رواية ثمن أخطائي الفصل الخامس 5 بقلم الاء محمد حجازي

 

رواية ثمن أخطائي الفصل الخامس بقلم الاء محمد حجازي

– أنا هوريكي أنا مش راجل إزاي، مد إيده عليها بعنف.
واعتدى عليها بكل واحشية
مش كزوج.
ولا حتى كإنسان.
كانت بتحاول تبعده، صوتها مخنوق، أنفاسها متلخبطة، بس مفيش حاجة وقفته.
ولا دموعها،
ولا توسلاتها،
ولا حتى كونها على اسمه.
كان بيتعامل معاها كأنها مش مراته.
ولا ليها أي حرمة.
كأنها واحدة جايبها من الشارع.
كأنها بلا قيمة، بلا اسم، بلا روح.

كان قسوة متعمدة.
تشفي.
انتقام.
كان بيتصرف كأنه
مش بني آدم.
كان ذئب بشري

سابها.
سابها مرمية مكانها، جسمها بيرتعش، وصدرها بيطلع النفس بالعافية.
مريم فضلت تعيط.
مش عياط بصوت عالي…
عياط مكتوم، يوجع أكتر.
كانت حاسة إن جسمها مش جسمها.
إن روحها اتسحبت منها.
إنها بقت حاجة ملهاش اسم.
قعدت دقيقة…
ولا عشرة…
مش عارفة.

وبالعافية سندت نفسها، وقامت.
رجليها كانت بتتهز، وإيديها مش قادرة تمسك في حاجة ثابتة.
دخلت الحمام.
قفلت الباب وراها، وكأنها بتستخبى.
فتحت الميه.

الميه نازلة، بس مش قادرة تطفي اللي جواها.
فضلت واقفة تحت الدش، جسمها بيتلُف، وعقلها واقف.
مش فاكرة حاجة…
ولا عايزة تفتكر.

طلعت بعد وقت مش معروف.
لابسة هدوم واسعة، عيونها منفوخة، وشها شاحب.
وأول ما خرجت…
لقته قدامها.

قرب منها، نبرة صوته باردة، خالية من أي إحساس:
– قومي حضريلي الأكل.

بص لها من فوق لتحت بقرف.
نظرة كسرتها أكتر من أي ضرب.
لف ومشي.
ولا كلمة تانية.

مريم فضلت واقفة مكانها.
مش فاهمة هي فين…
ولا هي مين.

عدّت الأيام.
بس الأيام ما عدّتش عليها…
ده داسوا فوقها.
حياتها بقت أسوأ.
ضرب.
شتيمة.
إهانة.
كل يوم شكل.
وكل مرة أقسى.
بقت بتتجنبه.
تستخبى من صوته.
تخاف تتكلم.
حتى تتنفس على مهله.
بقى يقرب منها غصب.
من غير ما يسمع.

من غير ما يشوف رعشتها.
كأنها مستسلمة.
إيديها بترتعش.
أي حد يكلمها، حتى لو بهدوء، قلبها يقع.
بقت تخاف من البني آدمين.
من الصوت العالي.
من الخطوات التقيلة.
ندمت جدا علي عملته وبقت في كل صلاة تدعى رنا يتوب عليها. 

وفي يوم…
وهي قاعدة لوحدها، سرحانة، عينيها في اللاشيء…
الجرس رن.
انتفضت.
قلبها دق بسرعة.

قامت ببطء، رجليها مش شايلها.
راحت ناحية الباب وفتحته.
اتفاجئت.
مروة.
أخت حسام.

كانت واقفة مبتسمة ابتسامة عادية، أول ما دخلت قالت:
– إزيك يا مريم؟
مدّت إيدها تسلّم عليها.

مريم أول ما شافتها، رجعت خطوة لورا لا إرادي.
جسمها كله شد.
إيدها استخبت في ضهرها.

مروة وقفت مكانها.
الابتسامة اختفت.
لاحظت الرعشة.
لاحظت الخوف.

قالت بهدوء:
– مالك؟
أنا مروة… مش حد غريب.

مريم حاولت تبتسم…
ما عرفتش.

مروة قربت بحذر.
سلمت عليها.
وأول ما لمست إيدها…
حسّت إنها بتترعش.

