رواية النغم الحزين الفصل السادس بقلم فاطيما يوسف
أيها الزمن أما آن للمتوجعين أن تمضي أيامهم بارتياح!
فنحن نطلب الفرح ونسير مثقلين بالجراح، نقصد دربًا واحدًا فتبعثرنا السُّبل ونضيع بلا اتجاهٍ واضح، ونُسمّي التعلّق حبًّا وهو في حقيقته استباحةٌ للروح وانقسامٌ لا يُحتمل ولا يُستراح، نبكي على ما فات ولا نرى من يبكي علينا، ونتعلّق بما ضاع كأن الفقد لم يكن كافيًا للإيضاح، فليس كل ما نُحبّه يُنال، وشتّان بين حبٍّ يُحيي القلب، ووجعٍ نُدمنه ببراءةٍ وسذاجةٍ وانشراح.
وكمل كلامه وهو بيقرب من شفايفها لتاني مرة ومقدرش يمسك نفسه معاه وبدأ يدوب طعم الحلال معاها بإحساسها ، وهي مقدرتش تمانع ولا قدرت تبعد ، هو ساحر سحبها لأول طريق القرب ومقدرتش تتحرك غير إنها تبادله قربه بخجل شديد وبرقة وبهدوء عصفت بكيانه، أول مرة يدوق طعم القبلة اللي فيها احساس بين ايدين حلاله لحد ما فجأة انتفضت من بين ايديه من شدة الوجع بعد ما ماضغط على ايديها المحـ.ـروقة بدون قصد ودموعها كأنهم كانو حاضرين:
ـ آه يدي هتوجعني قوي .
بلع انفاسه بصعوبة وصدره بقى في صعود وهبوط بسبب بعدها المفاجئ عنه بعد ما قرب منها وداق من شهد قربها واحساسها المختلف من مجرد قبلة لدرجة إنها نسته نفسه ونسته انها مجروحة في ايديها، فاعتذر لها بذوق :
ـ وه هتوجعك قوي! حقك علي عاد والله ما كنت أقصد، خلاص متبكيش هخلي بالي بعد اكده.
كانت قاعدة مكسوفة جداً قدامه ونبضات قلبها بتتسارع جواها لدرجة إنها شكت إنه ممكن يكون سمع صوت دقات قلبها السريعة،
ولما أخيرا رفعت عيونها واتلاقت بعيونه شافت فيهم نظرة الرغبة اللي هي حافظاها كويس، فاستأذنت منه وقامت وقفت :
ـ بعد اذنك هدخل أوضتي عايزة انام هحس بدوخة شوي .
قام زي الملهوف هو كمان وقرب منها شوية وهو بيسألها بخوف:
ـ ليه هتحسي بالدوخة والصداع ، تحبي انزل أجيب لك حبوب للصداع ؟
ابتسمت برقة لحنيته عليها وطيبة قلبه، عمرها ما كانت تتخيل إن حد ممكن يحن عليها في الدنيا دي بالشكل الكبير ده وشكرته:
ـ منحرمش منيك ولا من حنيتك وطيبة علي ،بس اني معايزاش اتبعك وياي، وكمان اني لما هنام الصداع هيروح وهبقى زينة .
ربع ايديه قدام صدره وهو بيسألها علشان يضيع وقت ومتمشيش من قدامه، بقى حاسس انه رجع مراهق أو شاب صغير بيتعلم ابجديات العشق اللي عمره ما عاشها قبل كدة معاها، كان وجودها وطلتها قدامه وابتسامتها ونعومتها ورقتها حاجات عمره ما شافها قبل كدة:
ـ أولا لسه بدري على النوم، على حد علمي إن اللي هيحب القراءة ممكن ينام على نفسه والكتاب في يده، وكمان القهوة اللي عملتها لك هتمشي لك الصداع، وبالمناسبة عاد مقلتليش رأيك فيها يا "نغم"؟
جواها اهتز من طريقته وبقت واقفة متنحة قدامه وهي بتكلم نفسها بصوت داخلي غير مسموع:
ـ لا والله أني مش كدك ولا قد نظراتك ولا همسك دي، يختييي على أيامك اللي جاية يا "نغم" هتصدي قصاد دي كيف.
ووعيت لنفسها وهي كانت تايهة في ترنيمة صوته الرجولية وهو بينطق اسمها وجاوبته بصوتها الهادي الرقيق:
ـ على فكرة أني قلت لك رأيي في القهوة وشكلك هتنسى بسرعة، وقلت لك إنها زينة وتسلم يدك .
شاغبها وهو بيرفع حاجبه بمكر وقرب منها وسند على باب أوضتها وبقى واقف قدامها وقال لها :
ـ اصل من حقي انسى بصراحة، في حاجات اكتشفتها وشفتها النهاردة خلتني بقيت واقف مكاني هتنح من جمالها ورقتها، وفي مشكلة كَبيرة كمان مقادرش متمنهاش ومقادرش أقرب لها، قولي إنتي محداكيش حل لحالتي داي ، أو مقابلكيش حد من أبطال رواياتك حالته كيف حالتي وتدليني هيتعامل وياها كيف ؟
سندت راسها هي كمان على الباب قصاده وكلامه وطريقته وسحبه ليها في الحوار نساها نفسها وجاوبته :
ـ بص هو في الحالة دي البطل بيكون مشغول باله بحاجة جَديدة دخلت حياته، ومخلياه بالحالة داي، فشوف بقى ايه المستجد عليك خلاك بالحالة داي بس قبل ما تفكر وتشوف، قل لي انت الحاجات داي باسطاك ولا هتعكِر مزاجك ، ولو بسطاك خلاص توكل على الله وتعمق فيها، أما لو هتعكِر مزاجك بلاش منيها خالص.
