رواية روح غائبة الفصل الرابع بقلم السيد عبدالكريم
ا أخبرني إنْ نسمة عبد العزيز ميتة من 5 شهور ، وهو حضر دفنتها بنفسه ، ودا معناه حاجة واحدة ، إنْ نسمة اللى شفتها في المدرسة تبقى عفريتة ، بس خوفها ورعبها يدلان على إنّها مش عفريتة ، وجايز الأستاذ شماشيري يكون بيخرف أو بيتكلم عن نسمة تانية غير نسمة عبد العزيز ، علشان كده قلتُ :
ـ اسمها نسمة عبد العزيز يا أستاذ شماشيري .. وبتدرس في ثانوي في مدرسة البنات اللى في القرية .
قال وهو يرتب بعض الأوراق على مكتبه :
ـ قلتلك ميتة .
قلتُ :
ـ إزاي يعني ميتة ؟
أجاب :
ـ هو انا يعني اللى موتّها ... وبقولك إيه .. شكلك كده ناوي ترجع في كلامك وتطنش عزومة الفراخ .
قلتُ :
ـ لا مش هطنش بس عايزك تروح معايا مشوار.
قال :
ـ المهم ناكل فراخ وأروح معاك أي مكان .
توجهنا الى المطعم وتناولنا الفراخ اللى بيحبها الأستاذ شماشيري .
خرجنا من المطعم أنا والأستاذ شماشيري وقالي :
ـ ها هنروح فين ؟
قلتُ :
ـ هتعرف .
وركبنا الموتوسيكل وذهبنا إلى مدرسة البنات ، وقفت بالموتوسيكل قدّام مدرسة البنات على جمب كده ، والأستاذ شماشيري قالي :
ـ يا مراهق يا قليل الأدب .. على أخرتها تجيبني معاك نستنى بنات المدرسة نعاكسهم وهم خارجين ... بص على سنك يا طايش يا..
قاطعته :
ـ أستاذ شماشيري ... أحنا مش هنعاكس بنات ... أنا بس عاوز أشوف نسمة هتخرج من المدرسة ولا لاء .
قال الأستاذ شماتشيري وهو يضرب كفا بكف :
ـ لا حول ولا قوة إلاّ بالله .. إنت كلك تجننت .. جاي تدور على واحدة ميتة وأنا حضرت دفنتها بنفسي .
قلتُ :
ـ خلاص الجرس ضرب أهو ... كلها ربع ساعة ونمشي .
ساعتها فيه ولد تقريبا عنده 17 سنة جه من بعيد وقرب مننا ، الولد كان لابس قميص وبنطلون وراكب دراجة ، وكان مصفف شعره كده بطريقة غريبة ، الولد اقترب مننا ونزل من العجلة ووقف بالقرب مننا ، بس كل شوية الولد عمال ينظر لينا في استغراب ، وأنا طبعا عامل نفسي مش شايفه ، بس نظرات الولد كانت غريبة ، وساعتها اقترب مننا وقال :
ـ إيه ! معلّق ؟
نظرتُ للأستاذ شماشيري اللى كان مستغرب مثلي وقلت للولد :
ـ معلّق إيه ؟
أجاب الولد بعدماأطلق صافرة بفمه :
ـ معلق بنت ومستنيها تخرج من المدرسة .
وهنا فهمت ، الولد بسلامته جاي يغلس على بنت ومستنيها تخرج من المدرسة ، ومعتقد إنّي منتظر بنت أنا كمان ، المهم قلتُ :
ـ يلا يا حبيبي من هنا .
الولد قال في إصرار وغلاسة :
ـ طيب وجدو هو كمان معلّق ؟!
ابتسمتُ برغمي وسمعت الأستاذ شماشيري :
ـ جدو في عينك يا حيوان ياللي مش متربي .
ثم نظر نحوي قائلا :
ـ شفت مشاويرك يا أستاذ رأفت .. جايبني هنا وسط المراهقين علشان تستنى نسمة .
الولد أطلق صافرة طويلة بفمه وقال :
ـ أها .. اسمها نسمة ... جامد يا عمو .
قلتُ :
ـ اسمع يا شاطر .. أنا من الشرطة ... ووصلتنا شكاوي من مديرة المدرسة عن وجود شوية عيال صيع بيعاكسوا البنات وهم خارجين و..