عين مروة وسعت.
قلبها وجع.
بصّت لوش مريم.
للعيون الغارقة.
للملامح اللي اتغيرت.

وقالت لنفسها وهي مصدومة:
معقول؟
دي مريم؟
البنت العسولة، المتدلعة، اللي كانت تضحك من قلبها؟

كانت دايمًا بتسأل نفسها:
إيه اللي خلّى جوازها هي وأخوها ييجي فجأة بالشكل ده؟
دلوقتي بس فهمت.

قعدت جنبها، صوتها هادي، دافي:
– اقعدي…
تعالي اقعدي جنبي.

مريم قعدت، عينيها في الأرض.

مروة كانت حاسة بالشفقة بتخنقها.
مش متخيلة إن مريم توصل للحال ده.
حاولت تتكلم.
و تطلعها من اللي هي فيه.

مروة حاولت تغيّر الجو شوية، فابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت وهي بتبص لمريم:
– بقولك اي انا عاوزه اخد نصيحتك في حاجة …
أنا عندي واحدة صاحبتي، بتحب واحد وهو بيقولها عايز يتجوزها عرفي، بس عند محامي، وفي شهود وناس عارفة وكده…
بس هي خايفة توافق، من رايك تعمل اي؟ 

مريم كانت ساكتة، عينيها في الأرض.
أول ما سمعت الكلمة…
جسمها انتفض.
قامت من مكانها مرة واحدة كأن حد لسعها.

قالت بسرعة وصوتها عالي لأول مرة من أيام:
– لا!
لا طبعًا!
مستحيل!

مروة اتفاجئت:
– ليه بس؟
ما هو بيقولها جواز…

مريم قطعتها زهي بتضحك ضحكة مكسورة، ضحكة وجع:
– جواز إيه؟
هو في جواز من غير أهل؟
من غير أمان؟
من غير اسم يحمي؟

قعدت تتهز وهي بتتكلم، صوتها طالع من قلب محروق:
– البنت اللي تعمل كده بتقلّل من نفسها قوي… قوي .
بتبيع نفسها بإيدها.
بتفرّط في روحها، في كرامتها، في اسمها.

قربت من مروة خطوة، وعينيها مليانة دموع:
– قولي لصاحبتك…
لو عملت كده، هتخسر نفسها قبل أي حد.
وهتخسر أهلها.
وهتخسر سمعتها.
والأسوأ؟
إنها لما تقع…
محدش هيشيلها.

سكتت ثانية، وبعدين كملت بانفعال:
– الراجل دايمًا يطلع من الموضوع سليم.
حتى لو كان أوسخ واحد في الدنيا.
يقولك: هي اللي جت. 
هي اللي وافقت.

لكن البنت؟
هي اللي بتتشال وتتحط على رف العار.
مروة كانت ساكتة، متسمّرة.

مريم كملت، وصوتها مليان قهر واحتقار لنفسها: 
– البنت اللي بتعمل كده بتظلم نفسها قبل ما أي حد يظلمها.
بتعيش عمرها كله بتدفع تمن لحظة ضعف.
لحظة صدّقت فيها كلام حلو…
ووعد كدّاب.

مسحت دموعها بعصبية:
– الحب مش مبرر.
والوحدة مش مبرر.
ولا الاحتياج مبرر.
مفيش حاجة في الدنيا تستاهل إن البنت تكسّر ضهر أهلها بإيدها.

قعدت تلهث وهي بتكمل:
– قولي لها لو فاكرة إن العرفي حماية، تبقى غلطانة.
العرفي ده باب مفتوح للوجع.
باب من غير قفل.
وأول ما الراجل يزهق…
يرمي الورقة، ويرمي البنت معاها.

مروة بصّت لها بصدمة:
– مريم…

مريم نزلت راسها، صوتها واطي بس موجوع:
– أنا مثال حي.
أنا الغلط بعينه.

رفعت عينيها لمروة، دموعها بتنزل بغزارة:
– وإنتِ عارفة اللي حصل معايا ومع أخوك.
أنا مش فاهمة عملت كده إزاي.
ولا إزاي عقلي غاب بالشكل ده.

إيديها بدأت ترتعش، وصوتها اتكسر:
– ندمانة…
ندمانة قوي يا مروة.
ندمانة إني وصلت نفسي للمرحلة دي.