وكملت والحزن اترسم على وشها وهي بتخرج اللي في قلبها :
ـ على الاقل انت هتملك رفاهية رفض اللي هيضايقك واللي هيتفرض عليك، اما اللي زي حالاتي هيسوقوها كيف الغنم ويحطوني مكان ماهم هيريدو معنديش حرية الاختيار.
خلصت كلامها ولمعة الدمع في عيونها وللأسف عيونها مقدرتش تسيطر وفرت الدمعة منها، اول لما شافها قرب منها ومسح دمعتها بسبابته ونظرات عيونه بتتألم علشان احساس الوجع اللي في هتحس بيه، ولقى نفسه بيحضن وشها بين ايديه وثبت نظرات عيونه جوة عيونها وهو بيطلب منها :
ـ ارجوكي بزياداكي خوف عاد، إنتي خلاص بقيتي في أمان، تعالى يا "نغم"، ارتاحي اهنه على صدري وقولي لي هتحسي بايه دلوك وانتِ هتسندي على ضلعك الآمن .
رخت راسها على صدره وهي بتحاول تنظم أنفاسها، ولما قربت منه سمعت نبضات قلبه اللي مش مبطلة دقات جواها زي نبضات قلبها بالظبط، كانت حاسة في اللحظة دي إنها جوة حضن الأمان، حضن بالنسبة لها حصن حصين من غدر الأيام والناس، أول مرة تلاقي الدفى اللي هي حاسة بيه على صدر راجل احتواها، اول مرة تجرب حضن رحيم بيخفف وجعها لمجرد دمعة وحتى من غير ما تشتكي،
الدنيا كفيتها أوجاع وصدمات وهو في حضن واحد كفاها امان وحنان ، لقت نفسها بتتمسك بحضنه وبتتمرمغ براسها جواه شكل ما تكون بتعبي جوه ضلوعها من الحنية والاحتواء قدر كافي يخلوها تكمل وتعرف تصد على الهجمات اللي بتترشق لها من كل صوب وحدب، لحد ما سمعته وهو بيهمس لها بصوته الرجولي المبحوح بتأثر من حركاتها الناعمة:
ـ ها ، قولي لي هتحسي بايه دلوك يا "نغم"؟
جاوبته بنفس نبرة الهمس وهي متمسكة في حضنه قوي بإحساس صادق نابع من جواها باللي زلزل كيانه وخلاه بقى مش قادر يمسك أعصابه معاها:
ـ ياريت حضنك كان مدينة وليا عقد ايجار فيها حتى كنت أسكنها مدى الحياة واقفل بيبانها علي ومهخليش بمفاتيح واقفال وارمي نفسي جواها واهرب من العالم كلاته وأستكفى بحضنك .
خرجها من حضنه وهو حاضن وشها بين ايديه تاني وبيعترف لها هو كمان، والاتنين نفس معنى النظرات، نفس إحساس الفقد، نفس إحساس الاحتياج، الاتنين بيجربوا مع بعض مشاعر لأول مرة يحسو بيها وجواهم قد ماهو مرتاح ومطمن في اللحظة دي قد ماهو خايف ومرعوب من لحظة فقدانها، وعند قلبه وعقله ما جم للنقطة دي انها ممكن تضيع من بين ايديه بعد ما لقاها وجرب معاها احساس الحب اللي اول مرة يدق بابه في اللحظة دي بالذات:
ـ هعترف لك اني كمان إني لو حضنك دي كان نهر وأني عطشان هقرب منيه واغرق حالي جواه واحس بنعيمي جواه، على فكرة أني زيك تمام معرفش يعني ايه قرب حبيب من حبيبه وانتي خابرة زين "دعاء" والبيت كلاته اهنه عارفها وعارفين كد ايه هي صلبة وجامدة من جواها، يعني مش انتي لوحدك اللي اتحرمتي من معنى الحنان، أني نفسي أعرفك بعيون تانية يا "نغم"، اعرفك بعيون غير اللي خلتنا نتجمع مع بعض ونُبقى في الموقف دي، نفسي اني وانتي ندي فرصة لبعضنا إننا نتعمق جوانا وكل واحد فينا يخرج للتاني كل اللي في قلبه بدون خوف ولا رعب من اي حاجة ولا حتى من اللي جاي، ايه رأيك؟
ابتسمت له وهي بتهز راسها برضا عن كل اللي قاله، واخدها من ايديها ودخلوا البراندا اللي بتطل على أرضهم من ورا علشان يعرفوا يقعدوا ويحكوا مع بعضهم من غير ما حد يقلقهم ولا يحسسهم أنهم بيعملوا حاجة غلط، وكل واحد فيهم قعد يحكي للتاني عن كل حاجه عنه وعن اللي بيحبه واللي بيكرهه واللي محتاجه واللي مش محتاجه واللي نفسه فيه واللي مش نفسه فيه لحد ما ناموا على نفسهم مكانهم، ما كانوش عايزين يفارقوا بعض حتى في نهاية اليوم، وكانت بالنسبة لهم الليلة دي زي ليالي ألف ليلة وليلة اللي الملك كان بيقعد فيها جنب الملكة وهي تقعد تحكي له الحواديت وهو يسمع لها وفي آخر الليل يناموا على حكاوي بعض وهما في حضن بعض وناسين الزمان والمكان والناس وكل اللي فاكرينه انهم مش قادرين يبعدو عن بعض.
