رواية ذنب لا يقترف الفصل السابع 7 بقلم مريم نعيم

 

 

 


  رواية ذنب لا يقترف الفصل السابع بقلم مريم نعيم

"ابني…"

ترك يد زوجته، واقترب من والده،
وأخذ يديه وقبّلهما،
قبل أن يتركهما ويقول كلمات
كانت كفيلة بأن تجعل قلب والده يتألم:

"إنت من النهارده ما بقيتش والدي،
ولا إنتوا عيلتي.
أنا عيلتي ماتت من سبع سنين
لما صدّقوا حاجة زي دي
على ابنهم.

القاتل المجرم اللي في السجن
أمه بتروح له وبتخاف عليه،
لكن إنتِ ما عملتيش حاجة
غير إنك كسرتِ قلبي
وخليتيه ينزف."

أخذ نفسًا،
ونظر إلى والده مرة أخرى،
بعدما كان ينظر إلى والدته،
وأكمل حديثه
وهو يشعر بغصّة في حلقه
تخبره أنه على وشك البكاء:

"مافيش كلام أقدر أقوله،
لأن الكلام مش هيعمل حاجة.
الكلام انتهى.

ومحدّش يطلب مني أسامحه،
لأني مش هسامح حد منكم.
ولو سامحت،
السبع سنين دول كده ولا حاجة.

وعند الله تجتمع الخصوم.
ما كنتش حابب أقف قدّام ربنا
وأجيب حقي منكم،
بس إنتوا اللي خلتوني أعمل كده."

أمسك يد زوجته مرة أخرى،
وطبع قبلة على كف يدها:

"ندى، وعمر، ونجاة
هم اللي صدّقوني
من عيلتي كلها،
بعد ما كنت عاوز أبرّئ نفسي
قدّام عيلتي
وقدّام كبيري."

قال كلمته الأخيرة
وهو ينظر إلى أخيه الأكبر صالح،
ثم أكمل حديثه مرة أخرى:

"دلوقتي اكتشفت
إن كبيري
هو السبب في اللي أنا فيه،
هو السبب في اللي حصل لي."

اقتربت منه والدته،
وأمسكت بيده:

"حقك علينا كلنا يا بني،
ما كناش مستوعبين أصلًا."

ضحك بقهر وهو ينظر لها،
نظرة ابن لأمه،
نظرة تحمل الكثير والكثير من العتاب،
نظرة مزدوجة بسؤال صامت:
ليه عملتي فيّ كده يا أمي؟
مش أنا ابنك وحبيبك؟
مش أنا اللي حملتيني تسعة شهور؟

الآن…
لا يستطيع حتى أن يضمّها.

"مش مستوعبين لمدة سبع سنين؟
هو الاستيعاب عندكم بالسنين؟
الكلام ده لا بياخد ولا بيدي."

اقترب منه والده
وقال بقلة حيلة،
لا يعلم ماذا يقول
ولا كيف يعتذر
هل يعتذر عن تصديقه؟
أم عن السبع سنوات
التي عاشها ابنه في الظلمات؟
أم عن سوء تربيته لابنه الأكبر؟

"إنت عارف إننا بنحبك يا إلياس،
وكان غصب عننا نسمع حاجة زي دي.
وبعدين أنا شوفتك بعيني يا إلياس،
شوفتك…
ما كنتش أعرف إن دي خطة معمولة لك.
أنا هكتب لك كل أملاكي
لو ده اللي هيخليك تسامحني."

ضحك ضحكة بسيطة،
هل يُعقل أن الأملاك
تصلّح القلب؟

"حضرتك واعي للي بتقوله؟
حضرتك بتقولي
هتكتب لي أملاكك كلها؟

لو حضرتك بتملك العالم كله
وهتديهولي
علشان أنسى أو أسامح،
مش هسامح.

عندي استعداد أموت دلوقتي
ولا إني أسامحكم.
أنا لسه بحاول أستوعب
وبقول يمكن ده حلم
وأصحى منه،
بس لا…
كل ده حقيقة.
كل ده موجود.
كل الأحداث دي موجودة."

أكمل حديثه
وهو يمسح أنفه بخفة:

"يلا يا ندى،
يلا علشان الواحد
ما يحصلوش حاجة
من كلامهم أكتر من كده."

عندما خرجوا إلى خارج المنزل،
أوقفهم صوت،
التفتوا إليه،
فاتسعت ابتسامة الصغير،
واقترب منهم.

حمله إلياس،
وقبّل وجنته:

"إيه يا باشا؟"

"إنتوا رايحين فين؟
ينفع أجي معاكم؟"

لم يعلم إلياس بماذا يرد،
كيف يخبره
أنه لن يعود إلى هذا البيت مرة أخرى،
وأنه قد لا يراه ثانية؟

اقتربت ندى،
وحملته،
وقبّلت وجنته:

"هنروح مشوار
وهنرجع تاني."

"ينفع أجي معاكم؟
أنا بحبكم أوي يا ندى،
علشان بتلعبوا معايا.
مامي وبابي
محدش فيهم بيلعب معايا.
ينفع تاخدوني معاكم؟"

"هنرجع ونأخدك يا بطل،
ونلعب معاك."

قالها إلياس
وهو يلعب في شعره.

"يعيش إلياس… يعيش."

