رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل السابع 7 بقلم نورهان ال عشري


 رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني  ( هل من سبيل للغفران) الفصل السابع 


يُقال إنَّ آخر أيّامِ المحبّة هي أوّل أيّام الفِراق، ولكن 
ماذا عن قلبٍ فارق، وما يزال داخله فيضٌ من الحبّ، وأطنانٌ من العِشق الذي لا يُنقِصه فِراق، ولا يُبخِس لوعته شِقاقٌ؟ 
و خاصةً حين يقف جريحاً أعزلًا في مواجهة نوبات الحنين الضارية حين تباغته الذكريات وتستيقظ من سُباتها، فتنقشع الغمامة عن جراحٍ غائرة، وتُداهم قراراتِ العقل بضراوة، لتجرده من كل شيء يملكه ماعدا الوجع. فيتحوّل الأمر إلى حربٍ طاحنة لم يُكتب لأيً من أطرافها النصر.
لذا، أؤكد أنه لا حبَّ يُنهيه الفِراق، ولا فِراق قادر على إقصاء الحُب

نورهان العشري ✍️ 

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

شعرت بأن للكلمات أسنان مُدببة انغرزت في قلبها حين جاء على ذِكر زوجته الأولى، و وضعها في مقارنة معها. وكما هي العادة تختار أن تتألم وحدها بصمت لذا تراجعت من أمامه دون أن تُعطيه الفرصة لتجاوز صدمته عن ذلك الخطأ الفادح الذي ارتكبه في حقها دون قصدٍ منه، ليفزع قلبه حين شاهدها تتراجع إلى غرفة تبديل الملابس وتغلق الباب خلفها ثم تستند عليه بكل ثقلها و عبراتها تروي أي وجعًا أصاب قلبها، لتنتفض إثر طرقه القوي على الباب وهو يهتف بلهجة مُشبعة بالندم واللهفة معًا:
ـ أشجان. حقك عليا. اخرجي نتكلم.

كانت تجلس فوق الأرض الصلبة تضم قدميها إلى صدرها تحتضنهم بذراعيها، فهي الشخص الوحيد الذي يبقى لها في نهاية المطاف، فبكل مرة تسقط تكن هي الوحيدة التي تمحو عبراتها و تربت على جراحها حتى تهدأ.
ـ سيبني دلوقتي يا خالد أنا مش قادرة اتكلم..

كان الندم يقرضه من الداخل حتى كاد الألم أن يجعله يُجن بالإضافة إلى نبرتها المبحوحة و شهقاتها الخافتة التي تتراشق بصدره كالرصاص، كل هذه الأشياء كان لها وقعًا ضاريًا عليه ليصرخ بانفعال ارتجت له جدران الغرفة:
ـ أشجان بلاش تجننيني قولتلك افتحي الباب دا خلينا نتكلم.

هبت من مكانها وهي تصرخ بانفعال من بين عبراتها الغزيرة:
ـ قولتلك مش عايزة أكلمك امشي..

صوتها الجريح و بكائها و حزنها كان هذا المُثلث المُرعِب قادر على الفتك به في هذه اللحظة، فأي غباء قد ارتكبه في حق حبيبته البريئة الرقيقة مما جعل نبرته تتهدج حين قال:
ـ طب اسمعيني و بس. مش لازم تردي عليا. خليني افهمك. أنتِ متعرفيش أنا بخاف عليكِ منهم ازاي! 

كان عقلها كالإعصار الذي لا يهدأ، فقد أخذ يستعرض ذكرياتها المريرة منذ زواجها الأول، و حتى طلاقها و كل ما تلاه من وقائع ظالمة نالت من قلبها حتى أدمته مما جعل آلامها تتضاعف، ولم تلحظ كلماته التي تقطر عشقًا، فقد أرادت التلاشي من هذا العالم الذي لا يحترم الضعف ولا يقدس البراءة. لا إراديًا وضعت يدها فوق أذنها وهي تهز رأسها يمينًا و يسارًا هاتفه بصراخ:
ـ اسكت بقى. مش عايزة اسمع منك حاجة. محدش فيكوا بيحبني. محدش فيكوا اتقبلني زي مانا. كلكوا وحشين زي بعض. أنا بكره الدنيا اللي رمتني في طريقكوا. كلكوا دوستوا عليا. أمين و أمه و ماما و نبيلة و أنت. بكرهكوا كلكوا. أنتوا ناس مبترحمش. كلكوا شبة بعض…

لم تكد تُنهي جملتها حتى شقت جوفها شهقة قوية حين وجدته يضرب الباب بقوة لينفتح على مصرعيه و يطل عليها بجسده الضخم و ملامحه الخشنة المُكفهرة بفعل الغضب و الألم معًا إضافة إلى عينيه التي من فرط تباين الشعور بها يراها المرأ و كأنها نافذة تُطل على جهنم.
ـ خليك عندك.

هكذا همست بنبرة خافتة، فقد شعرت بالذُعر منه حين رأت مظهره على عكس شعوره القوي بالغضب حين وضعته بكفه واحدة مع هذا الحقير، ولكن هناك شعور كان أقوى و أعنف وهو الذنب لكونه من دفعها إلى هذه الحالة ليتقدم منها بخطوات فهدية جعلت الدماء تتجمد في عروقها من الخوف الذي بددته يداه التي جذبتها بقوة لتستقر بين ضلوعه وهو يضمها إليه بعُنف وكأنه يداوي خطأه بما هو أعظم من الاعتذار، فبعض العبارات لا تفي بالغرض لهذا خُلِق العناق. ليُرمم بعضًا مما أفسدته الكلمات، و بالرغم من أنه كان السبب في ألمها ولكنه كان الوحيد القادر على تخفيفه لذا دفنت رأسها في صدره تبكي كما لم تبكي من قبل، وقد كان هذا أقسى عقاب قد يسقط عليه في حياته. أن يكُن هو سبب لوعتها و ألمها بدلًا من أن يكون سبب فرحتها و اطمئنانها.
ـ حقك عليا يا حبيبي. والله ماكنت أقصد.

