رواية مصلح الميتين الفصل الثالث 3 بقلم أندرو شريف

 

 

رواية مصلح الميتين الفصل الثالث بقلم أندرو شريف

الحاج كان مستني مصلح الميتين عشان يوقفه لو جه في أي وقت وأي لحظة، وجه فعلًا، شوفته من بعيد وهو جاي عليه بخطوات بطيئة، كان زي الحيوان اللي هينقض على فريسته، لأنه وبعد ما الحاج حس بوجوده، جري عليه بسرعة وحقنه بحاجه في كتفه، اللي خلاني أركز في الحقنه، هو لما شدها مرة تانية وساب الحاج بعدها ابتدى يفتح المدفن وهو بيبص يمين وشمال زي الحرامية، هنا الصورة وضحت، مافيش روح هتصلح البني ادمين، فيه انسان هو اللي بيعمل ده كله، والمسؤول عن كل اللي بيحصل، هو مين؟.. وبيعمل كده ليه؟.. ده اللي هعرفه لما اروحله دلوقتي، وانا اللي ههجم عليه المرادي.. مش هو، بس وأنا نازل على السلالم، شميت ريحة عطر جاية من الدور التاني، وقتها قلقت، حسيت ان كل اللي بيتحكي عن البيت ده حقيقي، عشان كده وبسرعة كملت لتحت، بعدها اتحركت على المقابر، بمجرد ما ابو فارس شافني.. سألني رايح فين، ساعتها ماردتش عليه وكملت طريقي للمدفن، ولما وصلت، ونزلت المدفن بحذر، بصيت مكان الكفن ومالقتش مُصلح الميتين، جيت ابص ورايا كان في وشي، عشان آخر حاجة اشوفها هو قبل ما يغمى عليا، ولما فوقت تاني يوم، ابو فارس وكتير من أهل عزيز كانوا موجودين، في البداية شكوا فيا، وفي اني ممكن اكون مصلح الميتين، بس الحاج بدير قال انه شاف مصلح الميتين بعينه، كمان ابو فارس اكد اني دخلت قدامه، واني جاي عشان أكتب مقالة بحكم وظفتي، لكن كل ده مش مهم، المهم فعلا ان مصلح الميتين ده قدر يهرب من تحت ايدي للمرة التانية، وكأنه قادر يسبق الكل بخطوة، ماهو مش معقولة يكون محظوظ بالشكل اللي يخليه قادر يعمل كل ده، ومن غير ما حد يمسكه حتى، فـ من كتر التساؤلات اللي عندي قولت وبصوت عالي:
-مصلح الميتين مش روح ولا جن أو حتى عفريت زي ما انتوا فاكرين، مصلح الميتين انسان زيّه زينا بالظبط، ولو ضحاياه كترت الفترة الآخيرة، فـ احنا اللي سمحناله بكده.. احنا اللي ادناله الفرصة يعمل كل ده بسبب خوفنا منه، لكننا لو حطينا ايدينا في ايد بعض هنقدر نوقفه عند حده.
الحاج بدير رد عليا بـ ابتسامة مكسورة وهو باصص لكفن ابنه المنبوش:
-كنا قدرنا على بيت زين المجنون.. روح يابني.. شوف انت وراك ايه من مصالح، وسيبنا في احزان مايحسهاش غير اللي عايش فيها.
-يا حاج بدير اسمعني وصدقني.. مصلح الميتين انس...
-كفااية.. كفاية لحد هنا، مش عايز اسمع كلمة زيادة.
جيت أرد عليه، أحاول أقنعه، ابو فارس خدني من ايدي وطلع معايا لبرة المدفن، وقتها شوفت كتير من اهل البلد كانوا واقفين،  بصيت في عينهم اللي كلها صدمة و أسئلة وأنا مش عارف أقول ايه، لكن مابقاش له لازمة الكلام.. هم مش هيصدقوا وأنا مش همشي وراهم، عشان كده وأنا راسي للأرض رجعت البيت، ريحت جسمي على السرير وروحت في النوم، صحيت مرة تانية وانا في مكان مترب بس دافي، بصيت يمين وشمال لحد ما عرفت انا فين بالظبط.. أنا في بيت زين المجنون وبالتحديد في الدور التاني، اتنقِلت ما بين الاوض ومافيش حاجة مميزة، لحد وما في مرة واحدة لمحته بيجري قدامي.. لمحت مصلح الميتين وهو بيتنقل ما بين الاوض بسرعة كبيرة، ومرة واحدة ومن غير مقدمات لقيته قدامي، بعدها حقني في كتفي وآخر حاجة قالهالي كانت:
-مش هتقدر تقنعهم بحقيقة هم مش مصدقنها يا علي.