كانت نجاة تقف أمام المنزل،
وخلفها شقيقها عمر.
دخل الصغير إلى الداخل،
فاقتربت نجاة منهم
واحتضنتهم:

"هتوحشوني،
وهتسيبوني تاني
بعد ما اتعلّقت بيكم أكتر."

ضربها أخوها عمر على قفاها وقال: 

"على أساس يا بت
مش هنروح وراهم
بعد أسبوع؟"

"يوه بقى يا عمر،
إنت رخم.
للزوم الدراما يا أخي!"

ضحكت ندى بخفة،
فاقترب عمر من أخيه،
وضمّه إلى صدره بحزن:

"حقك عليّ
أنا منهم كلهم يا إلياس."

"الحمد لله يا عمر."

انضمّت نجاة إلى العناق،
ودموعها تحاول إخفاءها
لكنها لا تستطيع.
كانت تتألم لأجل أخيها،
ولا تصدّق
ما فعله شقيقهم الأكبر بهم.
_

دخلت الشقة وهو خلفها، وأغلق الباب وهو يأخذ نفسًا عميقًا.
نظر لها، فرآها تفتح له ذراعيها.
اقترب منها، وضمّها إليه بقوة، 
فربّتت على ظهره بدورها.

"عيّط يا إلياس… عيّط يا حبيبي."

خرجت شهقاته دون شعور منه.
لا يصدق أنه للتو تأذّى من عائلته لأسباب غير مفهومة.
لماذا عائلة تدمّر ابنها بدل أن تحتويه؟
لماذا الأمهات قاسيات مع أبنائهن؟
لماذا الآباء لا يعرفون معنى الحنية والاحتواء؟
لماذا العائلة كذلك؟

أبعدته عن حضنها بعد مدة طويلة،
لا أحد يعلم كم ظلّوا هكذا،
يبكي وهي تحتويه.

أمسكت وجهه بيديها:
"تعالى نسافر… أو نبعد من هنا.
تعالى نعيش أنا وإنت، ونرمي كل حاجة ورانا،
ونبدأ من جديد وحياة جديدة.
ما بقيتش عايزة من الدنيا دي حاجة غيرك يا إلياس."

أسند جبينه إلى جبينها:
"هنسافر، بوعدك…
وهنرمي كل حاجة،
بس لازم حقك الأول ييجي."

"إزاي؟"

"بما إنه يوم مليان صدمات،
يبقى يوم كمان من السبع سنين
نحذفهم ونفقد الذاكرة للأبد سوا."

"إزاي برضه؟"

"هتعرفي."

نظر في ساعته وأردف:
"لسه بدري، فتعالي."

أمسكت بيده وأوقفته:
"استنى يا إلياس… خليها يوم تاني، خليها حتى بكرة."

"مش عايز حد فينا يتألم بعد النهارده،
فنكمّل الألم بألم."

ألمها قلبها،
لكن نظراته جعلت قلبها يهدأ.

"ثقي فيّ بس."

هزّت رأسها، وذهبت معه،
لا تعلم إلى أين،
لكنها تثق به أكثر من نفسها.

أخرج هاتفه من جيبه،
واتصل بأحد الأرقام.
ردّ الآخر، فأردف بتهكم:

"هتجمع قرايبك في خلال ساعة
يكونوا قدّام البيت،
وإلا بالله الفيديوهات كلها
هتكون عند الشرطة…
إنت فاهم."

قال ذلك وأغلق في وجهه.
كانت ندى تنظر له بجهل:

"مين ده؟"

"هتعرفي… اصبري يا ندى، اصبري."

"يوه يا إلياس."

_

"إلياس… هو إحنا بنعمل إيه هنا؟
يلا يا إلياس، أنا مستحيل أرجع هنا تاني."

كنت خائفة…
خائفة يحصل لي حاجة وأنا هنا.
ماكنتش مستعدة أقابل حد هنا.
البيت اللي المفروض أحس فيه بالأمان
أصبح أسوأ كوابيسي.

"اهدي، ماشي؟
ما تحطيش في دماغك أي حاجة
غير إني جنبك ومعاكِ وبس… ماشي."

هديت،
وقلبي هدي،
والخوف راح…

لكن كل ده اتقطع
لما أسوأ كوابيسي وقف قدامي.

وبحركة من إلياس،
أخرج من ملابسه مسدسه.
شهقت بتفاجؤ،
وأطلق طلقتين في السماء
تحت صدمتي.

"إلياس!"

خرج من المنزل عمّتي وبناتها،
وكانت نظرات الغضب عليهم.
لا أدري لماذا،
ولكن أدري جيدًا أن هناك شيئًا ما.

خرج بعض الرجال من منازلهم
ليروا من الذي أطلق النار في تلك الحارة،
والبعض الآخر شاهد من بلكونة بيته
هو وزوجته أو شقيقته.

الكلام كَثُر بين النساء،
والهمسات انتشرت في الأرجاء.
الجميع يستغرب لماذا أطلق هذا الشخص النار،
لكن معظمهم يعرفه جيدًا
إلياس…
الشاب الذي ترك زوجته
قبل فرحهم بيومين فقط
منذ سبع سنوات.