*******
كان مستغرب جدًا بعد ما خلّص صلاته، ولما شاف صاحبه الشيخ "صالح" بصّ له بنظرة غريبة، أوّل مرّة يشوفها منه، وسابه ومشي من غير ما يتكلم معاه،
قام بسرعة ولحقه بعد ما خرجوا من المسجد، وهو بينادي عليه:
ـ ـ "شيخ صالح" جرى ايه يا جدع بقى، داي مقابلة تقابلها لي بعد رجوعك من السفر ست شهور كاملين ما شفتش صاحبك فيهم، فين الحضن؟ وكمان ما كلمتنيش علشان نتقابل زي كل مرة، هو أني مزعلك في حاجة واصل يا شيخنا؟
ردّ عليه الشيخ "صالح" وهو ماسك سبحتُه في إيديه وبيستغفر ربنا، بس مش قادر يكتم في قلبه اللي سمعه:
ـ هو انت كنت عِملت حساب للصحوبية يا "سند" ؟! ولا عِملت حساب لربك في العملة الهباب اللي انت عِملتها واللي ما تليقش عليك كراجل صَعيدي هيحترم دينَه وهيحترم ربَه؟
"سند" لحد دلوقتي مستغرب الشيخ "صالح" وكلامه، وما يعرفش هو يقصد إيه، ولكن قرب منه وسأله بصوت واطي عن مقصده علشان يفهم طريقة كلامه ومعاملته معاه متغيرة كده ليه:
ـ وه يا "صالح" هو الموضوع كبير قوي اكده؟! طب ما تاجي نقعد في اي مكان وتفهَمني مقصدك إيه لأني ما فاهمش أني إيه الجريمة اللي عِملتها علشان خاطر تتحدت وياي بالشكل دي؟
ومشيوا هما الاتنين وراحوا في مكان جانبي بعيد عن أي حد المكان اللي متعودين يقعدوا فيه لما يكون فيهم واحد عنده مشكلة،
"سند" و"صالح" أصحاب جداً من وهما أطفال صغيرين ، وأول ما وصلوا بدأ الشيخ "صالح" يعاتبه:
ـ بقى أرجع من السفر الاقيك متجوَز محلل يا "سند" ، رضيتها على حالك كيف يا صاحبي وانت عارف ان الموضوع دي حرام ومن أكبر الحرام كماني؟
"سند" استغرب من كلامه وسأله لأنه ما يعرفش تفاصيل عن المحلل زي ما الناس بتعمل عادي الموضوع ده بالنسبة لهم، ده غير طبعا ان السؤال جرحه جدا وهو ده اللي كان خايف منه بسبب الجوازة دي، وما كانش عايز يعمل الموضوع ده كله بسبب الأسئلة والنظرات اللي الناس هتلومه عليها:
ـ أني مفاهمش حاجة يا شيخ ممكن تفهمني حرام كيف و ربنا اللي حلله في القران الكريم إن المطلقة من جوزها تلت طلقات لو عايزه ترجع لطليقها تتجوَز وبعدين حلال انها ترجَع له عادي.
الشيخ ضـ.ــرب كف على كف وهو بيستهزأ بكلامه وبقى يزوم بغضب ،وجاوبه بالتفصيل:
ـ والله الناس داي أحوالها غريبة يا جدع حتى الدين هيحرفوا فيه على كيفهم وهيتجوزوا ويعيشوا في الحرام ويتطلقوا ويعيشوا في الحرام ويرجعو ويتجوزوا تاني ويعيشوا في الحرام وهما ما فاهمينش يعني إيه جواز وطلاق؟! ويعني إيه حدود شرع الله اللي تتهز لها سبع سماوات؟! هي الدنيا خُربت من شيء شوية.
وكمل كلامه وهو بيفهمه معنى المحلل زي ما ربنا سبحانه وتعالى قاله في القرآن الكريم، وزي الرسول صلى الله عليه وسلم ماوضحه:
ـ المحلل مش معناه إن الراجل يطلق مرتة في ساعة الغضب الطلقة التالتة وبعدين يروح يشوف لها راجل يتجوَزها علشان ترجع له تاني، المحلل له شروط ومن أهمها إن جواز المطلقة ما لهوش علاقة بطليقها نهائيًا، يعني تتجوَز جواز طبيعي على سنة الله ورسولة ولا في نيتة ولا في نيتة إنها بتتجوَز عشان تطلق وترجع لطليقها تاني، الجواز بيكون طبيعي جدًا بعيد عن الزوج الأول، ولازم إن يدخل بها، واذا ما ارتاحتش مع الزوج التاني وشافت إن الحياة بينهم مستحيلة ومقدراش تكمَل وياه، والأسباب تكون بَعيدة كل البعد عن طليقها الأولاني في عدم ارتياحها في المعيشة، تقدر تطلق، ووقتها الشرع حلل لها إنها ترجع لجوزها تاني.
"سند" برق عينيه بـصدمة وهو بيسمع كلام الشيخ وما كانش متوقع ان ده حكم الشرع زي ما ناس كثير جدا مش عارفين حكم الشرع في الموضوع اللي زي ده وساله:
ـ يعني ايه موقفي يا شيخ من الجواز داي، والله العظيم أني كنت رافض، واخوي خطف بنتة وبهدل مرته وعراها في الشارع، وكل يوم هيجيب لنا فضيحة، وآخر مرة كان ماسك ولده بالسكينة كان هيجيب أجله وهو شارب وعميان، وابوي هو اللي أمرني إني اتجوَزها علشان أمنع الفضايح وخوفًا على العيال منيه، وخصوصًا إنه هيعمل بلاوي للناس كلاتها وما هيهمهوش حد واصل، وعِنده استعداد يحارب أي حد يقابله ويموته كمان، اخوي مجنون وأني خابرة، وانت كمان يا شيخ خابرة زين وعارف قد ايه هو كان هيعمل مشاكل وانت كنت هتتدخل فيها وبرضه ما كانش ليها حل، وكان كل يوم والتاني يجيب لمرتة رجالة ويعرضها عليهم وبهدلها آخر بهدلة، والحوار مش شكل ما انت فاهم عاد.