هكذا همس وهو ينثر أسفه على هيئة قُبلات متفرقة فوق خصلاتها و يديه تمر برفق وحنو فوق ظهرها و كأنه يمسد وجعها ليهدأ ولكنها ظلت تبكي بقوة مما جعله يتابع بحنو:
ـ كفاية دموع بقى عشان خاطري. أنا مقدرش اتحمل تزعلي مني كدا.

تراجعت إلى الخلف تناظره بعتب لم يُخطيء في فهمه ليمد يديه و يكوب وجهها بين يديه وهو يتابع بصوتًا أجش:
ـ دموعك دي أكبر عقاب ليا في الدنيا. أنتِ مش متخيلة بتعذبني قد أيه؟ 

لثمت كلماته جرحها ولكنه لم تمحو الوجه كُليًا لتُجيبه بنبرة مُتحشرجة:
ـ كلامك عنها قهرني يا خالد.

خالد بلهفة:
ـ بعد الشر عنك. أنا بعتذرلك. أنا عمري في حياتي ما اعتذرت لحد لأني مكنش بيفرق معايا زعل أي حد. بس أنتِ لا. 

أشجان بنبرة ترتجف ألمًا:
ـ أنا مش محتاجة منك اعتذار. أنت قولت اللي جواك..

قاطعها بنبرة خشنة:
ـلا محتاجة. محتاجة أقولك ان انا أسف عشان خبطت في الكلام. لكن مشاعري و اللي في قلبي لو شوفتيهم مش هتنزل دمعة واحدة من عيونك.

أشجان بنبرة مُثخنة بالوجع:
ـ الكلام اللي بيخرج لحظة الغضب بيكون أصدق كلام يتقال..

خالد بنفي قاطع:
ـ الكلام دا مش صح. لما ذكرت اسمها مكنش عشان اقولك انها احسن منك. أو مكنش عشان أنا مش قادر اتخطاها. أنا اتخطيت كل حاجة وحشة حصلتلي في حياتي معاكِ. مشاعري تجاهك محستهاش تجاه أي حد في الدنيا. 

كانت تعرف أنه صادق، فقد رأت ذلك بعينيه ولكن جرحها لازال يئن لذا استفهمت بحيرة:
ـ طب لو انت متقصدش تقارني بيها أو تحسسني أنها أحسن مني واني لازم اكون زيها. ولا انت لسه في قلبك مشاعر ليها. ليه جبت سيرتها بيننا؟

خالد بنبرة لينة:
ـ الغضب بيعمي يا أشجان، وأنا كنت في أقصى درجات غضبي منك. لما اعرف أنك اتعرضتي لإهانة أو موقف سيء لدرجة أنك تزعلي تعيطي و ابقى عارف و متأكد انك مردتيش ولا خدتي حقك. عيزاني أكون عامل ازاي ؟!

أشجان باندفاع:
ـ لا رديت عليها بس بأسلوبي اللي أنا عارفة أنه مش هيعجبك. 

خالد بتفهم:
ـ مش كدا. بس أسلوبك دا هيبقى صح مع اللي هيفهمه. 

شعر بتعبها و تخبطها ليجذبها من يدها بحنو و يجلسها فوق الأريكة وهو يتابع بنبرة هادئة:
ـ يا حبيبتي افهميني. دول اخواتي وانا عارفهم كويس. عارف عيوبهم و بحاول على قد ما اقدر أقومها و اتعامل معاها. لكن أنتِ مش بتساعديني.

أشجان باستفهام:
ـ ازاي مش بساعدك؟!

خالد بنبرة خشنة:
ـ أيوا مش بتساعديني. منعت نبيلة تدخل البيت عشانك قبل ما يكون عشان ميرهان عملتي أنتِ اية؟ روحتي دخلتيها من ورايا. تقوم هي اللي تحكيلي عشان تقومني عليكِ. 

هتفت بنبرة متلهفة:
ـ بس والله هي صعبت عليا. 

خالد بنبرة يشوبها الحنق:
ـ عارف. و عشان كدا بقولك أسلوبك كتير بيكون غلط. اشجان هو أنتِ مسألتيش نفسك هل لما بقسى عليهم كدا انا بكون من جوايا مبسوط؟

أجابته بخفوت:
ـ أكيد لا. 

حاول توضيح الأمر من جهته دون التطرق لتفاصيل مؤلمة حين قال:
ـ دول اخواتي اللي من دمي. صعب عليا أني اقسى عليهم و ادوس بالشكل اللي بتشوفيه دا. بس دا الحل الوحيد قدامي عشان اوقفهم عند حدهم. 

أرادت أن تستغل الأمر و تطرح هذا الاستفهام المُلِح الذي ودت طرحه منذ زمن:
ـ طيب ليه متجربش تقرب منهم و تتكلم معاهم؟!

خالد بسخرية مريرة:
ـ مين قالك اني معملتش كدا؟! بس صدقيني النتيجة كانت أسوأ مما تتخيلي.

قرضها الفضول لتستفهم عما يعنيه قائلة:
ـ ازاي؟

لم يكُت يريد تذكر تلك الذكريات السيئة لذا قال بجفاء:
ـ مش لازم نتكلم في اللي فات. خلينا في دلوقتي. أنا عايزك تكوني عندك شيء من الحزم و الشدة لو أمكن. و عارف انك مش عايزة تكوني طرف في مشكلة بيني وبينهم. 

قاطعته بلهفة:
ـ والله أنا مش عايزاك تخسرهم عشان زي ما انت قولت هما اخواتك و بتحبهم.

شدد من احتواء يديها بين كفوفه وهو يقول بنبرة يشوبها الصرامة:
ـ لو فعلا مش عيزاني اخسرهم يبقى تقفي أنتِ قدامهم وتاخدي حقك منهم. لأنك لو معملتيش كدا انا اللي هعمل دا، و بالطريقة دي اكيد هخسرهم. 

