رواية ابلة كشر الفصل الثالث 3 بقلم ميرنا ناصر

 


 

رواية ابلة كشر الفصل الثالث بقلم ميرنا ناصر

ماخدتش وقت أفكّر.
ولا حتى أسأل.
إيدي كانت بتترعش، مش خوف…حاجة أقرب للإهانة.
مشيت وراهم في الممر، وخطواتي بتسيب صدى تقيل
كأن المستشفى كلها سامعة.
مالك كان واقف مكانه.
البنت في حضنه،وشها مدفون في صدره،
لسه بتعيّط…صوتها بيطلع متقطع كأن حد بيكتم روحها بإيده.

— طنط مارياا استني. 

صوتها كان بيدق في دماغي
زي مطرقة.
وقفت فجأة.. لفّيت للنيابة:
— دقيقة واحد يافندم طلب إنسان.

الوكيل وقف، بصلي بنظرة رسمية. 
بس فيها ملل الناس اللي شافت كتير.
— اتفضلي.

قربت من مالك.نزلت  لمستوى البنت.
إيدي كانت بتوجعني من شدّة تمسّكها فيّ.
مسكت وشها بإيديا الاتنين،بصّيت في عينيها كويس،عيني طفل…
مكسورة قبل أوانها

— بصّيلي يا حبيبتي.
بصّت.
دموعها كانت مغرقة رموشها. 

— أنا مش همشي.. أنا هرجع.. فاهمة؟

هزّت راسها لا.
بكل قوتها.
— لأ…إنتي كدّابة…زي ماما.

الكلمة دخلت في صدري وسابت جرح مفتوح.
بلعت ريقي.
وابتسمت…ابتسامة مكسورة.
— المرة دي مش كدب.
وعد.
قربت منها أكتر، همست في ودنها:
— أنا معتمدة عليكي  خدي بالك من أخوكِ.
وخلي بالك من  بابا.
وأوعي…أوعي تصدّقي إن طنط ماريا  شريرة.
شدّت فيّ أكتر. وبعدين فجأة..تركتني.
كأنها تعبت من المقاومة.
قومت.
بصّيت لمالك.
مالك ماكانش بيبصلي بطريقة مش مفهومة. 
كان بيبصلي كراجل اتفتح قدامه باب ومش عارف يقفله.
كسر صمته وقال
— أنا… أنا مش مصدّق.

قلت بهدوء:
— ولا أنا
_______________

عديت ساعات كتير أوي  ... كان الفجر نوره شق ضلمة السما  عم سباعي جنبي  وأنا طالعة شقتي خلاص 
الصوت اللي قطع اللحظة كان صوت لهفة وجري.
ست أم عبده  كانت مستنياني في الشقة. 

— يا دكتورة ماريااا!
رفعت عيني.
أم عبده جاية  عليّا بسرعة، طرحتها مايلة،وشها مخطوف من الخضة.

عم سباعي، دخل ورايا  ، واقف ثابت بس القلق باين في عينيه.
أم عبده بصت له وبصيت لي وقالت: 
 إنتي كويسة يا بنتي؟
 حد قربلك؟
ودّوكي فين؟
قربت أم عبده،مسكت وشي بإيديها، كأنها بتطمن إني قدّامها مش حلم.
— قوليلي يا بنتي…إنتي بخير؟
هزّيت راسي.

— الحمد لله.
سكتُّ لحظة،وبعدين الكلام نزل تقيل، ضحكة ضحكة وجع:
— عمي…عمي اللي منه لله بلغ عني.

أم عبده شهقت:
— يا ساتر يا رب!

عم سباعي نزل راسه، سبحته بتلف ببطء.

— قال إني أنا اللي ولّعت.
أنا!. لولا إن أستاذ مالك رنّ على عم سباعي،
وربنا سترها، وعم سباعي كتر خيره
كلم الجيران وشهدوا وقالوا الحقيقة... وفرغوا الكاميرات بسرعه والمحامي بتاع بابا الله يرحموا كان زماني بايتة في القسم. 

أم عبده ضربت كف بكف:
— حسبي الله ونِعم الوكيل!

كررتها وراها،صوتي مبحوح:
— حسبي الله ونِعم الوكيل.

سكتُّ ثانية وبعدين قلت:
— كنت مرعوبة.
القسم…الريحة ونظرات المجرمين بجد.

بلعت ريقي:
— عمري ما خفت من بشر قدّ الخوف اللي حسّيته هناك.

أم عبده شدّت على إيدي:
— ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي.

عم سباعي قال بصوت هادي تقيل:
— يا ست  ماريا…ما ينفعش تباتي لوحدك الليلة.

لفّ على مراته:
— يا أم عبده، تباتي معاها.

أم عبده هزّت راسها فورًا:
— طبعًا.

هزّيت راسي لا.
— لا يا عم سباعي.