الشيخ "صالح" اتنهد وهو بيسأله عن تفاصيل الجواز:
ـ طب انت اتفقت وياه على ايه يا "سند" في الموضوع دى؟
"سند" كان غضب الدنيا في عينيه، بيتنفّس بسرعة بسبب كلام الشيخ "صالح"، وحاسس إن كرامته كراجل وكبرياؤه انهدروا في الأرض بسبب أخوه، وهو طول عمره بيتضرب بيه المثل في الأخلاق والرجولة والشهامة، وبدأ يحكي التفاصيل:
ـ اتفقت وياه إني هتجوزها سنة، وهو في السنة داي ما يكونش موجود فيها ويبعد عن البلد نهائيًا وما يجيبش مشاكل، وبعد السنة يحلها الحلال.
هنا الشيخ "صالح" قرّر إنّه يوقّف المهزلة دي، ويعرّفه إنّ ده حرام، ويعرّفه الصحّ اللي لازم يعمله في الموضوع ده:
ـ شوف يا "سند" لو طلقتها دلوك اخوك هيرجع يغصبها إنها ترجع له ومفكر إن اكده حلال، وما حدش في الدنيا داي هيقدر يقف قصاده ويوقفه عن الرجوع ليها، وهيُبقى حرام في حرام، وهو مقتنع من جواته إنها خلاص طالما اتجوَزت يُبقى الرجوع حلال، وفي الوقت داي انت ما ينفعش تطلِقها وما ينفعش تعيش وياها على إنك مؤقت في حياتها وترجعها لها تاني، الحل لازم إنك تدخل بها دخولًا طبيعيًا كزوج وزوجته في نيتكم إنكم تكملوا حياتكم مع بعض بعيدًا عن اخوك نهائيًا، وهو داي حكم الشرع، حتى لو طلقتها علشان خاطر ترجع له رجوعها من اخوك حرام بعد ما دخلت بيها، لأنك في الوقت داي هتكون نفذت المحلل بطريقة حرام كيف ما الناس ما فاكراه، يعني انت يا صاحبي لازمن تتعامَل وياها على إنها زوجة تانية، وعلى إنها جوازة طبيعية بعيدًا عن أي حوارات في دماغ اخوك ووالدتك اللي أكيد هتقف جار اخوك زي كل مرة.
أوّل ما الشيخ خلّص كلامه، "سند" حسّ إن هموم وجبال الدنيا كلّها طبقت على صدره، وما بقاش عارف يعمل إيه ولا يتصرّف إزاي، والدنيا كلّها بقت في عينيه أضيق من خرم الإبرة، لإنه عارف إن أخوه مش هيسكت، وإنّها هتقلب نار ودمار، ولا أمّه هتسكت:
ـ انت عارف يا شيخ كلامك داي هيعمل ايه بيني وبين اخويا وامي، وهيعمل ايه لما يرجع يقول لي أني عايز مرتي نفذ الاتفاق اللي اتفقت وياي عليه؟ هعمل ايه وقتها يا شيخ؟ داي نار هتفتح على الكل، ما حدش هيقدر يطفيها لو مين بالذي انت عارف، "سمير" وجبروته وقله عقله، وكمان هيمشي يشيع في البلد أني اخدت مرتة منيه، وإنه له في رقبتي وعد وعهد ما هنفذوش، وهيفتكرني خاين الوعد.
الشيخ "صالح" رد عليه بحزم:
ـ شوف يا "سند" الرسول عليه الصلاة والسلام قال المؤمنون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرّم حلالًا، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وشرع الله ما فيهوش اخوي ولا ابوي ولا قريب ولا غريب، شرع الله فيه حدود لازم إنها تتنفَذ، وخصوصًا في أمور النسب والجواز، ما يُبقاش عيشتك في الحرام وعيشة أخوك في الحرام وتاجي أطفال في الدنيا من الحرام بسبب قلة عقول الناس، وزي ما كنت هتُقف له بالمرصاد في كل حاجة، لازمن تقف له بالمرصاد في الموضوع داي بالذات، وأني وياك ما هسيبكش، أني وشيوخ البلد والعمدة كمان.
"سند" بقى قلبه بيدق بنبضات سريعـة بسبب اللي هيحصل، وأبواب الشرّ اللي هتتفتح عليه من "سمير" وعلى "نغم" وولادها، وعلى ولاده هو كمان، وغير ده كلّه من أمّه اللي هتقف له بالمرصاد هي كمان في الموضوع ده، وشكل اللي جاي عاصف على الكلّ، ودلوقتي بقى هو مُجبر بشرع ربّنا إنّه ينفّذ حكم الشرع في جوازه من "نغم"، وإنّه لازم يدخل بيها بنيّة العيشـة الحلال والستر ما بينهم همّ الاتنين، ومش عارف هيجيب بال منين يعيش وياها زيه زي أيّ راجل وستّ، وهو بيفكّر في اللي جاي واللي ما يبشّرش بالخير أبدًا، وسأل الشيخ بتوجس :
ـ طب دلوك يا شيخ أني أعرِف إن ما بني على باطل فهو باطل، اكده عقد جوازي منيها باطل ولا ايه مفاهمش حاجة دلوك ؟
جاوبه الشيخ بالتفصيل علشان يكون على علم وراحة :
ـ شوف يا "سند" إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ، انت كتبت العقد على يد مأذون بطريقة صحيحة وسليمة وأهلها وأهلكم باركوا وهنوا وكمان العقد مفيهوش شرط بتحديد المدة وإلا اكده يُبقى باطل، وطالما كل دي مش موجود يبقي جوازك منيها مناقصهوش غير انك تفهمها إن اللي حُصل دي حرام وانك لازمن تتمم جوازك منيها ، وكمان لازمن تشيل من نيتها وتفكيرها فكرة الرجوع لاخوك نهائي وانت كمان تعقد النية من جواك انك تدخل بيها على انها زوجتك حلالك بعيد عن اتفاقك وعهدك الباطل دي مع اخوك، وكماني تعيشو ويا بعض اكده قدام العالم كمان .