الجميع يسأل
ماذا يفعل هنا بعد سبع سنوات من الفراق؟
هل اشتاق إلى زوجته
بعدما ملّ من عشيقته
التي ذهب معها خارج البلاد؟

عندما رأى إلياس الكم الهائل من الناس،
أردف بصوت عالٍ يصل إلى الجميع.
كلماته كانت صادمة،
وجعلت الهمسات تختفي،
والجميع يطأطئ رأسه بخجل: 

"بقينا نحكم على الناس بالمظاهر،
وبقينا نقول كلام من دماغنا.
ولأننا شعب بيحب يجيب في أعراض الناس
أكتر ما بيجيب حقهم،
قالوا ما نمسك امرأة نجيب في عرضها
وشرفها
بدل ما إحنا قاعدين فاضيين.

واحدة تطلع سُمعة من هنا،
والتانية تروح تقول لواحدة تانية
وتزوّد كلام من عندها،
وهكذا لغاية ما السيرة توسع،
والكلام يكتر،
والحكاوي تكتر.

وربنا قال في كتابه الكريم: 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
وَلَا تَجَسَّسُوا
وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾

يعني لا نظن، ولا نفتّش، ولا نتكلم.
بس إحنا عملنا التلاتة.

حد فيكم سأل سؤال واحد
وكانت إجابته صافية النية؟
الإجابة لا.

كل راجل واقف قدامي دلوقتي
مخليني أبص له
بنظرة خُذلان وبنظرة اشمئزاز.

الراجل اللي يسمح لنفسه
أو لمراته إنه يجيب في عرض بنت
ويجيب في شرفها
يبقى راجل نكرة
وعار على المجتمع.

والنبي ﷺ قال:
«المسلم على المسلم حرام
دمه وماله وعِرضه»

يعني العرض حرام،
مش حكاية، ولا سيرة تتفتح،
ولا موضوع قعدة.

شيطانه مع الأسف أعماه،
ومفكّرش إن البنت دي
ممكن تكون أخته أو مراته
أو أمه أو بنته.

وربنا شبّه اللي بيغتاب
إنه بياكل لحم أخوه ميت،
قال:
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا
فَكَرِهْتُمُوهُ﴾

بس واضح إن في ناس
ما كرهتش القرف ده،
واتعوّدت تنهش
وتكمّل عادي.

لكل واحد بيغتاب
وينهش في لحم أخيه،
النبي ﷺ قال عنه:

«لمّا عُرج بي
مررتُ بقومٍ لهم أظفار من نحاس
يخمشون وجوههم وصدورهم،
فقلتُ: من هؤلاء؟
قالوا: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس
ويقعون في أعراضهم».

مش هيشم ريحة الجنة.

وكل واحد واقف قصادي
أخد ذنب كبير
لما نهش في لحمها،
ولما ظلمها بكلمة،
ولما صدّق إشاعة،
ولما سكت عن الباطل.

والنبي ﷺ قال:
«من ستر مسلمًا
ستره الله في الدنيا والآخرة»

إحنا بقى
لا سترنا، ولا سكتنا،
ولا حتى خفنا من ربنا.

وفي الآخر ربنا ما بينساش،
والحق ما بيضيعش،
وعند الله تُجمع الخصوم،
وساعتها ولا كلمة هتنفع،
ولا ندم هيشيل الذنب."

أنهى حديثه، ثم نظر إلى عائلتها
التي انتهكت عرضها وشرفها.

"طبعًا أنا جاي هنا لغرض واحد،
وهو إن حق مراتي لازم يرجع
قدّام الناس اللي ظلموها.

بس الأول…
عمتها لازم تعتذر منها
قدّام الناس دي كلها،
وتنزل تبوس رجليها
هي وبناتها،
وإلا الطلقة
هتلاقيها من غير إنذار
في نص دماغها."

شهقت ندى من كلمات زوجها الأخيرة،
ونظرت له،
فطمأنها بعينيه.

أكمل حديثه وهو يرى الشحوب
على وجوه عمتها وبناتها:

"يلا…
ورانا طيارة،
عايزين ننجز."

اقتربت عمتها منها،
وأردفت بصوت ضعيف:
"حقك علـ…"

قاطعها إلياس صارخًا،
فانتفضت من مكانها:

"أعلى!
صوتك يكون أعلى."

"حقك على عيني يا بنتي،
كان يتقطع لساني
لو جبت في سيرتك."

أردفت امرأة كبيرة في العمر،
جسدها ممتلئ،
بصوت متهكم وصل للجميع:

"إيه يا أم نور؟
ما إنتِ يا أختي
اللي قولتي عن البنت
لمؤاخذة… ماشية بطّال،
وإحنا صدقناكي
علشان إنتِ عمتها."

نزلت دموع ندى.
اقترب منها إلياس
ومسح دموعها:

"الدموع دي
طول ما أنا عايش
ما تنزلش، فاهمة؟"

هزّت رأسها،
ومسحت دموعها.

اقترب من عمتها:
"لو دلوقتي ودّتك ورا الشمس
بسبب اللي عملتيه ده،
هتعملي إيه؟"

"لا… إنت ابن أصول يا بني،
ومش هتعمل كده،
كان شيطاني عاميني."

"لا… هعمل يا أم نور،
علشان اللي ييجي على طرف مراتي
أنسفه من على وش الأرض،
بس ممكن بشرط."