اخفضت رأسها وهي تقول بقلة حيلة:
ـ المشكلة اني فعلا مبعرفش أرد زيها. عقلي مبيجمعش الكلام اللي مفروض أقوله، يمكن آسيا شاطرة في دا عني بس انا دي مش طبيعين. كمان ميرهان هديت عن الأول كتير. بتتلاشاني اصلًا. إنما نبيلة….

احتارت كيف تخبره بتهديها الذي لا تملك عليه أي دليل و أيضًا الحديث الذي يخص زوجته السابقة بأنها من تخلصت منها. ودت لو تبوح بكل هذه الأشياء التي تؤرقها ولكنها لا تملك دليلًا واحدًا عليها، كما أنها تعرف أنه سيعلن الحرب وقتها وهذا قد يستفز هذه الحية و قد تُقدِم على أذيتها بالفعل أو أذية أطفالها لذا لجأت للصمت القاتل لتسمعه يتحدث بنبرة يشوبها الشجن:
ـ نبيلة اتعودت من وهي طفلة تاخد متديش. والأخد اللي مالوش حدود دا بينمي الجشع في النفوس. و دا خلاها عايزة تاخد كل حاجة من اللي قدامها سواء كان شيء مادي أو معنوي.

صمت لثوان يسترجع تاريخًا ود لو يدفنه في أعماق قلبه ليُتابع بسخرية مريرة:
ـ نبيلة متجوزتش عز عشان بتحبه. اتجوزته عشان هو بيحبها. بيحبك يعني هيتحملك. يعني مش هيقدر يزعلك. يعني هييجي على نفسه عشان خاطرك، وهو دا اللي هي عايزاه. لدرجة أن عمر ابنها كان نفسيًا بيتأذي من سيطرتها على أبوه طول الوقت لدرجة أن الموضوع عمله عقدة.

أشجان بلهفة:
ـ أيوا فعلًا انا حسيت أن تصرفاته مع شروق فيها ازدواجية، بالرغم من أنه بيحبها جدًا بس قبل يتخلى عنها عادي.

خالد موضحًا:
ـ هو مفكر أن الحب ضعف، وأنه هيحوله لنسخه هو بيكرهها. واللي هي عز الدين.

كان الحرج يكسو نبرتها حين قالت:
ـ طيب انا اسفة في السؤال يا خالد. ازاي انتوا اتربيتوا سوى و من نفس الاب و الأم. انت وكمال يعني مختلفين عن نبيلة و ميرهان اقصد أن هما مش شبهكوا خالص.

أطلق تنهيدة قوية قبل أن يُجيبها بنبرة خشنة:
ـ عارفة المشكلة في ايه؟ أن في ناس كتير اوي بتعتبر أن الست دي كائن مالوش لازمة. شيء على الهامش. في حين أن تسعين في المية من نجاح أي بيت هو الست. 

ـ صح بس دا ايه علاقته بسؤالي؟!

خالد موضحًا:
ـ علاقته أن والدي الله يرحمه كان بالنسباله نبيلة دي بنت ملهاش اي تأثير مسيرها تتجوز و هتبقى في رقبة راجل. فكانت طريقة التعامل كلها معاها غلط. اتجاهلها، متسمعلهاش، متركزش معاها، هي أيه إمكانياتها؟ و دا خلق جواها شخص معقد عايز يفرض وجوده و يسرق الاهتمام بأي شكل. دا غير أن بقى عندها نهم للسيطرة على أي حد أضعف منها. عشان تحس أن ليها شخصية.

أشجان باسفتهام:
ـ طب و ممتك كان ايه وضعها؟

خالد بجمود:
ـ ممتي كانت حنينة فوق ما تتخيلي. مبتقولش غير حاضر و نعم، ودي اكتر حاجة كانت بتضايق نبيلة. عشان هي شايفة دا ضعف وللأسف ماتت بدري، و بدأ بابا يشوف نبيلة و ازاي هي كانت منهارة، و للأسف كان بيعالج حزنها و زعلها على ماما غلط جدًا.

ـ ازاي؟

خالد بتهكم:
ـ بدأ يدي كل حاجة ببزخ ماعدا الاهتمام طبعًا. أو كان بيديه بطريقة معينة. يعني مثلًا مكنش عنده وقت يسمعها ولو اتكلمت كأن هي والهوى واحد. لكن في نفس الوقت كان كل طلباتها المادية مجابه. شوف يا خالد هي عايزة أي و هاتهولها. اعملهولها. متزعلش أختك. في حين أنه حتى عمره ما سمع مشكلة ليها ولا أهتم!

ـ بس دا غلط.

أكيد حديثها قائلًا:
ـ أكبر غلط طبعًا. دا غير أنها لما كانت بتغلط في حق نسمة مفكرش ولا مرة يردها. كان يقولي بنتي مبتغلطش من غير ما يسمع ولا يعرف هي عملت أيه؟ 
أشجان باستنكار:
ـ طب ليه كدا؟ هو معنى أن بنتي غلطت اني معاقبهاش احنا بنبربي ولادنا عشانهم قبل اي حاجة.

خالد بأسف:
ـ مكنش فيه الكلام دا. هو كان شايفها أقل بكتير من أن يكون ليها تأثير، وفي نفس الوقت هي بنت الوتيدي مينفعش حد ييجي عليها. وهي استغلت دا صح. و اتجوزت عز الدين عشان تحس ان ليها قيمة و شخص مؤثر و مُسيطر و بقت بتدوس و مش فارقلها بتدوس على مين..

شعرت أشجان بمدى معاناته لتقول بخفوت:
ـ الموضوع معقد فعلا. 