لم أكمل كلامي حينما رأيتُ الولد يجري نحو دراجته ، وانطلق في ارتباك لدرجة إنّه سقط مرتين وهو يقود دراجته .
فضلت نصف ساعة أنا والأستاذ شامشيري نراقب البنات لحد ما كل بنات المدرسة خرجوا ، وطبعا لم تكن نسمة فيهم ، وساعتها بدأتُ أقنع نفسي إنْ اللى شفتها بالليل كانت عفريتة ، علشان كده غادرت .
في نفس اليوم بالليل توجهتُ إلى قسم الشرطة ، وهناك بهاء بيه قال :
ـ زيارة ولا مصيبة ؟
أجبتُ :
ـ زيارة بس ممكن تتحول لمصيبة .
قال :
ـ جميل .. جميل جدا يا أستاذ رأفت .
قلت :
ـ انا هشرب مع حضرتك القهوة وأمشي .
نادي بهاء بيه على العسكري وطلب منّه فنجان قهوة ، بعدها قلت :
ـ أنا بس عاوز أعرف اسم بنت ماتت من 5 شهور ..عاوز أعرف اسمها بالكامل وماتت ازاي .. وابوها شغال ايه ؟.. نسمة عبد العزيز .
أجاب :
ـ أستاذ رأفت .. ما تيجي تقعد مكاني أحسن .
قلت :
ـ لا ميصحش .
قال :
ـ لا يصح .. بعد اللى طلبته ده يصح ..
قلت :
ـ بهاء بيه .. دي مجرد معلومات مش اكتر .. عاوز أتأكد من حاجة .
قال :
ـ وأكيد البنت دي هي العفريتة اللى شفتها في مدرسة البنات .. يا أستاذ رأفت إنت ليه بتدوّر بنفسك على المصايب .. يا حبيبي روح وخد دش ساخن ونام .
هنا دخل العسكري بالقهوة وقدمها لي وخرج ، بعدها قلت :
ـ أنا بطلب منّك الطلب ده كصديق .
قال :
ـ اومال يعني هتطلبه كمدير ... عارف لولا معرفتي بهوسك بالعفاريت كان زماني موصلك للعباسية بإيدي .
قلتُ :
ـ حاسس إنّك هتوصلني والله ... بس لسه مأنش الأوان .
رفع سماعة تليفونه وتحدثَ مع أحد الاشخاص ثم قال لي :
ـ عبال ما تشرب القهوة هكون عرفت .
وبدأت أشرب القهوة في ارتياح شديد ، ولم أتكلم ولم يتكلم بهاء بيه ، لكن حينما طال صمتنا قلت :
ـ بهاء بيه .. ملاحظ إنّك مش بتاخد اجازات .
قال :
ـ طيب ممكن تتفضل وتتكرم وتديني اجازة .
قلتُ :
ـ مممممم .. لا حضرتك انهارده مش في مزاجك المعتاد .
وقبل أن يرد سمعنا جرس تليفون مكتبة ، رد بهاء بيه وقال :
ـ أه .. تمام ... مممم .. ماشي .. شكرا .
بعدها وضع السماعة ونظري نحوي وقال :
ـ بسمة عبد العزيز فاروق غسان .. ماتت من 5 شهور فى حادثة انقلاب سيارة فى طريق كوامل سوهاج ... ابوها تاجر فواكه .. لو حضرتك تأمر بخدمة تانية المديرية كلها تحت امرك يا أستاذ رأفت .
وعلشان أغيظه لم أرد ونهضت وغادرت .
بدأت أفكر ..
ـ البنت اللي ماتت اسمها بسمة مش نسمة .
ـ الأستاذ شامشيري بيعتقد إنّهم دفنوا نسمة .
ـ ودا معناه إنْ هم اتنين اخوات .. وشكلهم توأم .. أو قريبين من بعض في السن والشبه لدرجة إنْ الأستاذ شماشيري متلخبط بينهم .
ـ وطالما اللى ميتة هي بسمة يبقي البنت اللى شفتها في المدرسة هي نسمة .
بس ليه نسمة كانت محبوسة في المدرسة ؟
وليه اختفت لمّا الخفير ظهر ؟
وإزاي طول النهار وهي محبوسة في المدرسة أهلها لم يبلغوا الشرطة عن اختفائها ؟
في نفس الليلة تقريبا الساعة 11 توجهت إلى بيت عبد العزيز فاروق ، البيت كان فخم وواسع ومحاط بالأشجار ، من نظرتي الأولى عرفت إنْ عبد العزيز راجل ميسور الحال ، المهم رنيت الجرس وفتحتْ لي الباب سيدة وهي تقول :
ـ أفندم ؟!!!