"إيه هو يا بني؟"

"تنزلي إنتِ وبناتك
تبوسوا رجل مراتي
وتترجّوها تسامحكم."

نظرت لبناتها بقلة حيلة،
وفعلت ما أمرها به.

اقتربت منها…
أغمضت ندى عينيها
حتى لا ترى المشهد،
لكنها لم تكن مثلهم.

ابتعدت عنهم وقالت:
"أنا مش هقدر أعمل كده،
ومش هقدر آخد حقي منهم،
ومش هقدر أسامحهم.

ربنا هو اللي هيجيب لي حقي
من كل واحد اتكلم في عرضي،
وكله هيشهد على ده."

نظر إلياس إلى والدها نظرة فهمها،
فاقترب من ابنته بحبٍّ مُصطنع،
حبٍّ لم يُظهره لها طوال حياتها،
وطوال سنواتها التي عاشتها معه.

"كنت حابب أعتذر لبنتي قدّام الناس دي كلها
على اللي عملته فيها.
كان خوفي عليها
هو اللي بيحرّكني.
فحقك عليّ يا بنتي."

اقترب حتى يُقبّل أعلى رأسها،
فأغمضت عينيها وضغطت على يديها بقوة،
فضمّها إلى حضنه،
وأردف بصوت لم يسمعه أحد غيرها:

"أنا بعمل كده علشان جوزك هدّدني،
غير كده أنا بكرهك،
وعمري ما حبيتك يا ندى."

ابتعد عنها،
وفي اللحظة التي ابتعد فيها
كانت أصوات عربيات الشرطة تقترب.

صُعق محمود من الصدمة التي حلّت عليه،
وثوانٍ وكانت الشرطة تقتحم المكان.

اقترب ضابط من إلياس،
وشكره حينما أمسك رجال الشرطة بمحمود.

"بشكرك يا إلياس على الخدمة دي،
إحنا من غيرك
حقيقي ما كناش عرفنا نمسكهم."

"لا شكر على واجب يا فندم،
دي حاجة ما ينفعش حد يسكت عنها."

تركه بعدما وضعوا محمود داخل إحدى سيارات الشرطة
وانطلقوا إلى وجهتهم.

لم يتحدث محمود،
ولم يخبرهم لماذا يأخذونه،
لأنه يعلم جيدًا أنه أخطأ
ويجب عليه أن يدفع ثمن خطئه.

وبالنسبة لصالح،
فقد أخذته الشرطة أيضًا بسببهم.

تعلّم إلياس القسوة،
وتعلّم ألّا يترك حقه
ولا حق أحبّائه.

"كان نفسي يا جماعة والله أعزمكم على فرحي،
بس الطيّارة كده هتفوتنا."

كانت ندى تائهة،
لا تعلم ماذا يحدث،
ولا تعلم لماذا الشرطة أخذت والدها.

خرجت والدتها من منزلهم
وجرت ناحيتها،
وأخذتها في عناق كبير،
عناق أم لابنتها،
عناق لن تشبع إحداهما منه،
وهي تُخبرها بكلمات تطمئنها
وتُريح بالها،
وأن إلياس هو الزوج الصالح لها.

أما تلك الفتاة
التي كانت بمثابة أخت لها،
فرأتها تقف أمام المنزل
والدموع تنزل بصمت.

ابتعدت ندى عن والدتها
وفتحت ذراعيها لرنا،
التي اقتربت منها
وهي تبكي بصمت.

"وحشتيني أوي يا ندى،
وهتوحشيني أكتر
لما تسيبيني."

"دايمًا في بالي بجد،
ربنا يعلم
اعتبرتك أختي
من أول يوم شوفتك فيه."

"أنا قررت أطلق من أخوكِ يا ندى،
عارفة مش وقته،
بس قررت أطلق
وأعيش حياتي.
حتى لو أعيش لوحدي
أهون من إني أعيش
مع شخص مش شايفني أصلًا."

"اعملي اللي يريحك يا رنا،
بس ما تنسيش أختك."

ضمتها بقوة،
ثم ودّعت والدتها مرة أخرى،
وذهبت إلى زوجها
الذي أمسك بيديها ليطمئنها،
نظرة عينيه كانت كفيلة
بأن تهدّئ روحها.

"يلا على البيت."

"يلا."

ركبت سيارته،
وركب بجانبها،
وانطلقا إلى وجهتهما،
الوجهة التي ستكون
بداية جديدة
ونقطة جديدة.

"ليه الشرطة أخدته؟"

فهم أنها تقصد والدها،
فأردف وهو يمسك يديها
ويقبّلها بحركة عفوية:

"كان في واحد معايا في السجن
اتعرفت عليه
قبل ما أطلع بأسبوع.
لما عرف حكايتي
وعرف عن والدك،
اتضح إنه كان تابع أبوكِ.

أبوكِ قتل شخص
كان شغال معاه،
ولكي يداري على الجريمة
لبّسها في الشاب ده،
ولأنه ما كانش معاه إثبات
إنه ما قتلش،
اتحكم عليه بالسجن.

وقالي إن والدك
شغال مع مافيا روسية
في مخدرات
وتجارة أعضاء
واللي منها،
ومعاه صالح أخويا
شركاء من سنين.

وقالي إن في شحنة
هتطلع بعد شهر،
وهيقولي على ناس
تساعدني
علشان آخد منهم
تسجيلات كاميرات
صوت وصورة."