ـ طب ياشيخ الناس في البلد كلاتها هتتحدت عنيه الموضوع دي واني معارفش اشيل الفكرة الشين داي من راسهم كيف ؟
ـ بسيطة يا "سند" أخرج بيها قدام الخلق ويدها في يدك، عرف الناس بالطريقة انها تخصك، وكمان تعقد النية إنك تخلف منيها وداي نصيحتي ليك خوك لو رجع ولقاها شايلة عيلك في بطنها هيتهد شوي ومهيقدرش يتحدت واصل واها اديك بتكسب وقت على ما خوك يستوعب هو ووالدتك ، انت هتتعب وهتعاني وهتشوف العجب وأني عارف بس انت حطيت حالك بين قاب قوسين أو أدنى.
وكمل كلامه بخفة وهزار وهو بيدخل السرور على قلبه لأنه شايف توتره و عصبيته:
ـ وبعدين يا جدع انت صحتك عال العال الله أكبر هتكفي مرة وتنين ، واحدة تزعلك التانية تتمنى رضاك، وهتهيص في العسل وارمي ورا ضهرك بلا "سمير" بلا عز الدين .
ابتسم "سند" على دعابة صاحبه الشيخ "صالح" وقال:
ـ الله يحزك يا شيخنا والله ضحكتني وأني الهم والحزن مالي قلبي .
ـ اضحك يا عم وطول ما انت ماشي بنور الله هيخرجك من أشد الضيق ومتقلقش أني مهسافرش غير لما اطمَن عليك وهتلاقيني جارك في كل ضيقة ، بس الاول قول للحاجة إني هاجي لها بكرة بعد صلاة الجمعة وخليها تطبخي لي المحشي والملوخية اللي هحبهم علشان هتحدت وياها في الموضوع دي ومهفوتهاش إلا وهي مقتنعة .
ـ تفتكر يا شيخنا هتقدر تقنع الحاجة "رابحة" وتزحزح تفكيرها انت خابر زين إن الموضوع لما يتعلِق بـ"سمير" اخوي بتُبقى دماغها دماغها يابس كيف؟
ـ متقلقش وعلى رأي المثل الزن على الودان ، ماهو شرع الله مفيهوش تهاون واحنا بينا عيش وملح سنين ولازمن تقتنع مهما حاولت تعاند اني وراها .
ـ على الله التساهيل يا شيخنا.
ـ الله يسهل لك انت يا صاحبي النهاردة ليلة الخميس شد حيلك ونفذ شرع الله علشان تكون مستريح وربك ميُبقاش غضبان عليك واصل.
******
دخلت الجامعـة، والبنات كلّها عمالة تبصّ عليها ويضحكوا، الشِلّة اللي دايمًا بتبعد عنها واللي دايمًا ما بتحبّش تجتمع معاهم في أيّ مكان، لكن من ساعة ما دخلت وهي حاسّة بنظراتهم الغريبة وتنمّرهم عليها، وكالعادة سابتهم ومشيت، لإنّها ما عندهاش وقت تضيّعه مع الشِلّة دي، لحدّ ما "نانوا" صاحبتها الإنتيم شدّتها من إيديها وهي بتسألها:
ـ إنتِ يا "مهرة" مش حاسّة بحاجة غريبة في الجامعـة النهارده؟ أنا قلت إنّك عارفة اللي بيحصل حواليك، ما إنتِش شايفة البنات كلّهم والشباب عمالين يبصّوا لك إزاي؟
"مهْرَة" استغربت من كلامها، وهي مش فاهمة معناه ولا عارفة تقصد إيه:
ـ يعني ايه يا "نانو" مقصد كلامك؟ أني ما فهماش حاجة واصل، وبعدين ما انتِ خابرة زين البنات اهنه ما هيبطلوش تنمّر على اللي رايح واللي جاي، وأني عامله مشاكل وياهم كلاتهم، وبصراحة اكده ما فاضياش ليهم عاد.
"نانو" بلعت ريقها وسألتها بخجل وهي بتتلجلج في الكلام:
ـ إنتِ كنتِ قلتي لي قبل كده إنّك شغّالة علشان تقدري تصرّفي على نفسك، ممكن أعرف إنتِ بتشتغلي إيه؟
"مهْرَة" اندهشت من سؤالها، فردّت عليها بسؤال تاني:
ـ ايه السؤال الغريب داي يا "نانو"، ومالك انت بشتغل ايه ولا مش بشتغل؟ احنا اصحاب بس، داي خصوصيات ما ينفعش حد يتدخل فيها ولا يسألني عليها، كيف ما انتِ ليكي خصوصيات أني ما هسألش عليها واصل.
ضمّت صاحبتها شفايفها بضيق وفهمت إنّ "مهرة" ما تعرفش أي حاجة عن موضوع الفيديو المنتشر في الجامعـة كلها. طلعت موبايلها وهي بتعتذر عن سؤالها، لإنّ "نانوا" متربيّة جدًا، وهي صاحبة "مهرة" الوحيدة، والوحيدة اللي "مهْرَة" تثق فيها في الجامعـة كلها.