قالتها بلهجة حادة قوية صارمة .
قلتُ :
ـ المعلم عبد العزيز موجود ؟
أجابتْ :
ـ إنت مين ؟
المشكلة إنّي مش مرتب أي حاجة ، والمفروض كنت وضعت خطة قبل ما آجي ، وشعرت إنّي تسرعتُ لمّا جيت هنا من غير ما أحط خطة في دماغي ، والسيدة لمّا لاحظت سكوتي قالتْ :
ـ نسيت اسمك يا ضنايا ولا إيه ؟
طبعا كلماتها رقيقة كما ترون ، وشكلى كده وقعت مع رئيسة عصابة مش أم نسمة ، المهم قلت :
ـ أنا من الإدارة التعليمية .. ولاحظنا غياب الانسة نسمة من المدرسة .
قالتْ :
ـ تفضل .
كده صح ، كده فيه بنت عايشة هنا اسمها نسمة ، وفعلا نسمة كانت محبوسة فى المدرسة وأنا انقذتها ، وبدات الامور تتضح امامي ، والحمد لله إن الست دي لم تلاحظ كذبي ..
، السيدة شكلها طيبة بس كلامها دبش ، ولولا إنّها طيبة مكنتش استقبتلني لمّا عرفت إنّي من الإدارة التعليمية ، المهم إنّها وافقت أدخل ، وداخل البيت في الصالة المتسعة جلسنا وقالتْ :
ـ حبيبتي نسمة عيانة شوية .. بس لمّا تخف أكيد هترجع لدراستها أكيد .
قلتُ :
ـ بصراحة كل المدرسين قالوا إنّها بتكون شاردة في الحصة .. هي اشتكت ليكي من أي حاجة ...أي مرض .. أي حاجة غريبة ؟
قالتْ :
ـ لا .. مفيش غير صداع عادي بس المذاكرة وسهر المذاكرة .
قلتُ :
ـ اه .. ربنا يفوقها يارب .. بس هي امبارح رجعت من المدرسة إمتى ؟
قالت :
ـ اه .. إمبارح .. طيب طالما بتسأل عن إمبارح يبقى استنا أجيب لحضرتك عصير .
سبحان الله ! السيدة دي قمة في الكرم والأخلاق ، فعلا أنا ظلمتها ، ربنا يسامحني ، الدنيا لسه بخير طالما فيها سيدات كريمات مثل السيدة أم نسمة ، غابت السيدة أم نسمة وعادت بعد قليل بالعصير ، قلتُ وأنا أشرب العصير :
ـ كنت عاوز أعرف هي لمّا خرجت إمبارح من المدرسة وصلت هنا إمتى ؟
قالت :
ـ اشرب بس العصير ..
قلت في حجل بسبب ذوق وكرم السيدة ، ديما الإنسان المؤدب اللى مثلي لازم يخجل أمام السيدات الكريمات المهذبات مثل أم نسمة ، علشان كده قلت :
ـ حاضر .
وبدأت أشرب العصير ، ثم سمعتها تقول :
ـ وأخبار الإدارة التعليمية إيه ؟
حسيت بأن سؤالها لا يخلو من تلميح ، بس قلت :
ـ الإدارة كويسة أوي .. دا على فكرة أحسن إدارة تعليمية هي إدارة طهطا ... كل إدارات مصر نفسهم يبقوا زي ادارتنا .
بعدها شعرت بصداع غريب ، حسيت بإن فيه مطرقة بتطرق في رأسي ، وحصيت بحاجة بتتحرك تحت جلدي ، وحسيت برغبة في التقيؤ وقلت :
ـ معذرة هو ممكن أدخل الحمّام .
سمحت لي السيدة الكريمة المحترمة دخول الحمام ، غبت في الحمام ورجعتُ بعد قليل وأنا شايف كل جدران البيت بتدور كأنّها مرجيحة ، ولمّا جلست حسيت إنّي جالس على إنسان مش على المقعد ، اكتشفت وقتها إنّي جلستُ على المقعد اللى جالسة عليه السيدة المحترمة أم نسمة ..