خالد بخشونة:
ـ التطرف في التربية هو اللي غلط. و الانحياز كمان. اللتنين دول بيعملوا كوارث. بابا مكنش شايف غيري انا وكمال. وبالرغم من كدا كان بيقسى علينا و هو مفكر أنه بيربينا عشان نكون رجاله، و في المقابل نبيلة و ميرهان دول ستات في النهاية كل واحدة فيهم هتبقى في رقبة راجل وخلصت.

ـ فعلًا عندك حق. الست ليها دور في كل حاجة. سواء سلبي أو إيجابي.

خالد بتوضيح:
ـ الست أساس كل حاجة. لو صالحة هيبقى البيت في توازن. هي مش مجرد تابع، ولا القوامة معناها أن الست تخضع للراجل و خلاص. ربنا أدى للراجل القوامة عشان هو قوي مش عشان الطرف الأهم.

ـ صح. 

أحنى رأسه ليُلثم باطن كفها بحنو قبل أن يرفع رأسه قائلًا بنبرة لينة:
ـ عشان كدا عايزك تعرفي رنا الغلط من الصح. ومتتهاونيش ابدًا في الغلط. بالعكس من آمن العقاب أساء الأدب. لازم تفهم أنها شخص مسئول. الحنية مطلوبة بس مش لدرجة أنها تفسد. أنا عارفة أن رنا معاكِ في إيد أمينة و انك عارفة ربنا كويس، والموضوع دا مريح قلبي فوق ما تتخيلي.

تضخم قلبها من فرط السعادة بإطرائه و ثنائه عليها لتقول بخفوت:
ـ حاضر. 

مد يده يداعب خدها وهو يداعبها قائلًا:
ـ الجميل زعلان مني لسه؟

تدللت قائلة:
ـ بصراحة أه ..

خالد بنبرة عابثة:
ـ طيب أيه رأيك أصالحك؟
أشجان بمرح:
ـ مش عارفة محتاجة افكر شوية.

شاكسها قائلًا:
ـ حبيبي. أنا لما قولتلك اني عايزك قوية و عندك حزم والكلام دا كنت أقصد معاهم مش معايا.

أشجان بمُزاح:
ـ معلش المباديء مبتتجزأش. 

خرجت منه ضحكة مرحة قبل أن يقول بنبرة عابثة:
ـ صح. احنا نلغيها خالص. 
ـ دا اللي هو ازاي يعني؟!
ضيق عينيه وهو يشاكسها قائلًا:
ـ يعني مثلًا اول ما تدخلي من الباب دا تسبيها كلها بره.
أشجان متصنعة الاندهاش:
ـ وابقى إمرأة بلا مباديء يرضيك؟!

خالد متصنعًا الصرامة:
ـ اه يرضيني. انا موافق بيكِ على كدا. نخرج بره ناخد المباديء بتاعتنا المرمية دي و متقلقيش مفيش حد هنا هيبصلها ولا هتلفت انتباههم حتى.

أطلقت ضحكت رنانه دغدغت حواسه و أشعلت حمية العشق بقلبه ليقول بنبرة تقطر ولهًا:
 ـ أهي الضحكة دي اللي بتنور دنيتي. مش هسامح نفسي أبدًا لو غابت بسببي.
أشجان بخفوت:
ـ غصب عني أنا اتوجعت أوي لما قولت اسمها و قارنتني بيها..
خالد بحُب:
ـ مفيش حد في الدنيا يتقارن بيكِ. 
صمت لثوان قبل أن يتابع ينتقي كلماته بعناية حتى لا يجرحها:
ـ لكن عشان اكون صريح معاكِ هي الله يرحمها هفضل شايلها كل الاحترام و المعزة جوايا. دي أم بنتي. و مشوفتش منها غير الخير. حتى لو كنا بنختلف بس كانت ست محترمة. و دا حقها عليا اني افتكرها بالخير.
تعلم أنه رجل صالح، ولكنها انثى تعشق و تغار لذا أخفضت رأسها تُخفي تأثرها بحديثه ليمُد أصابعه و يضعها أسفل ذقنها ليرفع رأسها إليه، ثم تابع بنبرة تعج بالمشاعر:
ـ لكن أنتِ….

أشجان بلهفة:
ـ أنا أية ؟
صمت لثوان وعينيه تتشربان ملامحها الجميلة قبل أن يقول بنبرة مُفعمة بالعشق:
ـ أنتِ حياة الروح. 
ابتسمت على هذا اللقب الغريب ليتابع موضحًا:
ـ على فكرة دي حقيقة. أنا قبلك مكنتش عايش. أنتِ حييتي روحي من أول و جديد.

لا إراديًا ارتسمت ابتسامة عذبة فوق شفتيها قبل أن تقول بنبرة عاشقة:
ـ كلامك دا بيحييني يا خالد.

خالد بنبرة مُحبة:
ـ قلب خالد مفهوش غيرك ولا بيدق لغيرك. و لا هيشوف غيرك. نعمة وجودك في حياتي تخليني اقعد عمري كله احمد ربنا عليها. 
اتسعت ابتسامتها و عادت سماءها صافية من جديد ليقترب مُضيقًا عينيه وهو يقول بتخابُث:
ـ الضحكة الحلوة دي معناها اتصالحنا؟
أشجان بخفوت:
ـ اتصالحنا! 

خالد بتهكم:
ـ ورحمة أمي انا عارف انك هتفضلي هبلة و مش هتتغيري..

أشجان بصدمة:
ـ ليه بتقول كدا؟ 
خالد بتخابُث:
ـ هو الصلح بيكون كدا بردو؟!
غزى الخجل ملامحها و نبرتها حين قالت:
ـ اومال ازاي؟

احتوتها ذراعيه ليحملها بين يديه وهو يقول بنبرة عابثة:
ـ تعالي يا حلو وانا اقولك..