ـ يبقى إنتِ ما تعرفيش حاجة عن الفيديو؟ أنا والله ما أقصد أسألك أي سؤال محرج، ولا أقصد أتدخل في خصوصياتك، بس إحنا أصحاب وما ينفعش أشوف فيديو زي ده منتشر في الجامعـة وما تشوفيهوش، لازم تعرفي كل حاجة بتحصل حواليكِ.
"مهرة" كانت مستغربـة، فيديو إيه اللي بتتكلم عنه، والحوار كله غريب بالنسبه لها. ولحد دلوقتي طبعا ما كانتش فاهمة حاجة، لإنها ما تعرفتش وما دخلتش جروب الجامعـة عشان تعرف عن موضوع الفيديو كمان، اللي انتشر النهارده بسرعة الصاروخ في الجامعـة كلها.
وأول ما وريتها الفيديو، "مهرة" برّقت عينيها بصدمـة من اللي شافته؛ مصورينها وهي شايلة الصندوق على رقبتها وبتلف بين الإشارات تبيع مناديل ورفايع، وكاتبين كمان كلام سخرية عنها، وعن إنها ما تشرفش وجودها في الجامعـة، ولا إنها المفروض تكون في مكانة مرموقة زي اللي موجودة فيها في الجامعـة، لأن كل الدكاترة بيقدّروها جدًا لامتيازها وجهدها عن باقي أصحابها،
وهي بتتفرّج على الفيديو ما اهتزتش وابتسمت بفخر ، وادّت الموبايل لصاحبتها، وهي بتسألها بكبرياء وشموخ:
ـ ماله بقى اللي في الفيديو؟ واحدة شغالة وهتصرف على حالها بكرامة وشرف، وعمري ما مديت يدي لواحدة في الجامعة، وعمري ما استقصدت حد في فلوس ولا استلفت حاجة من حد ايا كانت، ايه طول عمري من ساعة ما دخلت الجامعة اهنه، وأني في حالي، وحتى العزومات اللي البنات كانت هتعزمني عليها في أعياد ميلادهم ما كنتش هروحها وكنت برفض أي حاجة من أي حد، مالهم ومال شغلي.
فجأة بصّوا هما الاتنين وراهم، لقوا نصّ الجامعـة تقريبًا واقفة وراهم، واللي صورتها الفيديو جت ووقفت قدامها، وهي بتعرض لها شاشة الموبايل وبتتكلم بسخرية قدام كل اللي واقفين، وكانها ماسكة كنز في إيديها:
ـ مناديل يا باشا، مناديل يا بيه! رفايع يا باشا، رفايع يا ست! يلا مين عايز!
مش كنتِ تقولي لنا يا "مهرة" هانم، يا اللي كنا فاكرينك سلالة الحسب والنسب، إنك بتشتغلي شحاتة بين الإشارات؟ عشان كنا نيجى ننفعك ونشتري منك بدل ما إنتِ ماشيـة تمدي إيدك للغريب؟ أصحابك أولى بيكي، وإحنا على الأقل هنكرمك ونديكي فلوس زيادة عشان إنتِ صاحبتنا برده.
"مهرة" ما اهتزتش من كلامها، ولا حتى اتوجعت من جواها، لإنها شايلة قلبها من زمان ومحكمة عقلها في كل تصرفاتها وفي كل ردود أفعالها على أي حد يفكر يقف قدامها. قربت منهم، وهي بتربع إيديها حوالين صدرها ورافعـة راسها بكبرياء وشموخ، وردّت عليها باللي أفحمها:
ـ بصراحة ما يشرفنيش أبيع لحد زيك، أني كل زبايني ناس محترمة هتقدر اليد الشقيانة، وبعدين مبخصكيش ولا انتي ولا قطيع البعير اللي سايقاهم وراكي دول علشان فاكرة حالك هتكسريني بالفيديو الأهبل دي.
وكملت كلامها بقوة وهي بتبص لهم بنظرات حادة ومرعبة زي نظرات الصقر لدرجة إنهم استغربوا جدا من نظرة القوة اللي في عينيها وإنها متهزتش ولا انهارت من فضحيتهم ليها، وهبت في وشهم شكل ما يكون الأسد المحبوس خرج من عرينه :
انتِ ما تعرِفيش مين هي "مهرة الحناوي" اللي قدامك داي، هتشتغل من وهي عيلة صغيرة علشان تصرف على نفسها وعلى أمها المريضة، وسبت بلدي في الصَعيد وجيت اهنه، قلت مصر وأهلها بلد الكرم وبلد الخير، بس لما جيت ودخلت الجامعة والسنين اللي فاتت اللي قضيتها اهنه وياكم شفت في عيونك انتِ واللي حواليك دول الغل والكره والحقد من واحدة احسن منكم كلاتكم الف مرة، كفاية إني هطلع من الاوائل عليكم، وكفاية إن دكاترة الجامعة كلاتهم هيقولوا لي نفسنا بناتنا يبقوا زيك، أني عمري ما مديت يدي لواحدة فيكم ولا عمري شفت نفسي اقل منكم، وإن كنتِ هتعملي الحفلة داي كلاتها علشان تكسريني فوقي لنفسك، "مهرة" ما هتنكسرش واصل وهفتخر بأصلي وشغلي، وهديكم كمان عناوين الإشارات اللي هشتِغل فيها كل يوم، وتعالوا صوروني كيف ما هتصوروني واعملوا كيف ما هتعملوا، همشي رافعة راسي وهشتغل وهنجح وهسبقكم وهكون قبلكم، والاولى دايما يا بتاعه بابي ومامي، وهدوس عليكم بجزمتي علشان أني شيفاكم أقل من أقل صرصار .