كانت صامتة،
كل ما تفعله
أنها تبكي بهدوء.

خفّف سرعة العربية.

"مش أنا قلتلك
ما تعيطيش
طول ما أنا معاكِ
وطول ما أنا عايش؟"

"تعبت يا إلياس،
بجد تعبت.
وروحي تعبت.
إنت مش عارف
أنا عانيت منه إزاي.

أنا عيشت طول عمري
ما شوفتش منه
شوية حنية
ولا شوية أمان.

كنت بحس بيهم
وهو مش موجود.

حرمني من حاجات كتير قوي،
حرمني من طفولتي،
ومن مراهقتي،
ومن شبابي.

حرمني إني ألاقي نفسي يا إلياس.
جوايا وجع،
وجوايا قهر
طول عمري حاسة بيه.

ده أنا ضناه…
في حد يعمل كده في ضناه؟"

كان يسمع لها بكل جوارحه،
يتألم لألمها،
ويعد نفسه
أنه سيجعلها تعيش
في المكانة التي تستحقها.

ضمّها إليه بحب،
ضمّها إلى المكان
الذي تشعر فيه بالأمان…
بجواره.

_

فتح باب المنزل بمفاتيحه الخاصة،
زاد استغرابه عندما لم يشعر بها.
فجأة، وبدون إنذار، صوته رجّ في الأرجاء
عندما شعر بشيء يمسك قدميه.
كان المنزل معتمًا، ولم يلاحظها.

صدعت ضحكاتها،
فارتح قلبه قليلًا عندما علم أنها هي الفاعلة.

"ندى!"

قامت من قعدتها وأمسكت كتفه،
وهي تمسك بطنها التي وجعتها من الضحك.
"إيه يا إلياس، إنت فافي كده ليه يا حبيبي؟"

"فافي يا ندى؟ فافي؟!"

قال ذلك،
وقبل أن يقترب منها، اقتربت هي منه
وضمّته إلى حضنها.
"الحمد لله على السلامة يا حبيبي."

"أعمل فيكي إيه يا ندى؟"

"حبّني."

"أكتر من كده؟"

هزّت رأسها،
وعلى وجهها ابتسامة بلهاء.
فقبّل أعلى رأسها وهو يضحك بقلة حيلة منها.

"يخلاثو يا ناس على السكر اللي متجوزاه."

"والله بتاكلي عقلي حلاوة يا بت."

"وطحينة يا عم، ولا تزعل."

كاد أن يرد،
لكنها قاطعته بصوتها الذي خرّم ودنه:
"الأكل على النار!"

"حرّفتي الأكل يا ندى."
قالها وهو يدخل المطبخ خلفها.

فأخرجت صينية الفراخ من الفرن،
ولا أخبرك يا صديقي أن الصينية كانت مدهونة
باللون الأسود الفحم،
يبدو أنها قررت أن تبدو باللون الأسود
بدل اللون الأحمر.

مطّت شفتيها بتذمّر:
"شكلنا هناكل كمان النهارده أكل من بره."

كان حال المطبخ مبعثرًا للغاية،
فعلم أنها تعبت حتى تطبخ له،
لكنها دائمًا تفشل في ذلك.

فهما منذ سنة،
ولم تتعلم الطبخ حتى الآن،
ولكن هذا الشيء بالتأكيد
لن يغيّر حبه ناحيتها.

فليست هي الشيف الشربيني
أو نادية السيد.

"خلاص يا حبيبي، ولا يهمك،
بكرة تبقي ست بيت شاطرة،
نادية السيد أحسن منك في حاجة؟"

"آه يا إلياس!"
قالتها بتذمّر وهي تحضنه.

فأردف بصوته:
"كل ده علشان بتطبخ أحسن منك؟"

"لأ يا إلياس،
علشان هي في أمريكا وأنا لأ يا إلياس."

ابتعد عنها وهو يضحك بسبب طريقتها.
"ندى فوقي، إحنا في إيطاليا ياما، فوقي."

ضربته على صدره وأردفت بحسرة:
"فارد صدرك ليه؟
محسسني إنك بتقولي في تركيا مثلًا.
دي إيطاليا ولا حاجة يا عم؟
روح اطلبنا أكل، صدّعت نفسي."

تركته وذهبت،
وضرب الآخر كفًا بكف.

_

كان يقف في البلكونة،
تقطّع عليه شروده الذي دام لفترة من الوقت.
وضعت يدها على كتفه وأردفت بحب:
"في إيه؟ مالك يا حبيبي؟"

"مصر وحشتني…
تعذبت فيها، بس وحشتني."

"مصر اللي وحشتك
ولا عيلتك اللي وحشتك يا إلياس؟"

"مش هنكر إنهم وحشوني،
ووحشوني أوي كمان."

"طب ما تيجي ننزل يا إلياس،
ما تيجي يا حبيبي."

"مش مستعد…
إنتِ مش عارفة جوايا صراع هيموتني بسبب الموضوع ده يا ندى.
قلبي بيقولي سامحهم،
لكن عقلي بيقولي لأ."

"كلنا بنغلط يا إلياس،
مافيش حد كامل.
كلنا بنغلط وبنتوب وبنسامح.
لازم نسامحهم،
لو مش علشانهم يبقى علشان عيالنا،
علشان ورد ومدثر."