( و أدي خزان الأحزان اللي كنتوا شايلين همها مبسوطة و الوحش قاعد يطبطب و يحايل فيها الدور و الباقي علينا احنا اللي اتحرق دمنا بسبب ماتش المنتخب 😒 يالا يا ولاد مش هنحسدها المضروبة بنت رضا 🙂 ربنا يهني سعيد بعيدة😂😂)

اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِنَ الكَسَلِ والهَرَمِ، والمَأْثَمِ والمَغْرَمِ، ومِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وعَذابِ القَبْرِ... وأَعُوذُ بكَ مِن فِتْنَةِ الفَقْرِ ♥️

★★★★★★★★★

كانت تمكث بغرفتها منذ أن وصلوا إلى البيت بعد ما حدث في المشفى، و خاصةً بعدما رأت تأثير كلماتها الهوجاء عليه، فقد كان يتجنبها وكأنه يحميها من غضبه. 
زفرت بحدة وهي تؤنب نفسها للمرة التي لا تعرف عددها. كيف خرج منها هذا الهُراء؟ كيف استطاعت التفوه بتلك الكلمات الغبية؟!
كاد رأسها أن ينفجر من شدة التفكير و الندم لتسند رأسها بين كفيها تحاول تنظيم أنفاسها حتى يتثنى لها التفكير بروية في إصلاح ما أفسدته بحديثها الغبي، ولكنها تفاجئت حين وجدت باب الغرفة يُفتح و ياسر يطل عليها بملامح واجمة وهو يقول بجفاء:
ـ يالا عشان تتعشي.

لم يُطِل في المكوث بل التفت يغادر لتعبأ صدرها بالهواء النقي وهي تحاول التحكم بضربات صدرها المُتلاحقة قبل أن تتوجه إلى الخارج لتجده يجلس حول الطاولة الموضوع فوقها أطباق الطعام الذي قام بإعداده لتتقدم نحوه تجلس في المقعد المجاور له بصمت ولكن عينيها كانت تتحدث نيابة عنها، فقد كانت تطلق الكثير من الاعتذارات التي لا تعرف كيف تُصيغها لتمحو ذلك الخطأ الكبير الذي ترك بصماته على ملامح ياسر المُكفهرة فقد باغته حديثها و أصاب كبريائه و قلبه في آنٍ واحد، فلم يحتمل البقاء أكثر من ذلك ليغادر وكأنه يفر من غضبه ومن جرحه و من انفجار أن أفلت زمامه سيحدث الكثير من الضرر، ولهذا لجأ للنوم حتى يبتعد عنها بالقدر الذي يجعلها في مأمن من غضبه.
بالرغم من كل شيء ولكنه قام بإعداد الطعام، و اخبارها كونه متأكد من أنها لم تأكل شيء منذ الصباح وهذا ما لم يحتمله قلبه الذي و أن عانى لأجل عشقها للمرة الألف، سيهتف أعشقها عله ينجو في المرة الألف و واحد. 

توقف النبض بأوردته لثوان وهو يشعر بكفها يغمر كفه لتنتقل إليه رجفتها، فرفع رأسه لينظر إلى عينيها و إذا به يصطدم بكل هذا الألم الذي يغتال جمالها و يطفيء بريقها، فرق قلبه لحالها، و خاصةً حين همست بخفوت:
ـ ياسر..

من سوأ حظه أن هذه المرأة تعلم جيدًا كيف تتسلل إلى قلبه فتُعريه ضعفه تجاهها، و تستميل جميع حواسه تجاهها فحتى العقل يتنحى أمام كل هذا العشق الذي يحمله لها.
ـ نعم..

هكذا أجاب وهو ينتزع عينيه من شباك عينيها ناظرًا إلى الجهة الأخرى لتمتد يدها إلى ذقنه لتُعيده للنظر إليها مرة أخرى، وكأنها تتحدى ثباته و تعاند غضبه دون النظر إلى العواقب 
ـ بصلي طيب..
هكذا تحدثت بنبرة يشوبها التوسل فجذب نفسه بعيدًا عن مرمى لمساتها ليهتف بجفاء:
ـ عايزة ايه يا غنى؟

غنى بنبرة مُشجبة
ـ عايزة اقولك اني آسفة قد الدنيا كلها، و الكلام اللي قولته…

قاطعها حادة مُحذرة:
ـ اعمليلك قفلة يا غنى.
لم يرهبها تحذيره ولم توقفها حدته إنما تابعت بنبرة يتساقط منها الأسف:
ـ ياريت لساني انقطع قبل ما اتغابى في الكلام. 

ياسر بقسوة:
ـ كويس انك عارفة انك اتغابيتي…
غنى بلهفة:
ـ عارفة و أسفة. أنا فعلًا مقصدتش بس…

رأى الكثير من الأحاديث الصامتة في عينيها مما جعله يقول بجمود:
ـ قولي اللي عندك كله. 

اخفضت رأسها وهي تزفر بقوة وكأنها تلصق الوجع بذرات الهواء التي تخرج منها لتقول بنبرة مُشبعة بالحزن:
ـ مش هتكسف أقولك على اللي جوايا يا ياسر. أنا كان نفسي اعمل اي حاجة تخلي ماما تشوفني مش عبء عليها هي وبابا، وأني اقدر اكون سند ليهم زي الولد بالظبط.

تناثرت حبات اللؤلؤ من عينيها وهي تتابع بشفاة مُرتجفة:
ـ خرج الكلام من بُقي من غير حتى ما افكر. والله ياياسر ما كنت اقصد…

كلماتها استفزت غضبه و حنقه على هؤلاء البشر و لا إراديًا تنحت كل مشاعره السلبية تجاهها و أصبح كامل حواسه تتضامن مع وجعها ليهتف بنبرة محتقنة بالغضب:
ـ سيبك من الكلام دا و قوليلي مين اللي قالك الكلام العبيط دا؟! ولد ايه وبنت ايه؟ دي البنت أوقات كتير بتكون أحسن ألف مرة من الولد..