حطّت إيدها على صدرها:
– نفسي ربنا يتوب عليا.
نفسي أحس إن لسه في فرصة.
بس…
بس أنا حاسة إن اللي عملته كبير أوي.

انهارت في العياط:
– حاسة إن ربنا مش هيقبل توبتي.
مع إن قلبي مولّع ندم.
بس الذنب تقيل… تقيل أوي.

مروة قربت منها بسرعة وحاولت تضمّها، لكن مريم كانت بتبكي بانهيار:
– قولي لصاحبتك تهرب.
تهرب قبل ما تقع.
قبل ما تبقى زيّي…

كانت واقفة بتنصح غيرها وهي نفسها ضايعة.
فضلت تبكي، وصوتها مكتوم في صدرها،
وكل كلمة كانت طالعة كأنها وصية…
مش مجرد نصيحة.

وكملت بصوت واطي، متقطع، كأنه طالع من وجع سنين:
– قولي لكل بنت…
متسمعيش لحد يقولك أصلك مش فاهمة
ولا الدنيا اتغيرت
ولا احنا بنحب بعض. 

اللي بيحب بجد…
ما يستخبّاش.
ما يستسهلش.
ما يطلبش منك حاجة في الضلمة.
اللي بيحبك، ييجي من الباب.
يرفع راسك مش يوطّيها.
يحمي اسمك مش يهدّه.

– متصدقيش اللي يقولك ورقة
ولا شهود
ولا محامي. 

الورقة اللي ما تحميش كرامتك…
ولا تساوي الحبر اللي عليها.

– افتكري دايمًا…
إنتِ مش لوحدك.
وراكي أب.
وراكي أم.
وراكي أخ.

وراكي بيت كامل.
ولو حسّيتي بالوحدة…
الوحدة أهون ألف مرة من الوجع اللي بعد الغلط.

رفعت وشها، وعينيها محمرة من العياط:
– أنا ضيّعت نفسي بإيدي.
وكل يوم بندم.
وكل يوم بدفع تمن لحظة ضعف.
– متبقوش أنا.
لو كلامي يوصل لبنت واحدة بس…
وتفوق…
يبقى وجعي ما راحش هدر.

وسكتت.
وسابت دموعها تنزل.
كأنها سلّمت حكايتها للعِبرة…
مش للحكاية.
------------------------------
مروة كانت سامعة مريم، وكل كلمة بتقع على قلبها تقيلة.

عينيها لمعت، وصوتها طلع هادي بس ثابت.
– مريم…
بصي ليّ.

مريم رفعت وشها بالعافية.

مروة قالت بحنية حقيقية:
– اللي إنتِ فيه ده وجع…
بس مش نهاية.

قربت منها أكتر وكملت:
– ربنا عمره ما قفل باب التوبة في وش حد.
ولا قال ده ذنبه كبير مش هقبله.

مسكت إيدها وقالت:
– ربنا قال:
﴿قُل يا عباديَ الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾.

سكتت لحظة تخلي الآية تدخل قلبها، وبعدين كملت:
– سمعتي؟
الذنوب جميعًا…
مش ذنب واحد ولا اتنين.

مريم كانت بتعيط بصمت.

– ربنا بيبص للندم.
للقلب اللي راجع.
مش للماضي.

قالت بصوت دافي:
– أهم حاجة إنك ندمانة بجد.
إنك رجعتي له.
مش لحد تاني.

– التوبة مش كلمة.

التوبة إنك تقولي:
يا رب أنا غلطت… بس أنا جاية لك. 

ابتسمت بحزن:
– ربنا أرحم بينا من نفسنا.
وأكرم من أي ذنب.

قامت مروة وهي بتمسح دموعها:
– أنا لازم أمشي دلوقتي…
بس صدقيني…
ربنا سامعك.
استأذنت ومشيت.

مريم فضلت قاعدة مكانها.
كلام مروة بيلف في دماغها.
الآيات.
التوبة.
الرجوع.

كانت حاسة لأول مرة إن في نور صغير…
بعيد، بس موجود.
وفجأة…

الباب اتفتح بعنف.
حسام دخل وقال بخشونة:
– قومي اعمليلي أكل.

مريم كانت سرحانة، ما سمعتش.