بصّولي باستغراب.
— ليه بس يا بنتي؟

ابتسمت ابتسامة تعبانة:
— أنا تعبتكم معايا خالص.
شلتوني فوق طاقتكم.
وقفتوا جنبي وأنا مش من لحمكم ولا دمكم.
صوتي اتهز:
— إنتوا أقرب ليا من اللي من لحمي ودمّي.
ومش عارفة أشكركم إزاي.

أم عبده دموعها نزلت:
— متقوليش كده.

هزّيت راسي بهدوء:
— سيبوني دلوقتي.
أنا محتاجة أبقى لوحدي شوية.

عم سباعي بصّلي بنظرة راجل فاهم إن القرار ده مش عناد…
ده وجع.

— إحنا تحت يا بنتي.
أي حاجة… إحنا موجودين.

— عارفة، يديم وجودكم ياعم سباعي. 

مشيوا.
الباب اتقفل وراهم.
وساعتها…رجلي خانتني.
قعدت على الأرض.
ضهري في الحيطة.
الشال وقع من على كتفي.
العياط  كان واحش عنيا،  صرخت زي طفل تاه في مولد، بيدور على ابوه وأمه بس فقد الأمل. 
عياط تقيل يطّلِع الروح ويكتمها.
دفنت وشي بين إيديا
وهمست:
— حسبي الله ونِعم الوكيل…
— حسبي الله ونِعم الوكيل…
وانهرت.
نمت في مكاني لحد ما الصبح صبح عليّ.
لما فتحت عيني ما حسّتش بحاجة واضحة، غير إن جسمي سبق عقلي وقام.
دخلت أخدت شاور، وطلعت لبست لبس مهندم، حاجة تنفع للمستشفى وتعدّي وسط الناس من غير أسئلة. 

دخلت المطبخ، حضّرت ساندويتشات للبنت: جبنة، حلاوة، ومربّى. وأنا بلفّ العيش افتكرت إني لسه مش عارفة اسمها، ولا حتى جه في بالي أسأل امبارح.

نزلت من البيت ومشيت شوية، وانا بفكر هعمل إيه بعد كده. لقيت نفسي قدّام محل لعب أطفال. دخلت، بصّيت على الرفوف، وقفت شوية قدّام العرايس. اخترت واحدة حجمها مناسب وملامحها هادية، شيلتها ودفعت من غير تفكير كتير.

رجعت المستشفى. نفس الممر، نفس الإضاءة، بس إحساسي مختلف. كنت راجعة وأنا عارفة إني مش جاية أعمل حاجة كبيرة، ولا أنقذ حد، أنا بس جاية أكمل اللي بدأته.

شدّيت نفسي ومشيت ناحية العناية.دخلت المستشفى ومشيت في الممر لحد ما شفتهم.

مالك كان واقف جنب الحيطة، باين عليه ما نامش.
البنت كانت قاعدة على الكرسي، رجليها مدلدلة، وعينيها رايحة جاية كأنها مستنية حاجة ومش عارفة إيه هي.
أول ما شافتني قامت مرة واحدة.
سابته وجريت عليّ.
— طنط ماريا!
حضنتها من غير ما أفكّر.
حضن صغير، بس ماسك في الرقبة كأنه بيعتذر عن امبارح.
— وحشتِك؟
قلتها، وهي لسه لازقة فيّ.

— شوية.
ردّت، وأنا بمسّد على شعرها.

— شوفتي إزاي وفيت بوعدي ليكِ. 

طلّعت الساندويتشات من الشنطة.
فتحتها قدّامها.
— جعانة؟

هزّت راسها بسرعة.
قعدت جنبها وادّيتها واحدة.
مسكتها بإيدين الاتنين، وابتدت تاكل على مهَل.
طلّعت كيس العروسة.
حطيته على رجلي، وبعدين زقيته ناحيتها.
— دي ليكي.
بصّت للكيس.
وبعدين ليّ.
فتحتُه واحدة واحدة، كأنها خايفة تطلّع حاجة وتختفي.
أول ما شافت العروسة
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، هادية، من النوع اللي بيطلع من جوه.
حضنتها.
وبصّت لي:
— اسمها إيه؟
— اللي إنتي عايزاه.

فكّرت ثانية.
وبعدين قالت:
— هسميها ماريا.
ضحكت من غير صوت.
مالك كان واقف بعيد، سامع، وبيضحك. 
قربت منها شوية.
— طب إنتي اسمك إيه؟ تصدقي أنا لحد الآن معرفش... مع إننا بقينا أصحاب. 

بصّت لي بثبات، كأن السؤال سهل:
— أيلن... وأخويا اسمه آدم..  انا خمس سنات (سنوات)، وهو تلات سنات. 

ضحكت على كلمة سنوات ونطقها 
— تشرفت يا أيلن خمس سنات،  عقبال كل السنات يارب. 

ابتسمت، وكملت أكلها، والعروسة على حجرها.
وكأن العالم بيبستم  ومليان سلام. 

مالك قرّب خطوة، وقف جمبي.
صوته واطي، فيه تعب أكتر من اللوم.
— ليه تعبتي وجيتي؟

بصّيت له لحظة، وبعدين على أيلن
شدّت العروسة فحضنها. 