مسح إلياس وجهه بحنق،
لا يعلم ماذا يفعل.

مرت تسعة عشر عامًا
ولم ينزل إلى مصر سوى مرتين:
في فرح شقيقه عمر،
وفرح أخته نجاة،
ولم يحدث أحدًا من أهله.

وكان ذلك منذ سبعة عشر عامًا.

لا ينكر أن الغربة صعبة وثقيلة،
ولكنها في بعض الأوقات
مريحة للأشخاص الذين تألموا من أهاليهم
ورأوا المر بأنواعه.

سنوات كثيرة مضت،
ولكن ذلك الشرخ في قلبه
لم يلتئم بعد كما كان.

لكنه يظن
أن الوقت قد حان
لينزل إلى بلده
وسط عائلته.

"بابا!"

التفت إلى صغيرته ورد،
تلك الصغيرة التي هي أول فرحته.
جاءت حتى تكون ملمسًا خفيفًا على قلبه،
كأنها تخشى أن توجعه.

فتح أحد ذراعيه لها،
فدخلت في حضنه وهي تقول كلمات
جعلت والدتها تبتسم وتتركها مع أبيها.

"حبيب عيني ماله؟"

"حبيب عيونك تعب يا وردتي."

"أمممم…
تعب من التفكير
ولا تعب مننا؟"

"محدش بيتعب من روحه يا ورد.
تعبت من التفكير وتأنيب الضمير."

"مش إنت علمتنا من وإحنا صغيرين
نتوكل على الله
ونسيب كل حاجة على ربنا؟
ولما نكون مش عارفين نرتب أفكارنا
بنلجأ لربنا،
لأنه الوحيد اللي قادر
يخلينا أفضل.

ودايما بتقولنا:
(ومن يتوكل على الله فهو حسبه)."

قبّل أعلى رأسها وهو ينظر إليها
بفخر حقيقي.
"شكرًا."

"شكرًا على إيه بس؟
شكرًا علشان إنت بابا.
تعرف؟
ما بحبش أشوفك زعلان،
بحس إن قلبي وجعني عليك أوي.
يومي بيكون فيه حاجة غلط.

علشان كده
ممكن ما تزعلش تاني
وتسيب كل حاجة على ربنا؟"

كاد أن يرد،
لكن قاطعه صوت صراخ زوجته باسم ولدها.

نظرت له ورد بنظرة يعرفها جيدًا،
فترة اليوم بدأت متأخرة الليلة.

"مدثــــــــر!"

"يوه،
هو مافيش غير مدثر في البيت ده؟"

مسكته من قفاه، فتململ منها:
"يا أمي، يا أمي،
ماسكة حرامي شباشب؟
سيبي الشاكِت لو سمحتي،
هيكرمش!"

"ده أنا اللي هكرمش وشك دلوقتي.
إيه الدرجة الزفت دي؟"

"هي الدرجات طلعت؟
الصلاه على النبي، جبت كام؟"

"30٪ يا مدثر."

رفع يديه بابتسامة بلهاء:
"بمجهودي والله."

رفعت أحد حاجبيها ونظرت له بنظرة يعرفها،
فبلع ريقه بخوف،
وعلم أن هذه المرة
لن تتركه إلا وشيء منه مكسور لا محالة.

"إنتِ ما بقيتيش بتحبيني، أنا عارف.
بس إنتِ قولتي مهما كانت النتيجة
هتفضلي تحبيني.
وبعدين مالها الدرجة؟
تدخلني كلية طب
وأنا حاطط رجل على رجل؟"

"إنت أدبي يا فاشل!
و30٪ إيه اللي تدخل طب؟
دي أصلًا ما تدخلِكش باب بيتك.
يلا يا فاشل!"

"لو سمحتي،
إنتِ كده بتكرمشي مشاعري،
مش وشي.
وبعدين يعني
إنتِ عاملة حوار ليه؟"

"تصدق؟
مش خسارة فيك الوأد."

ضمّها بعد معاناة
وهي تمسكه من قفاه،
وأردف بضحك:
"بهزر معاكي يا كتكوته.
وبعدين مين اللي هيجيب الرقم ده؟
ده لو ما حلش حاجة
هيجيب خمسين في المية."

"أمال إنت جايب كام
يا اللي مطلع عيني؟"

"90٪."

"قول والله!"
قالتها وعلى وجهها ابتسامة بلهاء.

"والله،
حتى شوفي على الموقع."

"أمال إيه الـ30٪
اللي حاططها على المكتب؟"

"ما الـ30٪ دول
اللي حاللهم بمجهودي،
والباقي بتاع ربنا،
ومن ضمنهم كمان الـ30٪."

صرخت ورد بمرح
وهي ترقص بطريقة مضحكة:
"أيوه كده، دلعني!
اللهم بارك،
إيه الحلاوة دي يا ض؟
جبت منين الشطارة دي؟"

"من عند أمك يا ورد."

خبطه إلياس على قفاه
فترنّح:
"إيه يا حج؟
قفايا ورم والله.
دي ما بقتش عيشة دي يا جدع."

نظرت له ندى بغمزة عين:
"يعني نقول
نجح الأسد؟
اللهم لا حسد."