غنى بسخرية مريرة:
ـ الكلام دا ممرش على دماغ بابا و ماما يا ياسر. دي كانت قاعدة تعيط في المستشفى و تقول ياريتني سبته يتجوز و يجيب الولد اللي يسنده..

ياسر باستنكار:
ـ وأنتِ الكلام الاهبل دا اثر فيكِ؟

غنى بنبرة مُشجبة:
ـ الموضوع اكبر من مجرد أثر. دي عقدة نقص جوايا و عشان كدا خرج مني الكلام غصب عني.
تبدلت نبرتها إلى السخرية حين قالت:
ـ قال يعني كدا هيقولوا عني أن أنا سند وبميت ولد. 
احتوى كفها بين يديه و عينيه تحنو وهو يقول بنبرة صادقة:
ـ بس دي حقيقة. أنتِ فعلًا كدا. 

لامست كلماته أوتار قلبها، ولكنها سرعان ما استنكرتها قائلة:
ـ بتتريق يا ياسر! هو أنا عارفة أسند نفسي لما هسند حد؟!

ياسر بنبرة هادئة:
ـ كفاية انك عندك استعداد للعطاء. بس عشان تقفي جنب الناس اللي بتحبيهم، و خصوصًا أن العطاء عندك مش مشروط.
ـ تقصد ايه؟!

ياسر بنبرة تجيش بها المشاعر التي يعج بها صدره:
ـ أقصد أن الإنسان يكون عنده استعداد يدي من غير ما ينتظر مقابل دي حاجة كبيرة اوي، مش كل الناس بتفهمها. للأسف في ناس بتدي عشان تملك اللي قدامها، ولو مقدرتش تملكه بتعايره باللي ادتهوله.

زفر بقوة قبل أن يُتابع بمرارة وكأن هناك علقمًا يسكن صدره:
ـ اوحش حاجة في الدنيا دي المعايرة. سواء كانت بالمشاعر أو بالعطاء أو بالأفعال! و خصوصًا لما تخلي اللي قدامك يلعن الحوجة اللي وصلته انه يقبل منك حاجة.

فطنت إلى مقصده لتقول بنبرة رقيقة:
ـ فهماك و حاسة بيك. بس في حاجة مهمة لازم تاخد بالك منها.

ـ اللي هي ايه؟

غنى بنبرة لينة:
ـ موضوع هيام مش مجرد أنها عايزة مقابل وبس. هيام بتغير عليك مني. كل اللي شايفاه اني خدتك منها.بالرغم أن زمان مكنتش كدا.

ياسر باختصار:
ـ مين قالك؟
غنى بتوضيح:
ـ مكنش باين عليها.

ياسر بأسف:
ـ عشان مكنش في أي موقف يسمح بأنها تبين دا. مكنش في ارتباط رسمي بيننا، و كمان المواقف هي اللي بتبين اللي جوا القلوب.

شعرت بمقدار الأسى الذي يشعر به لذا مازحته قائلة:
ـ بس شوفتني النهاردة وانا طيبة و بسمع كلامك!

تبدد حزنه و تحول إلى حنق تجلى في نبرته حين قال:
ـ لا شوفتك و انتِ بتخبطي في الكلام و عايزة قلمين يعدلوكي.

غنى بتهكم:
ـ الصراحة أنا قولت انك هتديني علقة محترمة.

ياسر بنبرة مغلولة:
ـ والله نفسي. 

غنى بمُزاح:
ـ أنا حسيت كدا بردو و عشان كدا كنت قاعدة بفكر هغضب اروح فين؟ أمي لو روحتلها هتعملني محتوى سنة قدام..

شاركها المُزاح قائلًا:
ـ هتخلي فضيحتك بجلاجل..
غنى يتهكم:
ـ و هتشمت فيا الأخصام انا عارفة.

ياسر بوعيد:
ـ و ياترى بقى استقريتي هتغضبي فين لما أديلك العلقة المحترمة؟!

غنى بعفوية:
ـ الصراحة فكرت اه و استقريت على مكان كمان

ـ كمان!

ـ أيوا أومال! 

ياسر بسخرية:
ـ و ايه هو بقى؟ مستشفى المجانين!

ضحكت على حديثه قبل أن تقول بمرح:
ـ لا طبعا دول لو قفشوني مش هيعتقوني.

ابتسم على حديثها ليقول بتهكم:
ـ اومال كنتي هتروحي فين يا ناصحة؟
غنى باندفاع:
ـ كنت هروح اقعد مع آسيا و شروق. وحشوني اوي.

ضيق عينيه و تضاربت المشاعر داخله ما بين عشق كبير و غضب يوازيه ليهتف بحنق: 
ـ اعمل فيكِ أيه؟

غنى بلهفة:
ـ سامحني و اكسب فيا ثواب دانا غلبانه والله. و معايا شهادة معاملة أطفال.

ياسر بجدية زائفة:
ـ مش مسامحك لا. 
احتدت نبرتها حين قالت بنفاذ صبر:
ـ اعملك قفلة بقى ياريس. في ايه؟!

برقت عينيه من الاندهاش، فهي تستخدم كلمته الشهيرة مما جعله يقول باستنكار:
ـ نعم ياختي.

غنى بدلال:
ـ نعم الله عليك. اضحك بقى.
لم يفلح في قمع ضحكته التي أضاءت ملامحه مما جعلها تقول بنبرة عاشقة:
ـ أحلى ريس في الدنيا والله.

غزى ملامحه العبث مما جعله يقول بتخابُث:
ـ أنا ملاحظ انك عماله تعاكسيني، ومن شوية كنتِ بتتحرشي بيا و بعدين يعني مش عيب؟!

ارتدت إلى الخلف وهي تهتف باستنكار:
ـ نعم! مين اللي اتحرشت بيك دي أن شاء الله ؟

ـ أنتِ مش لسه كنتِ ماسكة إيدي! 