وأغمى عليا، بعدها فوقت وأنا على سريري وفي بيتي، قومت وانا مخضوض وطلعت الصالة، شربت ماية وقعدت على أقرب كرسي قدامي، ولما ابتديت اهدى واركز.. عيدت كل حاجة حصلت في دماغي مرة تانية، وقتها سألت نفسي سؤال..(لو انا مصلح الميتين، تفتكر ممكن أقعد فين والناس ماتعرفش مكاني؟).. بعد تفكير لثواني، مالقتش غير بيت زين المجنون، بيت الاسطورة الوهمية اللي الناس اتكلمت عنها.. واللي خلاني اقول وهمية، هو انا لما دخلت وطلعت من غير ما يحصل حاجة، ومع ذلك هجاوب على سؤال جه في دماغ كل واحد فيكم، هو ان مصلح الميتين ممكن يكون واحد من اهل البلد، عايش وسطهم ومستخبي في بيت من البيوت.. الاجابة هي ان مافيش بيت واحد في البلد عايش فيه فرد لوحده، كمان واحد زي ده اكيد دكتور، لأن طريقة خياطته واضحة ومميزة، ومافيش واحد في البلد دلوقتي يبقى دكتور، يعني لو فيه زي ما فكرتوا، كان اتكشف، والوحيد اللي قاعد في بيت لوحده هو انا.. والبيت الوحيد اللي مقفول ومافيهوش حد غير بيتنا.. هو بيت زين المجنون، خصوصا يعني انه في مكان مميز، وكاشف المقابر كلها.
في وسط ما أنا بفكر، وخلاص قررت اني هروح بيت زين المجنون وهفتشه حتة حتة، الباب خبّط، قومت فتحت للي برة واللي كانت هالة، وقتها ومن غير ما أنطق دخلت لجوة وسيبتها واقفة على الباب، قعدت أنا على الكنبة بهدوء لحد ما هي قفلت الباب ودخلت، خدِت مكان على كرسي جنبي وقالتلي:
-لسه مُصر على اللي في دماغك؟
ماردتش عليها، وقتها كملت كلام وقالت:
-أهل البلد بيقولوا عليك مجنون يا علي.. بيقولوا ان نومتك جوة المدفن الليلة دي لسعت دماغك.
-هم اللي مجانين.. هم اللي مش قادرين يشوفوا الحقيقة، مصلح الميتن انسان زيي زيك ومن لحم ودم، مضلح الميتين استغل غباء كل واحد من اهل البلد عشان يعمل اللي هو عايزه، عاشن ينبش قبور الناس بدون اذن، واه بينبش.. حتى لو كان اللي بيعمله مش مؤذي او مش بيسرق، في الاول والآخر هو نبّاش، وانتوا عملتوه شبح.
-يعني الناس دي كلها بتكدب ومش فاهمة وانت الوحيد العاقل الفاهم؟.. علي انا دايمًا بقول ان مصر غيرتك، بس انت لايق عليها.. ارجع يا علي.. ارجع قبل ما يجرالك حاجة تانية، نومتك ليلة كاملة في المدفن نفسها أذى ولازمله علاج، بس انا عارفاك، هترفض طريقتنا.
-هي ايه طريقتنا وطريقتكوا دي يا هالة؟.. انا من البلد على فكرة، انا اتولدت وعيشت هنا سنين قبل ما ابويا وامي يموتوا واحد ورا التاني بسبب جهل دكاترة مستشفى البلد.. الدكاترة اللي ماقدروش يحددوا حالة أبويا وأمي وماتوا بسببهم، بس قولت قضاء وقدر، وده عمرهم، بعدها عيشت سنين في مصري لوحدي وانا بحاول اتعافى، لحد ما الحمد لله بقيت كويس، لكن الجهل ده لسه موجود، واهو، بدل ما كان عندنا اسطورة زين المجنون اللي ماحدش شافه ولا يعرفه من اساسه، بقى عندنا مصلح الميتين، انتي مصدقة نفسك يا هالة؟.. مصدقة ان فيه كده من اساسه..