"ونتصدق ونوزع حاجات
زي ما عملنا لما نجحت،
ونوزع ألعاب للأطفال."
قالتها ورد بحماس
وهي تقبّل وجنتها بحب.

هزّت والدتها رأسها بحماس هي الأخرى،
فضمّ إلياس ابنه،
وهمس له
أن مهما كانت النتيجة
سيظل يحبه إلى الأبد.

باليد الأخرى ضمَّ حبيبته الأولى،
ورفيقة دربه وعشقه،
ندى… الفتاة التي تركت كل شيء لأجله،
وهو لم يخذلها يومًا،
وكان لها السند، والصديق،
والأب الذي كانت تفتقده في حياتها.

وانضمَّ لهم ورد بحب هي الأخرى.

إنها عائلة بسيطة،
مكوّنة من أربعة أفراد،
ينتمون لبعضهم،
ويشعرون بالأمان برفقة بعضهم.

والدهم إلياس
لم يكن لهم فقط الأب طوال حياتهم،
بل كان الصديق.

وكان الحبيب لِوَرد،
الذي يتغزل بها
عندما تلبس ملابس محتشمة
وهي خارجة،
حتى يُعلِمها أن هذه الملابس
لن تغيّر من معايير الجمال،
بل تزيده.

ومدثّر،
الأكثر فرط حركة،
والأكثر صخبًا في هذا المنزل،
كان له صديق وأخ
يعلمه أن أخلاق الرجل
هي التي تُحرّكه،
وهي التي تجعل الناس
تتحدث عنه بالسوء أو بالحسنة.

وأن الأخلاق هي شهامته،
وأن بنات الناس
ليسن لعبة متحركة
يُحرّكها متى يشاء
ومتى يريد.

فاق من شروده
عندما شعر بابنه
يُخرج هاتفه
ويلتقط لهم صورة تذكارية
تُذكّرهم بهذا اليوم.

همس إلياس في أذن حبيبته،
ولكن أبناءه استمعوا إليهما،
تحت تصفيقهم
وتصفيرهم،
من غزل والدهم
وتحت خجل والدتهم
من أفعالهم الصبيانية تلك.

"أنا لا أُجيدُ الهروبَ من عينيكِ…
فكلُّ الطرقِ تؤدّي إليكِ،
حتى حين أُغلقُ قلبي،
يتسرّبُ اسمُكِ
من بينِ نبضاته.

ما كنتُ عاشقًا قبلكِ،
كنتُ أمرُّ على النساءِ
كمن يقرأ كتابًا لا يعنيه،
ثم جئتِ أنتِ…
فأصبحتُ حبرًا
يكتبه الحنين."

العائلة هي مصدر الأمان،
وليست المهرب الأساسي،
بل الملجأ الحقيقي
الذي يجب على الآباء
الحفاظ عليه جيدًا
مهما كانت الصعاب
ومهما كان الغضب.

فهم ما زالوا أطفالًا
يخطئون ويتعلمون.

لن تخسر هيبتك
ولا مكانتك
إذا تغزلت في زوجتك
أمام أولادك،
بل هذا يرفع من مكانتك لديهم.

فبطبيعة الحال
الأبناء يميلون أكثر
إلى والدتهم،
فإذا رأوك تحبها
وتعظّم من شأنها
وتخبرها أنها جميلة،
سيحبونك أكثر.

لا بأس إن لم تكن تجيد الغزل،
فمن منا يجيده؟
لا أحد.

ولكن يجب أن يكون
من أعماق قلبك.

_

"يا إلياس،
ما تنزل مصر؟
وحشتنا يا راجل."

كان عمر يُكلم أخاه
على أحد مواقع التواصل الاجتماعي.
كان يقف أمام البيت،
اليوم هو أول يوم في رمضان.

كان يتمنى بشدة
أن يكون أخوه وعائلته معهم،
يريد هذا كل سنة،
ولكن أخاه لا يستطيع.

"هحاول يا عمر…
هحاول، حاضر."

أذّن المغرب،
وأغلق معه عمر
بعد كلام كثير.

نظر إلى السفرة
وتجمع عائلته
بدون إلياس.
كان يعلم أن العائلة تكبر،
وعائلة أخيه تكبر،
ويريد أن يكون معهم.

اقتربت منه زوجته حلا:
"لسّه مش راضي ينزل؟"

هزّ رأسه نافيًا
وهو يحيط خصرها:
"وشكله مش ناوي أصلًا،
يلا تعالي نقعد."

قعد بجوارها،
وأمامهم أبناؤهم
"رِقّة" و"خالد".

وبجوار عمر
تجلس نجاة وزوجها "مهاب"،
وأمامهم طفلها "يزن".

وبجوار "يزن"
يقعد أول حفيد في العائلة
"أويس"،
الفتى الصغير
الذي كبر
وأصبح في العشرينات من عمره،
ورحلت عنه ملامح الطفولة.

وبجواره
تجلس جدته،
وعلى رأس الطاولة
جده.

أردف كبير العائلة "محمود"
وهو يشرع في الأكل:
"السفرة دي ناقصها
إلياس وعيلته."