ـ اه بس..
قاطعها بحدة زائفة:
ـ مبسش دا اسمه تحرش و كمان حسستي على وشي.
غنى باندفاع:
ـ محصلش.
ياسر بعناد:
ـ حصل.

غزر الحرج معالمها لتهتف بارتباك:
ـ أيوا يعني عايز ايه يعني…

قاطعها حين اقترب يقتطف قطرات العسل من فوق ضفتيها بحنو وكأنه يمحو بشهدها كل ما مر عليهم من أحداث مؤلمة، و قد كانت هي الآخرى تبغي النسيان والسكينة ولكن ذلك الإضطراب و المشاعر الجارفة التي ضربتها لم تكُن في الحسبان، و لكنه كما عهدته حنونًا مراعيًا تراجع قبل أن تتبدد روعة الأمر و تستفز خوفها يكفيه أنها لم تعُد تهاب قربه، وقد حاول أن يفرش طريقه معها ببتلات العشق الذي غزا نبرته إلى جانب العبث حين قال:
ـ بعد كدا مش هقول أنا عايز ايه ؟ انا هاخد اللي أنا عايزة على طول ..

شعرت وكأن صوتها تلاشى أمام طغيان ما اكتنفها من مشاعر انضم إليها الخجل لتهمس بخفوت:
ـ ياسر.

ياسر بنبرة خشنة:
ـ غُريبة قلبي. 

ابتسمت بخجل قبل أن تُعيد همسها باسمه مرة أخرى ولكن هناك من سبقها إذا بدد صوته الجهوري الذي كان كالنشاذ:
ـ يااااااسر…

انتفضت غنى فزعًا بينما ياسر عض على شفتيه حتى كاد أن يُدميها من فرط الحنق الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ اطلع ابلعه لسانه الحيوان دا ولا اعمل فيه ايه؟

ضحكت على حديثه لتقول بسخرية:
ـ معتقدش أن يزيد زينا عنده لسان واحد..

ياسر بغل:
ـ هييجي يوم و هقصهوله. وعلمي على كلامي

غنى بتهكم:
ـ ربنا معاك…

اللهم يا رازق السائلين وراحم المساكين، إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم إني أسألك رزقاً واسعاً طيباً من رزقك، يا مقيل العثرات، يا قاضي الحاجات، اقض حاجتي، وفرج كربتي، وارزقني من حيث لا أحتسب ♥️

★★★★★★★★

ـ حمادة. مالك يا قلب أمك؟

هكذا هتفت هيام بلهفة حين أخبرتها أحد الخادمات بأن طفلها مُصاب بنوبة برد لتهرول إلى الأعلى وتحديدًا إلى غرفته فوجدت جابر الذي كان يجلس بجانبه من اتجاه و روضة من الاتجاه الآخر.
ـ متقلقيش يا ابلة هيام الدكتور كتبله على دوا وقال هيبقى كويس..

هكذا تحدثت روضة ليأتيها صوت جابر الغاضب الذي افزعها في مكانها:
ـ روضة.. روحي على أوضتك..

اطاعته روضة مهرولة إلى الخارج بينما ارتفعت نظرات هيام عن طفلها تناظره بترقب لتجد الغضب بادٍ على محياه بصورة تدعو إلى الريبة، فاختارت الصمت خوفًا من حدوث ما لا تُحمد عقباه بينهم، لينفجر جابر في وجهها صارخًا:
ـ عرفتي أن ابنك كان محموم و سخن مولع يا ست هيام، و مكنش جنبه غير روضة. 

ارتعبت من صراخه بهذا الشكل الذي لم تره به منذ أن تزوجته لتهتف بارتباك:
ـ يا قلبي يا ابني. بس . بس حرارته كويسة..

جابر بقسوة:
ـ حرارته كويسة دلوقتي. انما من كام ساعة كان مولع نار و مش مبطل عياط بينادي على أمه، لكن حضرتك كان عندك حاجات أهم..

بللت حلقها قبل أن تقول بتوتر:
ـ معلش يا حاج. حقك عليا. أنا أصلي كنت مع يزيد في مشوار..

جابر بانفعال:
ـ يزيد اللي سابلك البيت ومشي . بعد ما ياسر هج من الحارة والمكان كله بسببك! غريبة يعني أنه بص في وشك بعد كل دا وراح معاكِ مشوار!

اصابتها كلماته في الصميم مما جعلها تهب واقفة وهي تُجيبه بانفعال:
ـ حاسب على كلامك يا حاج..
ـ و أنتِ كنتِ حاسبتي على افعالك؟!

هيام بحدة:
ـ أفعالي دي حاجة بيني وبين اخواتي..

جابر بصراخ افزعها:
ـ أنتِ ناسية انك محسوبة عليا مرا…

أهانها للمرة الثانية، لتهبط العبرات من مُقلتيها وبالمقابل تفجر الغضب في اوردتها لتهتف بحدة:
ـ خلي بالك من كلامك يا جابر. و متفكرش أن عشان مانا مبكلمش اخواتي اني بقيت وحيدة و ماليش حد!

جابر بقسوة:
ـ أنتِ مينفعش غير انك تبقي وحيدة عشان تقدري قيمة الناس اللي في حياتك.

هيام بانفعال:
ـ أنت بتكلمني كدا ليه؟ هو انا عملت فيك ايه؟

جابر بتقريع:
ـ لما تتعديني و تخلي صاحبي يمشي اخوكي من الشغل عشان تضيقي الدنيا عليه، و مش بس كدا. دا أنتِ تستخدميني في أساليبك القذرة دي تلقي عايزة قطم رقابتك..

صُدِمت حين علم بما أخفته عليه طوال الفترة المنصرمة لتتأرجح الحروف فوق شفتيها وهي تقول:
ـ أيه. اللي . أنت. بتقوله دا يا حاج..
قاطعها بحدة:
ـ كمان هتكذبي عليا وانا عيني في عينك! اسمعي يا بت الناس. أنا العوج دا محبوش، والدنيا علمتني لما الفرع يميل يتقطع. شوفي نفسك لو هتفضلي مكملة في طريقك دا يبقى كل واحد يروح لحاله.