— علشان وعدت أيلن إني هاجي.
و…علشان أشكرك على اللي عملته.

هزّ راسه بهدوء.
— اللي يستحق الشكر إنتِ يا دكتورة.

سكتنا ثانية.
الدنيا حوالينا ماشية،بس اللحظة واقفة.
باب العناية اتحرّك.
الدكتور خرج.
— الحمد لله،الولد فاق،وهننقله العناية العادية شوية.
مالك وقف.
نَفَسه طلع تقيل بيحمد ربنا بلهفة. 

أيلن بصّت لي بسرعة:
— هو صحي بجد؟

— آه.

قلت لها.
ابتسمت.
مسكت العروسة من إيدها ورفعتها شوية.
— هوريهاله.

الدكتور كمّل:
— لسه محتاج متابعة، بس عدّينا الخطر.
مالك بصّ لي، وفي عينيه حاجة اتغيّرت.

مالك لفّ ناحية الدكتور، صوته كان هادي بس باين عليه القلق.

— ينفع ناخده في البيت؟

الدكتور خد نفس قصير قبل ما يرد،كأنه بيوازن الكلام.

— مش دلوقتي.
لازم يفضل تحت الملاحظة يومين كمان على الأقل.
الرئة لسه محتاجة متابعة،واحتمال أي تعب بسيط وارد.
مالك هزّ راسه.

— تمام.
الدكتور كمّل وهو بيقفل الملف:
— لو عدّوا من غير مضاعفات،ساعتها نقرر خروجه.

مالك قال بهدوء:
— شكرًا

الدكتور مشي وإحنا فضلنا واقفين
أيلن قربت منّي:
— يعني مش هنروح؟
وطّيت لها.
— هنروح…هزّت راسها، وضمّت العروسة على صدرها.

كان باين على مالك إن جسمه سبق عقله بخطوة.
واقف، بس مش حاضر

قربت منه وقلت له بهدوء:
— روح ارتاح شوية.

لفّ ناحيتي.
— لا، أنا كويس.

بصّيت في عينيه.
— لأ، إنت مش كويس.
روح نام ساعتين بس.
وأنا هقعد هنا… وهخلي بالي من أيلن.

بصّ عليها، وبعدين رجع بصّ لي.
التردد كان واضح، بس التعب كان أوضح.
بعد إلحاح طويل وافق.
ومشي.
قعدت أنا وأيلن.
كانت ماسكة العروسة،وتبصلي كل شوية كأنها بتتأكد إني لسه موجودة.
رجع بعد ساعتين فعلًا. 
وشه أهدى  وقال وهو بيقرب:
— نمت… نمت زي ما قولتي.

هزّيت راسي.
— باين.

الوقت كان اتأخر.
وقلت له بعد تردد:
— خلّي أيلن تيجي تبات معايا الليلة.

لفّ ناحيتي بسرعة.
— إزاي؟

— المكان هنا مش مناسب لطفل.
وأنا هخلي بالي منها.
وهحميها وأحميها 
وبكره الصبح أجيبها وارجعها هنا.

سكت.
كان واضح إن القرار تقيل عليه.
— دي مسئوليتي.
قالها وهو باصص لأيلن.

ضحكت وقلت: 
— وأنا مش بسرقها منك.
دي ليلة واحدة.
فضل ساكت شوية

وبعدين قال:
— تمام. 

خرجت بأيلن.
في البيت،نامت بسرعة، كأن جسمها استسلم أول ما حسّ بالأمان.
أنا كمان نمت من غير ما أحس.
الصبح،صحيت بدري. حميتها وسرحتلها شعرها وفطرتها  وللحظة اتمنيت يكون لي بنت شبها.. مسكت إيدها ونزلنا.
وصلنا المستشفى.
سلّمتها لمالك.
واستأذنت لأني عندي تسلميات للشغل، والأيام جاية كتير واحكيلكم طبيعة شغلي. 
_________________
مالك بغضب شديد
ده إيه؟ 

— …

— بسألك…يا أيلن  الدفتر ده بتاع مين؟

— …
— بصّيلي وأنا بكلمك.

— بتاع طنط ماريا.

— وإنتي أخدتيه ليه؟

— ماخدتوش…

— أمال إيه ده؟

— كان في شنطتها.

— وإنتي فتشتي في شنطتها؟

— لأ…
أنا…
أنا كنت عايزة أفضل معاها.

— ده مش سبب إنك تاخدي حاجة مش بتاعتك.

— أنا هرجعه…

— إنتي فاهمة يعني إيه اللي عملتيه؟

— أنا مش حرامية…

— طب تفسري إزاي الدفتر ده في إيدك؟

— طنط ماريا  الصبح كانت مبتسمة وبتحكي مع نفسها وبتكتب وحسيتها مبسوطة... فقولت دا اكيد كتاب حكايات بتضحك فأخدته. 

—  سرقة يا أيلن... بتسرقي؟!

تعليقات