وكملت كلامها بنفس القوة وهي بتشاور بايديها باستحقار على اللي واقفين كلهم:
ـ ويكون في علمكم كلاتكم ان سمعت حد فيكم هيجيب سيرتي في الجامعة الله الوكيل لهساوي وشه بالأرض، واتقوا شر الحليم إذا غضب، أني ولا فاضية لكم ولا فاضية لقلة أدبكم ولعدم ربايتكم، وعلى رأي المثل الكلاب تعوي والقافلة تسير وأني القافلة شوفوا بقى انتم تبقوا مين .
خلصت كلامها، وأدّت لهم ضهرها وهي حاضنة كتبها بين صدرها ورافعـة راسها بشموخ وكبرياء، خلتهم كلهم يقفوا يضربوا كف على كف، ومن جواهم مرعوبين من كلامها ونظراتها وطريقتها، وطلعتهم قليلة قوي في نظر نفسهم، بقوا يبصّوا للي بعتت لهم الفيديو نظرة استحقار، وفي منهم اللي راح وراها عشان يعتذر لها ويقول إنهم ما كانوش فاهمين، لكن هي كانت ماشيـة في طريقها لقدام، وسايبة اللي وراها بيعتذر، وحتى ما بصتلهمش، لإنها مقرّرة إنها عمرها ما تبص ورا أبدًا مهما كان، ولا تسامح اللي يجرحها مهما اعتذر،
ودخلت للمحاضرة، وطبعًا كانت الدكتورة قدامها وقت قبل ما تيجي، طلعت على المنصّة مكان الدكتورة، وكان كل الطلاب اتجمّعوا، مسكت المايك ورمّت عليهم السلام بابتسامة وبشاشة أدهشت اللي كانوا واقفين بيتريقوا عليها من شوية، وكانوا مفكرين إنهم هيكسروها، وهي بتبلغهم:
ـ مساء الخير عليكم، دلوك أني خلصت تلخيص المادة اللي هتعمل لكم رعب "علم التشريح"، ملخصها التلت كتب بتوعها وكمان كل المحاضرات اللي الدَكتورة اديتها لنا بالتوجيهات اللي فيها، وعملتها المذكرة اللي طلبتوا مني، وأني طبعا استأذَنت من الدَكتورة وقالت لي إن أني اعملها لكم. دلوك هتتفضلوا تحجزوا وياي، والحجز بالدفع، وكل اللي هتحجز فيكم نسختها هتوصل لها بكره، وخلي بالكم ما حدش هيعرف يصور غير من النسخ الأصليه بتاعتي، لأنكم لو صورتوا من بعضكم، الكتابة هتطلع مشوشة عندكم، واظن داي تعبي ومن حقي إنكم تقدروني فيه.
طبعًا المادة دي مسبّبة لهم رعب شديد، لإنها تلت كتب وكمان صعبة جدًا، ودي كانت بالنسبة لهم المادة الماستر اللي ممكن يشيلوها بسبب صعوبتها، فكلهم قربوا منها والتفّوا حواليها، وهم بيحجزوا معاها، وملهوفين كمان على إنهم ياخدوا منها التلخيص للمادة،
و"مهرة" اندمجت معاهم، ولا كان أي حاجة حصلت من شويه، وبقت تاخد فلوس الحجز اللي هي طالباها فقط، بدون زيادة، ولو جنيه واحد هي ما بتاخدش، غير حقها اللي تعبت فيه. وده اللي خلى البنتين اللي فضّحوها يفضلوا واقفين مصدومين، إنهم شايفين كل ده متجمّع حواليها، بالرغم من إنهم كانوا مفكرين إنها هتنكسر وهتوطي راسها في الأرض بسببهم، وكل البنات هينبذوها لدرجة إن الناس كانت ممكن تتعقّد وما تجيش الجامعـة تاني، ويخلصوا منها،
وهم اللي بقوا واقفين في الجنب، منبوذين.
*******
ـ ايه دي معقولة داي "شيماء" أم نضارة كعب كوباية اللي كانت هتلبس بنطلون رجل الفيل هيطل من تحت الجيبة ؟!
ردت التانية وهي بتبص عليها من بعيد :
ـ تصدِقي عندك حق ، البت شكلها اتغير تماماً، وهتلبس لبس كيف ما احنا هنلبس واحسن كماني،اتعلَمت تلبس وتجيب منين الحاجات الحلوة داي ؟
ردت واحدة تالتة وهي بتحذرهم:
ـ بس انتي وهي مش فاكرين اختها لما شافتها في المتحف وهبت في وشكم ، فككو من "شيماء" لا احسن اختها تاجي تفرج عليكم الجامعة تاني وتتفضحوا تاني .
اتكلمت واحده تانية:
ـ "شيماء" اللي هتتحددوا عنيها داي وهتتريقوا على خلقتها البت "هند" شافتها وهي بتغير في المتحف بتقول لك شعرها كيف الحرير وأسود سواد الليل، ورقبتها بيضا كيف القشطة، يعني هي مخبية ورا اللبس الواسع دي جمال مش في واحدة فيكم نهائي.