كادت زوجته ترد بحزن،
ولكن قاطعها صوته…

نبرة اشتاقوا إليها،
لكن هذه المرة
كانت أكثر مرحًا،
نبرة اشتياق،
نبرة مزدوجة
بكثير من المشاعر:

"مين اللي جاب في سيرتي؟"

وقف الأب،
وابتسامة مهزوزة على وجهه،
ودموع متحجرة في عينيه.

أما زوجته،
التي شهقت بفرحة
عندما رأت صغيرها
لأول مرة منذ سنوات،
فكانت أول من فاقت من صدمتها،
وأول من جرت ناحيته،
وأول من ضمته إلى حضنها،
وأول من بكت بحرقة.

أبعدته عنها قليلًا،
وهي تقبّل كل إنش في وجهه،
ببكاء ممزوج بالفرح،
ثم ضمته مرة أخرى.

لم يستطع أحد تحمّل المنظر،
الجميع بكى
بصمت.

"وحشتني يا إلياس…
وحشتني.
كده تبعد عني
كل الفترة دي يا إلياس؟"

كانت تبكي
وتخبره عن اشتياقها له.

أما إلياس
فلم يفعل شيئًا
سوى البكاء.

أمسك يديها،
وقبّلهما،
وقبّل أعلى رأسها،
وهو يضمها بقوة.

لا يصدق أنها أمه…
لا يصدق أنه بعد كل تلك السنوات
سيضعف أمامها هكذا،
ولهذا لم يكن يريد النزول يومًا.

اقترب منه والده،
نظرة واحدة
كانت كفيلة
أن تجعله يرتمي في أحضانه.

خبطه والده خبطتين على ظهره،
والده يبكي وهو يبكي،
والجميع يبكي:

"تغيب عنّا
المدة دي كلها
يا بن الكلب."

اليوم يوم عيد،
اليوم يوم رجوع الضنا
لأهله.

لن تكون السفرة ناقصة
فردًا بعد الآن.

سلّم إلياس على أشقائه
سلامًا حارًا،
بينما زوجته
سلّمت عليهم
بدموع اشتياق.

وعندما رأى محمود أحفاده
زاد بكاؤه،
فتح لهم ذراعيه،
فاقتربوا من جدهم
وضمّوه بقوة.

كان يقف وينظر إليهم
بعدم تصديق،
لا يصدق أنه يراهم مرة أخرى.

تذكّر حين كان طفلًا
في الخامسة من عمره،
وأخبرهم ألا يتركوه،
لكنهم تركوه.

عرفته ندى
من اللحظة الأولى،
ونطقت باسمه
وهي تقترب منه.

أردف بكلماته
التي جعلتها تبكي:
"قولتيلك
ما تسيبنيش…
بابي ومامي
مش بيلعبوا معايا،
وإنتوا قولتولي
هتيجوا تاني.

لو كنت أعرف
إنكم هتيجوا تاني
بس بعد عشرين سنة،
مكنتش سيبتكم تمشوا."

فتحت له ذراعيها،
فاقترب منها
وهو يضمها ويبكي:
"وحشتيني أوي يا ندى."

"وحشتني أنت أكتر
يا قلب ندى."

شعر بشخص يمسك قفاه،
وأردف بابتسامة مهزوزة:
"ندى بس
اللي وحشتك؟
يالا!"

ابتعد أويس عن زوجة عمه
وضم عمه بحب:
"وحشتني أوي يا إيسو."

"مش أكتر مني."

الجميع تعرّف على الآخر،
والجميع كان سعيدًا
بتلك المفاجأة الجميلة.

ولن أكذب عليكم
إن أخبرتكم
أن هناك جانبًا من إلياس
ما زال يحب أخاه صالح،
الذي لم يخرج من السجن
حتى الآن.

أما عن زوجته،
فقد هربت
وتركت ابنها
في اليوم التالي
لدخول زوجها السجن،
ولم يعلم أحد عنها شيئًا
بعد ذلك اليوم.

الجميع جلس على السفرة،
والضحكات تنتشر في الأرجاء.

قام مدثّر من مجلسه،
وأخرج كاميرته،
وابتعد قليلًا
عن السفرة
حتى يظهر الجميع:

"يلا قولوا تشيــز."

هتف الجميع بصوت واحد
وهو يلتقط أول صورة
مع عائلته:

"تشيــــز."

والآن
يجب أن أقول وداعًا…

وداعًا صامتًا
أكتبه بين حنين وحب
لهذه الرواية.

لا أعلم لماذا أحببتها،
ولكنها تركت في قلبي
شيئًا كبيرًا…
أمانًا
وحنينًا للعائلة.

وشعورًا
بأن الله لا يضيع
تعب أحد
مهما كان.

وفي النهاية
أحب أن أخبركم:

ضعوا أهم شيء في حياتكم
الله عز وجل،
في كل خطوة
وفي كل ثانية.

اجعلوا المصدر الأساسي
هو الله جلّ في علاه.

حزنك،
مرضك،
أي شيء أصابك،
قل لنفسك
إنه خير لك.

وإن لم تنل ما ترضاه،
فالله يضع دعواتك
في المكان الصحيح.

ويارب يكون المكان الصحيح
هو الفردوس الأعلى.

لا تملّ من الدعاء،
ولا تملّ من التقرب إلى الله،
ولا تملّ من التوبة
حتى لو فعلتها
خمس مرات في اليوم
أو أكثر،
فإن الله لا يمل
حتى تمل.

انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
تعليقات