شهقت بصدمة:
ـ عايز تطلقني يا جابر؟ 
جابر بجفاء:
ـ قدامك حلين ملهمش تالت. يا ترجعي زي ما كنتِ وتحافظي على البيت دا، يا هطلقك، و أشوف واحدة تعرف ربنا تربيلي العيل اللي حيلتي..

بلغت الإهانة حدها الأقصى بالنسبة لها مما جعلها تقول بانفعال:
ـ أنت كدا غلطت يا جابر وانا مش هقبل بالإهانة دي. أنا هروح على بيت أبويا ولما تعرف قيمتي ابقى تعالى.

اللهم ارزقني وارزق مني رزقاً لا عد له ولا مد له من حيث لا أعلم ولا أحتسب، وأنا بصحة وعافية... يا رب اجعلني ذو حظ عظيم وسخر لي الأرض ومن عليها. ♥️

★★★★★★★★

جاءت عطلة نهاية الأسبوع الذي كان ثقيلًا على من يجاهد حتى تمر الأيام، يدعي أنه على قيد الحياة ولكنه كان يهرب من الموت فقط. 
يظن بأنه يسلك درب النجاة، ولكن الحقيقة أنه يهرول في طريق الهلاك وكأنه العدو الأكبر لنفسه. تدور به الأيام وهو يجاهد حتى ينسى ولكن قلبه مازال في نفس المكان عند تلك اللحظة التي ادعت بها أنه لا شيء بالنسبة لها. 
زفر عمر بقوة وهو يقف على الجهة الأخرى أمام هذا المطعم الذي يقع بالقرب من الشاطيء يشاهد تلك التي سلبت منه قلبه، و طمأنينته و تركته فريسة للألم والغضب، و الحيرة فهو بكل مرة يقرر تخطيها يجد نفسه يبحث عنها. يؤنبه عقله و يتراجع أمام جبروته ولكن يجذبه إليها طوق من نار يكتوي بها قلبه الذي تأزر به الوجع حين رآها تستقل السيارة مع هذا الرجل و تتوجه الى هذا المكان.
غادر الرجل الكريه و تركها ليبقى هو يجاهد شوقه و غضبه الذي يوسوس له بالتوجه إلى حيث تمكث ليهزها بعُنف وهو يخبرها أنها لا يجوز لرجل آخر الاقتراب منها، ولكن كيف وقد قرر هو أن يُكمل حياته مع أخرى! 

انتشله من ضجيج أفكاره رؤيته لسيارة كمال التي أوقفها على الرصيف المقابل له ليندهش في بداية الأمر ولكنه سرعان ما غادر سيارته لينادي عليه، فالتفت كمال إليه قائلًا باستنكار:
ـ عمر! 

عمر بشوق:
ـ حمد لله عالسلامة يا كمال وحشتني.

كان هو الآخر يشتاق إليه لذا قام بمعانقته وهو يقول:
ـ الله يسلمك يا عمر، وأنت كمان وحشتني.

تراجع عمر يناظرها بعتب تجلى في نبرته حين قال:
ـ من وقت ما عرفت انك رجعت وانا مستنيك تكلمني. بس انت متكلمتش.

ـ وأنت ليه متكلمتش ؟!

عمر بنبرة يتخللها خيبة الأمل:
ـ خوفت تكون مش عايز تشوفني أنا كمان.

عنفه كمال قائلًا:
ـ بقولك ايه يا عمر بلاش تعيش دور اللي بيكسف عشان انت بجح وأنا اكتر واحد عارفك.

ابتسم عمر على حديثه ليجيبه بسخرية:
ـ كويس عشان أنا ماليش خلق للافلام دي.

ـ قولي انت جاي هنا ليه؟

هكذا استفهم كمال ليحاول عمر المراوغة قائلًا:
ـ كنت معدي من هنا. 

كمال بعدم تصديق:
ـ مش مصدقك.
عمر بملل:
ـ ولا انا مصدق نفسي انت داخل المطعم ده؟

ـ ايوه ليه؟ 

ـ هدخل معاك.
كمال باستنكار:
ـ تدخل تهبب ايه ؟!
عمر بنفاذ صبر:
ـ معرفش المهم اني هدخل معاك وخلاص.

كمال بسخرية:
ـ لسه تبت زي ما انت. 
عمر بتهكم:
ـ حصل.

سار كمال و من خلفه عمر في الممر المؤدي إلى المطعم لتبرق نظرات عمر الذي هتف بحرج:
ـ كمال.

استدار كمال ليرى على ماذا تستقر نظرات عمر لتتوسع حدقتيه و يهتف بحدة:
ـ أيه العبث دا؟! 

فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا
صدق الله العظيم ♥️

★★★★★★★★★

ـ اعملي حسابك هنسيب الولاد مع سوزي و نخلع احنا. 
هكذا تحدث خالد بجانب أذن أشجان التي غمرها الخجل من تلميحاته لتهتف بخفوت:
ـ خالد بطل. رنا جاية..

خالد باستفهام:
ـ هي رنا بتكلم مين في التليفون؟ 

ـ بنت صاحبتها اسمها سهيلة اتعرفت عليها مبقالهاش كتير، وعلى فكرة باين عليها حبوبة أنا كلمتها و عزمتها تيجي تتغدى معانا عند سوزي عشان اتعرف عليها أكتر.
اومأ خالد برأسه في استحسان قبل أن يقول بنبرة حانية:
ـ كويس انك عملتي كدا. يالا عشان منتأخرش.

تبعته أشجان إلى الأسفل ليوقفهم صوت نبيلة الكريه وهي تصيح بحبور:
ـ يا خالد. تعالى بسرعة شوف مين نورنا؟!

توقف خالد مبهوتًا حين رأى…..

تعليقات