كان واقف من بعيد بيسمع الحوار بتاعهم ومن كلامهم ركز مع "شيماء" وهيئتها وبقى بيبص لها بنظرة إعجاب مليانة مكر، فقرر يقرب ويجرب الصنف اللي شكل "شيماء" ويضمها من ضمن البنات اللي ضحك على عقولهم، وخصوصاً إن "شيماء" من البنات الخام جداً وهو عمره ما جرب النوع ده زي "شيماء" نهائي، وكلام البنات عنها خلاه قرر وماشي بخطواته الماكرة ناحيتها علشان يصطاد الغزالة الجديدة المتخبية ورا ستار الحشمة ،
وصل عندها كانت قاعدة بتراجع المحاضرة اللي أخدتها، وقف على مسافة محسوبة، لا قريبة قوي ولا بعيدة، كإنه داخل في إطار رسمي جدًا، وصوته طالع هادي ومتزن:
ـ مساء الخير يا آنسة "شيماء".
رفعت راسها بسرعة، أول ما سمعته، اتفاجئت
قامت تقفل الكشكول نص قفلة، واتعدلَت في قعدتها تلقائي وردت عليه:
ـ مساء النور يا دكتور، بخير الحمد لله.
هز راسه بابتسامة خفيفة، ابتسامة دكتور شاطر في إخفاء نواياه:
ـ مش محتاجه تقفلي المراجعة ، أني مش جاي أعطلك اني هعرفك سوسة مذاكرة ومراجعة ومهتحبيش تضيعي وقت .
قالها بنبرة لطيفة، بس فيها سلطة ناعمة،
إيديها فضلت ماسكة القلم، ومشدودة شوية، ومستغربة من طريقته اللطيفة ومبادرته في الكلام معاها:
ـ اصل كنت معدي ولقيتك قاعدة لوحدك، وافتكرت لا تكوني محتاجة حاجة في السيكشن اوضحها لك .
اتوترت من كلامه واهتمامه الغريب ونظراته وعرضه للمساعدة:
ـ آه… لااا، الحمد لله ممحتجاش حاجة .
بص على الكشكول، مش مباشرة، كإنه مهتم بالمادة مش بيها، علشان ميبانش إنه بيرسم عليها:
ـ واضح إنك بتركزي قوي، معظم الطلبة بيجروا على الكافيه بعد المحاضرة وكأنهم كانو في المعتقل .
ابتسمت ابتسامة خجولة، وجاوبته بهدوء :
ـ بحاول مضيعش وقت علشان المواد صعبة شوي، علشان مستواي ميقلش .
رفع حاجبه بإعجاب خفيف وبيتعامل معاها بتقل:
ـ ودي نادر جداً في ان بنت تهتم الاهتمام دي كلاته بمذاكرتها، واني متعاملتش مع بنات جد قبل سابق زيك اكده.
سكتت ومعرفتش ترد على كلامه، حسّت إن كلامه أكبر من مجرد تعليق عادي،
قعد على الكرسي اللي قدامها، من غير ما يستأذن، وفجأة قلبها دق من طريقته دي ولحد دلوقتي مش قادرة تفهم ، وقال لها:
ـ تعرفي…
وقف شوية، وكمل:
ـ أني دايمًا بستغرب الطلبة اللي شبهك.
ـ شبهي؟
قالتها بتردد، وكمل هو :
ـ آه. الهادية، اللي بتقعد في آخر القاعة فاكرة إن محدش واخد باله منها.
بلعت ريقها وردت عليه :
ـ يمكن علشان مش بحب الفت النظر ليا ، وكمان هحب ابعد عن اللي هيأذوني بنظراتهم ولسانهم السليط.
ميل بجسمه لقدام وهو بيحاول يجر كلام معاها:
ـ بس دي غلط يا "شيماء" مينفعش تُبقى ضعيفة والمفروض ما تسمحيش لحد يهينك حتى لو كان مين .
رفعت عينيها له، بسرعة، وبعدين نزلتهم تاني :
ـ أني شخصيتي انطوائية شوية، ومهعرفش ادافع عن حالي، بس الحمد لله أني زينة وليا ملايكة هتدافع عني .
ابتسم بمكر ورد عليها:
ـ واضح انك هترضي بقليلك، علشان كلمة كويسة داي مش كفاية.
سمعت نصيحته وحاولت تواجهه هو الأول لأنه كان من ضمن المؤذيين ليها :
ـ هو حضرتك عايز ايه بالظبط وايه اللي انت رايده من ورا الحوار دي وياي ، إذا كنت حضرتك من ضمن اللي كانو هيأذوني نفسياً.
اتحمحم وهو بيحاول يمثل الخجل ورد عليها:
ـ طب اني عرفت غلطي وجيت اعتذر عن طريقتي وياكي قبل سابق ونفتح صفحة جديدة ونُبقى اصدقاء ايه رأيك.
كانت متوترة جدا واعصابها مهزوزة بسبب نظراته ليها، وردت عليه وهي موافقة على عرضة بطيبة :
ـ تمام يا دكتور اني موافقة نفتح صفحة جديدة.
ـ عاش قوي يا "شوشو" تسمحي لي ادلعك عادي احنا بقينا صحاب، وعلشان اكده حابب اقول لك ان ضحكتك قمرر، وقلبك طيب قوي وأني هحب أصحاب القلوب الطيبة جداً.
ابتسمت بخجل على كلامه وغزله المبطن وهو شاف الابتسامة حس من جواه إن طريقه معاها سهل جداً ومش هتاخد في ايده غلوة .
*******
كانت قاعدة ببجامة بنص كم وشعرها مفرود على ضهرها ووشها متزين بالميكب وكانت طلتها ولا طلة القمر وريحتها الحلوة سابقاها،
سمعت جرس الباب بيرن ، قامت تفتح بصت لقت رابحة في وشها، احساس الخوف اتملك منها وحاسة إن رجليها مش شايلاها وخصوصاً لما سمعتها بتتكلم بتريقة وهي بتبص لها من فوقها لتحتها بنظرتها الكريهة....
