلس بمكتبه شعرت بالإحراج والإرتباك وأيضًا بالخجل مشاعر كثيرة مُختلطة بسبب مراقبته المستمرة تلك .. ولكنها قررت أن تتجاهل كل مايحدث وقررت أن تتجاهل مشاعرها وكل شيء؛ فهي هُنا لأجل العمل فقط!

في المساء:

كانت تقوم بقياس درجة حرارة معاذ الذي كان ينظر لها بحب طفولي .. وابتسمت عندما وجدتها مستقرة.

- الحمدلله.

اعتدل مُعاذ وقام بضمها .. وهي بادلته بحنان أمومي .. 

- حاسب يا مُعاذ هتبوظ شكل ماما.

ذلك ماتحدث به يزن عندما انتبه أن معاذ قد غير من هيئتها حيث أن حجابها يحتاج لإعادة ضبط مرة أخرى.

- سيبه برحته يا يزن.

- هتتأخري ياماما طيب؟

التفتت لعلي وتحدثت بحب:

- مش هتأخر إن شاء الله.

ضموها جميعهم وقامت بضبط حجابها وثوبها الأحمر القاتم فهو الوحيد الذي تملكه حاليا ولكنها قريبًا ستشتري من الفائض لأن أطفالها إحتياجاتهم تأتي قبلها!

خرجت من الشقة وهي تأخذ نفسًا عميقًا وسارت قليلا في الحارة حتى خرجت منها وقامت بالتمشية بهدوء حتى وصلت للطريق الخارجي للمنطقة التي توجد بها حارتها وجدته يجلس بسيارته السوداء ينتظرها اقتربت من السيارة؛ أما هو فقد اعتدل عندما رآها تقترب نحوه صعدت للسيارة وجلست بجانبه ولكنه ظل يراقب هيئتها التي جعلته متوتراً أكثر .. هل يراها جميلة اليوم؟ أم هي جميلة ككل يوم؟؟ حمحم واستفاق من شروده بها وتحرك بالسيارة وتحرك صوب المطعم المراد الذهاب إليه.

وصلا للمطعم وجلسا به ظلت حفصة تنظر حولها تتعجب من عدم إقتراب أحد منهم ثم التفت وأردفت:

- بشمهندس، هو ليه مفيش حد جه؟

تنهد وأردف بهدوء:

- عشان ببساطة يا حفصة ده مش عشاء عمل .. ده عشاء بيني وبينك.

صُدِمت ولم تشعر بنفسها سوى وهي تعتدل لتقف وتخرج من المطعم ولكنه أوقف بأنه أمسكها من يدها ...

- حفصة.

انتفضت كالملسوعة وأبعدت يدها عنه وتحدثت بضيق:

- لو سمحت متلمسنيش.

رفع يونس يديه الإثنتين وتحدث بهدوء:

- حفصة .. ممكن تقعدي؟ أنا محتاج أتكلم معاكِ.

نظرت حولها والجميع يراقبهم:

- حضرتك مفبيش حاجة نتكلم فيها غير الشغل .. ودلوقتي حضرتك خرجت عن نطاق الشغل يبقى وجودي مالهوش لازمة.

- إنتِ وجودك هو أساس القعدة دي! .. أنا عايز أتكلم معاكِ كإنسان مش كمدير، أرجوكِ أقعدي الناس بتبص علينا.

عادت لتجلس ولكنها كانت ترتعش بتوتر ..

- حفصة أنا بحبك .. وحابب إني أتقدملك.

الفصل الرابع من هنا

stories
stories
تعليقات