يا نهار أبيض ! ايه الموقف المحرج ده ، قلت بسرعة معتذرا :
ـ أنا آسف يا مدام .. بس أنا فعلا حاسس إنْ الكراسي تدور في الهوا .
قالت :
ـ ولا يهمك يا ضنايا ... كنت عاوز تسأل عن إيه بقا ؟
قلتُ :
ـ لما كنت راجع بالليل شفت بسمة محبوسة في المدرسة .. كنت بحسبها عفريتة ... بس أنقذتها ... جبت حجر وكسّرت السلسلة والجنزير .. وهي هربتْ .. كنت عاوز اتطمن هي كويسة ولا لاء ... وعلى فكرة أنا بلغت الشرطة بس الضابط مكنش مصدقني .
المهم حكيت ليها كل حاجة بلا إرادة ، حكيت ليها كل حاجة كأنّي مسحور ، كنت حاسس إنّي مش أنا اللى بتكلم ، كأنّ فيه شخص تاني بداخلى هو اللي بيتكلم ، وكنت مستغرب أوي ، إزاي اعترفت بكل حاجة كده قدّام السيدة الكريمة الوقورة المحترمة أم نسمة !! المهم سمعتها بتقول :
ـ بس انت قلتلى إنّك من الإدارة .
قلت :
ـ لا أنا بس حبيت أستغفلك مش أكتر يا مدام .
قلتُ كده بدون إرادة ، ثم أكملتُ كلامي قائلا :
ـ بصراحة حسيت إنّك مغفلة .لا مؤاخذة يعني اوعي تكوني زعلتي .
قالت :
ـ لا خد راحتك .
قلتُ :
ـ ولمّا حسيت إنك مغفلة قلت أستغفلك .
سمعتها بتقول :
ـ ممممم ... كده تستغفل خالتك الكريمة الطيبة يا أستاذ يا اللي شغال في الإدارة التعليمية .
قلت :
ـ وإيه رأيك إنّي مش شغّال في الإدارة .. مش قلتلك كنت بستغفلك .. بس ضحكت عليكي صح .
قالتْ :
ـ بصراحة أنا في حياتي كلها محدش ضحك عليا زيك .
بعدها رأيت السيدة تنهض ، وجذبت شيئا مثل عود البخور وأشعلتْ فيه النار ووضعته أمامنا على المنضدة ، وما هي إلاّ لحظات ودخان البخور انتشر في الصالة الواسعة ، وهنا بدأت أرجع لوعيي ، بدأتُ أستوعب وأحس أنّ القوة اللى كانت مسيطرة عليا زالتْ ، وسمعت السيدة الشريرة دي بتقول :
ـ متهيألي إنّك مركز دلوقتي .. أنا مش أم نسمة .. أنا مرات أبوها .. اسمي محاسن ... يعني فيا كل المحاسن زي ما أنت لاحظت ... نسمة كويسة وبخير .. ولو فكرت تزعجنا تاني يبقي نهايتك هتكون على إيدي .. وأنا مش برحم .. والصداع والدوخة وغياب الوعي ودخول شيء غريب لجسمك خلاك تتكلم بدون إرادتك ، كل كده قرصة ودن .. علشان تعرف عقابي هيكون إزاي لو فكرت تزعجنا تاني .. أنا هكتفي بقرصة الودن دي .. لكن لو شفتك تاني أو نسمة شافتك تاني يبقى لا تلوم إلاّ نفسك .
قلت وأنا أنهض وكل حتة في جسمي بتترعش :
ـ حاضر .
قالتْ ساخرة :
ـ ربنا يحضرلك الخير يا ضنايا .
خرجتُ من البيت وأنا متأكد أن هذه السيدة شيطانة .
وبينما أنا خارج البيت وراكب الموتوسيكل لاحتْ منّي نظرة للطابق الثاني اللى كان شباك إحدى غرفاته مفتوح ،ساعتها شفت فتاة تضع على رأسها الحجاب وتشير نحوي ، وحينما توقفت بالموتوسيكل ألقتْ الفتاة رسالة ، بسرعة ألتقطت الرسالة المطوية ونظرت للأعلى ؛ فوجدتُ الفتاة أغلقت النافذة ، وضعت الرسالة بين ملابسي وانطلقتُ مسرعا الى البيت ، لم تكن الفتاة إلاّ نسمة عبد العزيز .