قرب وصوته علي:
– إنتِ يا زفتة!
أنا بكلمك!

قامت من غير ولا كلمة.
راحت ناحية المطبخ بهدوء.
السكوت ده استفزه.

قرب منها بعصبية:
– إيه؟
انت اتخرستي ؟
ولا بتعملي فيها عليا واحدة؟

مسكها بعنف:
– إنتِ عمرك ما كنتِ واحدة.
إنتِ حيوانة.... 
وزبالة.

مريم وقفت فجأة، وعيونها مليانة وجع وغضب:
– كفاية بقى!
حرام عليك!

صوته هدي شوية بس كلامه سام:
– حرام؟
دلوقتي افتكرتي الحرام؟

صرخت لأول مرة بقوة:
– ليه دايمًا بتشتمني؟
ليه دايمًا بتضربني؟
لو على الغلط…
إحنا الاتنين غلطنا!

دموعها نزلت وهي بتكمل:
– ليه أنا اللي بشيل النتيجة لوحدي؟
المفروض إنك حبيبي…
مش جلادي.

اتنهدت بوجع:
– برغم كل اللي عملته فيا…
كنت بدعي لك.
ربنا يصلح حالك.
ويتوب علينا إحنا الاتنين.

رفعت راسها بثبات:
– بس من دلوقتي…
أنا هدعي عليك.
وهتطلق منك يا حسام.
وهعيش حياتي.
وأسيبك تعيش وتموت لوحدك.

ضحك بسخرية مرعبة:
– تطلقي؟
إنتِ ملكي.
وهتفضلي طول عمرك ملكي، لعبتي.

قرب منها:
– سيبك من الكلام ده.
إنتِ ليا.

قالت بثبات:
– أنا مش ليك،و هتتأكدي من كده لما أكون لغيرك.

صرخ فيها بغضب:
– وأنا اللي هثبت لك إنك ولا ليا وعمرك ما هتكوني لغيري!

قالتها وهي بتعيط وغضبانة:
– عمرك ما هتثبت غير إنك ضعيف.

اللحظة اللي بعدها، الدنيا اسودّت.
ويعتدي عليها بكل وحشية.
مش صوت،
مش حركة،
غير وجع مكتوم،
وأنفاس متكسرة،

وقلب بيصرخ من غير صوت.
كان بيعملها فيها كأنها مش مراته…
ولا إنسانة…
كأنها حاجة.

بعد وقت…
سابها.
جسمها مرمي.
أنفاسها متقطعة.

قالت بصوت واطي لكنه قاطع:
– فاكر نفسك كده راجل؟
إنت عمرك ما كنت راجل يا حسام.
حتى الحيوانات مش بتعمل كده.

الكلمة جننته.
فجاة نزل فيها ضرب…
بعنف.
لحد ما جسمها كله وجع.
وقعت من طولها.
وقتها بس فاق.
اتخض.
شالها وجري.
المستشفى.
دكاترة.
تمريض.

بعد تلات ساعات، دكتورة خرجت وقالت بحدة:
– مين الحيوان اللي عمل فيها كده؟

بصت له مباشرة:
– دي حالة اعتداء وتعذيب.
وإيديها ورجلها مكسورين.

قال بتوتر:
–دي وقعت من على السلم.
وبعدين دي مراتي، يعنى ما فيش اعتدي ولا حاجة؟ 

الدكتورة بصت له بقرف:
– على العموم…
هي ساعة وتفوق.
وهي اللي هتتكلم.

بعد ساعة، الدكتورة دخلت لمريم:
– مين اللي عمل فيك كده؟

مريم عيطت.

الدكتورة قالت بشفقة: 
– بصي…
لازم نعمل محضر.
ده حقك.

مريم هزت راسها:
– لا…
مش عايزة محاضر.

الدكتورة بصت لها بأسف:
– في خبر لازم أقوله لك…
أنا ما قلتش للراجل اللي بره.

مريم قلبها وقع:
– خبر إيه؟

– إنتِ حامل.

مريم انتفضت من مكانها:
– لا!
مش عايزاه!
مش عايزة الحمل ده!

مسكت إيد الدكتورة برجاء:
– أرجوك…
اعملي أي حاجة، ونزليه. 


تعليقات