-مصدقة يا ابن خالتي، بس واضح انك انت اللي مش مصدق.
-ايوة مش مصدق، وفوقوا بقى، فوقوا من الجهل اللي انتوا فيه، فوقوا من خلق مبررات بعيدة عن المنطق لأي حاجة تحصل معاكوا.. على العموم انا همشي ورا المنطق، والنهاردة هبقى في بيت زين المجنون، عشان اثبت للكل انها كلها اساطير، أواهام في دماغكوا ومش حقيقية.
-علي.
-مش هسمع ولا كلمة يا هالة، وبعد اذنك عشان انا خارج.
-بلاش اللي انت بتعمله ده يا علي.
-متأخر اوي الكلام ده يا هالة.
-بس..
-مابسش.. وعن اذنك.
خرجت من البيت وسيبتهولها مفتوح، بعدها خدت طريقي للمقابر، وقبل ما أوصل هناك، دخلت أول شمال عشان اوصل لبيت زين.. المجنون.
**
وقفت قصاد بيت زين المجنون وخدت نفس عميق بعدها دخلت، طلعت الدور التاني وكأني عارف أنا رايح فين، ووسط ما انا بتنقل ما بين الأوض، لقيت باب مقفول عكس كل الأبواب التانية، حاولت افتحه ماقدرتش، كان مقفول بقفل قديم ومصدي لكنه قوي، وقتها دورت على أي حاجة صلبة وكسرت القفل، وبمجرد ما الباب اتفتح ودخلت، لقيت اللي كنت متوقعه أو بتمناه، الأوضة فيها حياة، يعني اوراق في كل حتة، أكل على الترابيزة، وفي دولاب قديم ومكسر، شوفت مصلح الميتين، أو بمعنى أصح وأدق، لقيت اللبس اللي بيلبسه، ساعتها ومن غير تفكير ابتديت اصور كل حاجة جوة الاوضة، بعدها قلّبت في الأوراق اللي كان معظمها سجلات لمرضى، والمرضى دول هم هم ضحايا مصلح الميتين تقريبًا، وبـ قلم ماركر، كان فيه حد معلّم على أمراض مزمنة عندهم أو أخطاء طبية عانوا منها، لدرجة انه كاتب تشخيصات لأمراض عندهم وبين قوسين قايل..(التشخيص الصحيح للمريض).. كأنه عارف اللي عند كل واحد فيهم ومش عايز يقول او يتكلم، أو هو كده فعلًا، ماهو مافيش تفسير منطقي للي قدامي غير كده:
-كنت عارف إني هتكشف.. لكن مش بالسرعة دي.. بس لما شوفتك، حسيت انك انت المختار.
بصيت ورايا وشوفت شخص جسمه نحيف لدرجة إن عضمة كله باين، الشخص ده كان لابس قميص وبنطلون لكنهم بالة ومقطعين، وقتها اتوترت وبلعت ريقي لما سمعت صوته وشوفته، عشان وبعد نفس عميق أقوله:
-هو انت ااا.
-أنا دكتور زاهي.. أنا اللي بتدور عليه، أنا مُصلِح الميتين زي ما لقبوني.
-انت بتعترف بكل سهولة كده، بتعترف وكأنك بطل قومي ومش خايف لا اكون بسجلّك أو حتى أبلّغ عنك.
-أنا مش بطل قومي، ولا خايف لا تبلّغ عني، أنا بعمل اللي الدكاترة ماقدرتش تعمله والأموات دول عايشين، بعمل اللي يريحهم في قبرهم ويسعدهم في حياتهم التانية بدون ألم.. أنا مش نابش قبور ولا جني، أنا بساعد كل واحد فيهم.
-أنت مصدّق اللي بتقوله؟.. مصدّق انك بعد ما تتعدى على حُرمة الميت تبقى بتساعد، انت مجنون ولازم تتحاسب.. ووجودك في السجن او في العباسية شيء واجب.
قرب مني، شدني من التي شيرت اللي انا لابس وهز فيا لقدام وورا:
-أنت مش فاهم حاجة، ولا حسيت بـ اللي أنا عيشته.. أنا اخويا مات زمان بسبب خطأ طبي، بسبب تشخيص غلط من دكتور مايستحقش الشهادة اللي أخدها.
في اللحظة دي سابني، وكمل كلامه بحزن:
-من بعد موت أخويا وأنا مقرر إني هبقى دكتور كبير، دكتور يساعد الكل ويجيله ناس من كل حتة في البلد.. وكبرت، اتخرجت من كلية الطب بامتياز مع مرتبة الشرف، بعدها اشتغلت في اماكن كتير واسمي كبر، لحد ما في مرة كنت مطبق فيها جوة المستشفى حوالي خمس ايام، جالنا مريض في حالة حرجة، وماحدش كان عارف ماله ولا المفروض يعملوا معاه ايه بالظبط، ولأني كنت أكبر اسم في المستشفى، كلموني عشان انزل من فوق على الطوارئ، عرضوا الحالة عليا وشخصتها غلط، وعن طريق تشخيصي والطريقة اللي اتعاملوا بيها، الحالة ماتت، من وقتها واخويا مابقاش بيفارقني في احلامي، كان كل يوم يظهرلي ويقولي اني السبب في موت الحالة، ساعتها دخلت في حالة نفسية صعبة، ومابقتش قادر اشتغل زي الأول، فسيبت المستشفى ورجعت البلد اللي قضيت فيها أول سنين عمري، لحد ما في ليلة لقيت أخويا ظهرلي، مشيت وراه لغاية ما وصلت هنا، عند بيت زين المجنون، طلعت على السطح وشوفت المقابر، شوفت جنازة وناس كتير بتبكي على فراق أغلى الناس ليهم، عشان في اللحظة دي تجيلي الفكرة، اني بعد ما فشلت مع الاحياء، هنجح مع الاموات، وبسجلات مرضى من المستشفى، قدرت اوصل لكل واحد عنده مرض مزمن او الدكتور عطاه تشخيص غلط، وفي أول ليلة، كنت بعملّه عملية بسيطة، اقدر عن طريقها اني اريحه في تربته، ولأن الموضوع محتاج بعض الاحتياطيات، اخترعت اللبس واستخدمت مادة مخدره قوية، عن طريقها نجحت في خطتي المدة دي كلها.. الموضوع بسيط، ومحتاج ذكاء مع حظ، واهل البلد ساعدوني بمصلح الميتين، اللقب اللي هفضل طول حياتي فخور بيه.
-انت اكيد مختل.. اكيد موت الحالة أثر على قواك العقلية.
-أنت ليه مش مصدق؟.. ليه مش فاهم اني بساعدهم، اني اخترت راحتهم عن تعبهم وعذابهم حتى بعد موتهم.
-أنا لازم ابلغ عنك، لازم اتصل بالشرطة.
جيت اتصل بالشرطة، كان شد الموبايل مني، بعدها وبسرعته الكبيرة حقني بالمخدر، وقتها ابتديت ادوخ، وماحستش بحاجة غير بخيال هالة اللي شوفته واقف على الباب.. عشان بعدها افقد الوعي.
**
بعد ما فوقت وأنا في البيت وكتير من أهل البلد حواليا، عرفت من هالة انها وبعد ما انا خرجت من البيت.. طلعت لاهل البلد وحاولت تقنعهم ان مصلح الميتين جوة بيت زين المجنون، اهل البلد خافوا وقتها، قالوا ان الاسطورتين اتحدوا وكلام فارغ، بس بعد الحاح من هالة، وانها اول واحدة هتخش لو الرجالة خايفة، واحد ورا التاني مشي وراها لحد ما جولي، وبمجرد ما اغمى عليا، مسكوا زاهي وكلموا الشرطة، ودلوقتي زاهي بيتحقق معاه.. هيحصل معاه ايه؟.. وايه الحكم اللي يستاهلوا بعد ما نبش قبور ناس كتير؟.. قولوا انتوا في الكومنتات، اللي عملوا وجهة نظر، ولا جريمة تستحق العقاب.


انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
تعليقات